[13] (إذا وصلت إليكم أطراف النعم): أوائلها ومبادئها، فأعدوا لها الشكر وبالغوا في تحصيله، وبعد وصولها إليكم:
(فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر): يعني إذا أسقطتم شكر الأوائل من النعم السابقة كان أدعى إلى عدم وصول النعم التالية، ومنفراً عنها لكفرانها وإسقاط شكرها.
[14] (من ضيَّعه الأقرب): من عشيرته وأقاربه في نصرته ومعاضدته.
(أتيح له الأبعد): قدَّر الله له من لطفه به ورعايته لحقه من يكون منه رحماً بعيدة تنصره وتعاونه وتعضده.
[15] (ما كل مفتون يعاتب): يريد أن كل من أوقع نفسه في فتنة ومحنة شديدة باختيار نفسه، فمنهم من ينفع فيه العتاب فيكف عن ذلك ويرجع عنه، ومنهم من لاينفع فيه العتاب ولا يزيده إلا إصراراً وتمادياً في ذلك، فلهذا قال: ما كل مفتون ينفع فيه العتاب.
[16] (تذل الأمور للمقادير): أي تخضع التصرفات، ويضيع أمرها، ويهون حالها لما قد قدره الله وحتمه، وما كان لا محيص عنه حتى يكون الحكم للمقادير ويبطل أمر التصرفات والعنايات كلها.
(حتى يكون الحتف في التدبير): يعني إذا كان الله تعالى قد أذن بقضاء وقدر فلا بد من إنفاذه، فإذا أراد ذلك أبطل كل عناية وأذهب كل حيلة حتى يجعل الهلاك إذا أراده وقدره في أجمل الأمور وأبعدها عن الهلاك، وهو التدبير، ومع هذا فلا حيلة بعده لأحد من المحتالين.
[17] وسئل أمير المؤمنين عن قول الرسول عليه السلام:
((غيَّروا الشيب، ولا تشبَّهوا باليهود )) ؟
فقال عليه السلام: (إنما قاله صلى الله عليه وآله والدين قُلٌّ): أي قليل حقير ضعيف حاله.
(فأما الآن وقد اتسع نطاقه): النطاق هو: الحبل الذي تشد به المرأة حقوها وتنتطق به، وقيل لأسماء بنت أبي بكر: ذات النطاقين ؛ لما شقت نطاقها بنصفين في جهاز أبيها للخروج إلى الغار مع الرسول.
(وضرب بِجِرَانه): الجران: مقدم عنق البعير، وهو كناية عن التمكن والاستقرار؛ لأن البعير إنما يفعل ذلك عند القرار والتوطن والاستراحة.
(فامرؤ وما اختار): يعني أن الخضاب أمر مباح، وليس واجباً كما هو في ظاهر الأمر، وفي هذا دلالة على أن مذهب أمير المؤمنين أن الأمر متى كان مطلقاً فهو دال على الوجوب كما هو مذهبنا ومذهب المعتزلة، ولهذا تأول الأمر في ذلك بما ذكره، والخضاب إنما يكون بالحمرة، فأما السواد والزرقة فهي مكروهة.
[18] وقال في الذين اعتزلوا القتال معه، يعني عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة :
(خذلوا الحق): يريد بتركهم القتال معي والكون في صفي، ونصرة الحق بهم ظاهرة، فإذا تركوها فهو خذلان لامحالة.
(ولم ينصروا الباطل): يعني لم يكونوا في حزب معاوية متألبين عليّ معه كما كان من أهل الشام، ويحتمل أن يكون مراده من ذلك الأحنف بن قيس، والزبير ومن تابعهما، فإنهم خذلوا الحق بمخالفتهم لي، ولم ينصروا [الباطل] أصحاب الجمل بتأخرهم عنهم.
[19] (من أرخى عنان أمله عثر بأجله): أراد أن كل من استرسل في طلب الدنيا والتعلق بآمالها وما يطمح به من ذلك وقع في عثار الأجل وقطعه عمَّا يأمله منه، فاستعار إرخاء العنان والتعثر بالأجل لهذا المعنى الذي أشرنا إليه.
وفي نسخة: (من جرى في عنان أمله) وكله متقارب.
[20] (أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم): يعني إذا وقع بعض أهل الكرم والمرؤة في عثرة وهفوة وسقط سقطة في شيء من أفعاله وأعماله، فارفعوه عن تلك السقطة، وتداركوه بالصفح والاحتمال عنها.
(فما يعثر منهم عاثر إلا ويد الله بيده ويرفعه ): فإذا برزت العثرة من بعضهم رفعه الله ونهضه وتداركه.
وقوله: يد الله بيده، من باب التخييل، وإلا فلا يد هناك لله تعالى، وإنما هو تمثيل بحال من تكون يده في يدك فتعثر فيقيمك بيده، فهكذا حال الله تعالى مع أهل الكرم والمروءة بالتدارك بالألطاف الخفية.
[21] (قُرِنَتْ الهيبةُ بالخيبةِ): يعني أن كل من هاب أمراً من الأمور عن الوقوع فيه فإنه لا محالة منقطع عن ثمرته وفائدته، ولا يناله لأجل خوفه وفشله عن الوقوع فيه بشيء من ذلك.
(والحياء بالحرمان): يعني ومن استحيى من شيء فهو لا محالة محروم من نفعه، فإذا استحيى عن أخذ العلم حرمه فائدته ومنفعته، وإذا هاب عن الوقوع في الخطر خاب عن ارتفاع الخطر والقدر، فأحدهما كما قال مقرون بالآخر.
(الفرصة تمرُّ مرَّ السحاب): يعني سريعة العجلة لا وقوف لها ولا مهلة، فمن أحرزها أخذها، ومن فوَّتها ذهبت عنه، كما قال عليه السلام في الشفعة: ((إنها كنشطة عقال، وإنها لمن واثبها )) .
(فانتهزوا فرص الخير): استعجلوها وأحرزوها بالتدارك.
[22] (لنا حق): يريد الإمامة.
(فإن أعطيناه): فهو لنا ونحن أهله.
(وإلا ركبنا أعجاز الإبل): عجز البعير هو: مركب شاق.
(وإن طال السُّرى): وهو سير الليل، وأراد أنَّا إن مُنِعْنَا حقنا تحملنا المشقة وصبرنا عليها، وهذا من الكنايات اللطيفة، فإٍنه جعله هاهنا كناية عن الذلة، وذلك أن الرديف يركب عجز الإبل كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما.
[23] (من أبطأ به عمله): قعد به.
(لم يسرع به حسبه): وأراد أن كل من لم تكن أعماله حسنة مرضية لله تعالى لم ينفعه شرف آبائه وعلو منصبه.
[24] (من كفارات الذنوب العظام إغاثة المظلوم ): أراد أن الواحد إذا أعان مظلوماً أو أغاث ملهوفاً، واللهف هو: الحزن والتحسر على الشيء، فإن الله تعالى يلطف له ويوفقه لتحصيل التوبة عن الذنوب العظيمة، والكبائر الموبقة، ولا بد من حمله على ما ذكرناه؛ لأن شيئاً من الطاعات وإن عَظُمَ حاله فإنه لايكفرها؛ لأن ثوابها ينحبط لأجل الكبيرة فكيف يكفرها .
(والتنفيس عن المكروب): يكون مكفراً أيضاً على التقرير الذي ذكرناه، ونفس عليه الكرب إذا سهله، والكرب: الضيق.
[25] (يا ابن آدم، إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه): يوصلها إليك كاملة مرة بعد مرة.
(فاحذره): فكن منه على وجل وحذر، يريد أن ذلك لا يمتنع أن يكون استدراجاً للأخذ، وإملاءً كما قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[الأعراف:182-183].
من كلامه عليه السلام (26-50)
[26] (ما أضمر أحد شيئاً): أسره في نفسه وكتمه.
(إلا ظهر في فلتات لسانه): أي عثراته وسقطاته.
(وصفحات وجهه): صفحة الوجه: بشرته.
[27] (امش بدائك ما مشى بك): يعني إذا لم يقعدك الداء ولم يعجزك عن المشي فامش وتجلد، وهو خارج مخرج الأمثال في الإغضاء عن أكثر ما يعرض من المشاق، وترك الالتفات إليها مهما أمكن.
[28] (أفضل الزهد): أعلاه حالة عند الله تعالى، وأعظمه فضلاً.
(إخفاء الزهد): وهو زهد القلوب؛ لأنه هو النافع بخلاف ما يظهر منه فإنه لايؤمن فيه الرياء، ولهذا ترى كثيراً ممَّن يدعي التصوف بزعمه، يلبس المرقعات، ويظن أن هذا هو غاية الزهد، وهذا هو الغرور بعينه، وفي الحديث: ((حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغلبون سهر الحمقى واجتهادهم)) .
[29] (إذا كنت في إدبار): بذهاب عمرك يوماً فيوماً وساعة فساعة.
(والموت في إقبال): عليك، تقطع المسافة إليه.
(فما أسرع الملتقى): لأنك تسير إليه، وهو في غاية السرعة إلى لقائك.
ويحكى أنه صلى الله عليه وآله أخذ ثلاثة أعواد - أعني الرسول عليه السلام- فغرز عوداً بين يديه والآخر إلى جنبه.
وأما الثالث فأبعده، ثم قال: ((تدرون ما هذا؟))
فقالوا: الله ورسوله أعلم.
فقال: ((هذا هو الإنسان، وهذا الأجل إلى جنبه، وذاك الأمل يتعاطاه ابن آدم، فيختلجه الأجل دون الأمل)) .
[30] (الحذر الحذر): يريد ترك الاغترار بحلم الله وجميل ستره.
(فوالله لقد ستر): على ابن آدم المعاصي، وأسبل عليه الغطاء.
(حتى كأنه غفر ): لأن الستر كما يكون مع المغفرة، فهو يكون أيضاً مع الحلم والإغضاء.
[31] وسئل عليه السلام عن الإيمان؟ فقال:
(الإيمان على أربع دعائم) .
سؤال؛ قال ها هنا: الإيمان على أربع دعائم، وعن الرسول أنه قال: ((بني الإسلام على خمس :
شهادة أن لا إله إلى الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والصوم)).
وقال أمير المؤمنين: (الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد)، فما التفرقة بينهما فيما قالاه؟
وجوابه؛ هو أن الإيمان على وجهين: عام، وخاص.
فالعام: هو الذي يكون فيه إحراز الرقبة عن القتل وإحراز الأموال عن الأخذ، وهذا هو مراد الرسول صلى الله عليه وآله، فإن غرضه ذكر الإيمان الذي يكون حاله ما ذكرناه.
وأما الخاص فهو إنما يكون بالأعمال الصالحة، وهو الذي أراده أمير المؤمنين بما ذكره، ولهذا قرره على هذه الخصال الأربع، وهي عمدة التقوى وقاعدتها ومهادها على ما يندرج تحتها من الشعب والتفاريق، كما سنوضحه في شرح كلامه بمعونة الله تعالى، فحصل من هذا أن كلام الرسول وأمير المؤمنين في غاية الملائمة، وأن مراد الرسول ذكر الخصال في الإيمان التي يحرز بها نفسه عن السيف ويتميز به عن الكفار، وأن غرض أمير المؤمنين ذكر خصال التقوى وما يكون به محرزاً لدرجتها.
(فالصبر منها على أربع شعب): يريد أن أصل قواعد الإيمان الخاص هو الصبر، وهو مقرر على أمور أربعة:
(على الشوق): إلى لقاء الله والجنة.
(والشفق ): من غضب الله والنار.
(والزهد): في الدنيا والإعراض عنها.
(والترقب): للموت وأهوال يوم القيامة.
(فمن اشتاق إلى الجنة): طرب إلى الخلود فيها، ومرافقة الأنبياء والأولياء والصالحين.
(سلا عن الشهوات): أعرض عما يشتهيه في الدنيا، وأقبل بوجهه إلى الآخرة.
(ومن أشفق من النار): خاف من مواقعتها، والكون مع الشياطين والمنافقين وأهل الكفر والفسوق.
(اجتنب المحرمات): جميع ما نهى الله عنه، وأوعد على فعله بالنار.
(ومن زهد في الدنيا): أعرض عن لذاتها وصرف وجهه عن طيباتها.
(استهان بالمصيبات): هون في نفسه ما يصيبه منها ويلم بحاله ويغشاه.
(ومن ارتقب الموت): انتظره وراعاه حتى يصل إليه وتحقق وصوله.
(سارع في الخيرات): حث في فعلها والإكثار منها، فهذه كلها دعامة الصبر، مشتملة على هذه الخصال.
(واليقين منها على أربع شعب): أراد أن تحقق الأمر وهو أمر الآخرة والنجاة مبني:
(على تبصرة الفطنة): على أن يكون ذا بصيرة في الأمور وفطنة فيها، ليس مغفلاً عما يراد به من ذلك، ولا لاهياً عنه بغيره.
(وتأول الحكمة): وأن يكون موءوِّلاً للحكم، مصرِّفاً لها على وجهها.
(وموعظة العبرة): وأن يكون معتبراً بالمواعظ، مقبلاً إليها.
(وسنة الأولين): من الأنبياء وأهل الصلاح ممن تقدم، كما قال تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا }[الإسراء:77]، وقال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ }[غافر:85].
(فمن تبصَّر في الفطنة): تفكر وكان فطناً لأخذها والعمل بها، والمواظبة على فعلها.
(تبيَّنت له الحكمة): عرفها واستبانت له من وجوهها، وظهرت له علومها، والحكمة هي: العلم بالله تعالى، وسلوك طريق الآخرة وتحققها، والإقبال عليها، فمن أحرز هذا فهو الحكيم بعينه.
(ومن عرف الحكمة): قطع بها، وكان مبصراً لها بعينه.
(عرف العبرة): كان متيقناً للموعظة منتفعاً بها.
(ومن عرف العبرة): أحرز الاتعاظ لنفسه وخاض فيه، وكان على حقيقة من حاله.
(فكأنما كان مع الأولين): من الأنبياء والأولياء، لأن هذه هي حالتهم، فمن أحرزها وعمل بها فكأنما كان مشاهداً لأحوالهم وطرائقهم في ذلك، فهذه الأمور كلها دعامة اليقين.
(والعدل منها على أربع شعب): يعني أن الاستقامة على الأحوال الدينية كلها ومراقبة النفس، وحفظها عما يهلكها مبنية:
(على غائص الفهم): غاص في الشيء إذا خاضه، وغوص الفهم هو: التبحر في العلوم والدقة فيها.
(وغور العلم): غارت عينه إذا دخلت، وأراد و الدخول في أغوار العلوم ، وإظهار ما هو كامن فيها والانتفاع به.
(وزهرة الحِكَمِ): المراد بالحِكَمِ الحكمة ها هنا، وأراد غضارتها وحسنها ونور بهجتها، وزهرة النبات: نوره.
(ورساخة الحلم): وأن يكون حلمه راسخاً متأصلاً ليس مسرعاً إلى الطيش والفشل وكثرة الانزعاج.
(فمن فهم): تحقق وتيقن، واستبصر في أموره كلها.
(علم غور العلم): أقصاه وخلاصته، وكان مشتملاً على الصفو منه والنقاوة.
(ومن علم غور العلم): أحاط بالأسرار منه.
(صدر عن شرائع الحكم ): أصدر أمره على الحكمة، وكان قائماً بشريعتها وأمرها؛ لأن هذا هو شأن الحكيم، والأمر الذي يكون عليه أمره.
(ومن حكم لم يُفرِّط في أمره): يعني ومن كان حكيماً فإن من شأنه ألا يكون مفرطاً مسهلاً في إتقان حاله وإصلاح نفسه.
(وعاش في الناس حميداً): محمودة آثاره، مشكورة أفعاله، فهذه كلها دعامة العدل، مقررة على هذه الخصال.
(والجهاد على أربع شعب): ليس الغرض ها هنا جهاد النفس، وإنما الغرض هو جهاد أعداء الدين بالسيف، وذلك لأن الجهاد أمران:
أحدهما: جهاد النفس بالكف عن هواها، وهو أعظم الجهاد، وقد أشار إليه بما ذكره من الخصال المتقدمة.
وثانيهما: جهاد أعداء الله بالسيف، وهو مبني:
(على الأمر بالمعروف): على إتيان الواجبات كلها، وما أمكن من المندوبات.
(والنهي عن المنكر): الكف عن القبائح كلها.
(والصدق في المواطن): يعني إبلاء العذر في القتال والصدق فيه، كما أشار إليه تعالى بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا }[الأنفال:45].
(وشنآن الفاسقين): بغضهم وكراهتهم لله تعالى، ولمخالفتهم للدين وإهمالهم له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }[المائدة:51].
(فمن أمر بالمعروف): حضّ عليه وحث واجتهد في أدائه.
(شد ظهور المؤمنين): قواها لما فيه من تكثير أعدادهم، وتقوية أحوالهم في ذلك.
(ومن نهى عن المنكر): منع منه وكف من وقوعه.
(أرغم أنوف المنافقين): يقال: أرغم الله أنفه أي ألصقها بالتراب.
(ومن صدق في المواطن): ثبتت قدمه في مواضع الحرب، ولم يفر عنها، وينكص على قدمه متأخراً.
(قضى ما عليه): من الواجب لله تعالى في جهاد أعدائه.
(ومن شنئ الفاسقين): أبغضهم وكره أحوالهم كلها.
(وغضب لله): أي من أجل دينه.
(غضب الله له): أي من أجله، وغضب الله عبارة عن إنزال العقوبة وإيصال العذاب.
(وأرضاه يوم القيامة): إما بإعطائه رضوانه كما قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ }[التوبة:72]، وإما بالفوز بالجنة ونجاته من عذابه، فهذه هي دعائم الإيمان مقررة على ما ذكرناه، وفيما ذكره ها هنا من حقيقة الإيمان إشارة إلى ما يقوله أهل التصوف من حقائق المعاملة وسلوك طريق المكاشفة.
(والكفر على دعائم أربع ): يعني أن الكفر هو نقيض الإيمان وضده، وهو مقرر على صفات تعاكس ما ذكره في الإيمان.
(على التعمق): في الأشياء، وهو التقعر فيها، والتعسف في أحوالها.
(والتنازع): المنازعة واللجاج، والخصومة.
(والزيغ): الميل عن الطريق، والإعراض عن سلوك الحق.
(والشقاق): المعاداة، والمخاصمة الشديدة.
(فمن تعمق لم يُنِبْ إلى الحق): تقعر وتعسف الأشياء كلها، فليس براجع إلى الحق، ولا منقلب إليه.
(ومن كثر نزاعه): خصومته، ولجاجه.
(بالجهل): متجاهلاً.
(دام عماه عن الحق): لأن المنازعة بالجهل لا تزيد إلا عماء عن الحق وزيغاً عنه.
(ومن زاغ ساءت عنده الحسنة): مال عن الحق، جهل حال الحسنة فاعتقدها سيئة.
(وحسنت عنده السيئة): لجهله بحالها، وعدم معرفته بأمرها.
(وسَكِرَ سُكْرَ الضلالة): أراد أن الضلالة هي التي أسكرته حتى لم يدر ما هو فيه، كما يكون حال السكران من الخمر فإنه لايشعر بحاله، ولا يدري بأمره في ذلك.
(ومن شاقَّ): خاصم ونازع الناس.
(وعرت عليه طرقه): استصعبت عليه المسالك، وتوعر عليه سلوكها.
(وأعضل عليه أمره): أعضل الأمر إذا اشتد وصعب حاله.
(وضاق عليه مخرجه): عما هو فيه من الحيرة، فلا يستطيع ذهاباً ولا حيلة في ذلك.
(والشك على أربع شعب): يريد الشك في الدين مبني:
(على التماري): وهو المماراة، والمجادلة بالباطل.
(والهول): وهو ما يهول من الأمور، ويعظم حاله.
(والتردد): وهو التحير.
(والاستسلام): الانقياد في المهالك.
(فمن جعل المراء ديدناً): الديدان: الدأب والعادة، قال الراجز:
ولا تزال عندهم ضيفانه
ديدانهم ذاك وذا ديدانه
وأراد أن من جعل المِرَاء عادة له وَدَأْباً :