(بإظهاركما الطاعة): لي والاتباع لأمري.
(وإسراركما المعصية): بما كان من المبايعة كرهاً، وفي ذلك عدم الانقياد لأمري والمخالفة لي.
(وما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن المهاجرين على كثرتهم وجموم أعدادهم بايعوني، لم يخافوا مني سطوة ، ولا هم في تقية من أمري، فكيف تخافان أنتما.
وثانيهما: أن يكون مراده أن المهاجرين ليس لأحدهم من الفضل وعلو الرتبة مثل مالكما، ومع ذلك فإنهم ليسوا في خوف ولا تقية فيما فعلوه من البيعة، فكيف يكون حالكما مخالفاً لحالهم، وأنتما أحق بعدم التقية لما لكما من الفضل والسابقة وعلو المحل.
(وإن دفعكما هذا الأمر): امتناعكما من البيعة وتأخركما عنه.
(من قبل أن تدخلا فيه): بما كان من إعطاء البيعة والانقياد للأمر .
(كان أوسع عليكما): مجالاً وأفسح مضطرباً.
(من خروجكما منه): من غير بصيرة لكما في ذلك.
(بعد إقراركما به): تصريحكما بصحته.
(وقد زعمتما أني قتلت عثمان): بما كان من تخلفي عن نصرته وخذلاني له، أو يكون غرضهما بأمري بذلك، فإن ظاهر كلامه فيما نقله عنهما محتمل لذلك.
(فبين‍ي وبينكما): متوسط وحاكم.
(من تخلف عن‍ي): وتخلفه عنه، إما عن البيعة فلم يبايع، مثل ما كان من عبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن أبي وقاص وغير هؤلاء، وإما عن الخوض في أمر عثمان فإن منهم من وقف في حاله عن خذلانه ونصرته، ولم يتكلم فيه.
(وعنكما): بترك المتابعة لكما في النكث لبيعتي وخروجكما عنها، وإما عن النصرة لعثمان كما هو رأيكما.
(من أهل المدينة): التي هي موضع الهجرة ومهبط الوحي ودار الإسلام والإيمان.
(ثم يُلْزَمُ كل امرئ بقدر ما احتمل): من ذلك من الجرم.

(فارجعا أيها الشيخان ): عما أنتما فيه من البغي والخروج عن الحق، وما عليه أهل الدين.
(عن رأيكما): الخطأ وعزمكما المخالف للحق.
(فإن الآن أعظم أمركما العار): يريد أن الذي ينقم عليكما من جهة الدين إنما هو العار بما ركبتما من مخالفة المؤمنين واتباع غير سبيلهم، وسلوك غير طريقهم.
(من قبل أن يجتمع العار والنار): فالعار ما يلحق به الذم من المخالفة بالبغي، والنار من جهة الله تعالى بالعقوبة على ذلك.

(55) ومن كتاب له [عليه السلام] إل‍ى معاوية
(أما بعد؛ فإن الله سبحانه جعل الدنيا لما بعدها): أراد إما طريقاً إلى الجنة، وإما جعل ما يكون في الآخرة جزاء لما يكون في الدنيا من الطاعة والمعصية بالثواب والعقاب، وإما أن يريد جعل الدنيا وصلة إلى رضوان الله والفوز بجواره.
(وابتلى فيها أهلها): أراد إما بالخير والشر، وإما أن يريد بأهلها بعضهم ببعض، أو أراد بما يكون من فتنة الشيطان والنفس والهوى وغير ذلك من أنواع البلايا والمصائب اللاحقة فيها.
(ليعلم أيهم أحسن عملاً): أكثر مطابقة لرضاه مع هذه البلايا وشدة هذه الفتن.
(ولسنا للدنيا خُلِقْنَا): إنما خُلِقْنَا من أجل العبادة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }[الذاريات:56]، وأيضاً فالخلق إنما يكون لأمر دائم وهو الثواب المستحق على العبادة.
(ولا للسعي فيها أُمِرْنَا): للاجتهاد والاضطراب وإحرازها كان أمر الله لنا.
(وإنما وُضِعْنَا فيها لنبتلى بها): من أجل البلوى والامتحان والاختبار.
(وقد ابتلاني الله بك): بأن أحاربك على مخالفتك لي وبغيك عليَّ، وعصيانك لله، وطلبك الفساد في الأرض بغير الحق.
(وابتلاك بي): كما ابتلى إبليس بآدم، فجعل طاعتي واجبة عليك وأمري لازم لك فخالفت الأمر، وخرجت عن الطاعة.
(فجعل أحدنا حجة على الآخر): أنا حجة عليك في وجوب الاتباع والانقياد وترك المخالفة، وأنت حجة عليَّ في وجوب جهادك على مخالفة الله تعالى وتعدي حدوده.
(فغدوتَ على طلب الدنيا): أي تجاوزت الحد في إحراز الدنيا والتهالك في حبها.

(بتأويل القرآن): بأن تأولت القرآن على غير وجهه، فأوهمت أهل الشام أني قاتل لعثمان، وأنك طالب بدمه، محتجاً بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ}[البقرة:178]، فطلبت الدنيا بتأويلك الفاسد.
(فطلبتن‍ي بما لم تجن يدي): من القتل.
(ولا لساني): ولا أمر به لساني.
(وعصبته أنت وأهل الشام): بما كان منكم من المخالفة.
(بي): بسببَي ومن أجلي.
(وألَّب عالمكم جاهلكم): أي جمع عليَّ وحرض من كان عالماً بحالي وفضيلتي من كان جاهلاً بها بالحرب والمخالفة.
(وقائمكم قاعدكم): أي وحثَّ من كان قائماً بمعاداتي من كان قاعداً عنها، وساكتاً عن النطق بها.
(فاتق الله في نفسك): بالانقياد لأمره، وترك المخالفة له في أحوالك كلها.
(ونازع الشيطان قيادك): القياد: الحبل الذي يقاد به الحيوان، وأراد وأملكه على نفسك ولا تمكِّن الشيطان منه فيقودك به.
(واصرف إلى الآخرة وجهك): يشير بهذا إلى إدباره عن الآخرة، وتهالكه في حب الدنيا، وطلب الرئاسة فيها، وأخذها من غير حلها، وعلى غير وجهها.
(فهي طريقنا وطريقك): إما إلى الآخرة وأهوالها، وإما إلى النار والجنة، وإما إلى الأعمال الصالحة وخلافها.
(واحذر أن يصيبك الله بعاجل قارعة): ببلية شديدة لا يمكن وصف حالها.
(تمش الأصل): أي تقلعه، وهو بالشين المنقوطة من أعلاها.
قال الأصمعي: المش: مسح اليد بالشيء الخشن بقلع الدسم منها.
قال امرؤ القيس:
نمش بأعراف الجياد أكفنا
إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب
ذ
(وتقطع الدابر): أي العقب؛ لأنه يدبر الإنسان ويخلفه بعده.

(فإني أولي لك بالله أَلِيَّةً غير فاجرة): أي أحلف حلفاً صادقاً، واليمين الفاجرة: هي المائلة عن سمت الحق وطريقه.
(لئن جمعتن‍ي وإياك جوامع الأقدار): ما سبق به علم الله ونفذ به قضاؤه من قتل من يقتل وأخذ من يؤخذ.
(لا أزال بساحتك ): أي بناحيتك وجهتك، ولا أقلع عن ذلك.
(حتى يحكم الله): بما أراد من حكمه إما علي وإما لي.
(وهو خير الحاكمين ): أعلمهم بما فيه مصلحة لي ولك وأحقهم بذلك.

(56) ومن كلام له أوصى به شريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إل‍ى الشام
(اتق الله في كل صباح ومساء): في جميع أوقاتك كلها، وخصَّ الصباح والمساء لشمولهما طرفي النهار، كما قال تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}[طه:130].
(وخف على نفسك الدنيا الغَرُورَ): أي كن خائفاً في أحوالك كلها لغرورها وخدعها ومكرها.
(ولا تأمنها على حال): فإن من كان من طبعه الخدع والمكر لا يؤمن في حالة من الحالات.
(واعلم أنك إن لم تردع نفسك): ردعه إذا كفه عما يريد .
(عن كثير مما تحب مخافة مكروهه): المعنى أنك إذا كففت نفسك عن كثير من محبوباتها مخافة أن تقع في الأمور المكروهة.
(سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر): علت بك إلى معظم الضرر وكثيره.
(فكن لنفسك مانعاً رادعاً): فالمنع عن الشرور، والردع عن هواها .
(ولنزوتك عند الحفيظة): النزوة: الوثبة، والحفيظة: الغضب، ومن أمثالهم: الحفيظة تذهب الحقد؛ لأن الحقد شيء يسير يقع في القلب قليل، لا تأثير له، فإذا وقعت الحفيظة فهي أشد من الحقد وأقوى حكماً منه، ولا جرم كان الحقد لضعفه ذاهباً عندها، لما كانت أعظم حالاً منه، ولهذا فإن من كان في قلبه حقد على غيره ثم قتل ولده فإن القتل يذهب ما كان من الحقد بحصول ما هو أعظم منه جرماً، فهذا مرادهم بقولهم: الحفيظة تذهب الحقد.
(واقِمًا): الوقم: أشد الرد.
(قامعاً): قمعه إذا كفه بعنف وشدة، وأراد كن لها عند هذه أشد كافٍّ وأعظم رادٍّ.

(57) ومن كتاب له إل‍ى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إل‍ى البصرة
(أما بعد، فإني خرجت مخرجي هذا إما ظالماً وإما مظلوماً): إما هذه هي المكسورة المكررة التي تأتي للعطف، كقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً }[محمد:4] وهذه كلها ومابعدها أحوال منصوبة من التاء في خرجت.
(وإما باغياً أو مبغياً عليه ): وغرضه من هذا إيجاب الحجة على من بلغه وسمعه، وأنه غير منفك من هذه الأحوال.
(وأنا أذكِّر الله من بلغه كتابي هذا): أراد إما أذكِّره وعيده ووعده على الطاعة والمعصية من ذاك، أو أراد أسأله بالله وأناشده به.
(لما نفر إليَّ): لما إن كان مخففاً، فما ها هنا زائدة، واللام هذه جواب القسم داخلة على الفعل الماضي، وإما أن تكون مثقلة بمعنى إلا، وهي في وجهها كهي في قوله تعالى:{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ }[الطارق:4]، على القرآتين جميعاً ، وأراد إلا أتى على عجلة نحوي.
(فإن كنت محسناً أعانن‍ي): على إحساني فله الأجر مضاعفاً على ذلك.
(وإن كنت مسيئاً استعتبن‍ي): طلب عتابي عما أنا فيه وكفني عنه.

(58) ومن كتاب له إل‍ى أهل الأمصار يقتص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين
(وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام): وكان مبدأ الأمر وأوله أن المقادير جمعتنا، وقوله: (والقوم من أهل الشام): عطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد له، ولا ما يقوم مقامه، كقولك: قمت وزيد، وإلى جوازه من غير تأكيد، ذهب علماء الكوفة.
(والظاهر): من حالنا وحالهم في ذلك.
(أن ربنا واحد، ونبينا واحد): لانعدل عن أحدهما لغيره .
(ودعوتنا في الإسلام واحدة): وهي كلمة التوحيد، المشار إليها بقوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ}[آل عمران:64].
(لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله): أي لا نطلب منهم الزيادة على ما هم عليه من ذلك لتمكنهم فيه وانقطاعهم إليه.
(ولا يستزيدوننا): في الإقرار به والثبات عليه شيئاً.
(والأمر واحد): بيننا وبينهم في الدين والإسلام، لا مخالفة بيننا وبينهم في ذلك.
(إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان): الاستثناء هذا متصل، وهو منصوب على الإيجاب، أي وكل أمورنا مستوية إلا ما كان من الخلاف في قتل عثمان.
(ونحن منه بَرَاءٌ): البَراء بفتح الباء هو: المصدر، والبُراء بضم الباء هو: جمع بريء كنذير ونذراء.
(فقلنا لهم: تعالوا): أي فكان من قولنا لهم وخطابنا إياهم أن قلنا لهم: أقبلوا، وتعالوا اسم من أسماء الأفعال تقول فيه: تعال يا زيد، تعالي يا هند، تعالوا يارجال، تعالين يانساء بفتح اللام في هذا كله، قال الله تعالى: {تَعَالَوْا}، وقال: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ }[الأحزاب:28]، وأراد أقبلوا.

(ندواي ما لا يُدْرَكُ اليوم): نصلح بالدواء ما لا يلحق اليوم لعظمه وتفاقمه، والإدراك: اللحوق.
(بإطفاء النائرة): الباء متعلقة بيُدْرَك، والنائرة بالنون هي: الحرب.
(وتسكين العامة): عن الفشل والاضطراب.
(حتى يشتد الأمر): يقوى ويستفحل.
(ويستجمع): يكون مجتمعاً أمره.
(فنقوى على وضع الحق في مواضعه): وأراد أخذ قتلة عثمان بجرمهم، وإنصاف الحق من جهتهم؛ لأنهم قد كانوا سألوه ذلك، وهو أن يمكِّنهم من قتلة عثمان للقصاص وأخذ الحق، فقال لهم هذه المقالة، وحاصلها ترك الأمر حتى تقوى قواعده وتشتد أركانه، ويجري الشرع في ذلك مجراه، فهذا كان رأيه في أول أمره.
(فقالوا: بل ندوايه بالمكابرة): أي بالتكبر والتعاظم علينا في ذلك، ومنه الكبرياء وهو: التعاظم.
(فأبوا): فكرهوا ما أشرنا إليهم من المصلحة، فكان من أمرنا وأمرهم في الحرب ما كان، وانتهت حالنا وحالهم إلى ما عرف.
(حتى جنحت الحرب): أي مالت.
(وركدت): أي ثبتت، وذكر هاتين الحالتين لشمولهما لها؛ لأنها لاتزال بين ميلان على قوم وركود على آخرين، ومنه قولهم: الحرب سجال أي يوم لك ويوم عليك.
(ووقدت نيرانها): توقدت وعظمت، وهم يستعيرون للحرب صفات النار من التوقد والالتهاب لعظمها وصعوبة الأمر فيها.
(وحمشت): بالحاء المهملة والشين بثلاث من أعلاها أي التهبت غضباً.
(فلما ضرَّستنا وإياهم): عضتنا بأضراسها، وهو كناية عن اشتدادها، يقال: ضرَّسه الزمان إذا اشتد عليه.
(ووضعت مخالبها فينا وفيهم): مخالب الأسد هي: براثنه، وهي أظفاره، وأراد أنها أخذت منا ومنهم.
(أجابوا عند ذلك): الإشارة إلى ما كان من الحرب من التأثير في الفريقين.

(إلى الذي دعوناهم إليه أولاً): وهو كف الحرب، وتسكين الدهماء، وحقن الأموال عن السحت وصيانة الدماء، وهو يشير إلى التحكيم وندبهم إليه.
(فأجبناهم إلى ما دعوا): من ذلك وأسعدناهم إليه.
(وسارعناهم إلى ما طلبوا): أي كانوا سريعين إلى ذلك، عجلين إليه، لكنا أسرع منه إليه طلباً منا للمناصحة في الدين وسعياً إلى إصلاح الأمر في ذلك.
(حتى استبانت عليهم الحجة): ظهر أنهم مغلوبون بما أوضحنا عليهم من الحجج في ذلك وأفحمناهم فيه، يشير إلى طلبهم لدم عثمان.
(وانقطعت فيهم المعذرة): يعني العذر، وصار كأنه لا عذر لهم فيما طلبوه من ذلك، إذ كان طلباً لاوقع له، وخصاماً لا فائدة ورائه، ولكنه تجني على من لا ذنب له، ولوم على من لا لوم عليه.
(فمن تمَّ على ذلك): يريد المبغي ، واستمر عليه مع ظهور ما قد ظهر له من البصيرة في رجوعه عما كان عليه من البغي.
(منهم): من أهل الشام معاوية وأحزابه.
(فهو الذي انتقذه الله من الهلكة): أي نجاه الله منها، والهلكة هي: الهلاك، وانتقذه وأنقذه بمعنى واحد، وكلاهما قد روي، وسماعنا فيه: (انتقذه).
(ومن لجَّ): فلان لجَّ في العداوة إذا ولع بها وأكثر من فعلها.
(وتمادى): أي أكثر من مداها، ولم يقف على غاية من ذلك.
(فهو الراكس): الراجع في غيه، ومنه قولهم: ارتكس فلان إذا رجع في أمر قد كان نجا منه.
(الذي ران الله على قلبه): أي غلب الله على قلبه بالخذلان والفساد، والرين: الطبع والدنس، وغرضه أن القلوب منهم قد رانت عليها الذنوب فسودتها وغلبت عليها بالتطخية والقساوة.

165 / 194
ع
En
A+
A-