(وصارت دائرة السوء على رأسه): المراد بالدائرة هي: البلية الدائرة عليهم، شبهت بالدائرة في الخط لاستيلائها عليهم وإحاطتها بهم من جميع الجهات والجوانب، كما قال الله تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ }[التوبة:98]، وقد حكينا من أمر التحكيم في أثناء الخطب المتقدمة ما فيه كفاية.

(59) ومن كتاب له [عليه السلام] إل‍ى الأسود بن قطبة صاحب حلوان
(أما بعد، فإن الوالي إذا اختلف هواه): يريد باختلاف الهوى هو أنه تارة يكون مع هذا على غيره، وتارة يكون مع ذاك على من سواه، من غير التفات إلى النصفة، ولا مواظبة على تحري المعدلة بين الخلق، ومراعاة الإنصاف بينهم، فمن فعل هذا في رعيته ومن تحت يده.
(منعه ذلك كثيراً من العدل): لأن العدل هو مخالف للهوى ومضاد له، فإذا كانت عمدته الهوى منعه ذلك عن العدل في كل أحواله لما ذكرناه.
(فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء): من غير حيف ولا ميل اتباعاً للهوى؛ لأن الله جعلهم بالإضافة إلى الحق على سواء، ولا تفضيل لأحد على أحد فيه.
(فإنه ليس في الجور عوض عن العدل): يعني أن الجور لا يقوم مقام العدل في شيء من أحكامه؛ لأن عوض الشيء يكون سادَّاً مسدَّه، وقائماً مقامه، والجور لايسدُّ مسدَّ العدل.
(فاجتنب ما تُنْكر أمثاله): من غيرك وتكون رادّاً له عليه من جهة نفسك، هذا على أن تنكر مبني لما سمي فاعله، فأما على من رواه مبنياً لما لم يسم فاعله، فالغرض فيه فاجتنب ما تنكر من غيرك أمثاله.
(وابتذل نفسك فيما فرض الله عليك): التبذل بالذال بنقطة من أعلاها هو: الامتهان وخلاف التصون، وأراد امتهن نفسك واستخدمها في أداء ما فرض الله عليك من فروضه وأداء واجباته
(راجياً ثوابه): امتهان من يكون راجياً للثواب.
(ومتخوفاً من عقابه): أن يلحقك ويتصل بك.
(واعلم أن الدنيا دار بلية): أي فتن ومحن وشرور.

(لم يفرغ صاحبها فيها ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة): يعني أنه لم يفرغ ساعة عن اكتساب الأعمال الصالحة إلا ندم عليها لا محالة، حيث لم يكن اغتنمها، وفعل فيها أفعال الخير.
(وإنه لن يغنيك عن الحق شيء أبداً): يعني أن عملك على الحق واشتغالك بالحق لا يقوم مقامه شيء، ولا يعتاض عنه شيء .
(ومن الحق حفظك نفسك): عن كل ما يهلك الدين، ويوقع النفس في غضب الله تعالى وسخطه وعذابه.
(والاحتساب على الرعية بجهدك): الاحتساب هو: الأجر على العدل من جهة الله تعالى.
(فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك): يريد أن الذي يصل إليك من الثواب بسبب حفظك نفسك، وجزاء على عدلك في الرعية أفضل لا محالة مما يصل بسبب عدلك إلى الرعية من الأمن والرفاهية وطيب العيش وقرار النفوس؛ لأن ذلك منقطع حقير بالإضافة إلى أجر الله وثوابه.

(60) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى العمال الذين يطأ عملهم الجيش
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من مرَّ به الجيش): يخاطب بذلك أهل ولاياته، والذين يتصرفون عن أمره.
(من جباة الخراج): الذين يأخذونه ممن وجب عليه، والأرض الخراجية هي سواد العراق كما ذكرناه من قبل.
ويحكى أنها اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، والجريب: ثلاثة آلاف ذراع وستمائة ذراع، ويؤخذ الخراج من كل جريب شعير درهمان، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل جريب القصب ستة دراهم، ومن كل جريب نخل عشرة دراهم، ومن كل جريب كرم ثمانية دراهم، ومن كل جريب زيتون اثني عشر درهماً.
ويحكى أن عمر رضي الله عنه جبا الأرض الخراجية في أيامه مائة ألف ألف درهم وسبعة وثلاثين ألف ألف درهم، ولا يُغيَّر عما فعله عمر فيها لإجماع الصحابة على فعله ، فلهذا كان حجة واجبة القبول.
(وعمال البلاد): جبات الصدقات، وما يأخذه الإمام، ويتصرف فيه.
(أما بعد، فإني قد سيَّرت جنوداً): للغزو والجهاد في سبيل الله تعالى .
(وهي مارَّة بكم إن شاء الله تعالى ): مجاوزة لكم.
(وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الأذى): من أنفسهم إلى سائر من يمرون به من سائر الضعفاء والمساكين، ومن لا قدرة له عليهم.
(وصرف الشذى): بشين منقوطة من أعلاها وذال بنقطة من أعلاها أيضاً وهو: الشر.
قال ابن دريد:
لدن إذا لوينت سهل معطفي
ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذى
(وأنا أبرأ إلى الله وإلى ذمتكم): برئ من الشيء إذا خلى عنه، وأراد أني بريء من الإثم إلى الله وإليكم.
(من معرة الجيش): المعرة: المساءة، قال الله تعالى: {فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ }[الفتح:25]، وأراد ضرهم ومساءتهم.

(إلا من جوعة المضطر الذي لا يجد عنها مذهباً إلى شِبَعِهِ): والمعنى في هذا أني أبرأ إلى الله من مضرة أو مساءة تلحقكم من جهة الجيش وسببه، إلا من جوعة يضطر إليها ولا يجد إلى سدِّ جوعته طريقاً، وفي كلامه هذا دلالة على أنه إذا بلغ إلى هذه الحالة جاز له تناول ما يسدُّ به رمقه وينهض به حاله.
(فنكِّلوا من تناول منهم ظلماً): اجعلوه نكالاً وعبرة من همَّ منهم بأخذ المال ظلماً، وأزيلوهم:
(عن ظلمهم): عما يظلمون به الخلق ويأخذونه غصباً.
(وكفوا أيدي سفهائكم): اقبضوها عن أن يصلوا إليهم شراً وزمُّوها .
(عن مضادتهم): المضادة: المنافاة، وهو أن تريد فعلاً ويريد غيرك أن يفعل ما يناقضه ويخالفه، فيكون فعله هذا مضادة.
(والتعرض لهم فيما استثنيناه): يعني وإذا فعلوا ما ذكرنا في الاستثناء من سدهم الجوعة على جهة الاضطرار، فلا يعترضون في ذلك.
(وأنا بين أظهر الجيش): يقال: هو بين أظهرهم وبين ظهرانيهم إذا كان حاصلاً بينهم ومعهم.
(فارفعوا إليَّ مظالمكم): الظلامة والظليمة والمظلمة: اسم لما يأخذه الظالم منك.
(وما عراكم): أي وما غشيكم من ذلك، يقال: فلان تعروه الضيوف أي تغشاه.
(مما يغلبكم من أمرهم): غلبه الأمر إذا قهره ولا يستطيع دفعه.
(ولا تستطيعون دفعه): إزالته عنكم.
(إلا بالله وبي): بمعونة الله وعنايتي.
(أغيِّره بمعونة الله): بالإزالة والإماطة بلطف الله وإعانته لي في ذلك.
(إن شاء الله تعالى ): يعني أن ذلك كله موقوف على مشيئة الله تعالى وإرادته ومعونته ولطفه.

(61) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى كميل بن زياد وهو عامله على هيت
(أما بعد؛ فإن تضييع المرء ما ولِّي): من هذه الولايات، واستؤمن عليه من هذه الأمانات من الرعاية للنفوس والأموال.
(وتكلفه لما كفي): وتعاطيه المشقة في رعاية ما قد كفى من ذلك.
(لعجز حاضر): غير منتظر.
(ورأي متبر): أي مهلك.
(وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا ): فلان يتعاطى الشجاعة أي يأخذها من جهة نفسه، وليس أهلاً لها، وأراد ها هنا أنه تعاطاها ولم يكن رأياً صواباً.
(وتعطيلك مسالحك): المراقب التي يُخَافُ منها دخول العدو، وهي التي تكون في مفاتح الطرقات.
(الت‍ي وليناك): إصلاحها والنظر في أمرها.
(ليس لها من يمنعها): عن العدو بعدك.
(ولا يرد الجيش عنها): إذا قصدها وهمَّ بها بعد صدورك عنها.
(لرأي شعاع): أي متفرق، يقال: ذهبوا شعاعاً أي متفرقين في البلاد.
(فقد صرت): بعد انتقالك عن مواضعك، وبعدك عن ولاياتك للغزو في غيرها.
(جسراً لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك): الجسر بفتح الفاء وكسرها هو: الذي يعبر عليه، وأراد أنك لما أخليت مواضعك صرت كالآلة، وكالجسر الذي يكون طريقاً للمضي والعبور إلى قضاء الحوائج لأعدائك على من يكون من خاصتك وأوليائك.
(غير شديد اَلمنْكِب): المَنْكِب من الإنسان هو: مجتمع الكتفين، وهو الكاهل أيضاً، وهو كناية ها هنا عن ضعف الأمر وهون الحالة.
(ولا مهيب الجانب): أي ولا يهاب جانبك، والهيبة : الخوف.
(ولا ساد ثُغْرَة): الثُغْر: المكان الذي يخاف من جهته العدو.
(ولا كاسر لعدو شوكة): الشوكة: الحد، وغرضه أنه غير مجتهد في نكاية عدو وإزالة حدته.
(ولا مغنٍ عن أهل مصره): بإصلاح أحوالهم، وذبَّ العدو عن حوزتهم.

(ولا مجزٍ عن أميره): ولا كافٍّ عن أميره فيما ولاَّه أمره، ولا مصلح حاله، وظاهر كلامه ها هنا إنكار له على تخليته للمصر وأعماله المقصودة بالولاية والحفظ، وأنه لا ينبغي فعل ذلك وأمثاله إلا بإذن من جهة إمامه، فلهذا أنكر عليه صنعه في ذلك.

(62) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أهل مصر مع مالك الأشتر [رحمه الله] لما ولاَّه إمارتها
(أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمداً [صلى الله عليه وآله ] نذيراً للعالمين): ما بين أيديهم من العقاب العظيم والألم البالغ الشديد، كما قال تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ }[المدثر:2].
(ومهيمناً على المرسلين): المهيمن أصله مأ أمن بهمزتين فاستثقل اجتماعهما فقلبت الأولى هاء كما في نحو: أرقت الماء هرقت الماء، ولينوا الثانية ثم قلبوها ياءً فصار مهيمن أي شاهداً ورقيباً عليهم.
(فلما مضى [صلى الله عليه وآله] ): إلى الله بعد إبلاغ الرسالة وتأدية الأمانة.
(تنازع المسلمون الأمر بعده): يعني الولاية في الأمة والقيام بأمرهم بعده.
(فوالله ما كان يلقى في رُوْعِي): الرُوع بالضم هو: القلب.
(ولا يخطر ببالي ): ولا يعرض بخاطري.
(أن العرب تزعج هذا الأمر ): أي تزيله وتعدِّيه.
(عن أهل بيته): أقاربه وأهله.
(ولا أنهم يمنحونه غيري ): أي يعطونه سواي، والمنحة: العطية.
(من بعده): ومصداق ما قاله عليه السلام أمران:
أما أولاً: فلأن أقارب الرجل وأهل بيته أحق برئاسته، وإحراز مرتبته من غيرهم من الأجانب، وهذا ظاهر في عرف الخلق لا ينكره أحد.
وأما ثانياً: فبما كان قد علم من الأخبار بما يقضي له بالولاية والإمامة ويصرِّح بذلك، فلهذا قال: ما كان يخطر له ببال ما فعلوه من ذلك لما تقضي به القرائن وتشهد به الأحوال.
(فما راعن‍ي إلا انثيال الناس): أي فما هالني من ذلك إلا انصباب الناس وإجماعهم.
(على فلان): يعني أبا بكر.
(يبايعونه): يعقدون له الخلافة.

(فأمسكت يدي): عن البيعة له، وقد مرَّ ذكر الخلاف في المدة التي تأخر عن البيعة فيها فلا وجه لتكريره، وهذا كله يشير به إلى ما كان من أمر السقيفة، وما وقع فيها من الخبط والخلاف.
(حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام): يعني أهل الردة ، وهم بنو حنيفة رهط مسيلمة.
(يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم): إلى تغييره وزواله.
(فخشيت أني إن لم أنصر الإسلام وأهله): أقوم معه، وأشد أركانه، وأقوي أنصاره من أهله.
(أن أرى فيه ثلماً): نقص ينقصه.
(أوهدماً): في أركانه وقواعده وأساساته.
(تكون المصيبة عليَّ أعظم من فوت ولايتكم): من بطلانها عني وفواتها عن يدي.
(الت‍ي هي متاع أيام قلائل): ثم تزول بالموت، وتنقطع آثارها وتمحى رسومها.
(يزول منها ما كان، كما يزول السراب): من الأمكنة التي يكون فيها، والسراب هو: ما يكون في الأمكنة الخالية المتسعة، شيء يشبه الماء، وعن قريب يبطل كأنه ما كان، فلهذا شبه زوال الولاية به.
(وينقشع كما ينقشع السحاب): أي يزول ويتفرق.
(فمضيت في تلك الأحداث): مضى في حاجته إذا قصدها غير ملتفت على غيرها، وأراد أنه سار مع أبي بكر إلى قتالهم، وكان من جملة الناصرين للدين في قتالهم، فقطع الله دابرهم، واستأصل شأفتهم .
(حتى زاح الباطل): أي بعد وذهب عن مستقره وموضعه.
(وَزَهَقَ): أي اضمحل وزال وتلاشى أمره.
(واطمأن الدين): سكن واستقر.
(وتنهنه): أي كفَّ، من قولهم: نهنهته فتنهنه أي كففته فكفَّ.
ثم إنه التفت إلى ذكر أهل الشام بقوله:
(إني والله لو لقيتهم واحداً): منفرداً لا أحد معي.
(وهم طلاع الأرض ): أي ملؤها فوق ظهرها.

(ما باليت ولا استوحشت ): ما وجدت في نفسي خيفة ولا وحشة من القتل ومن لقائهم.
(وإني من ضلالهم الذي هم فيه): ميلهم عن الحق الذي هم متلبسون به وساكتون عليه.
(والهدى الذي أنا عليه): والنور الواضح والبصيرة النافذة.
(لعلى بصيرة من نفسي): لا أشك فيها ولا أستريب من أجلها.
(ويقين من ربي): قطع فيما أنا عليه.
(وإني إلى لقاء الله لمشتاق): فلهذا لم أبال بالقتل ولا ألتفت عليه.
(ولحسن ثوابه لمنتظر راجٍ): لما أعد لأوليائه من كرامته وجزيل عطائه.
(ولكن‍ي آسى): الأسى هو: الحزن، وأراد إنه ليحزنني:
(أن يلي هذه الأمة سفهاؤها): خلاف ذوي الأحلام منها.
(وفجارها): الخارجين عن الدين والمائلين عن طريقه، يشير بذلك إلى معاوية وبني أمية.
(فيتخذوا مال الله دُولاً): الدُولة بالضم في المال، يقال: صار الفيء دولة بينهم أي يتداولونه مرة لهذا ومرة لذاك .
وقوله: فيتخذوا منصوب بإضمار أن أي فأن يتخذوا إذ لم يسبق قبله ما يكون موجباً لنصبه من الأمورالثمانية ، ولهذا كان نصبه بإضمارها، وربما جرى كثيراً.
(وعباده خولاً): أي خدماً، وكلامه هذا يشير به إلى حديث أبي ذر رضي الله عنه.
ويحكى أن عثمان أمر معاوية بإشخاص أبي ذر من الشام على أغلظ المراكب وأوعرها، فحمله معاوية على جمل بغير وطأ، وبعث معه دليلاً عنيفاً يعنف به في السير، فلما قدم المدينة دخل على عثمان فقال له: لا أنعم الله بك عيناً ياجنيدب.
فقال له أبو ذر: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً، وعبيده خولاً، ودين الله دخلاً، ثم يريح الله العباد منهم)) .

166 / 194
ع
En
A+
A-