وجوابه؛ هو أن الكتاب والسنة حجتان من حجج الله تعالى على خلقه، وعليهما التعويل في جميع اقتباس الأحكام من التحليل والتحريم، وغير ذلك من الأحكام الشرعية، خلا أن القرآن لما كان المقصود منه الإعجاز والإفحام لمن تحدي به من سائر الفصحاء، وكان لا محالة لاشتماله على البلاغة والفصاحة، اللفظة الواحدة محتملة لمعاني كثيرة، وتحمل على أوجه متعددة، ومن أجل هذا قد بلغ في الفصاحة والبلاغة كل مبلغ، والسنة ليس المقصود منها الإعجاز والإفحام، وإنما المقصود منها البيان والإيضاح للمقاصد، فلا جرم لم يكن احتمالها كاحتمال القرآن، فلا جرم أمره بما ذكرناه، لما كانت تصريحاتها أكثر في ذلك.
(77) ومن كتاب له عليه السلام في أمر الحكمين جواباً لأبي موسى الأشعري
ذكره سعيد بن يحيى الأموي في (المغازي) :
(فإن الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من خطهم ): يعني أن كثيراً من الخلق قد غيَّروا كثيراً من طرائقهم المحمودة التي كانوا عليها.
(فمالوا مع الدنيا): إلى أطماعها وزهرتها.
(ونطقوا بالهوى): من جهة أنفسهم وآرائهم، وليس نطقهم بالحق ولا على موافقته، وإنما [كان ذلك] لما تابعوا الدنيا نطقوا وتكلموا بما يهوونه من أنفسهم.
(وإني نزلت من هذا الأمر منزلاً معجباً): يريد إن إمامتي وخلافتي أمر يستطرف منه ويعجب كل أحد، لما فيه من اتباع الحق وترك الانقياد للأهواء.
(اجتمع به أقوام):قالوا به ودخلوا فيه.
(أعجبتهم أنفسهم): أعجبوا بآرائهم، واستهواهم الإعجاب بأنفسهم، يشير بذلك إلى أبي موسى، فإنه من جملة أصحابه وأعوانه، ولكنه أعجب برأيه.
(فإني أداوي منه قرحاً): أي جرحاً عظيماً، قال الله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ }[آل عمران:140].
(أخاف أن يكون عَلَقاً): أي لازماً، والعلق بالفتح: ما لزم، يقال: أصاب ثوبي علق وهو ما يمسكه ويكون لازماً له.
(وليس رجل أحرص على جماعة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم): على اجتماعهم وكونهم مؤتلفين.
(وألفتها): أن تكون قلوبهم واحدة على الحق.
(مني): فإني أعظمهم محبة لذلك، وأقواهم شهوة له.
(أبتغي بذلك حسن الثواب): الدرجات العالية عند الله.
(وكرم المآب): وعظم المنزلة الرفيعة عند الله تعالى.
(وسأفي بالذي وأيت من نفسي): أوفي لله تعالى بما وعدته من ذلك،والوأي: الوعد.
(وروَّأت): يقال: روَّأت في الأمر إذا نظرت فيه وتفكرت في أحواله، وأراد أنه وافٍ بما وعد، وبما نظر فيه وتفكر في عاقبته من أمور الأمة.
(وإن تغيَّرت عن صالح ما فارقتني عليه): يشير إلى أبي موسى، وظاهر كلامه أنه كان يوم فارقه على الطريقة الحسنى، ولازم للخصلة المثلى.
(فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل والتجربة): أراد أن أعظم الشقاوة في الإنسان أن يؤتيه الله تعالى عقلاً وافراً وتجربة في الأمور عظيمة ، ثم يحرم نفع ذلك، ولا يلحقه خيره.
(وإني لأَعْبَدُ): لآنف وأحتمي.
(أن يقول قائل بباطل): أن في موضع نصب على نزع الجار، أي عن أن يقول أحد من الأمة بباطل مخالف للحق.
(وأن أفسد أمراً قد أصلحه الله): وأن يكون ساعياً بفساد أمر قد أذن الله بصلاحه واستمراره.
(فدع ما لاتعرف): من الأمور، فإن خوض الإنسان فيما لا يعرفه جهالة لأمره وخبط في حاله.
(فإن شرار الناس طائرون إليك بأقاويل السوء): شبه حالهم بما يسعون به من النميمة، والإغراء بالباطل، والسعي بالفساد في الإسراع والخفة والعجلة بسرعة الطيران.
(78) ومن كتاب له عليه السلام إلى أمراء الأجناد لما استخلف
(أما بعد، فإنما هلك من كان قبلكم): يريد من الأمم والقرون الماضية.
(أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه): يعني من جهة أخذ الحق وتناوله، فاشتروه منهم بدفع الأعواض النفيسة ليصلوا إليه.
(وأخذوهم بالباطل فافتدوه ): يعني وقهروهم فأخذوا منهم الباطل فافتدوه، والضمير في قوله: فافتدوا للباطل أي فافتدوا الباطل عن أن يكون مأخوذاً منهم.
وبتمامه يتمُّ الكلام في الكتب والوصايا وهو آخر القطب الثاني، ونشرع الآن في شرح القطب الثالث [إنشاء الله] .
القطب الثالث في المختار من الحكم والأجوبة
للمسائل والكلام القصير من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه الخارج في سائر أغراضه ومقاصده
اعلم: أن الحِكَمَ جمع حكمة نحو سِدْرَة وسدر، والحكمة هي: العلم، والحكيم هو: العالم بالأمور كلها المتقن لها، وقد حكُم الرجل بضم الكاف أي صار حكيماً، قال الشاعر:
وابغض بغيضك بغضاً رويداً
إذا أنت حاولت أن تحكما
يريد إذا طلبت أن تكون حكيماً عالماً، واشتقاق الحكمة من قولهم: أحكمت الشيء فاستحكم أي صار محكماً، ومنه حكمة اللجام؛ لأنها مانعة لها عن التقحم على خلاف مراد الفارس، وإنما سميت حكمة لأنها مانعة عن فعل كل قبيح، قال جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
إني أخاف عليكم أن أغضبا
يقال: حكمت السفيه إذا أخذت على يده، فمن أخذ بالحِكَم وكان منقاداً لها سامعاً لأقوالها منعته عن أكثر الهوى.
ونحن الآن نورد ما أَثُرَ عنه عليه السلام من الحكم النافعة والآداب البالغة ما فيه بلاغ لمن اتعظ به، وشفاء لمن اعتمد عليه، وهو آخر الأقطاب الثلاثة المقرر عليها (نهج البلاغة).
من كلامه عليه السلام (1-25)
قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه:
[1] (كن في الفتنة كابن اللبون): أراد بابن اللبون ولد الناقة إذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة؛ لأن أمه قد وضعت ولداً غيره فصار لها لبن، واللام فيه لتعريف الجنس، وغرضه من هذا كن في الحرب مستضعفاً غير جامع للمال، بحيث لايطمع فيك لأجل قوتك، ولا في مالك لقلته.
(لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب): أي أنه لم ينته إلى حالة الركوب فيكون مركوباً، ولا هو مما يحلب فيكون ذا لبن.
[2] (أزرى بنفسه من استشعر الطمع): الشعار من الثياب: ما يلي الجسم، وأراد تهاون بنفسه من جعل الطمع شعاراً له.
(ورضي بالذل من كشف ضره): أراد أن من أظهر ضعف حاله للناس فقد ذل في أعينهم.
(أهان نفسه من أمرَّ عليها لسانه ): يعني من جعل لسانه أميراً على نفسه بحيث لايقدر على ضبطه وكفِّه فقد أهان نفسه، إما بأن يتكلم كلاماً يورده في المتالف العظيمة والمهالك الخطرة، وإما بأن يؤذي الناس فلا يبقى له عندهم قدر، وربما آذوه كما آذاهم، وفيه ما لا يخفى من الهوان بالنفس وإسقاطها.
[3] (البخل عار): العار: كل أمر يكسب صاحبه الذم واللوم، وهذا حال البخل، فإن صاحبه مذموم ملوم في كل حال.
(الجبن منقَصة): نقصته إذا عبته، والمنقَصة بفتح القاف هي : العيب، وأراد أن الجبن الذي هو خلاف الشجاعة ونقيضها، وفي الحديث: ((الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ )) ، وأراد أنه من أعظم العيوب في الإنسان:
(الفقر يخرس الفطن عن حجته ): أراد أن الرجل إذا كان فقيراً فربما تقاعد عن نصرة حقه؛ لما يلحقه من المذلة بالفقر، وتهاون الناس به، وعن هذا قال بعضهم:
عبيد ذي المال وإن لم يطمعوا
من غمرة في جرعة تشفي الصدى
وهم لمن أملق أعداء وإن
شاركهم فيما أفاد وحوى
(الْمُقِل غريب في بلدته): لأن الغريب تعتريه المذلة لا محالة لمكان وحشته بالغربة، وهكذا حال الْمُقِل يلحقه مثل ذلك، وإن كان في بلده وبين عشيرته، ولهذا قال بعضهم: المال في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة، يشير به إلى ما ذكرناه.
[4] (العجز آفة): يعني أن كل من عجز عن حفظ نفسه ومنعها عن اتباع الشهوات، وعن كسب الأموال من وجهها، وعن مكافأة الأعداء فقد لحقته الآفة.
(والصبر شجاعة): لما فيه من تحمل المشاق العظيمة، فلا بد من أن يكون شجاعاً عليها.
(الزهد ثروة): الثروة: كثرة المال، وأراد أن نفوس الزهَّاد قانعة بالزهادة مطمئنة إليها، كما أن نفوس أهل الأموال قانعة بالثروة وساكنة إليها، فلهذا قال: الزهد ثروة، يشير إلى ما ذكرناه، أو يريد أن من كثر زهده في اللذات الدنيوية عظم ثراؤه في المال وكثر لقلة الإنفاق فيها ، والوجه هو الأول.
(الورع جُنَّة): الْجُنَّة:ما سترك من ثوب أو قميص، وأراد [أنه ساتر عن جميع مداخل الشك، أو أراد] أنه من أعظم الجنن عن النار وأجودها حالاً في الوقاية عنها.
(نعم القرين الرضا): يشير إلى أن الرضا من أجود ما يقارن الرجل من الخلائق والشيم؛ لأنه إذا كان راضياً بحاله كان أقر الناس عيناً وأهنأهم عيشاً؛ لرضاه بما هو فيه، ولهذا قيل لبعض الحكماء: من أهنئ الناس عيشاً؟
فقال: أرضاهم بحاله كائناً من كان، وفي الحديث: ((إن الله بلطفه جعل الرَوْحَ والراحة في الرضا واليقين ، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط)) .
[5] (العلم وراثة كريمة): يعني أنه لا ميراث أفضل من ميراث العلم، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((العلماء ورثة الأنبياء )) ، وغرضه أنه يشرف صاحبها بوراثتها، ويعظم حاله، ويكمل أمره.
(الآداب حلل مجددة): يشير إلى أنه بمنزلة الملابس كلما دخل في أدب وألزمه نفسه كان بمنزلة من يلبس خِلْعَة جديدة، وأنواعه كثيرة، وضروبه مختلفة.
(الفكر مرآة صافية): ولهذا يطلع به على كل ما خفي من الأمور الدقيقة، كما أن المرآة ترى فيها عند الاطلاع كل صغير وكبير من المحسوسات المدركة.
[6] (وصدر العاقل صندوق سره): يعني أن كتمان السر من شروط العقلاء؛ لما فيه من ملك الأمر والحكم على النفس.
(البشاشة حبالة المودة): رجل بش إذا كان طلق الوجه.
قال ابن السِّكيِّت في (إصلاح المنطق): يقال: لقيته فتبشبش بي، وأراد هنا أن طلاقة الوجه وسَبَاطَة الخلق هو وصلة المودة وحبالتها التي يُصطاد بها، ومنه حبالة الصائد وهي: شَرَكَه التي يصيد بها.
(الاحتمال قبر العيوب): يعني أن من كان من شيمته الاحتمال للأذى والصبر على مكارهها فهو تغطية لذكر المعايب؛ لأنه مهما كان محتملاً فإنه لايبدو منه شيء منها فهي بمنزلة المقبورة.
وفي رواية أخرى في العبارة عن هذا المعنى:
(المسالمة خَبْءُ العيوب): أراد أن المصالحة بين الناس إذا وقعت فعيوبهم لا محالة مستورة؛ لأنهم مع ذلك لايذكر بعضهم عيب بعض.
[7] (ومن رضي عن نفسه كثر الساخط عليه): يعني أن كل من أرضى نفسه باتباع هواها والانقياد له، فإنه يكثر من يسخط عليه ويمقته من الخلق، ومن جهة الله تعالى؛ لأنها لا تهوى إلا ما يكرهه الله ويكرهه الخلق، فلهذا سخطوا عليه.
(الصدقة دواء منجح): للمرضى، وفيه غاية الشفاء، وفي الحديث: ((داووا مرضاكم بالصدقة )) .
(أعمال العباد في عاجلهم): يعني أن كل ما فعله الإنسان من الأعمال في الدنيا العاجلة، فهو:
(نصب أعينهم في الآجلة ): فكأنه شيء منصوب بين أعينهم، ينظرون إليه ولا ينظرون إلى سواه، ولا ينفعهم في الآخرة إلا هو.
[8] (اعجبوا لهذا الإنسان): تفكروا في عجيب خلقته ، ودقيق الإحكام في تركيبه وصنعته، وما اشتمل عليه من البدائع الغريبة، والإتقانات المحكمة العجيبة في خلقته كلها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }[الذايات:21].
(ينظر بشحم):وهما العينان فإنهما شحمتان مركبان على جهة التدوير من طبقات سبع، وثلاث رطوبات مختلفة ، هكذا شرحه الأطباء، وفيها لطائف ودقائق في الإدراك لا يحيط بعجائبها إلا الله تعالى ، وهي آلة في الإدراك.
(ويتكلم بلحم): وهو اللسان، وهو مركب من لحم وعصب، وهو متصل بالمعدة، ومنفعته: الكلام وتقليب الطعام، والإعانة على بلع الغذاء.
(ويسمع بعظم): وهو الأذن، وهي مركبة من هذا الغضروف ، ومنفعتها: لرد الصوت إلى الصِّماخ ؛ لأن السماع إنما هو به.
(ويتنفس من خرم): وهي الأنف، فإنها مركبة على هذه الاستطالة، ومنفعتها: الشم للروائح، إلى غير ذلك من هذه الأعضاء كالرئة والكبد والطحال والمعدة والمعاء، وكل من هذه الأشياء مركب تركيباً بديعاً يليق بمنفعته، يخالف تركيب الآخر، فسبحان من نفذ في الإتقان علمه، ومضى بعجيب القضاء أمره وحكمه!
[9] (إذا أقبلت الدنيا على قوم): يعني مكنتهم من منافعها وجمالها وهيئتها ونظارتها.
(أعارتهم محاسن غيرهم): يشير إلى أنها كانت قبلهم مع غيرهم، فإذا جاءتهم فإنما هو على جهة العارية لهم من غيرهم أياماً قليلة.
(فإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم): لأنهم إذا نعموا فيها، وتحلوا بما كان معهم من زينتها، وأعجبوا بحالها فصارت هذه الزينة مختصة بهم منسوبة إلى أحوالهم ، فإذا زالت عنهم أزالت ما كان عليهم منها، من المحاسن مما اختصوا وصار لهم، فلهذا قال: سلبتهم محاسن أنفسهم بإدبارها عنهم، يشير إلى ما قررناه.
[10] (خالطوا الناس مخالطة): تكون صلاحاً لأحوالهم، وعوداً عليهم بالمنافع الحسنة في الدين والدنيا.
(إن متم معها بكوا عليكم): فقداً لما كانوا يعهدون من ذلك.
(وإن عشتم حنوا إليكم): اشتاقوا إلى ما يألفون من أخلاقكم، ويتحققونه من شيمكم.
[11] (إذا قدرت على عدوك): يريد بالانتصار عليه، والقهر له.
(فاجعل العفو عنه شكراً للمقدرة عليه): يريد فإن إقدار الله لك عليه بالانتصار هو من أعظم النعم وأعلاها حالاً، ولا بد لهذه النعمة من شكر، فاجعل العفو عنه هو شكرها، والوافي بحقها لله تعالى.
[12] (أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان): يشير إلى أنه لا عجز أعظم منه؛ لما فيه من المنفعة الدنيوية، وهو المناصرة والمعاضدة على من أرادك بسوء وهمَّ بقهرك، ولما فيه من منفعة الآخرة بالمعاونة على الطاعة ومحادثة القلوب بذكر الله، والاجتماع على ما يرضيه.
(وأعجز منه من ضيَّع من ظفر به منهم): يعني أن الأول وإن كان عاجزاً لما أشرنا إليه من المصلحة بذلك، لكن هذا يكون لامحالة أدخل في العجز لتفريطه في الإضاعة، ولجهله بالموقع من أحوالهم، ولهذا ضيعهم من أجل جهله.