(وإن كانت كلها لله، إذا صلحت فيها النية): يريد أن جميع قواعد الولاية كلها وجميع هذه الآداب التي أشار إليها إنما هو من الجهاد وانتظام أحوال الأمة، وجري أوامر الله على قواعدها واستقامتها على حدودها ، وهذه الأمور كلها لله تعالى عند صلاح النية فيها وسداد القصد من أجله، وعند هذا تكون من جملة الأعمال المقربة إلى الله تعالى.
(وسلمت فيها الرعية): عن الظلم وفساد أحوالهم واختلال قواعدهم.
وفي نسخة أخرى: (وسلمت فيها الرغبة): يعني وخلص القصد ولم يشبه شائب يكدره.
(وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك): أراد وليكن من جملة خواص الأعمال الخالصة لله:
(إقامة فرائضه): من الصلاة والصيام وغير ذلك من العبادات المفترضة.
(الت‍ي هي له خاصة): لا تتعلق بغيره، وفي الحديث: ((ما تقرب إلىَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم )). وإقامتها إتيانها على الوجه المأمور به من الإخلاص فيها، وأدائها على الخضوع والتذلل والخشوع.
(فأعط الله من بدنك): من أعمال الطاعة المتعلقة بالأبدان نحو الصلاة والصيام والحج.
(في ليلك): ما يكون مختصاً به منها.
(وفي نهارك): ما يكون مختصاً به.
(ووفِّ ما تقربت به من ذاك ): اجعله وافياً وائتِ به كما أمرك الله به.
(كاملاً): بشروطه وحدوده.
(غير مثلوم): ساقط بعض أركانه.
(ولا منقوص): من إيفائه بشرطه الذي يكون واقعاً عليه.
(بالغاً من بدنك ما بلغ): يعني أده على ما ذكرته، وإن بلغ في نقص بدنك واختلاله كل مبلغ، فإن ذلك يكون أدخل في الإثابة وأعظم في الجزاء من الثواب عليه.
(وإذا قمت في صلاتك للناس): بأن تكون إماماً لهم فيها وداعياً لهم إليها.
(فلا تكوننَّ منفراً): بتطويلها وصعوبة الأمر فيها.

(ولا مضيعاً): لأوقاتها وحدودها وشروطها، ولا يكوننَّ منك فيها إفراط في أمرها فتنفر عنها، ولا تفريط فتخل بها.
(فإن في الناس من به العلة): من مرض وعجز وسلس بول وغير ذلك من العِلل.
(وله الحاجة): إلى الخروج في قضاء مآربه وحوائجه أو يكون حاقناً أو حاقباً فيريد الخروج لقضاء الحاجة.
(وقد سألت رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] حين وجَّهَنِي إلى اليمن كيف أصلِّي بهم؟): في التطويل والتقصير والإطالة وعدمها.
(فقال: ((صلِّ بهم كصلاة أضعفهم )) ): يعني مثل صلاة الضعفاء الذين يريدون التخفيف لأجل ضعفهم وهوانهم.
(((وكن بالمؤمنين رحيماً))): كثير اللطف والرفق بهم في جميع أحوالهم كلها.
(وأما بعد هذا؛ فلا تُطَوِّلَنَّ احتجابك من رعيتك): يريد ومن جملة الآداب المرعية في الولاية إزالة تطويل الحجاب عن أهل الحوائج من الرعية.
(فإن احتجاب الولاة عن الرعية): غيبتهم عنه، وضرب الحجب والحراس على أبوابهم.
(شعبة من الضيق): نوع من أنواع الحرج والمشقة.
(وقلة علم بالأمور): المتعلقة بالولاة من التعهد والتفقد، وكفّ أيدي الطغاة وزمِّ الأفواه عن التعلق بالأطماع، والاطلاع على أكثر الأحوال ومراقبتها، وفي هذا فساد لاخفاء به.
(والاحتجاب منهم): الضمير للرعية.
(يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه): يعني فلا يتصل إليهم شيء من علوم أحوال الرعية.
(فيصغر عندهم): الضمير للولاة.
(الكبير): الأمر الكبير لجهلهم بكيفية وقوعه وإحاطتهم بحقيقة حاله، فلا يعلمونها.
(ويعظم الصغير): لمثل ذلك فلا يدري بكيفية وقوعه.
(ويحسن القبيح، ويقبح الحسن): للجهل بحال وقوعهما، فلا يعلم حالهما.

(ويشاب الحق بالباطل): أي يخلط أحدهما بالآخر، وكل هذا إنما ينشأ من غيبة الولاة عن الرعية وعدم افتقادهم لأحوالهم واطلاعهم عليها.
(وإنما الوالي بشر): من جملة الخلق.
(لا يعرف ما توارى به الناس عنه من الأمور): يعني أن كل ما غاب عنه الإنسان وتوارى عنه بصره وإدراكه له فإنه لا يعرف كنه حاله ولا حقيقة أمره، وإنما يعرف ذلك من الأمور بالاطلاع عليها ومشاهدتها ومراقبة أحوالها، فمن لايرى الشيء لا يمكنه معرفة حاله بحال.
(وليس على الحق سمات): علامات وأمارات ظاهرة مكشوفة.
(يعرف بها ضروب الصدق من الكذب): أنواع كل واحد من هذين.
(وإنما أنت): في احتجابك عن الخلق واستتارك عنهم.
(أحد رجلين): لا ثالث لهما.
(إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق): أعطيت كل ذي حق حقه، وسخت به نفسك وسمحت به.
(ففيم احتجابك): لأي وجه يكون؟ وما الداعي إليه؟
(من واجب حق تعطيه!): فهل هو امتناع من حق واجب تعطيه أهله؟
(أو فعل كريم تسديه!): أو هل هو من أجل فعل حسن تجعله صنيعة إلى غيرك؟ فكل هذا يمنع منه الحجاب، فلا فائدة فيه على هذا الوجه.
(أو مبتلىً بالمنع): أو أنت رجل قد بلي بالشح الخالع .
(فما أسرع كف الناس عن مسألتك): امتناعهم منها وإعراضهم عنها.
(إذا أيسوا من بَذْلِكَ): من إعطاء معروفك.
(مع أن أكثر حاجات الناس إليك): معظم حوائجهم منك ليس من أجل إعطاء ولا منع، فيكون الحجاب حاصلاً منك، وإنما هو:
(ما لا مؤونة فيه عليك): ثقل ولا كَلّ عليك.
(من شكاة مظلمة): فتنتصف لصاحبها ممن ظلمه.
(أو إنصاف في معاملة ): بقطع الشجار فيها وإبطال المخاصمة.

(ثم إن للوالي خاصة وبطانة): ناس يختصون به وينزلون منه منزلة البطانة، وهو ما يلي الجسم من الثياب كالشعار.
(فيهم استئثار): استبداد بالحقوق والأموال.
(وتطاول): على الخلق اعتماداً على قهر الدولة وعلو الولاية.
(وقلة إنصاف ): من أنفسهم للخلق تعاظماً وتكبراً على قبول الحق وإعطائه.
(فاحسم مادة أولئك): امنع ما يمدهم.
(بقطع أسباب تلك الأحوال): التي تكون سبباً في ذلك، وتكون وصلة إليها، وحاصل الأمر في قطع مادتهم، إما بإزالتهم عن التعلق بك، وإما بقطع مواد ذلك، فبانقطاع تلك الأسباب يزول المحذور من ذلك.
(ولا تقطعنَّ لأحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة): يعني إذا أدررت لأحد من هؤلاء إدراراً أو وصلته بصلة فلا تقطعها من غير سبب موجب للقطع، لما في ذلك من إيحار الصدور.
(ولا يطمعن منك في اعتقاد عُقْدة تضر بمن يليها من الناس): يعني ولا تعقدنَّ عقداً ولا تذمنَّ ذمة لأحد من خاصتك يكون فيها ضرر على أحد من المسلمين ممن يكون متصلاً بها ويليها.
(في شرب): نحو أن تعطيه ذمة على أن يسقي له ضيعته من النهر الفلاني، وفيه إضرار بمن يليه ممن يكون له فيه حق الشرب لِضَياعه وعقاراته.
(أو عمل مشترك): كأن يكونا معاً مشتركين في شركة عنان أو مفاوضة مما يضطربان فيه على سواء، فتعطي أحدهما عقداً وذمة على أنه لايتصرف مع الآخر، فيكون في هذا إضرار بالشريك من جهة أنهم:
(يحملون مؤونته على غيرهم)، لأن العمل كله صار على الشريك الآخر من غير معاونة، وهذا هو الحيف والميل.
(فيكون مهنأ ذلك لهم دونك): يريد أن فائدة ذلك وهنآءة عيشه لهم من غير أن يكون لك فيه شيء.

(وغبته عليك): عاقبته تختصك دون غيرك، ومغبة كل شيء عاقبته، وفي رواية أخرى: (وعيبه عليك): أي ذمه ونقصه.
(في الدنيا): بالذم واللوم على ظلمك لغيرك.
(وفي الآخرة): بالعقاب وسخط الله.
(وألزم الحق من لزمه): يعني من كان عليه حق لغيره ألزمته أدائه وتسليمه، وخروجه منه إلى صاحبه وأهله.
(من القريب): خاصتك، وأهل دولتك، ومن يتعلق بك.
(والبعيد): منك من سائر الناس وجميع الرعية.
(وكن في ذلكً): يعني إعطاء الحق صاحبه.
(صابراً): لله تعالى على مشقة ذلك وعلاجه.
(محتسباً): ذلك لوجه الله تعالى وابتغاء رضوانه.
(واقعاً ذلك من قراباتك وخاصتك حيث وقع): يريد وإن بلغ ذلك سخط أهلك ومن يقرب إليك، فإن رضاء الله أبلغ من رضاهم وأحق.
(وابتغ عاقبته): آخر أمره وغايته من ثواب الله وعظيم أجره.
(بما يثقل عليك منه): بتحمل ما يتعب نفسك من أجل ثقله، واصبر عليه:
(فإن مغبة ذلك محمودة): عاقبة الصبر عليه لما فيها من الفوز بالجنة، وجوار الله في دار كرامته التي اصطفاها لأوليائه.
(وإن ظنت بك الرعية حيفاً): ميلاً عليهم في الخراج، وظلماً لهم فيما يؤدونه من الأموال.
(فأصحر لهم بعذرك): أظهر لهم عذرك في ذلك ظهوراً واضحاً، والإصحار: الإظهار، وسميت الصحراء لظهورها وانكشافها.
(وأعزل عنك ظنونهم): أزلها عنك، وأذهبها عن التعلق بك.
(بإصحارك): إظهارك للعذر لهم.
(فإن في ذلك إعذاراً): إبلاغاً في العذر إليهم.
(تبلغ به حاجتك): مقصدك ومطلوبك.
(من تقويمهم على الحق): بإسقاط عذرهم وتوجه اللوم عليهم إذا لم يقبلوه.
(ولا تدفعنَّ صلحا دعاك إليه عدوك): يعني إذا طلب العدو مسالمة فيما بينك وبينه بعقد الصلح فلا تردنَّه.

وفي الحديث: ((أن الرسول عليه السلام لما دعاه المشركون إلى صلح الحديبية، أجابهم إلى ذلك مع ما كان فيه من الميل على المسلمين والتحكم من جهة أهل الشرك، وكان عقده بين الرسول وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، وأنها عيبة مكفوفة من غير إسلال ولا إغلال ))، أي لا سرقة ولا خيانة، فكانت عاقبته أبرك عقبى على المسلمين.
(لله فيه رضاً): يريد ليس فيه نقص على الدين، ولا ترك لشعاره وأبهته.
(فإن في الصلح دعة لجنودك): خلاص عن مشقة الحرب وتحمل أثقالها وسلامة عن القتل والقتال وكفاً عنه.
(وراحة من همومك): بتدبيرها وتقرير قواعدها.
(وأمناً لبلادك): عن تغير ها وفسادها، فإن هذه الأمور كلها من عواقب الحرب وأحكامها، وغير ذلك من الهموم العظيمة والأخطار الكثيرة، وإهراق الدماء وبذل الأموال.
(ولكن الحذر كل الحذر): أي خذ الحذر من نفسك والحذر من عدوك، والتحرز غاية التحرز.
(من عدوك بعد صلحه): يشير إلى أنك إذا عقدت هدنة وصلحاً بينك وبين من تحاربه من الأعداء، فلا تهوننَّ في الحزم من العدو، ولا يغرنَّك بما عقده من الصلح.
(فإن العدو ربما قارب ليتغفَّل): يريد أن العدو قارب الأمر بالصلح أو قاربك، واختلط بك بالهدنة؛ ليخبر حالك، ويأخذ غفلتك، وينكث على غرتك، فاحذره في أيام الصلح وكن على وجل من أمره وحاله.
(فخذ بالحزم): بالتحرز في أمورك كلها.
(واتهم في ذلك حسن الظن): يعني إذا راودتك نفسك على تحسين الظن فاتهمها في ذلك فإنما هو خدعة.
ثم أردف ذلك بالذمم والعهود ومراعاتها، بقوله:
(وإن عقدت بينك وبين عدو لك عقدة): في صلح أو هدنة أو غير ذلك من العقود اللازمة والعهود المؤكدة.

(أو ألبسته منك ذمة): على أهل أو مال، واستعار اسم اللباس من أجل ذلك؛ ليكون ذلك دالاً على الشمول والإحاطة، مبالغة في ذلك.
(فحط عهدك بالوفاء): عن الخيانة والمكر والخديعة، وصنه عن تهمة الغدر .
(وارع ذمتك بالأمانة): إما من الرعاية وهي: الحياطة، وإما من المراعاة وهي: المراقبة والحراسة، وكان قياسه، وراع ذمتك إذا كان من المراعاة، لكنه حول إليه.
(واجعل نفسك جُنَّةَ): الجُنَّةُ: ما كان يستر من ثوب أو درع أو قميص.
(دون ما أعطيت): تكون نفسك ساتره لك عن كشفه وإباحته وإهداره، وهذا من لطيف الكلام وبليغه.
(فإنه ليس شيء من فرائض الله): التي فرضها على عباده، وأكدها على خلقه.
(الناس عليه أشد اجتماعاً): أعظم التئاماً وأكثر اتفاقاً.
(مع تفريق أهوائهم): في كل جهة.
(وتشتت آرائهم): في كل موضع.
(من تعظيم الوفاء بالعهود): تأكيدها والمواظبة على فعلها، ولقد تمدح الله تعالى بذلك حيث قال: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ }[التوبة:111]، وافتتح الله سورة المائدة بالأمر بذلك حيث قال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }[المائدة:1].
(وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم): من الذمم والعهود والمواثيق وأكدوها، وأكرهوا نفوسهم على الوفاء بها، واقتحموا العظائم من أجل خرمها، وخاضوا غمرات الموت من دون ذلك، حتى أن رجلاً منهم ليذهب أهله وولده وماله من أجل الوفاء بذمته وعقده، وإذا اخترمت له ذمة أو أبيح له حمى أو جوار اقتحم كل عظيمة من دون ذلك، حتى يبلغ فيه مبلغه، فهم على ذلك من:
(دون المسلمين): يعني هم أهل الشرك مؤكدون لذلك فضلاً عن المسلمين، فهم أحق بذلك وأولى.

(لما استوبلوا من عواقب الغدر): استوخموا منه ما يكون في آخر الأمر منه واستثقلوا ذلك، واللام: في لما استوبلوا متعلقة بقوله: لزم أي لزموا الوفاء من أجل استيخامهم لعاقبته.
(فلا تغدرنَّ بذمتك): بالخيانة والخديعة.
(ولا تخيسنَّ بعهدك): تنكثنَّ، من قولهم: خاس بعهده إذا نكث فيه.
(ولا تختلنَّ عدوك): أي تخدعه، والمخاتلة: المخادعة.
(فإنه لا يجتري على الله إلا جاهل): الاجتراء هو: الإقدام على الشيء من غير بصيرة ولا خبرة بحاله، وأراد أنه لايقدم على الله في مخالفة أمره والوقوع في مناهيه إلا جاهل بحاله وبعظم قدرته على نكاله والانتقام منه.
(شقي): الشقاوة: خلاف السعادة.
(وقد جعل الله عهده وذمته أمناً): ما شرع من العقود والمواثيق أمراً يأمن به كل أحد ممن عقد في حقه.
(أفضاه بين العباد برحمته): أظهره بين عباده رحمة من جهته، ولطفاً بهم، وصلاحاً لأحوالهم.
(وحريماً يسكنون إلى منعته): المنعة: بالتحريك: جمع مانع مثل كافر وكفرة، والمنعة بالسكون هو: المنع، وأراد أن الله تعالى جعل العقد شيئاً محترماً لايمكن تخطيه ولا مخالفته، ومن فعل في حقه فهو ساكن النفس إليه، مطمئن القلب إلى ما تضمنه واشتمل عليه، وإلى منعته، من قولهم: فلان في عز ومنعة أي لايضام له جانب.
(ويستفيضون إلى جواره): فاض الخبر واستفاض إذا ظهر وعلا، وأراد أنهم يظهرون أمورهم ويستندون إليه ويعتمدون في كل أحوالهم عليه.
(فلا إدغال): المداغلة: الفساد والمخادعة.
(ولا مدالسة): التدليس هو: التزوير.
(ولا خداع فيه): مخادعة في العقد الذي يُعْقَدُ.

(ولا تعقد عقداً تجوّز فيه العلل): يعني إذا عقدت فلا تعقد عقداً يكثر فيه الالتواء والتعلل، أو يريد إذا عقدت عقداً فلا تعقده على الاستثناءات الكثيرة والشروط، وإنما يكون منبرماً مقطوعاً عن هذه الأشياء كلها.
(ولا تعولنَّ على لحن القول): أي لا تتكلم بكلام يفهمه عنك من تخاطبه، ويخفى على غيره ممن سمعه، وأراد ها هنا لا تعدل عن الصواب.
(بعد التوكيد): الوثاقة في العقود والعهود.
(والتوثقة): وهي تفعله من الوثاقة.
(ولايدعونَّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله تعالى ): يعني وإذا ضاق صدرك وحرجت نفسك من أمر عارض، وقد أعطيت فيه عهد الله وذمته على نفسك، ودعتك:
(إلى طلب انفساخه بغير الحق): فلا تفعل شيئاً من ذلك.
ثم علل ذلك، بقوله:
(فإن صبرك على ضيق ترجو انفراجه ): من جهة الله بلطف من عنده وتيسير أمر من جهته.
(خير من غدر): بمخالفة ما أعطيت من العقود على ألا تخالفه.
(تخاف تبعته): ما يتبع من العقوبة من الله من أجله.
(وأن تحيط بك من الله): تشملك وتستولي عليك.
(فيه طِلْبَةٌ): يطلبك الله من أجله طِلْبة.
(لا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك): أي لا ينهض منها عثارك في الدنيا ولا في الأخرة، ففي الدنيا بالهلاك، وفي الآخرة بالعقوبة.
(إياك والدماء وسفكها): إهراقها على غير وجهها وفي غير حلها.
(بغير حلها): من غير أن يكون ثَمَّ وجه مبيح لإهراقها من عدوان أو بغي أو ردة أو قصاص أو غير ذلك، وفي الحديث: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث :
كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بنفس)) .
(فإنه ليس شيء أدعى لنقمة): عقوبة.
(ولا أعظم لتبعة): وهو ما يتبع من ضرر العقوبات لأجل ما تقدم من المعصية.

(ولا أحرى بزوال نعمة): أحق بزوال النعم وإبطالها.
(وانقطاع مدة): يريد ذهاب العمر وانقطاعه.
(من سفك الدماء بغير حقها): من إهراقها من غير حق ولا بصيرة في ذلك يكون معذوراً عند الله بها.
(والله تعالى مبتدئ للحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء): إهراقوه على غير وجهه من بغي بعضهم على بعض وغدر بعضهم ببعض.
وفي الحديث: ((أول ما يقضى بين الناس في الدماء )) .
(إلى يوم القيامة): يعني من أول قتيل قتل وهو قابيل إلى أن يقيم الله القيامة عليهم .
(فلا تقوينَّ سلطانك): تشددنَّ قواعده وتشيد أركانه.
(بسفك دم حرام): بإهراق دم على غير وجهه.
(فإن ذلك مما يضعفه): يهون أمره عند الله تعالى .
(ويُوْهِيه ): إما من الوهي وهو الضعف، قال الله تعالى: {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ }[الحاقة:16]، أو من الوهن وهو الضعف أيضاً، قال الله تعالى: {إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي }[مريم:4].
(بل يزيله): يذهبه، وفي الحديث: ((لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا )) .
(وينقله): إلى غيرك كما كان مع غيرك من قبلك، وفي الحديث: ((لو أن أهل السماوات والأرض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله)) .
(ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد): يعني وإن قتلت مؤمناً متعمداً فلا عذر لك عندي ولا عند الله في تسليمك للقتل لأوليائه.
(لأن فيه قود البدن): تسليم البدن للقتل والانقياد لحكم الله تعالى وحكمهم في القتل.
(وإن ابتليت بخطأ): وإنما جعله بلوى لكثرة ما يفرط من الولاة في ذلك.

163 / 194
ع
En
A+
A-