(ولم يلحقوا بعدل): من جهة معاوية، وإنما طمعوا في الدنيا ونظارتها وزهرتها وغضارتها، ونفروا من مرارة العدل وكون الناس مستويين فيه.
(وإنا لنطمع في هذا الأمر): يعني الخلافة.
(أن يذلل الله لنا صعبه): ما يصعب فيه فيكون ذليلاً.
(ويسهل لنا حزنه): الحزن: المكان الجرز .
(والسلام عليك ): منَّا.
(71) ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي ، منسوب إلى بني عبد الله أو بني عبد ، وقد خان في بعض ولاياته من أعماله
(أما بعد؛ فإن صلاح أبيك غرَّني منك): يريد أن أباك لما كان صالحاً سالكاً لطريق السلامة والخير، وربما غلب على الظن سلوك الولد طريق والده في الصلاح.
(وظننت أنك تتبع هديه): الهدي هو: السمت الحسن.
(وتسلك سبيله): تأتي على طريقته .
(فإذا أنت فيما رقِّي إليَّ عنك ): ارتفع إليَّ من أخبارك واطلعت عليه من ذلك، ومنه قولهم: رقى السُلَّم إذا طلعه، قال الله تعالى: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ }[الإسراء:93].
(لا تدع لهواك انقياداً): إلا سلكته وأخذت في طريقه.
(ولا تبقي لآخرتك عتاداً): أي شيئاً تُعِدُّه لها، وتهيِّئه من أجلها، كما قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً }[النساء:37]، أي هيأنا ذلك لهم.
(تعمر دنياك بخراب آخرتك): أراد أنك تنعم في الدنيا بأكل الطيبات، وخضمها وقضمها، وهذا هو عمارة الدنيا، وخراب الآخرة بإبطال العمل لها، والإعراض عنها في كل حالة.
(وتصل عشيرتك): بأموال الله المتروكة على يدك.
(بقطيعة دينك): إبطاله وهدمه، وإنفاق أموال الله تعالى في غير وجهها، وصرفها في غير أهلها.
(ولئن كان ما بلغني عنك حقاً): من الخيانة في أموال الله، وإعطائها من لا يستحقها.
(لَجَمَلُ أهلك): جعل هذا كناية عن ذله واستحقاره، لأن جمل الأهل هو الجمل الذي يكون ميراثاً بينهم من أبيهم، يستعمله كل واحد منهم، ويمتهنه كل منهم في حاجته من غير صيانة.
(وشِسْعَ نعلك): الشسع: واحد الشسوع للنعل، وهو سيره الذي يشدُّ به إلى السير الجامع لها في ظهر الكف.
(خير منك وممن كان بصفتك): في قلة الأمانة، وعدم الثقة فيما هو بصدده، وفيما هو مولى عليه من ذلك.
(فليس بأهل أن يُسَدَّ به ثغر ): الثغر مرَّ تفسيره، وأنه أبداً لا يؤهل لأمور الحرب.
(أو يُنْفَذَ به أمر ): من الأمور الدينية.
(أو يعلى له قدر): ترفعه على غيره.
(أو يشرك في أمانة): يستحفظ وديعة، أو يكون شريكاً في حفظها.
(أو يؤمن على جباية): على ما يجبى من الأموال، ويكون حفيظاً عليها.
(فأقبل إليَّ حين يصلك كتابي هذا إن شاء الله): وهذه أمارة عزله عن الولاية؛ لأن ما تقدم من الكلام يدل عليه ويرشد إليه، والمنذر هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين:
(إنه لنظَّار في عِطْفَيْهِ): عطفا الرجل: جانباه من لدن رأسه إلى وَرِكه ، ويقال: فلان ثنى عطفه عني إذا أعرض عنك.
(مختال في بُرْدَيْه): اختال الرجل في مشيه من الخيلاء.
(تفَّال في شِراكَيْهِ): يعني إذا ركب شراكه غبار تفل فيه فأزاله، والتفال هو: البزاق، وأراد في هذا كله بيان رعونته وحمقه، وتخايله وتكسره واسترخائه عند سيره.
(72) ومن كتاب له [عليه السلام] إلى عبد الله بن العباس رضي الله عنه
(أما بعد؛ فإنك لست بسابق أجلك): يعني أنك لا تتقدم عنه ولا تتأخر، تصديقاً لقوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }[الأعراف:34].
(ولا مرزوق ما ليس لك): يعني ولا ترزق ما لم يكن رزقاً لك عند الله تعالى.
(واعلم بأن الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك): يريد أن الدهر لاينفك عن ذلك، وأن حكمه جار على هذه الحالة، واليوم الذي يكون عليه هو ما يلحقه فيه من الضر والبؤس، واليوم الذي له هو ما يلحقه فيه من النعماء والخير.
(وأن الدنيا دُوَلٍ): أحوال متداولة بين الخلق، وأمور متعاقبة.
(فما كان منها لك أتاك على ضعفك): يريد ما كان مقدَّراً لك وصوله أتاك وإن ضعفت عن نيله.
(وما كان منها عليك): تكرهه وتحذر من وصوله.
(لم تدفعه بقوتك ): يعني من المصائب والبلاوي، وقد مر هذا الكلام في غير هذا الموضع.
(73) ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية
(أما بعد؛ فإني على التردد في جوابك): أقلب رأيي ظهراً لبطن.
(والاستماع إلى كتابك): أرجعه مرة بعد مرة.
(لموهِّن رأيي): الوهن: الضعف.
(ومخطِّئ فراستي): ثاقب نظري ونافذ فكرتي وصدق ظني وحسنه، وأراد من هذا كله استضعاف رأيه في الإجابة لمعاوية، إذ لم يجعل جوابه السكوت والإعراض عنه والاستحقار بحاله، كما قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً }[الفرقان:63].
(وإنك إذ تحاولني الأمور، وتراجعني السطور): يعني وإنك فيما تحاول من الأمور، وتطلبها مني، وتريد مني المساعدة لك فيها، وتراجعني بكتبك طالباً لأغراضك فيها:
(كالمستثقل النائم): الثقيل: المسترخي لكثرة نومه وتهالكه فيه.
(تكذبه أحلامه): يرى في نومه أحلاماً كاذبة.
(والمتحير القائم يبهظه مقامه): والمتردد في حال قيامه لا يدري ما يفعل من أموره، يثقّله مكانه الذي هو فيه فلا يستقر فيه، والمعنى في هذا هو أنه شبه حال معاوية بما يطلب من الأمور ويراجع بالكتب بمن استثقل في نومه، وغلبه النوم، فهو يرى أحلاماً كاذبة لا حقيقة لها، ولا يصدق منها شيء بحال، فأنت فيما أنت فيه مشبه بحال من:
(لا يدري أله ما يأتي): من الأمور.
(أم عليه): وهذا منه عليه السلام استجهال آخر بحال معاوية، فإن من لايدري ما يأتي من الأمور وما يذر فهو في غاية الجهالة، وركوب أعظم ما يكون من الضلالة.
(ولست به): يعني أنك لست نائماً.
(غير أنه بك شبيه): يعني أنما قلت ليس على جهة الحقيقة، وإنما هو على جهة التشبيه.
سؤال؛ أراه قال ها هنا: ولست به غير أنه بك شبيه، وكأن قياسه غير أنك به شبيه؛ لأن حال معاوية مشبه بالنائم كما قال؟
وجوابه؛ هو أن غرضه في جميع ما ذكره المبالغة في جهل معاوية والتهالك في وصفه بالغباوة، فشبهه أولاً بالنائم المستثقل، ثم قال: ولست به يعني حقيقة، ثم استأنف المبالغة في حاله بقوله: إنك شبيه به، كأنه هو النائم على جهة الحقيقة، وما ذكره مشبه بحال معاوية ، ومن قرع سمعه التشبيهات للشعراء وإغراقهم فيها، ودخولهم في معانيها كل مدخل عرف صدق مقالة أمير المؤمنين، وعرف مراده من ذلك.
(وأقسم بالله لولا بعض الاستبقاء): أراد إما طلب البقاء لأحواله رجاء أن يعود عن غيِّه، ويرجع عن فسقه، وإما أن يريد المباقاة تحلماً عنه وتكرماً عن سرعة الانتقام منه.
(لوصلت مني إليك نوازع ): النوازع هي: الخصومات في الحق، يقال: كان بينهم نوازع أي خصومات ومشاجرة عظيمة، أو يكون مراده قوالع من انتزع الشيء عن أصله إذا قلعه.
(تقرع العظم): أي تقطع ما فوقه من اللحم [حتى تبلغه] فتكسره، والمراد بقرعه كسره.
(وتلهس اللحم): أي تذهبه، ولهسه المرض إذا أذهب قواه.
(واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك): أبطأ بك عن الوقوف على أحسن الآراء، وأحمدها عاقبة وأرضاها لله تعالى .
(وتأذن لمقال نصيحك): وتسمع لمن يناطقك بالنصح ويشافهك به.
(74) ومن حِلْفٍ [له عليه السلام] كتبه بين اليمن وربيعة
نقل من خط هشام بن الكلبي ، يريد قبائل اليمن من همدان وقحطان وقبائل نزار، وهما ربيعتان : ربيعة الكبرى وهي ربيعة بن مالك بن زيد مناة، وربيعة الصغرى ربيعة بن عامر بن صعصعة، وفي عُقَيْلِ أيضاً ربيعتان: ربيعة بن عُقَيْلِ، وربيعة بن عامر، والله أعلم بمراده من ذلك .
(هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها): يعني بأجمعهم من يسكن منهم القرى ومن يكون في البداوة.
(وربيعة حاضرها وباديها): بأجمعهم أيضاً بدوهم وقرارهم.
(أنهم على كتاب الله): يريد مجتمعة آرائهم على حكم كتاب الله تعالى، يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويوردون ويصدرون عن أمره، لا يخالفونه في أمر من الأمور.
(يدعون إليه): أي إلى إحياء أحكامه من بلغه وسمعه.
(ويأمرون به): أي يأمرون بما تضمن من الأحكام، أو أراد لا يصدرون أوامرهم إلا على وفقه ونحوه.
(ويجيبون من دعا إليه وأمر به): أراد وإذا دعاهم داعٍ إلى كتاب الله تعالى أجابوه ونصروه وأعانوه على أمره كله، وهكذا حال من أمر به يعضدونه على ذلك.
(ولا يشترون به ثمناً ): أي ولا يبيعونه بأبخس الأثمان وأهونها، ولا يخالفونه بشيء من حقير الدنيا وحطامها.
(ولا يرضون به بدلاً): ولا يتبدلون به غيره من سائر الكلامات وسائر الكتب المنزلة، مع غيرهم كاليهود والنصارى.
(وأنهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه): يعني أنهم مجتمعون على حرب من خالف ذلك وأهمله، لايفترقون عن تغييره وهدمه.
(أنصار بعضهم لبعض ): هذا ينصر ذاك، وذاك ينصر هذا على دين الله وكتابه، ولا يحرف ولايبدل.
(دعوة واحدة): أي دعوتهم على ذلك دعوة واحدة، لا اختلاف فيها، ولا تفريق.
(لا ينقضون عهدهم): ما تعاهدوا عليه من ذلك.
(لمعتبة عاتب): لرضاء من يسترضي.
(ولا لغضب غاضب): ولا يخالفونه لمكان غضب من يغضب منهم.
(ولا لاستذلال قوم قوماً): ولا من أجل أن قوماً يستذلون قوماً ويستضعفونهم فيقهرونهم.
(ولا لمشية قوم قوماً): ولا لأن قوماً يريدون قوماً بالمكروه ، فلا يخالفون كتاب الله من أجل هذه العوارض، ولا يكون ذلك سبباً لتغيير أحكامه وإبطال أعلامه.
(على ذلك شاهدهم وغائبهم ): أي أقرَّ على ذلك من شهد منهم ومن غاب.
(وحليمهم وجاهلهم): ومن كان منهم كبيراً يوصف بالحلم والعقل، ومن كان صغيراً يوصف بالجهل.
(ثم إن عليهم بذلك عهد الله وميثاقه): في الوفاء به والاستمرار عليه، وعهود الله: تأكيداته وتوثيقاته على الوفاء بما عقدت عليه، ثم تلا هذه الآية:
({إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً })[الإسراء:34]: أي مسؤلاً عنه يوم القيامة في الوفاء به، وفي حفظه على ما عقد عليه، ثم إن آخر العهد مكتوب: (وكتب علي بن أبي طالب): شهادة على ذلك، وتوكيداً لأمره، وتوثيقاً لحاله.
(75) ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية في أول خلافته، ذكره الواقدي في كتاب (الجمل)
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان):وهذا الكتاب إنما كان في أول خلافته، وقبل حدوث الحوادث من معاوية، فلهذا لاطفه فيه، وأجمل فيه عتابه.
(أما بعد؛ فقد عرفت إعذاري فيكم): بلوغ الغاية في نصيحتي لكم وقبول المعذرة منكم.
(وإعراضي عنكم): عن المكافأة لكم، واستلحاقكم في كل ما فعلتموه من الأفاعيل المكروهة.
(حتى كان ما لا بد منه): أي ما علم الله وقوعه، وما سبق في علمه.
(ولا دفع له ): من الحروب والوقائع.
(وقد أدبر ما أدبر): ممَّا كان ووقع وحدث.
(وأقبل ما أقبل): مما نريد استقباله من الأمور كلها.
(فبايع من قِبَلَكَ): من سائر المسلمين الموافقين لأمري والمتابعين لي.
(وأقبل إليَّ في وفد من أصحابك): الوفد: الجماعة من الناس.
(76) ومن وصية له عليه السلام لعبد الله بن عباس عند استخلافه إياه على البصرة
(سع الناس بوجهك): جعل هذا كناية عن سعة الأخلاق ولين الجانب والعريكة.
(ومجلسك ): أي لاترد أحداً من بابك وموضعك الذي أنت فيه.
(وإياك والغضب): احذره وجانبه أشد المجانبة.
(فإنما هو طَيْرَةٌ من الشيطان): يقال: فلان طَيْرة وطَيْرُوْرة أي ذو طيش وفشل، قال الكميت:
وحلمك عزٌّ إذا ما حلمت
وطيرتك الصاب والحنظل
(واعلم أن ما قربك من الله يباعدك عن النار): من أعمال البر والتقوى وإصلاح الحال.
(وما باعدك من الله يقربك من النار): من الأعمال القبيحة، واتباع الهوى، والانقياد للشيطان واتباعه.
ثم قال له للاحتجاج على الخوارج:
(لا تخاصمهم بالقرآن): اعلم أن الخوراج لما نقموا عليه ما نقموا بعث عبد الله بن العباس يقرر عليه ما التبس عليهم ويوضحه لهم، ويفحمهم بالحجج والبينات، فنهاه أولاً عن المخاصمة بالقرآن.
(فإن القرآن حمَّال ذو وجوه): محتمل للتأويلات الكثيرة، يمكن أن يفسره كل واحد بوجه له من التأويل يخص مذهبه.
(تقول): أنت بقول من جهة القرآن.
(ويقولون): بقول آخر يخالفه ويعارضه.
(ولكن حاجهم بالسنة): بنصوص الرسول صلى الله عليه وآله فإنها أقطع للاحتمالات وأصرح بالمقصود، وأشفى للغرض.
(فإنهم لايجدون عنها محيصاً): أي معدلاً يعدلون إليه ويستمدون منه.
سؤال؛ كيف قال: لاتخاصمهم بالقرآن، والقرآن كلام الله، وهو أبهر الحجج وأعظمها حالاً، فكيف منعه من ذلك، وأمر بالمخاصمة بالسنة وهي أضعف حالاً من القرآن؟