(ليأمن بذلك): ليكون على ثقة وأمن من وقوع إنصافك له ورفع منزلته عندك.
(اغتيال الرجال ): غدرهم ومكرهم به من حيث لا يشعر ولا يدري.
وفي نسخة أخرى: (اغتياب الرجال): أي أن يغتابوه بحضرتك وفي وجهك؛ لما يرون من شدة إنصافك له وارتفاع درجته عندك، فلا ينطقون فيه بما يكرهه منهم.
(فانظر في ذلك نظراً بليغاً): الإشارة بقوله: في ذلك يريد أمر القضاء؛ لأنه يتكلم فيه، ويحتمل أن يكون عاماً لجميع ما أسلفه من الآداب كلها، والأول هو الوجه.
(فإن هذا الدين قد كان أسيراً): يشير إلى ما كان قبل النبوة من أمر الجاهلية، يعني لا حكم له .
(في أيدي الأشرار): من حكَّام الجاهلية نحو عامر بن الظرب وغيره من الكهان، نحو شق وسطيح وغيرهما.
(يعمل فيه بالهوى): من غير هدى من الله بنبي ولا كتاب منير من عنده.
(وتطلب به الدنيا): حطامها والرئاسة فيها نحو ما كان من حديث الحمس ، وما كان من وضع القيافة في بني مدلج، ونحو البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وغير ذلك من الجهالات والضلالات، حتى جاء الله بالنور والضياء بالرسول والقرآن، فأمات هذه البدع ومحاها، وأحيا ما اندرس من السنن وأعلاها.
ثم ذكر حال العمال على جباية الخراجات، بقوله:
(ثم انظر في أمور عمالك): جباة الخراج إليك والكتَّاب وأهل الديوان وحفَّاظ الجيوش، ومن كان مستعملاً على عمل من الأعمال لك.
(فاستعملهم اختياراً): من جهة نفسك لما ترى من صلاحيتهم لتلك الأعمال ومطابقتهم لإتقانها وعملها.
(ولا تولهم محاباة): مصانعة لهم ومداهنة وميلاً عن الحق في ذلك.
(وأثرة): الأثرة هي: الاسم من الاستئثار، وأراد وإيثاراً لهم على ذلك العمل من غير استتحقاق، ومحبة لا ستبدادهم به.
(فإنهم أجماع من شعب الجور والخيانة): الأجماع جمع جمع، ويروى:
(جماع): أخذاً له من قوله عليه السلام: ((الخمر جماع الآثام ))، وأراد أنهم مجموعون من شعب الجور والخيانة، يشير بذلك إلى أنهم مطبوعون على ذلك مجبولون عليه، فما أحوجهم إلى المراقبة لأحوالهم والمطالعة لتصرفاتهم.
(وتوخَّ منهم أهل التجربة والحياء): فاختر منهم وتحرى ممن كان له تجربة في ذلك وحياء، فلعل من يكون بهذه الصفة بمنعة عن التهور في المطامع والوقوع في المآثم بالخيانة، والإقدام على الأمور المحظورة.
(من أهل البيوتات الصالحة): ممن يشار إليه بالصلاح من القبائل وأهل المنازل الرفيعة.
(والقدم في الإسلام المتقدمة): ومن له عناية في الدين وقدم راسخة .
(فإنهم أكرم أخلاقاً): عن أن تتطرق إليهم التهمة.
(وأوضح أعراضاً ): عرض واضح إذا كان نقياً، وأراد أنهم أبعد عن الخيانة فيما اعتملوا عليه من الولايات.
(وأقل في المطامع إسرافاً ): أراد وإن بدا منهم يوماً مطمع من المطامع فهو قليل لا إسراف فيه، لما يحذرون من اللوم ويخافون من الفضيحة.
(وأبلغ في عواقب الأمور نظراً): يعني وأنظارهم فيما يؤمل من العواقب بالغة في الجزالة والحصافة مبلغاً عظيماً.
(ثم أسبغ عليهم الأرزاق): أفضلها على مقدار كفايتهم وأوسعها عليهم.
(فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم): في القيام بأعمالهم التي يختصون بها وزيادة في عظم حالهم؛ لما يحصل بالقوة من الشيار والأُبهة.
(وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم): ويكون فيه استغناء عن الخيانة فيما هم فيه؛ لأن أكثر ما تحصل به الجرأة على الخيانة لمن هذه حاله، هو الفقر إليه والحاجة الماسة من أجله.
(وحجة عليهم إن خالفوا أمرك): ومبالغة في وجوب الحجة عليهم مع المخالفة فيما أؤتمنوا عليه من ذلك، إذ لا عذر لهم في ذلك مع الغنى والتمكن والبسطة في الرزق.
(وثلموا أمانتك): بالخيانة التي هي خلاف الاستقامة، والتي هي ثلم في الدين والأمانة.
(ثم تفقد أعمالهم): راقب ما وضعت لهم من تلك الأعمال وأرصدتهم لحفظها وأخذها.
(وابعث العيون): الحراس وأهل الحفظ.
(من أهل الصدق والوفاء ): ممن لا يكذب فيما ينقله إليك من أفعالهم، ولا يخون عهداً فيما قلته له من أجلهم، وعهدته إليه من إبلاغ أسرارهم إليك.
(فإن تعاهدك في السر لأمورهم): تفقدك لها في الخفية والاطلاع عليها سراً.
(حدوة لهم): بعث لهم عليها وحث على حفظها وصيانتها.
(على استعمال الأمانة): التي تحت أيديهم لك واستصحابها ومدوامتها، وكفاً لهم عما يخطر لأحد منهم على باله من خلاف ذلك.
(والرفق بالرعية): أي وحث على الرفق بالرعية؛ لأن أحوالهم إذا كانت على هذه الهيئة من المراقبة كان ذلك أدعى إلى ما ذكره، وأبعد من الخيانة وعن تطرق التهمة.
(وتحفَّظ من الأعوان): من الخدم والجند والكتاب وسائر أعوان الدولة، وغرضه أنه يملك حذره في ذلك ويراقب أحوالهم.
(فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة): فيما اعتملته عليه من العمالات، أو في غيرها مما يتعلق بالدولة والرعية في مال أو خان في أي وجه من الخيانات.
(اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك): يشير إلى أن العمل في ذلك على سابق الرأي، وأول الظن لا وجه له؛ لأنه يطرق خللاً عظيماً، ويؤدي إلى بطلان النظام واختلال أحوال العمال، ولابد في ذلك من غلبة ظن قوية تكون حاصلة من جهة العيون بأخبار مختلفة، بحيث لا يتطرق إليهم التواطؤ في ذلك.
(اكتفيت بذلك شاهداً): على صحة ما جنى، ولم يراع قيام البينة العادلة وتعديل الشهادة عند الحاكم، بل ذلك يكون كافياً في الإقدام على الأدب عليه.
(فبسطت عليه العقوبة): أذقته وبالها.
(في بدنه): بالضرب وصبِّ جلدات النكال عليه.
(وأخذته بما أصاب من عمله): يعني أنك تخمِّن الأمر في مقدار ما خان في تلك الولاية وأتلف من أموال الله، فتأخذه به وتقتطعه من ماله.
ويحكى أن عمر بن الخطاب استعمل خالد بن الوليد في بعض الولايات، فاتهمه في الخيانة فيها، فضرب بسهام الرأي في ذلك، فرأى أنه قد استغرق في تلك الولاية نصف ماله فقاسمه في نصفه، حتى لقد أخذ منه فردة نعله ونصف عمامته ، حراسة لأموال الله عن الإهمال، ومراقبة للولاة بالأعين الكالية.
(ثم نصبته): بعد ذلك.
(بمقام المذلة): الصغار والمهانة.
(ووسمته بالخيانة): علمته للناس بأنه خائن في عمالته حتى لا يعتمل على عمل قط، ولا يؤمن في قليل ولا كثير.
(وقلدته عار التهمة): جعلته بمنزلة القلادة في عنقه، وكل ذلك مبالغة في الأمر، وحفظ للدولة ومراعاة لأحوال السياسة والإيالة.
ثم عقب ذلك بذكر الخراج والتعهد لأحواله، بقوله:
(وتفقد أمر الخراج): وهو عبارة عن جميع الأموال المأخوذة من الخلق من أموال المصالح وغيرها، ثم هو ضربان:
فالضرب الأول من ذلك:
أموال المصالح وهي الفيء، والأموال المضروبة للخراج، والجزية، واللقط، والأموال التي لا مالك لها، فهذه كلها مصروفة في مصالح الدين، في العلماء، وإصلاح الطرقات، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، وما تكون مصلحته راجعة إلى جملة الدين، وهل يعطى الفقير الذي لا مصلحة فيه؟ فيه تردد للنظر، وقد كان ابن عمر يعطيه.
الضرب الثاني من ذلك:
أموال الفقراء وهي عبارة عن الزكوات، والفطر، والكفارات، والنذور المطلقة، فهذه لا يجوز صرفها في المصالح، وإنما هي مصروفة في الأصناف الثمانية التي ذكرها الله في كتابه، ولها أحكام مخصوصة ليس هذا موضع ذكرها.
(بما يصلح أهله): بما يكون نظراً في صلاح أهله، وتعهد لأحوالهم من أجله.
(فإن في صلاحه): بالحفظ والصيانة.
(وصلاحهم): بالتخفيف والرفق في أحوالهم.
(صلاحاً لمن سواهم): من الجند والديوان بحفظ بيضة الإسلام.
(ولا صلاح لمن سواهم): من الجند والضعفاء والمساكين وغيرهم من أهل الخراج.
(إلا بهم): بسبب قوتهم وإصلاح أحوالهم .
(لأن الناس كلهم): من أجناد الإسلام وأعوانه وسائر الفقراء والمساكين وغيرهم ممن له حظ في الخراج ونصيب فيه.
(عِيَالٌ على الخراج): ثقل عليه وَكلٌّ.
(وأهله): ومن يؤخذ الخراج منه.
(وليكن نظرك في عمارة الأرض): يعني اجعل أهم أنظارك في عمارة البلدان والأراضي بالقوة لأهلها.
(أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج): في تحصيله وكثرته.
(لأن ذلك لايدرك إلا بالعمارة): يعني أن كثرة الخراج وقوته لا يدرك إلا بالعمارة للأرض .
(ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد): يريد أن الوالي إذا كان همه تحصيل الخراج على أي وجه كان من غير نظر في عمارة الأراضي وتقويتها، فإن ذلك إخراباً للأرض وإفساداً لها؛ لأنهم إذا كانوا يطلبون الخراج من أهله من غير عمارة ضعفوا بأخذ أموالهم وهانوا عن عمارة الأرض، فيكون ذلك سبباً في خرابها لا محالة، وهذه عادة كثير من الظلمة وأهل الجور، يطلبون ما في الأيدي من غير التفات حتى تهلك الأرض، وتبطل عمارتها، ويهلك أهلها فقراً وهزالاً بما يلحقهم من الظلم في ذلك.
(وأهلك العباد): بالظلم والجور.
(ولم يستقم أمره إلا قليلاً): لأمرين:
أما أولاً: فلإسراع الله تعالى له بالعقوبة وتعجيل النقمة بما كان منه من الظلم والجور.
وأما ثانياً: فلأن قوامه ودوامه إنما هو بما يحصل من الخراج وقوة أهله، فإذا بطل الخراج وضعف أهله فلا بقاء له بحال، فلهذا قال: لم يستقم أمره إلا قليلاً.
(فإن شكوا ثقلاً): يعني الموظف عليهم الخراج من الرعية زيادة تثقل عليهم أداؤها وتضعف أحوالهم.
(أو علة): أصابت الزرع من المصائب المتلفة له والناقصة لأحواله كالبرد والدود أو غير ذلك من الآفات.
(أو انقطاع شرب): يريد فيما كان شربه بالعيون والآبار فينقطع الماء عنه.
(أو بالّة): يعني إما جعله كناية عن الماء القليل قدر ما يبل، ولهذا يقال: لا تبل فلان عندي بالَّة أي لا يصيبه مني خير ولا ندى، وإما أن يريد السحب البالَّة، والأمطار تكون قليلة، فيضعف الزرع لأجلها.
(أو إحالة أرض): تحولَّها عما كانت عليه من الصلاح للزراعة، ثم فسر ما حولها غير ذلك بقوله:
(اغتمرها غرق): أي علاها ودام عليها حتى أهلكها.
(أو أجحف بها عطش): أذهبها وأزال ما زرعته.
(خففت عليهم ): الخراج المطلوب منهم ورفعته.
(بما ترجو أن يصلح به أمرهم): يريد أن التخفيف على قدر الحال في ذلك، فإن اقتضى رفع الكل أو رفع البعض كان ذلك على قدر ما يراه الوالي مصلحاً لأحوالهم وأمورهم.
(ولا يثقلنَّ عليك شيء خففت به المؤونة عنهم ): أراد ولا يصعبنَّ عليك إزالة ما تزيله عنهم من المطالب وتخففه عنهم من الغرامات والمؤن.
(فإنه ذخر): كأنك ذخر ته عندهم وخبيَّة خبأتها في أيديهم.
(يعودون به عليك): يرجعون بها إليك، وينفقونها:
(في عمارة بلادك): إصلاح أحوالها وتهيئتها للزراعة والقوة.
(وتزيين ولايتك): لأن البلاد إذا كانت عامرة وأهلها في دعة ورخاء وبُلَهْنِيَةٍ من العيش وأمن من السبل؛ فإن ذلك كله يزين الوالي ويحسِّن ظن الخلق فيه.
(مع استجلابك حسن ثنائهم): بما فعلته معهم من التخفيف والرفق.
(وتبجَّحك باستفاضة العدل عليهم ): يعني وظهور ما يظهر من جهتك من النشاط والفرح بما أسبلته عليهم من ستر عدلك.
(معتمداً): فيما فعلته من رفع المطالب وإزالة الغرامات.
(أفضل قوتهم): أعظم ما يتقوون به ويكون سبباً في قوة أمرهم.
(بما ذخرته عندهم من إجمامك لهم): خبأته عندهم من ترفيهك وإراحتك لهم عن هموم المطالب وعموم الغرم، يقال: فرس جامُّ إذا كان متروكاً عن السير ، مقيماً على الراحة.
(والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم): وواثقين بما ألفوه من بسط العدل من جهتك إليهم.
(في رفقك بهم): وبالرفق الواصل إليهم من عندك والرحمة لهم في ذلك، فطابت خواطرهم إلى ذلك، واطمأنوا إليه، وانشرحت به صدورهم.
(فربما حدث من الأمور): العظيمة والنوائب الهائلة.
(ما إذا عوَّلت فيه عليهم): الذي إذا طلبتهم لأجله من الأموال العظيمة والخراجات الكثيرة.
(من بعد): يعني من بعد ما قد فعلت ما فعلته من التخفيف والرفق.
(احتملوه طيبة أنفسهم به ): حملوه ودفعوه على طيب من أنفسهم وثلج من خواطرهم، لا يتضررون به لقوتهم وعمارة أوطانهم.
(فإن العمران محتمل ما حمَّلته): يريد أن البلدان والأقاليم وسائر الأقطار كلها إذا كانت قوية عامرة، فهي محتملة لما حمَّلتها من الخراجات الواسعة لا تحتفل بها، ولا تشغر بما دفعوه من ذلك.
(وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها): الإعواز: الفقر والإملاق، وأراد أنهم إذا كانوا فقراء عوزين محتاجين ضعفوا عن عمارة الأرض، فلهذا كان ذلك سبباً في خرابها ودمارها.
(وإنما يعوز أهلها): يكون السبب في فقرهم.
(لإسراف أنفس الولاة على الجمع): لتجاوزهم الحد في الجمع والادخار للأموال وكسبها من غير حلها، هذا إذا كانت الرواية بالسين المنقوطة من أسفلها، فأما من رواه بالشين منقوطة من أعلاها، فالغرض إقبالهم على جمع الأموال، من قولهم: فلان مشرف على أمره إذا كان مقبلاً عليه بإصلاحه.
(وسوء ظنهم بالبقاء): يعني أنهم موطنون نفوسهم على الزوال والذهاب فلا يلتفتون إلى العاقبة للأمر في ذلك.
(وقلة انتفاعهم بالعبر): بالمواعظ، هذا على رواية من رواه بالعين المهملة، فأما من رواه بالغين المنقوطة ، فالغرض به تغيرات الدهر وحوادثه أي لا يحتفلون بها، ولا يكنزون من أجلها، ولقد بالغ في تعليم كيفية أخذ الخراج من أهله مخافة تجرِّي الظلم في حق الخراج، ومحافظة على الترفيه بالرعية والرفق بأحوالهم، رعاية من كان همه خوف الله وإشادة قوانين العدل، ووضع موازين القسط، ورفقاً بالأمة وحماية لهم.
ثم أردف ذلك بذكر أحوال الكتَّاب، بقوله:
(ثم انظر حال كتَّابك): يعني الذين يكتبون الرسائل ويصدرون الأجوبة، مما يرد من العمال والأسرار وأحوال الحوادث في الأقاليم والبلدان وغير ذلك، مما يستدعيه أمر الكتابة.
(فولِّ على أمورك): فيما يكون متعلقاً بها.
(خيرهم):أفضلهم في الدين والتقوى.
(واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكايدك وأسرارك): الكيد هو: الخدع، والمكايد: المخادع والمراصد، ومنه قولهم: عرف فلان ما يكاد به أي ما يخدع به ويرصد له، وأراد ها هنا تخصيص الرسائل التي تُضَمِّنُها مراصد الحرب، ومكايدها وأسرارك التي تضمرها لمصالح دولتك وإصلاح أمرك.
(بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق): بالذي تجتمع فيه الخلائق المرضية والشمائل الشريفة.
(ممن لا تبطره الكرامة): يخرج بها عن الحد، والبطر: المرح وشدة الاختيال.
(فيجترئ بها عليك): فيكون سبباً للإقدام في الأمور المكروهة عليك.
(في خلاف لك): فيما يخالفه من أمرك الذي أمرته به.
(في ملأ): في مجمع من الخلق ومحفل من محافلهم.
(ولا تقصِّر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك): يعني ولا يتهاون بأمرك تقصيراً منه وتغافلاً عن إيراد المكاتبات الواصلة من العمال؛ لأن في تأخيرذلك ضرراً عظيماً وخللاً في الدولة بإغفال ذلك.
(وإصدار جواباتها على الصواب عنك): من غير مخالفة لرأيك فيما يصدره من الأجوبة.
(وفيما يأخذ لك): على الرعية والولاة من الحل والعقد والقبض والبسط.
(ويعطي عنك ): من الجوائز والإنعامات والذمم والعهود والأمانات، فإن الكتاب هم حفظة الأسرار، وبأيديهم ملاك الأمور ومقاليد الدولة.
(ولا يُضْعِفُ عقداً اعتقده لك): ولا يهوِّن ما أخذ لك من العقود، ويبلغ فيها كل مبلغ من تأكيدها والتحفظ فيها والمبالغة في وثاقها.
(ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك): وإذا عقد عليك عقداً من ذمة أو وفاء بأمر، أو غير ذلك فلا يتأخر عن إطلاقه لمن هو له، فأنت أحق الناس بالوفاء بالعهد وأصونهم للميثاق.
(ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور): يعني وليكن عالماً بمنتهى قدره في الأمور فيما يأتي منها وما يذر، وفيما يكون له التصرف فيه، وفيما لا يكون كذلك.
(فإن الجاهل بقدر نفسه): [في الأمور] الذي لا يعرف حالها في الإقدام والإحجام والأخذ والترك.
(يكون بقدر غيره أجهل): لأن نفسه أخص، فإذا جهلها فغيرها أدخل لا محالة في الجهالة، ومهما جهل حالك لم يكن داخلاً في مرادك ولا كان على وفقه، وفي ذلك ما لا يخفى فساده وضرره عليك.
(ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك): الفراسة في الشيء هي: الخبرة بحاله والانتقاد لأمره، يعني وإذا اخترت واحداً منهم للكتابة فلا تختره على تفرسك في حاله.
(واستنامتك): الاستنامة: السكون والاطمئنان إلى الشيء، يقال: استنام إليه إذا سكن واطمأن، ومنه النوم.
(وحسن الظن منك): بأحوالهم وما يبدونه من حسن سيرهم وطرائقهم.
(فإن الرجال يتعرفون فراسات الولاة بتصنعهم): التصنع: تكلف حسن السمت وإظهار جميل الحال، وغرضه أن الرجال يزورون الولاة ويتطلعون على خلائقهم بما يظهرونه لهم من حسن الهيئة في أول الأمر بإظهار السمت الحسن.
(وحسن خدمتهم ): ليخبروا كنه حالهم.
(وليس وراء ذلك من النصيحة شيء والأمانة ): وليس يفعلونه نصحاً وإنما غرضهم الاختبار، فلا ينبغي للوالي أن يغتر بمثل ذلك ولا ينخدع به.
(ولكن) استدراك عما نفاه أولاً.
(اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك): يعني وإذا أردت الامتحان الصادق في حقهم فامتحنهم بما قد كانوا تولوا لأهل الصلاح قبل دولتك.
(فاعمد): في التولية والاستخدام.