(لأحسنهم في العامة أثراً): لمن كانت آثاره حسنة جميلة، محمودة طرائقه، وإنما قال: في العامة؛ لأنهم لسان العالم وعنهم حصول الخبرة الصادقة والفراسة المؤكدة .
(وأعرفهم بالأمانة وجهاً): وأكثرهم علماً ومعرفة بالوجوه التي تحتملها الأمانات وتؤدى عليها .
(فإن ذلك): يريد ما قدمه من حسن النظر والتفرس في أحوال الكتَّاب والتعهد لأحوالهم كلها.
(دليل على نصيحتك لله): بامتثالك لأمره، وحسن رعايتك لخلقه واحتياطك في ديانتك، وبلوغك أقصى الجهد في رعاية أمورهم.
(ولمن وُلِّيت أمره): ولإمامك الذي مكَّنك من هذه الولاية، فعملت فيها على ما يريده منك ويرجوه من حالك.
(واجعل لرأس كل أمر من أمورك): يحتمل أن يكون هذا عاماً في جميع أحوال الدولة، وأراد أن إيالات الدولة كثيرة وأمورها متشعبة، فاجعل على كل نوع من أنواعها من يصلحه ويقوم به، ويحتمل أن يكون خاصاً في الكتَّاب، وغرضه أن أنواع الكتابة كثيرة منتشرة فاجعل على كل نوع من أنواعها ومرتبة من مراتبها.
(رأساً منهم): يعني الكتَّاب يدري بأحوالها ويتعهد أمورها.
(لا يقهره كبيرها): فيضعف عن إتقانه وضبطه.
(ولا يتشتت عليه كثيرها): فيغيب عنه ويغفل عن مهماته ويتقاصر عن إدراكه.
(ومهما كان في كتَّابك من عيب فتغابيت عنه): يريد وتحقق أنه مهما اطلعت على عيب ومكر في كتَّابك، فتغافلت عنه وأغضيت عن إنكاره وتغييره:
(أُلْزِمْتَه): كان الله هو الملازم لك والآخذ عليك في ترك إنكاره وتغييره.
ثم أخذ في ذكر الوصية بالتُّجّار، بقوله:
(استوص بالتجَّار وذوي الصناعات): مفعولا استوص محذوفان تقديرهما: استوص بالتجار نفسك فيهم خيراً، وفي الحديث: ((استوصوا بالنساء خيراً ، فإنهنَّ عوارٍ عندكم)) .

(وأوص بهم خيراً): أي وأوص الولاة بهم خيراً.
(المقيم): يريد من التجُّار؛ لأن منهم من يقيم في بلده لا يخرج منها أبداً، وإنما تقلباته كلها فيها إيثاراً للدعة وشهوة للراحة وعجزاً عن الأسفار.
(منهم والمضطرب بماله): المختلف بالأموال في الأقاليم والأقطار لطلب الأرباح والفوائد.
(والمترفق بيديه ): الارتفاق باليد هو: العمل بها والانتفاع بسببها؛ لأن أكثر أعمال المحترفين من ذوي الصناعات تكون بأيديهم.
وفي نسخة أخرى: (ببدنه) بالنون، وهو أن يؤجر نفسه للمنافع العظيمة كالرعاية وحفظ الأموال وغير ذلك مما لايكون فيه عمل باليد.
(فإنهم مواد المنافع): يمدون الخلق بما يأتون به من البلدان، ويكتسبونه من أقاصي الأرض وأطرافها.
(وأسباب المرافق): الانتفاعات كلها.
(وجلاَّبها من المباعد): والجالبون لها من الأماكن البعيدة.
(والمطارح): جمع مطرح وهو: المكان البعيد، واطَّرحه أي أبعده، والطرَحُ بالتحريك: البعيد من الأمكنة، قال الأعشى:
تبتني الحمد وتسمو للعلى
وتُرَى نارك من ناء طَرَحْ
أي بعيد.
(في برك وبحرك، وسهلك وجبلك): وإنما أضاف هذه الأمور إليه لاستيلائه عليها وكونها في ولايته وتحت أمره وحكمه، فلهذا أضافها إليه.
(وحيث لا يَلْتِهمُ الناس لمواضعها): يعلمون بها فيؤدونها ولكنهم يتصلفون على أدائها وتحصيلها، وفي نسخة أخرى: (يلتئم الناس): أي يجتمعون على أدائها وتحصيلها.
(ولا يجترئون عليها): لما في أماكنها من المخافة والوحشة، وطرو الآفات الكثيرة، فلهذا تأخروا عن أدائها، واجترى التجار عليها طلباً للفوائد.

(فإنهم سلم لا تُخاف بائقته): يعني التجار سلم إما ذوو سلم أي مسالمة، وإما على جهة المبالغة كقولك: رجل رضى وعدل، لكثرة ما يحصل منهم من المسالمة، وكف الشرور من جهتهم، والبائقة: الداهية، فإنها مأمونة من نفوسهم، لا يخشاها أحد من جهتهم.
(وصلح لا تخشى غائلته): إما وذوي صلح، أو على طريق المبالغة، والغائلة: الشر والخديعة والمكر.
(وتفقد أمورهم بحضرتك): يريد في البلد التي أنت فيها.
(وفي حواشي بلادك): أطرافها ونواحيها البعيدة، والحاشية هي: طرف الثوب وجانبه.
(واعلم -مع ذلك-): الذي أمرتك به وحققته لك من حالهم، وما ينبغي من مراعاة جانبهم من الرحمة والشفقة عليهم.
(أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً): على نفسه وأهله وولده وغيرهم.
(وشحاً قبيحاً): بخلاً لا يمكن وصفه.
(واحتكاراً للمنافع): ما ينتفع به الناس في الأقوات نحو الحنطة والشعير والزبيب والتمر وغير ذلك من أنواع المأكولات، يدخرونها من أجل التربص لغلاء أثمانها، وكلامه ها هنا دال على أن الاحتكار كما يكون في الأقوات فقد يكون في غيرها كالزعفران والفلفل وغير ذلك؛ لأنه عمم المنافع من غير تخصيص لبعضها عن بعض، وأن حكم الاحتكار جار فيها كلها.
(وتحكماً في البياعات): لا يريد أن يبيع شيئاً من هذه إلا بحكمه وهواه من غير مراقبة للدين ولا مراعاة لأمر الله في ذلك.
(وذلك باب مضرة ): الإشارة إلى الاحتكار لما فيه من المضرة بالمسلمين وسائر الخلق.
(للعامة): يشير إلى عموم مضرته بالخلق أجمع، لا يختص واحداً دون واحد.
(وعيب للولاة ): مدخل للطعن عليهم عظيم لما يلحق بسببه من المضرة.

(فإن رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] منع منه): يشير إلى قوله عليه السلام: ((من احتكر أربعين يوماً فقد برئ الله منه )) ، وفي حديث آخر: ((المحتكر ينتظر اللعنة، والمنفق ينتظر الرحمة )) .
واعلم: أن الاحتكار إنما يكون حراماً على فاعله، مستحق للنكير، باعتبار أمور ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يكون زائداً على قوته وقوت من تحت يده.
وأما ثانياً: فبأن يكون بالمسلمين إليه حاجة ماسَّة.
وأما ثالثاً: فبأن لا يكون موجوداً إلا معه، فإن كان يوجد معه ومع غيره وبذله غيره حتى استغني عنه، فلا يكون بذلك محتكراً، فإن امتنعوا كلهم كان حكمهم حكم واحد في الإنكار والوعيد.
(وليكن البيع سمحاً ): من غير غلاء فيضر بالمشتري، ولا رخص فيضر البائع.
(بموازين قسط وعدل ): لاحيف فيها بزيادة ولا نقصان.
(وأسعار): وجري أسعار.
(لا تجحف بالفريقين من البائع والمشتري ): أي لا تضر بهما جميعاً، وإنما بالغ في أمر البيع بالكيل والوزن، وحرم الاحتكار؛ لأن الله أنزل فيهما سورة وافتتح أولها بالويل، حيث قال: {وَيْلٌ لِلْمُطَفّفِينَ }[المطففين:1]، وعقب ذلك بالوعيد العظيم بالبعث بقوله: {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ }[المطففين:4]، وذكر اليوم الهائل بقوله: {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ }[المطففين:5]، وهو يوم القيامة، وذكر المحاسب بقوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }[المطففين:6].
(فمن قارف حُكْرَةً): خالطها ولابسها، والمقارفة: المخالطة.
(بعد نهيك إياه): بعد أن سمع المنع في ذلك من جهتك وبلغه ذلك ليتحقق جرمه.
(فنكِّل به): اجعله نكالاً وعبرة لغيره يُتَمَثَّلُ بها وتكون وازعة له.
(وعاقب): أدِّب وعزِّر.

(من غير إسراف): تجاوز حد في جنس العقوبة، بأن تكون مخالفة لعقوبة من سلف من الأفاضل في الصدر الأول، نحو جدع الأنف واصطلام الشفة ، فإن مثل هذا لا وجه له، أو في مقدار العقوبة فيكون الضرب بالغاً مبلغ الحد، فهذا أيضاً لا وجه له، وفي الحديث: ((من ضرب الحد فهو من المعتدين )) يريد من ضرب الحد من غير حد.
وعن أمير المؤمنين: أنه مر برجل يبيع الزعفران وقد أرجح، فقال له: أقم الوزن، ثم أرجح بعد ذلك، كأنه أمره التسوية ليعتادها ، ويرجح بعد ذلك ما شاء.
وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له: اتق الله، وأوف الكيل، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن .
ثم عقب ذلك بذكر حال أهل المسكنة، بقوله:
(ثم الله الله في الطبقة السفلى): وإنما كرر ذكرهم مبالغة في الاهتمام بهم والتعهد لأمورهم.
(من الذين لا حيلة لهم): لايستطيعون التحيل لاكتساب المعيشة، ولا يهتدون لها.
(والمساكين والمحتاجين): أهل الفاقة والفقر.
(والبؤسى): إما ذوي البؤسى وهي ضد النعمى، وإما جمع بأس وبؤسى نحو وجع ووجعى.
(والزمنى): جمع زَمِن وهم: المرضى وأهل الزمانة.
(فإن في هذه الطبقة): الذين سميت لك.
(قانعاً ومعتراً): القانع هو: السائل، من قولهم: قنعت إليه إذا خضعت له، والمعتر هو: المتعرض من غير سؤال، وقيل: القانع هو الراضي بما عنده من غير سؤال، والمعتر هو: المتعرض بالسؤال .
(فاحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم): الحفظ: الحراسة، والحفظ: المراقبة، وأراد واحرس من أجل الله وراقبه ما طلب منك من الحق في حفظ هؤلاء وحراستهم، ومنه قولهم: استحفظته كذا إذا طلبت منه حفظه.

(واجعل لهم قسماً من بيت مالك ): نصيباً يغنيهم من أموال المصالح، وفي هذا دلالة على جواز إعطاء الفقراء من بيت المال الذين لا مزية لهم على الفقر، وهو ظاهر كلامه ها هنا.
(وقسماً من غلات صوافي الإسلام): الصوافي: جمع صافية وهو: الأراضي المغتنمة من أيدي الكفار.
(في كل بلد): حيث كانوا من بلدان الإسلام، وحيث كانت الصافية في جهتهم أو في غيرها.
(فإن للأقصى منهم): للأبعد.
(مثل الذي للأدنى): الأقرب بالإضافة إما إليك، وإما بالإضافة إلى هذه الصوافي، فإن أحداً لا يختص بها دون أحد، بل هم فوضى فيها.
(وكل): من هؤلاء الذين ذكرت لك حالهم وحققت لك أوصافهم.
(قد اسْتُرْعِيْتَ حقه): طلب منك رعاية حقه، والطالب لها هو الله لا إله غيره.
(فلا يشغلنك عنهم نظر ): يلهينك عن أحوالهم والتعهد لها نظر في غيرها.
(فإنك لا تعذر بتضييع التافه): يعني الحقير.
(لإحكامك الكثير المهم): يعني أن الأمور كلها تحتاج إلى تفقد وتعهد صغيرها وكبيرها، ولا يكفي شيء منها عن شيء؛ لاستوائها كلها في كونها مطلوبة من جهة الله تعالى.
(فلا تشخص همَّك عنهم): أي لا تغيِّب عنهم اهتمامك بهم، وعنايتك من أجلهم.
(ولا تصعِّر خدك لهم): الصعر: الميل في الخد خاصة من الكبر، قال الله تعالى: {ولا تصاعر خَدَّكَ لِلنَّاسِ }[لقمان:18].
(وتفقد أمور من لا يصل إليك ): لحقارة أمره ورثة هيئته.
(ممن تقتحمه العيون): تزدريه وتصغِّره ولا ترى له حقاً.
(وتحقره الرجال): تذله وتستخف بحاله.
(ففرِّغ لأولئك ثقتك): فوجه إليهم من تفرغه عن مزدحم الأشغال من أهل الثقة والديانة والصلاح والأمانة.
(من أهل الخشية): لله والمراقبة له.
(والتواضع): لعظمته وجلاله.

(فليرفع إليك أمورهم): كلها دقيقها وجليلها فتصفحها وانظر فيها نظراً ثاقباً.
(ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه): بإقامة العذر عنده، وما يكون فيه خلاص لك عن عهدة ذلك عند موتك أو في يوم القيامة.
(فإن هؤلاء من بين الرعية): من أجل ضعفهم ومسكنتهم، ونزول هممهم وأقدارهم.
(أحوج إلى الإنصاف من غيرهم): لأمرين:
أما أولاً: فلأن إنصافهم يكون خالصاً لوجه الله تعالى لا غرض فيه دنيوي، ولا صنيعة فيه لآدمي.
وأما ثانياً: فلأجل ما هم عليه من ركة الحال وضعف الأمر، فلأجل هذين الوجهين كانوا أحق بالإنصاف من جهتك.
(وكل): ممن ذكرت لك وسميته ووصفت حاله.
(فأعذر إلى الله): فأقم عذرك عنده.
(في تأدية حقه إليه): الذي فرض الله له وفرضه عليك من ذلك.
(وتعهد أهل اليتم): الذين مات آباؤهم، وخلفوهم عيلة لا أموال لهم، فحقوقهم حاصلة في بيت المال، ومؤونتهم متعلقة بك.
وفي الحديث: ((من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك عَيْلَةً فإليّ )) .
(وذوي الرقة): يعني الشيوخ الذين بلغوا في السن غاية، يرق لهم كل أحد رآهم.
(ممن لا حيلة له): فيوكل إلى حيلته.
(ولا ينصب للمسألة نفسه): أي ولا يظهر نفسه بأن يجعلها منصوبة للسؤال.
(وذلك): الذي ذكرته لك.
(على الولاة ثقيل): لعظمه وصعوبة الأمر فيه.
(والحق كله ثقيل): على كل أحد من الخلق.
(وقد يخفِّفه الله على أقوام): مخصوصين بالتوفيق من عنده، ومقصودين بالصلاح من جهته.
(طلبوا العاقبة): المرضية عند الله تعالى، حيث قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }[الأعراف:128].
(فصبَّروا أنفسهم): على المكاره طلباً لوجه الله وابتغاءً لمرضاته.

(ووثقوا بصدق موعود الله لهم): الموعود ها هنا إما بمعنى الوعد على غير رأي سيبويه، وإما بمعنى شيء موعود به على رأيه؛ لأنه لا يقول بأن المصدر يأتي على وزن مفعول، وإن أتى بوزن فاعل كالعاقبة والدالة.
(واجعل لذوي الحاجات منك قسماً): أي وقتاً تسمع فيه شكواهم، وتجيبهم عن فتاويهم.
(تُفَرِّغ لهم فيه شخصك): عن ازدحامات الأشغال.
(وتجلس لهم فيه مجلساً عاماً): لا يختص به أحد منهم دون أحد، بل يكونون فوضى فيه.
(فتتواضع فيه لله الذي خلقك): بما يكون من جهتك فيه من الإقبال عليهم والإنصاف من نفسك لهم وقضاء حوائجهم، والإصغاء إلى جميع أحاديثهم، وإجابتهم عن كل واحد منها جواباً شافياً فيه قضاء لأغراضهم، وإبقاءً لما قد توجه عليك من حقهم.
(وتقعد عنهم جندك وأعوانك): من يكون متعلقاً بالدولة من هؤلاء.
(من أحراسك وشُرَطِك): الحرس: خدم السلطان، الواحد منهم: حرسي، والشرط: الأسافل من الخلق، وقد يطلق على الرؤوساء أيضاً، وهو من الأضداد، الواحد منهم شرطي.
قال أبو عبيدة: وإنما سموا شرطاً؛ لأنهم أُعِدّوا لمنافع الدولة، والشريط: حبل يُعَدُّ مفتولاً من الخُوص .
(حتى يكلمك متكلمهم ): يواجهك بكلامه.
(غير متعتع ): التعتعة في الكلام هي: التردد من حصر أو عي أو فشل أو دهشة، يروى: مُتَعْتِع بكسر التاء اسم فاعل أي ذا تعتعة، وبفتحها اسم مفعول إذا تعتعه غيره.
(فإني سمعت رسول الله [صلى الله عليه وآله] يقول في غير موطن ((لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي ))): التقديس: التطهير، وأراد لن تطهر أمة عن الدنس والعيب، يضام فيها الضعيف فلا يؤخذ له حقه من القوي.
(((غير متعتع ))): فشل ولا قلق.
(ثم احتمل الخُرْق): الجهل.

(منهم والعِيَّ): الفهاهة والحصر، والخُرْق على وزن فُعْل.
(ونح عنك الضيق): إما ضيق الصدر؛ لأنه يتعذر معه استيفاء الحوائج، وإما البخل.
(والأنفة ): الكبر والخيلاء.
(يبسط الله عليك بذلك): يريد الذي فعلته معهم مما ذكرته.
(أكناف رحمته): جوانبها، والكنف: الجانب.
(ويوجب لك ثواب طاعته): ويعطيك ثواب ما فعلته من هذه الطاعة، وحصلته من هذه القربة.
(وأعط ما أعطيت هنيئاً): يريد أن عطيتك تكون سمحة بها نفسك، من غير تكدير ولا صَخَب في الإعطاء ولا ملالة ولا تقتير.
(وامنع من منعت في إجمال وإعذار): يعني وإذا منعت من العطية فليكن منعك من غير أذية، ولكن أجْمِل العذر في ذلك، فإن إجمال العذر يكتب الله به الأجر عوضاً عما كان من الحسنة إذا كان العذر صادقاً.
ثم أردفه بذكر خاصة أحواله ومراعاتها، بقوله:
(ثم أمور من أمورك): لا تغفل عن حفظها ومراقبتها.
(لا بد لك من مباشرتها): تعهدها حالة بعد حالة، ومرة بعد مرة.
(منها إجابة عمالك): بما يرد من جهتهم من السؤالات و الحوادث في الأقطار والأقاليم، فإنه لا يزال منها حادثة تحدث تحتاج إلى جواب منك فيها من المعضلات والحوادث والمشكلات.
(بما يعيا عنه كتابك): يريد عهدك الأول الذي عهدته له في أول مرة فإنه إنما يتضمن جملة، وليس فيه شيء من هذه التفاصيل المتجددة في كل يوم، أو يريد كُتَّابُكَ جمع كاتب، فإنهم لا يطلعون على مثل هذه الأمور، وهذا أحسن.
(ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك): فراعها لهم وقضاء حوائجهم فيها.

(مما تحرج به صدور أعوانك): أي تضيق؛ لأنهم لا يطيقونه ولا يقدرون على علاجه، والمعنى أن هذه الأشياء لا يتولاها إلا أنت دون الكتَّاب والأعوان لعدم هدايتهم إليها وقصور أفهامهم عن إتقانها.
(وأمض لكل يوم عمله): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أنك لا تحيل عمل يوم إلى يوم آخر، فيؤدي ذلك إلى ازدحام الأشغال عليك وتراكمها على قلبك، فلا تأمن جري الزلل لكثرتها وازدحامها.
وثانيهما: أن يكون مراده أنك إذا وطنت نفسك على أن لكل يوم عملاً كان ذلك أقرب إلى الإخلاص في الأعمال لوجه الله تعالى وأعظم في الازدياد، رغبة في الثواب، ترى أنك لا تمهل ليوم آخر بعده، كما قال عليه السلام: ((يا أنس، صلِّ صلاة مودع ، ترى أنك لا تصلي بعدها شيئاً)) .
(فإن لكل يوم ما فيه): من خير وشر وفساد وصلاح، فلا تدخل عمل يوم في يوم آخر.
(واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت): يشير إلى أني قد وقَّت لكل عمل وقتاً، لكني أقول: اجعل أعلاها أفضلها عندك ما كان متعلقاً لله تعالى من جهة نفسك من العبادات الفاضلة، والأوراد المباركة في الأوقات الشريفة المتقبلة.
(وأجزل تلك الأقسام): واجعل أجزل الأقسام التي قدرتها لك لله تعالى خالصاً لا يشاركه فيها غيره من الأعمال، من المناجاة والابتهال إليه في إصلاح عملك وقضاء حوائجك من جهته.

162 / 194
ع
En
A+
A-