(وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله): إزالتها وتحويلها.
(وتعجيل نقمته): عقوبته وعذابه.
(من إقامة على ظلم) : سواء كان ذلك ظلماً في عِرْضٍ، أو ظلماً في حق، أو مال، أو غير ذلك من أنواع الظلامات، ولهذا نكَّره أي ظلماً أي ظلم كان.
(وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق): لما ورد في الحديث:((خير الأمور أوساطها ))، ولأن الوسط أقرب إلى جانب الإنصاف من غير إفراط في الأمر ولا تفريط فيه.
(وأعمَّها في العدل): أجمعها لمعانيه، وأشملها لمقاصده.
(وأجمعها لرضاء الرعية): فإن في رضاهم صلاح الأمر، وقوام قانونه.
(فإن سُخْطَ العامة يجحف برضاء الخاصة): الإجحاف: الإذهاب، ومنه سيل جحاف أي يذهب بكل شيء، وأراد أن العامة مهما سخطت عليك تغير الأمر، ورضا الخاصة لا وقع له مع ذلك لذهابه عند سخط العامة.
(وإن سُخْطَ الخاصة يغتفر مع رضاء العامة): الغفر: التغطية، ومنه المغفر، وغفر الله ذنوبه إذا غطاها وسترها، وأراد أن أهل البطانة والخاصة إذا غضبوا فإنه لا يضر مع كون العامة راضين.
(وليس أحد أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء): لأنهم يسألون الكثير ولا يقنعهم.
(وأقل معونة له عند البلاء): لنكوصهم وإعراضهم.
(وأكره للإنصاف): من أنفسهم الحق.
(وأسأل بالإلحاف): يريد الإلحاح، وألحف السائل في سؤاله إذا ألح، وعن هذا قيل: ليس للملحف مثل الرد .
(وأقل شكراً عند الإعطاء): لما يظهر في نفوسهم من استقلاله، وازدراء النعمة عليهم.
(وأبطأ عذراً عند المنع): يريد أنهم إذا منعوا عن العطاء فهم أبطأ الناس وأعظمهم تأخراً عن العذر عند منعهم، وحرمانهم عن المعروف والإحسان.
(وأضعف صبراً عند ملمات الدهر): ألم الخطب إذا خالط وعظم، وأراد أنهم لا يصبرون عن الخطوب العظيمة، والنوازل الكريهة.
(من أهل الخاصة): الأقارب والعشيرة، والبطانة من الأصحاب والأخدان.
(وإنما عمود الدين): الذي يستقيم به.
(وجماع المسلمين): معظم أمرهم، ومجتمع رأيهم.
(والعدة لأعداء الملة): والأمر الذي يعد ويهيأ لمن كان عدواً للدين والإسلام.
(العامة من الأمة): هم العامة من الأمة، فإنهم الأساس للدين، وعليهم تدوار عموده.
(فليكن إليهم صِغْوُك): صغا إلى كذا إذا مال إليه، ومنه قولهم: صغت النجوم إذا مالت عند غروبها، وأراد الإصغاء إلى أحاديثهم، والتفطن لما تقوله من غير إعراض عن ذلك.
(وميلك معهم): أراد أنك تكون مصاحباً لهم في أكثر حالاتك.
(وليكن أبعد رعيتك منك): أقصاهم مكاناً، وأكثرهم تأخراً.
(وأشنأهم عندك): أبغضهم إليك، والشناءة: هي البغض.
(أطلبهم لمعايب الناس): المعاب والمعيبة: العيب، وهو ما يكون فيه الذم واللوم.
(فإن في الناس عيوباً): وفي الحديث: ((إذا أراد الله بعبد خيراً بصَّره عيوب نفسه )) .
ولما قدم سلمان على عمر رضي الله عنه، قال له: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ فاستعفى، فألحَّ عليه.
فقال له: سمعت أنك تجمع بين إدامين على مائدتك، وأن لك حلتين: حلة بالليل، وحلة بالنهار.
فقال: وهل بلغك غيرهما؟
قال: لا، فقال: أما هذان فقد كفيتكهما، فالعيوب كثيرة في الخلق.
(الوالي أحق من سترها): لأمرين:
أما أولاً: فلأن ذلك من حسن الرعاية، وقد استرعي وهذا من أعظمها.
وأما ثانياً: فلما في ذلك من المصلحة؛ لأنه إذا كان هو الساتر لها مع قدرته وقهره فغيره بذلك أحق وأولى.
(فلا تكشفنَّ عمَّا غاب عنك منها): بَعُدَ عنك خبره، ولم يظهر لك أمره.
(فإنما عليك تطهير ما ظهر لك): بالحدود المشروعة، والآداب المفوضة إلى آراء الولاة، ومصالح استصوابهم في الزيادة والنقصان.
(والله يحكم على ما غاب عنك): بما قد شرع من الوعيد العظيم عليها، والعقوبة في الآخرة.
(فاستر العورة ما استطعت): بقدر إمكانك وقوتك على ذلك، وفي الحديث: ((أنا ستار، فمن ستر على أحد من خلقي سترت عليه )).
(يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك): من العيوب التي تلام عليها، وعن هذا قال بعضهم:
لا تَكْشِفَنْ عن مساوى الناس ما ستروا
فيكشف الله ستراً من مساويكا
(أطلق عن الناس عقدة كل حقد): الحقد: الضغن الكامن، وأراد هاهنا أطلقه عن قلبك بإظهار البشاشة في وجهك، والسرور في قلبك.
(واقطع عنك سبب كل وتر): وتره حقه إذا نقصه إياه، قال تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }[محمد:35]، والموتور هو: المقتول الذي لم يؤخذ بدمه، واستعاره من ذلك، وغرضه قطع التذكار لما سلف من الجرائم، والذحول المتقدمة.
(وتجاف من كل ما لا يضح لك): مما يوجب الحد، أويوجب التعزير والأدب، وفي الحديث أنه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إنّي قبَّلتُ امرأة فأعرض عنه، وقال: ((توضأ وصلِّ معنا)).
(ولا تعجلنَّ إلى تصديق ساعٍ): بمكر أو وشاية.
(فإن الساعي غاش): لك لا محالة بإيصاله إليك معائب الناس، ونقصهم عندك.
(وإن تشبه بالناصحين): لك لأنه في الظاهر يريد نصحك بما أهدى إليك من ذكر معائب الناس، وهذا هو الغش بعينه لما فيه من الفساد والرذالة .
(لا تدخل في مشورتك بخيلاً): يريد إذا جمعت جمعاً من إخوانك للاستشارة فيما يعرض من أمورك وإصلاح حالك وقوام دولتك، فلا يكن من جملتهم بخيل في معروفه وفضله، فإنه لا محالة.
(يعدل بك عن الفضل): إما عن أفضل الأمور وأعلاها، وإما عن الإحسان والمعروف، وكله نقص وخطأ.
(ويعدك الفقر): من أجل بخله وضنته، فلا يزال يتوهم الفقر، ويعمل عليه.
(ولا جباناً): الجبن: الخور والفشل، وأراد ولا تدخل من يغلب عليه الجبن والفشل، فإنه لا محالة:
(يضعِّفك عن الأمور): أي يقل جسرتك على الأمور المهمة، ويفتِّرك عن مقاساة الشدائد العظيمة مما يكون زيادة في قدرك، وعظماً في أمرك.
(ولا حريصاً): الحرص: التهالك في الحفظ والضِّنة.
(يزين لك الشره بالجور): يحسن في عينيك الحرص، فيكون ذلك سبباً في التسرع إلى الجور.
(فإن البخل والجبن والحرص): وغير ذلك من المساوئ.
(غرائز شتى ): طبائع وشيم وخلائق.
(يجمعها سوء الظن بالله): لأن من وثق بالله وبعطائه وخيره جاد بكل ما تحويه يده، اتكالاً على عوض الله وخيره، ومن أساء الظن بالله أقدم على هذه الخلائق .
(شر وزرائك من كان وزيراً للأشرار قبلك ): الوزير: هو الذي يتحمل الأثقال وينهض بالأعباء، وغرضه هو أن أبعدهم عن الحق وأعظمهم شراً عليك، من مارس الظلمة قبلك، وكان متحملاً لأثقالهم، فمن هذه حاله لا تعدم مضرة من جهته.
(ومن شركهم في الآثام): بدخوله معهم فيها، واتخاذهم إياه ذريعة إلى المآثم والمظالم.
(فلا يكوننَّ لك بطانة): لفساد دينه وإهلاك آخرته بما فعل من ذلك لغيره.
(فإنهم أعوان الأثمة): أعوانهم على تحصيل الآثام وكسبها.
(وإخوان الظلمة): المؤاخين لهم على أخذ المظالم وخضمها وقضمها، فإن فعلت ذلك كنت شريكاً لهم.
(فأنت واجد منهم): في الظلم والإثم.
(خير الخلف): بعدهم وأفضلهم في السيرة، وأحرزهم في الديانة.
(ممن له مثل آرائهم ونفاذهم): في الأمور، وحسن تدبيرهم وإتقان سياستهم.
(وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ): الآصار: جمع إصر، والأوزار: جمع وزر، وهي: الأعباء والأثقال عليهم ، فهؤلاء خير الخلف بعد السابقين لهم.
(ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه): يكون عوناً له وقوة لعضده، وردفاً له عند حاجته إليه في ذلك.
(ولا آثماً على إثمه): ولا يكون عوناً له فيما يكسبه من المآثم والأوزار.
(أولئك أخف عليك مؤونة): لسهولة الحال فيهم، وقلة أثقالهم.
(وأحسن لك معونة): في تدبير الأمور والإرشاد إلى الطاعة، والقربة إلى الله تعالى.
(وأحنى عليك عطفاً): الحنو: هو الشفقة، والعطف: الرحمة، وأراد أعظم عليك رحمة وشفقة.
(وأقل لغيرك إلفاً): يريد أنهم لا يألفون غيرك، ولا يخالطون سواك.
(فاتخذ أولئك خاصة بخلواتك ): عند المخاضة في الأمور المهمة في الأوقات الخالية والساعات الخفية.
(وحفلاتك): وعند المحافل العظيمة، والمشاهد المجتمعة.
(ثم ليكن آثرهم عندك): أحقهم بالإيثار والتمكن وعلو المنزلة.
(أقولهم بمرِّ الحق لك): أنطقهم بالحق، وإن كان مرّا على من سمعه؛ لأن من هذه حاله فهو ناصح لله ولك.
(وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه): وأكثرهم تأخراً عنك في الأمور التي كره الله لأوليائه فعلها والتلبس بها.
(واقعاً ذلك من هواك حيث وقع): يعني افعل ذلك وواظب عليه سواء كان مخالفاً لهواك أو موافقاً له، وانتصاب واقعاً على الحال من فعل مقدر تقديره ما فسرنا به كلامه، ومن هذه لابتداء الغاية.
(والصق بأهل الورع والصدق): كن لاصقاً بهم في جميع أحوالك وتقلباتك، وأكثر المخالطة لهم حتى كأنك ملاصق لهم.
(ثم رُضْهُمْ على ألاَّ يطروك): أدبهم بأدبك واجعلهم مرتاضين على ترك المدح لك، وإنما قال: رضهم، ولم يقل: انههم يشير بذلك إلى حسن الممارسة وجودة السياسة لما في النهي من الخشونة والانزواء مع الوحشة.
(ولا يبجحوك بباطل لم تفعله): التبجح: الفرح والسرور، وأراد ولا يدخلون عليك المسرة بالأباطيل والأكاذيب تقرباً إليك.
(فإن كثرة الإطراء): المدح.
(تحدث الزهو): الخيلاء والفخر.
(وتدني من العزة): التكبر والأنفة.
(ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء): يعني لا يكونان بالإضافة إلى تعظيمك وقربك وإنصافك وإدنائك وجميع تصرفاتك، على السوية من غير تفرقة بينهما، ولا فضل لأحدهما على الآخر.
(فإن في ذلك): يشير إلى المساواة لهما.
(تزهيداً لأهل الإحسان في إحسانهم): ترغيباً لهم عنه، لأنهم موقعون في أنفسهم عدم ثمرته وإبطال فائدته، فيدعوهم ذلك إلى تركه وترك التعلق به لما ذكرناه.
(وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة): التدريب : بدال بنقطة من أسفلها هو العادة، يقال: فلان له دُرَبَةٌ بالخير أي عادة، وبذال بنقطة من أعلاها هو: الحدة في الأمر، من قولهم: فلان ذرب اللسان أي حديده، والأول هو الوجه، وهو سماعنا في الكتاب، وأراد إما يكثر اعتيادهم لها، وإما يزيدهم حدة فيها وجرأة عليها.
(وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه): من ذلك يعني خصهم بحكم ما خصوا به أنفسهم من أحكام الإحسان أو بأحكام الإساءة.
(واعلم أنه ليس شيء بأ دعى إلى حسن ظن والٍ برعيته): أراد أن الذي يدعو الوالي إلى أن يكون محسناً للظن بالرعية، وإلى عدم التهمة لهم في جميع أحوالهم وأمورهم.
(من إحسانه إليهم): لأنه إذا كان محسناً عليهم دعاه ذلك إلى تحسين الظن بهم والمحبة لهم.
(وتخفيفه المؤونات عليهم ): يعني ولا تحملهم الأمور الصعبة، ولا تكلفهم الأشياء الشاقة.
(وترك استكراهه إياهم على ما ليس قِبَلَهم ): أي ولا يكرههم على أخذ ما لا يتعلق بهم ولا يكون متوجهاً عليهم، فإن هذه الأمور كلها تكون داعية إلى حسن ظنه بهم، وسلامة خاطره وقلبه في حقهم.
(فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك): يعني فاجتهد في تحصيل ما يكون سبباً في حسن ظنك بهم.
(فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً): يريد أن حسن الظن يسد عنك أبواباً كثيرة في المحتملات، لو اجتهدت في العناية في سدها وعلاجها لكان ذلك يحصل بنَصَبٍ عظيم ومكابدة شديدة، وحسن الظن يرفع ذلك عنك، ويغلق عنك تلك الأبواب والاحتمالات.
(وإن أحق من حَسُنَ ظنك به): من كان ظنك في حقه صالحاً لا ميل فيه ولا اعوجاج في طريقه.
(لمن حَسُنَ بلاؤك عنده): هو الذي أحسنت إليه وأعطيته وأوليته المعروف؛ لأنه يقع منه موقعاً عظيماً.
(وإن أحق من ساء ظنك به): من كان ظنك سيئاً في حقه.
(لمن ساء بلاؤك عنده): هو الذي حرمته إحسانك ومنعته معروفك.
(ولا تنقض سنة صالحة): تبطل العمل بها وتمحو رسمها بإهدارها.
(عمل عليها صدور هذه الأمة): الصدور: جمع صدر وهو العالم النحرير، وأراد أهل الصلاح من هذه الأمة المتقدمون في أوائلها، فإن عملهم عليها هو الحق.
(واجتمعت بها الألفة): يعني كانت سبباً في الألفة واتفاق الكلمة وجمعها.
(وصلحت عليها الرعية): وكانت سبباً في صلاح الرعية وجمع شملهم.
(ولا تحدثنَّ سنة تضر بما مضى من تلك السنن): تبطلها وتفسدها.
(فيكون الأجر لمن سنها): فعلها ودعا إليها.
(والوزر عليك): يعني الإثم متعلق بك.
(بما نقضت منها): في إبطالها وتغييرها، وأراد في جميع هذا كله ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنه لا سبيل لأحد إلى نقضه وإبطاله، وكيف لا وإجماعهم قاطع فيما تعلق به ، فيكون ما عداه خطأ وضلالة، وبدعة وجهالة.
(أكثر مدارسة العلماء): أراد إما الوقوف معهم والدرس عليهم، وإما أن يريد مناطقتهم في المسائل ومراجعتهم عليها، فإن مجالسة العلماء زيادة في الدين وإصلاح للبصيرة، وبعد عن الزلل، وتذكر لأحوال الآخرة.
(ومثافنة الحكماء ): المثافنة: المجالسة والقعود معهم، أخذاً لها من ثفنة البعير، وهو ما يقع على الأرض من أعضائه كالصدر والركبتين وغيرهما.
سؤال؛ من هم العلماء، ومن هم الحكماء، حتى فرق بينهما ها هنا؟
وجوابه؛ هو أن الحكماء هم الزهاد؛ لأنهم أحكم الناس، لأنهم آثروا الآخرة على الدنيا وأعرضوا عن الفاني، وقيل: هم العالمون العاملون بما علموا، فمن جمع إلى العلم العمل به فهو الحكيم بعينه.
(في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك): في معاملاتهم ومقدار ما يؤخذ منهم من الأموال في الضيق والسعة والرخاء والقحط، وغير ذلك من الأمور المصلحة للأحوال.
(وإقامة ما استقام به الناس قبلك): من الخلفاء في أمر الرعية، واعتمد ذلك في سيرتك معهم ومعاملتك لأحوالهم، فإن فيه صلاحاً لما أنت فيه.
ثم أردف ما ذكره بالرعية وبيان طبقاتهم بقوله:
(واعلم أن الرعية طبقات): يريد أنهم وإن اشتركوا في الرعاية وأنهم تحت حكم الله تعالى وحكمك، فهم على أنواع مختلفة وطبقات متفاوتة.
(لا يصلح بعضها إلا ببعض): أي أن كل واحد من هذه الطبقات صلاح في الطبقة المخالفة.
(ولا غنى ببعضها عن بعض): يريد أن كل واحد منها مفتقر إلى الأخرى كما قال تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً }[الزخرف:32]، فكل واحد منهم يعود بالمنفعة على صاحبه من غير عناية منه لذلك ولا إرادة.
(فمنها جنود الله): وهم عساكر الإسلام وأهل الإيالة ، وإنما قدمهم على سائر الطبقات لما يحصل للإسلام بسببهم من القوة والأبهة العظيمة، ولما يقع في نفوس أعدائه من أجلهم من الخيفة والمهابة، فإن بهم قوام الدين وشدة أمره.
(ومنها كُتَّاب العامة والخاصة): فأما العامة فهم الزرعة وأهل الحرف والصناعات، وأما الخاصة فهم البطانة والشعار المتولي من أهل دولته، والحافظين لأمره، والمتولين لإصلاح أحواله.
(ومنها قضاة العدل): الحكام والمتولين للفصل لشجار الخلق وقطع لجاجهم ودفع خصوماتهم، العادلين في أحكامهم من غير حيف ولا ميل فيها.
(ومنها عمال الإنصاف والرفق): أراد الكتاب والعمال على الخراج والصدقات وكُتَّاب الشروط وغير ذلك.
(ومنها أهل الجزية): وهم الذين أقروا على أديانهم مع التزام الجزية، إذا كانوا أهل كتب نحو اليهود والنصارى.
(والخراج من أهل الذمة): وهو ما يؤخذ من أموالهم على جهة الخراج مما يضطرب فيه من هذه الأموال.
(ومسلمة الناس): الضعفاء والمساكين، والمسلمين من الأمة.
(ومنها التجار): المضطربين في البلدان لزيادة الأموال ونمائها.
(وأهل الصناعات): العائدين بهذه الارتفاقات على الناس من أجل صناعاتهم.
(ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة): وإنما أخرهم لضعفهم، وازدراء الأعين لهم، ولهذا سماهم الطبقة السفلى إشارة إلى ما ذكرناه من حالهم.
(وكل قد سمى الله سهمه): وكل من ذكرت من هؤلاء قد أعطاه الله تعالى حظه من ماله.
(ووضع على حده وفريضته): يعني أنه أعطاه ما يستحقه من ذلك على قدر حاله وحاجته.
(في كتابه أوسنة نبيه [صلى الله عليه وآله] ): يعني تحديد نصيبه مذكور في الكتاب أو في السنة.
(عهداً منه عندنا محفوظاً): الضمير للرسول أي عهده إلينا، وعهده محفوظ عندنا لا نخالف في ذلك.
(فالجنود بإذن الله): بأمره في تجنيدهم وعلمه بما فيهم من النفع للإسلام.
(حصون الرعية): يلجأون إليهم عند النوائب، ويحرزون بهم أنفسهم عن أعداء الله وأعداء الإسلام.
(وزين الولاة): لما يحصل لهم فيهم من الجمال وحسن الهيئة والمنظر ونفوذ الأمر.
(وعز الدين): عن أن يضام أو تبطل قاعدة من قواعده، وتمحى رسومه وأعلامه.
(وسبل الأمن): طرق الأمان للخلق، وحراس الإسلام وحفظته.
(وليس تقوم الرعية إلا بهم): إذ لا سبيل إلى حفظ الرعية إلا بقوة الجند وشدة أمرهم وحالهم.
(ثم لا قِوَامَ للجنود): لا تنتظم أحوالهم ولا تستقيم صورتهم .
(إلا بما يخرج الله لهم من الخراج): فرضه من هذه الحقوق في جميع الأموال وأصنافها، ما أخرجت الأرض مكيلاً أو غير مكيل، وما وصف على هذه النقود وأموال التجارة، وغير ذلك من أصناف الأموال.