(الذي يتقوون به في جهاد عدوهم): يصرفونه في السلاح والكراع وآلة الحرب.
(ويعتمدون عليه فيما أصلحهم ): مما يحتاجون إليه من ذلك.
(ويكون من وراء حاجتهم): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن يكون ذلك زائداً على مقدار الكفاية لما يحصل في ذلك من التقوي؛ لأن مقدار الكفاية من غير زيادة لا تحصل به قوة ولا نهضة أصلاً.
وثانيهما: أن يريد أن يكون ذلك مهيئاً معداً، حتى إذا ندب إليه الحاجة كان حاصلاً من غير طلب.
(ثم لا قوام لهذين الصنفين): يعني الجند والرعية.
(إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكُتَّاب): فهؤلاء أيضاً الحاجة إليهم ماسة والنفع بهم كثير.
(لما يحكمون من المعاقد): يبرمون من هذه العقود من المعاوضات والأنكحة والإجارات وغير ذلك.
(ويجمعون من المنافع): بحفظ أموال الناس وضبطها حذراً من النزاع وخيفة من التظالم والتشاجر.
(ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها): يعني الحكام في حكوماتهم وأحوال الشهادات التي يسمعونها، والعمال بالإضافة إلى ما تحت أيديهم من الجبايات والخراجات العظيمة، والكتاب بالإضافة إلى كتابة الشروط وحفظها للأموال.
(ولا قِوَامَ لهم جميعاً): من جميع من ذكره من الجند، والرعية، والقضاة، والعمال، والكتاب.
(إلا بالتجار وذوي الصناعات): فالتجار يخوضون البر والبحر في تأدية المنافع من بلد إلى بلد، بحيث لا يمكن ذلك إلا بتصرفهم وعنايتهم، وأهل الصناعات عنايتهم وجهدهم في تحصيل هذه الارتفاقات للخلق، بحيث لا تنقام لهم صورة إلا معهم.
(فيما يجتمعون عليه من مرافقهم): يعني من تحصيل هذه المنافع بالاجتماع من جهتهم.
(ويقيمونه من أسواقهم): لأن إقامة الأسواق لا تقوم إلا بأهل الحرف والصناعات.

(ويكفونهم عن الترفق بأيديهم): يعني أن أهل الصناعات فيهم كفاية في صناعتهم عن أن يكون المنتفع بها هو المتولي لعملها، وهم كفاة في ذلك.
(مما لا يبلغه رفق غيرهم): يعني بحيث لا يمكن غيرهم أن يبلغ مبلغهم في ذلك، وهذا ظاهر لا يمكن دفعه، فإن أهل كل صناعة قد مهروا في تلك الصناعة، وحصَّلوا علومها والاطلاع على دقائقها بحيث لا يمكن حصول تلك الصناعة على وجهها ممن ليس من أهلها.
(ثم الطبقة السفلى): وهم آخر الطبقات، وأضعفهم حالاً، وأنزلهم قدراً.
(من أهل الحاجة): يعني الفقر، فإنه هو الحامل على الحاجة لهم إلى غيرهم.
(والمسكنة): وخمول القدر وركة الهمة.
(الذين يحق رفدهم): مواساتهم وإعطائهم.
(ومعونتهم): وإعطاءهم ما يستعينون به على حاجاتهم ومصالحهم.
(وفي الله لكل سعة): يعني وفي كرم الله تعالى وفضله وسعة جوده ما يسع الكل من هذه الطبقات، ويقيم حالته ويستغني به عن غيره.
(ولكل): من هؤلاء الذين ذكرناهم.
(على الوالي حق بقدر ما يصلحه): نظر خاص معه تصلح أحواله وتستقيم أموره، وليس يخفى ما يختص كل واحد من هذه الطبقات من النظر في مصالحه، فليس النظر في أحوال العلماء وأهل الفضل مثل النظر في أحوال الحاكة، والحدادين وسائر أهل الصناعات، وهكذا فإن أهل كل طبقة يخالف نظرهم سائر الطبقات، ولا استمداد لبعضها من بعض.
(فولِّ من جنودك): من رعيتك وأهل أمانتك.
(أنصحهم في نفسك): أعظمهم نصحاً لك ولمن وليته عليه، وأدخلهم في ذلك مراقبة.
(لله ولرسوله ولإمامك): فإن هذه الخصلة من أعظم ما يراعى في الولاة.
(وأنقاهم جيباً): أكثرهم أمانة، يقال: فلان نقي الجيب إذا كان غير خائن في أموره.

(وأفضلهم حلماً): أعلاهم في الحلم، وهو الانكفاف عند الغضب عن المحرمات.
(ممن يبطئ عند الغضب): لا يعاجل إليه ويتأخر عنه.
(ويستريح إلى العذر): يقبله إذا قيل له، وإنما قال: يستريح إليه مبالغة في قبوله؛ كأنه بحصول الاعتذار إليه عن الخطيئة يحصل له لذة ومسرة يستريح إليهما.
(ويرأف بالضعفاء): يكون في قلبه لهم رأفة ورحمة ورقة وتعطف.
(وينبو على الأقوياء): يرتفع حكمه عليهم ولا يُهِنْ ولا يضعف من أجلهم في ذات الله تعالى.
(ممن لا يثيره العنف): يحرك غضبه غلظته وقساوة قلبه وجرز أخلاقه.
(ولا يقعد به الضعف): عن استيفاء الحقوق وإبلاغها غايتها.
(ثم الصق بذوي الأحساب ): خالط واتصل بأهل الرئاسة ومن كان له حسب فاخر.
(وأهل البيوتات الصالحة): أهل التقوى والصلاح والعفاف والديانة، والبيوتات: جمع بيوت جمع بيت، ولا يجمع جمع الكثرة إلا بالألف والتاء، وذلك نحو دورات وطرقات وغيره، وهو: عبارة عن القبيلة والجماعات المجتمعة.
(والسوابق الحسنة): والعنايات المرضية في الدين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ }[يونس:2]، أي سابقة حسنة، وسميت المسعاة الجميلة قدماً لما كان السبق بالقدم، كما سميت النعمة يداً لما كان إعطاؤها باليد.
(ثم أهل النجدة): أراد الصق نفسك بأهل النجدة: أهل النفاسة في الحرب.
(والشجاعة والسخاء والسماحة): وغير ذلك من الخصال المحمودة وشرائف الخصال العالية.
(فإنهم جماع الكرم ): منتهاه وغايته ومجتمعه.
(وشعب من المعروف ): وأنحاء وأودية من المعروف والإحسان.

(ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما): يشير إلى كثرة الحنو والتعطف على هؤلاء، ويأمر بإصلاح أمورهم وأحوالهم كلها، وأن ينزَّلوا منزلة الأولاد في البر والكرامة.
(ولا يتفاقمنَّ في نفسك شيء قويتهم به): ولا يعظمنَّ في نفسك ويكبرنَّ، من قولهم: تفاقم الخطب إذا عظم وكثر، فإن ذلك يقلُّ من حق من هذه حاله .
(ولا تُحَقِّرنَّ لطفاً تعاهدتهم به): أي ولا تستقل شيئاً يكون عوناً لهم على أمورهم.
(وإن قلَّ): أي وإن كان حقيراً فهو عند الله كثير، وفي الحديث: ((لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً، لا تحقرنَّ من المعروف ولو أن تلقى أخاك بوجه منطلق)) .
(فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك): في كل أمورك عن اجتهاد في ذلك.
(وحسن الظن بك): ويدعوهم ذلك إلى حسن المعاملة والظنون الصادقة الحسنة فيك.
(ولا تدع تفقد لطيف أمورهم): أصغرها وأحقرها وأقلها قدراً عندك وعندهم.
(اتكالاً على جسيمها): أعلاها وأعظمها، والاتكال: هو الاعتماد، وفلان يتكل على كذا أي يعتمد عليه.
(فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به): يشير إلى أن اليسير من جهة الوالي له موقع عظيم تقر به نفسه، ويطمئن إليه خاطره، وينشرح به صدره.
(وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه): يريد ولما عظم من إحسانك وجليل امتنانك محل ومكان لا غنى لهم عنه.
(وليكن آثر رءوس جندك عندك): أعلاهم حالة وأحقهم بالأثرة والنفع من عظماء الجند وأكابرهم وأهل المكانة منهم.
(من واساهم في معونته): الضمير في واساهم لمن قدم ذكرهم من أهل الشجاعة والنجدة؛ فإنه في ذكرهم وذكر حكمهم، من جعلهم أسوته فيما يستعين به على نفسه ومن تحت يده وجعل لهم قسطاً منه.

(وأفضل عليهم من جَدتِهِ): وأعطاهم مما يجد من جهة نفسه.
(بما يسعهم ويسع من وراءهم): بما يكون فيه كفاية لهم وكفاية لما يموّنون من ورائهم.
(من خُلُوفِ أهليهم): الخلوف: جمع خلف وهو: من يخلف عليه الرجل من أهله ويموِّنه.
(حتى يكون همُّهم همَّاً واحداً في جهاد العدو): يشير أنه إذا فعل هذه الآداب مع من ذكرنا حاله من أهل النجدة، لم يتفرق همهم، مرة في طلب القوت وهم العيال، ومرة في جهاد الأعداء، فإذا كُفِيْتِ عنهم هذه المؤن أقبلوا على همٍّ واحد هو جهاد عدو الإسلام ونفع الله بهم.
(فإن عطفك عليهم): بالإحسان والتفقد والتعاهد بما ذكرته.
(يعطف قلوبهم عليك): بالمودة والنصيحة وحسن الظن بك، والعطف: هو الميل بالشفقة، ويقال للناقة: تعطف على البوِّ إذا كانت مائلة مشفقة عليه.
(ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم): أي ولا يحصل لك التمكن من نصيحتهم لك وإشفاقهم عليك إلا بالشفقة والتحنن على ما يحوطونه ويشفقون عليه من الأهلين والأولاد.
(على ولاة أمورهم): ما يلونه من المهمات في أنفسهم.
(وقلة استثقال دولتهم ): يعني ولا تستثقل بقاء أيامهم ودوام أمرهم ودولتهم.
(وترك استبطاء انقطاع مدتهم): يعني واترك الاستبطاء لانقطاع أيامهم، ولا تستعجل ذلك من نفسك.
(وافسح في آمالهم): أوسع فيما يرجونه من جهتك، ويحبون وصوله من عندك.
(وواصل في حسن الثناء عليهم): مرة بعد مرة؛ ليكون ذلك فضلاً على الاستمرار.
(وتعديد ما أبلى الله ذوي البلاء منهم ): يعني وعدد ما أعطى الله أهل الصبر منهم والابتلاء من حسن الثناء ومزيد الذكر، وجميل الأحدوثة في المواقف المشهودة والمشاهد المجتمعة.

(فإن كثرة الذكر بحسن أفعالهم): لما فعلوه من بذل الأرواح والسماحة بالمهج لوجه الله تعالى.
(تهز الشجاع): تحرك نشاطه على فعل أمثال ذلك، وتحمله على الازدياد منه.
(وتحرِّض الناكل ): وتجرِّئ الجبان على القتال والإقدام عند الحرب، والناكل: هو المتأخر عن القتال.
(ثم اعرف لكل امرئ منهم بلاء ما أبلى): يريد أن واحداً منهم إذا فعل مكرمة في الدين من قتال عدو أو إقداماً في حرب أو إصابة في رأي أو غير ذلك من البلاءات في الإسلام الحسنة، فاعرف ذلك له في نفسك وتحققه واذكره به، وأشهر أمره في ذلك، ولا تكتم له كل خصلة محمودة فعلها.
(ولا تضم بلاء امرئ إلى غيره): يعني إذا فعله على انفراده فلا تضم غيره معه؛ فإن ذلك يوقع في نفسه ويكسر همته عن فعل أمثاله، مع ما فيه من الكذب والتقول والافتراء.
(ولا تقصرنَّ به دون غايته ): يريد وإذا كان يستاهل مدحاً عظيماً وإشادة في ذكره كثيرة فلا تحسده ذلك، ولا تنقصه عما أعطاه الله؛ فإن ذلك عطية من جهة الله تعالى، فلا يقصر دون الوصول إلى غايتها، فإنه حقيق بذلك يستاهله.
(ولا يدعوك شرف امرئ أن تعظِّم من بلائه ما كان صغيراً): يعني أن بعض الجند وإن كبر مكانه عندك وعظم قدره في نفسك، وكانت عنايته قليلة في الدين وجهاد العدو؛ فليس كبر مكانه مما يكبِّر ما كان صغيراً من عنايته، ولا يزيد مكانه عند الله مع كونها حقيرة.
(ولا ضعة امرئ):كونه وضيعاً مستحقراً في العيون.

(إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً): فلا يدعوك صغر قدره إلى استحقار ما فعله مع عظمه عند الله وشدة حاله في موقعه الذي وقع فيه، ولهذا فإن الله تعالى لم ينس صنيع بلال وصهيب وغيرهما من الموالي، وخباب بن الأرت وكثير من ضعفاء المسلمين فيما فعلوه في بدر، وأثنى عليهم الثناء العظيم، ولم يحتقر أقدارهم في ذلك، وأعطاهم الجنة مع رضوانه الأكبر.
ولقد بالغ أمير المؤمنين في الوصية بحال هؤلاء، وأنزلهم هذه المنازل الكريمة، وما ذاك إلا لعظم موقعهم في الدين، وشرف مكانتهم في العناية فيه.
(واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب): ومن جملة ما تراعيه من الآداب أن الأمور التي تقهرك، وأمر مضلع إذا كان قاهراً لصاحبه، والضلع: العرج، فاردده إلى من هو أعلم بحاله، وأقدر على إصداره منك.
(ويشتبه عليك من الأمور): فلا تدري كيف تصيره، ولا تعلم حاله في إيراده وإصداره.
(فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم): يشير إلى الصحابة رضي الله عنهم، فإن الله خاطبهم خطاب من يريد الرشاد بهم، حيث قال، ثم تلا هذه الآية:
({يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ })[النساء:59]: بامتثال أوامر الله والانكفاف عما نهى عنه ورسوله .
({وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ })[النساء:59]: يعني المتولين لإصلاح أحوالكم والقيام بأموركم.
({فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ })[النساء:59]: من أمور الدين ولم تعلموا حاله وحكمه.
({فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ })[النساء:59]: تعالى .
({وَالرَّسُولِ}).

(فالرد إلى الله أن نأخذ بمحكم كتابه ): يعني إن اعتاص على أفهامكم أمر من الأمور الدينية فلم يمكنكم اقتباسه من أفهامكم واجتهاده بآرائكم الصائبة، فارجعوا به إلى كتاب الله، فإنه شامل لحكمه، لا يغيب عنه، كما قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }[الأنعام:38].
(والرد إلى الرسول الأخذ بسنته): يعني فإن لم تجدوه في الكتاب لغموضه ودقة استنباطه منه فردوه إلى السنة.
(الجامعة): للأحكام كلها، أو الجامعة لكتاب الله تعالى .
(غير المفرقة): التي لا تفريق فيها ولا تناقض في شيء من أحكامها لما في كتاب الله تعالى.
سؤال؛ فِيْمَ هذا التنازع الذي ذكره الله، وكيف يكون الردُّ إلى الكتاب والسنة، وهل فيه إشارة إلى بطلان العمل على القياس ؟
وجوابه؛ أما التنازع فيحتمل أن يكون في المقدرات التي لا مجال للقياس فيها وهي أكثر العبادات، فإن معظمها محكمات من جهة الشارع، لا اهتداء لنا إلى معانيها، ولا تجري فيها الأقيسة، ويحتمل أن يكون ذلك في جميع الأحكام كلها.
وأما كيفية الردِّ فما كان مقدراً فالحكم فيه موكول إلى الكتاب والسنة ونصوصهما، وما يجري من جهتهما، ولا أصل لها سواهما، إذ لا يعلم التقدير إلا بأمر غيبي، وليس ذلك إلا ما يكون من لفظ الشارع واقتراحه ، وما كان من الأحكام غير مقدر فهو موكول إليهما أيضاً، بالنظر في ظواهرهما ونصوصهما وأخذ الحكم من ذلك.
قوله: هل في الآية إشارة إلى ردِّ القياس وإنكاره؟ فهو فاسد؛ لأن العمل بالقياس مردود إلى الكتاب والسنة وأخذه منهما، فكيف يقال: إن فيها إشارة إلى بطلانه.
ثم ذكر حال القضاء وما يجب مراعاته فيه، بقوله:

(ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك): يريد أنه لابد للناس من حاكم يفصل شجارهم، ويقطع مواد خصوماتهم، ويوِّصل إلى كلٍ حقه ؛ لأن ترك ذلك يؤدي إلى دوام التخاصم ويثير التظالم بين الخلق، وهو من أهم قواعد الشريعة وأعلاها بالمحافظة والمراقبة، فاختر له أحق الناس بالفضل من الرعية التي تحت يدك، وأعلاهم همة في الدين، وأعظمهم:
(في نفسك): بالإضافة إليك وإلى فراستك فيه وتفكرك في حاله، لا تكليف عليك سوى ما ينقدح في نفسك من ذاك.
(ممن لا تضيق به الأمور): ينزعج ويفشل عند ازدحام الأحكام والأقضية وتشاجر الخصوم وكثرة الدعاوي فتضيق نفسه.
(ولا تمحكه الخصوم): المحك هو: اللجاج، يقال: محكته فامحك كما يقال: خاصمته فخصمته.
(ولا يتمادى في الزلة): يعني أنه إذا زلَّ فليس يتمادى فيها بالإصرار، بل لا يتمالك في تداركها والرجوع عنها.
(ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه): الحصر هو: العي، وأراد أنه لا يعيا عن الرجوع إلى الحق إذا تحقق ذلك وتيقنه.
(ولا تشرف نفسه على طمع): يعني ولا تتطلع نفسه إلى تحصيل الأطماع، من قولهم: أشرفت على كذا إذا كان مطلعاً عليه، والغرض أنه بعيد عن الورود في المطامع.
(ولا يكتفي): في قضائه وحكمه.
(بأدنى فهم دون أقصاه): بسابق النظر والفهم من دون أن يكون تابعاً لمنتهى ذلك وغايته بالتدبر والتفهم والإبلاغ.
(أوقفهم في الشبهات): أكثر توقفاً في الأمور المشتبهة.
(وآخذهم بالحجج): أي وأقطعهم عند ظهور الحجة الواضحة.
(وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصوم ): البرم هو: السآمة والملل، وأراد أنه لا يكون سائماً بمراجعة أهل الخصومات مالاًّ لها؛ لأن ذلك يؤدي إلى تغير حاله وطيشه وفشله.

(وأصبرهم على تكشف الأمور): بالملمات والدواهي العظيمة، وأراد عند ظهورها وبدوها، يقال: كشفته فانكشف وكاشفته بالعداوة إذا بدأته بها، وفي الحديث: ((لو تكاشفتم ما تدافنتم )) أي لو أظهر بعضكم لبعض عيبه.
(وأصرمهم عند اتضاح الحكم): أفصلهم للقضية، وأقطعهم للجاج الخصوم عند قيام البينة، ووضوح الحجة، والمعنى في هذا أنه لا يقدم من غير بصيرة، وإذا حصلت البصيرة فهو غير متردد في الإنفاذ لقضائه وحكمه.
(ممن لا يزدهيه إطراء): أي لا يستخفُّه مدح.
(ولا يستميله): إلى الحكم بالباطل.
(إغراء): من يغري، وحث من يحثه على ذلك.
(أولئك قليل): يريد المستحقين لهذه الأوصاف العاملين على ما قلته من هذه الوظائف، ولقد صدق عليه السلام في مقالته هذه، فإن أكثر أئمة الزمان يعدم فيهم مراعاة هذه الصفات فضلاً عن حكامهم وولاة أمر حكمهم.
(ثم أكثر تعاهد قضائه): تفقده مرة بعد أخرى، والمطالعة لأحكامه الصادرة من جهته وإنفاذاته، وراقبها بعين كالية.
(وأفسح له في البذل): أمدَّه من جهتك بالعطاء وارزقه رزقاً غامراً له.
(ما يزيح علته): أي يزيلها عن الرشوة والتباعد عن الأطماع الباردة والتهور فيها.
(وتقل معه حاجته إلى الناس): يريد أنك إذا أعطيته عطاء فاضلاً لم يحتج إلى أحد من الخلق في قليل ولا كثير.
(وأعطه من المنزلة لديك): من رفع المكانة وإشادة المنزلة من جهة نفسك.
(ما لا يطمع فيه أحد من خاصتك): الضمير في قوله: فيه له معنيان:
أحدهما: أن يكون عائداً إلى الحاكم، وأراد ما لايطمع أحد من الخاصة في السعاية به إليك، ويأمن ذلك.
وثانيهما: أن يكون عائداً إلى نفس المعطي، وغرضه وأعطه من الإنصاف ما لا يطمع فيه أحد من الخاصة فيكون له مثل حقه.

160 / 194
ع
En
A+
A-