(ولا دابة يعتملون عليها): كالبقر للحرث والزراعة، والإبل للحمل، والدواب التي للاعتمال والاضطراب، فأما ما عدا ذلك من الدواب كالخيل والسوائم، وغير ذلك مما لا مضرة عليهم في بيعه فيؤخذ منه.
(ولا عبداً): للخدمة يضر بصاحبه فقده.
(ولا تضربنَّ أحداً سوطاً لمكان درهم): حاصل كلامه هذا أن طلب الخراج فيه سهولة من جهة الشرع ورفاهية لما ذكره من هذه الآداب، وتقرير هذه الوظائف، ولكن إن أعطى صاحب الخراج قُبِلَ منه وإلا فضربه حرام، لا يحل لمكان آدائه .
(ولا تمسنَّ مال أحد من الناس): لما ورد عن الرسول: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه )) .
(مصلٍ ولا معاهد): من أهل الصلاة والإسلام فإنه قد أحرز ماله بإسلامه، ولا معاهد من أهل الذمة كاليهود والنصارى، فإن هؤلاء لا يحل شيء من أموالهم لأحد.
(إلا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً): في أيدي البغاة عند قتالهم، ولهذا قال:
(يعدى به على أهل الإسلام): يتعدى عليهم بالقتال به، ويبغي عليهم:
(فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام): فيكون سبباً للقوة والاستظهار على المسلمين، ولا يُتْرَكُ في أيديهم.
(فيكون شوكة عليه): أي قوة.
(ولا تدِّخروا أنفسكم نصيحة): ولكن ابذلوها لله تعالى ولرسوله، وللأئمة ولسائر المسلمين، فالدين هو النصيحة.
(ولا الجند حسن سيرة): أي ولا تكتموا الجند تعليم حسن السيرة.
(ولا الرعية معونة): أي وأعينوا الرعية بما أمكن في أمورهم.
(ولا دين الله قوة): ولا تتدخروا عنه ما يكون قوة في حاله.
(وأبلوا في سبيل الله): أي أعطوا، من قولهم: أبلاه الله بلاءً حسناً إذا أعطاه، ومنه قولهم: أبليته معروفاً أي أعطيته.

(ما استوجب عليكم): ما طلب وجوب الإعطاء فيه، وهي الأمور المفروضة في الأموال، وقد عرفها وأعلم بها.
(فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم): أي وضع صنائع ونعماً عندنا وعندكم، يعني معاشر الأئمة بما فضلهم، وأوجب طاعتهم، ومعاشر الرعية بما رزقهم، وأعطاهم من الخيرات.
(أن نشكره بجهدنا): أي من أجل أن نؤدي شكره على حد طاقتنا.
(وأن ننصره ما بلغت قوتنا): ننصر دينه مقدار القوة في ذلك.
(ولا قوة): لنا على ذلك الذي أوجبه علينا.
(إلا بالله): بتقوية الله لنا، وإعانته ولطفه بنا.
(العلي): المتعالي بنعمه، أو المتعالي عن شبه الممكنات بذاته.
(العظيم): فلا يمكن وصفه، أو لا يمكن بلوغ غاية شكر نعمه [جلّ وعلا] .

(52) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أمراء البلاد في معنى الصلاة
وإنما فعل ذلك ليعلم أنه لم يبق شيئاً من معالم الدين إلا أوضحه، ولا طريقاً في تعليم الخير إلا سلكه، ولقد أبان لمن تحقق وأبصر، ورمز إلى المواعظ لمن اتعظ واعتبر.
(أما بعد؛ فصلوا بالناس الظهر حين تفيء الشمس مثل مربض العنز): اعلم أن المعتمد في تقرير الوقت المشروع للصلاة، ما رواه ابن عباس عن الرسول أنه قال: ((أمَّني جبريل عند باب البيت مرتين ، فصلَّى بي الظهر حين زالت الشمس، وصلَّى بي العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وصلَّى بي المغرب حين أفطر الصَّائم، وصلَّى بي العشاء حين غاب الشَّفق الأحمر ، وصلَّى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم عاد فصلَّى بي الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وصلَّى بي العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وصلَّى بي المغرب كصلاتي بالأمس، وصلَّى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل، وصلَّى بي الصبح حتى كاد حاجب الشمس يطلع، ثم قال: يا محمَّد، الوقت ما بين هذين الوقتين )) فهذه هي الأوقات المشروعة من جهة الرسول للصلاة.
فأما أمير المؤمنين فقد اختار هاهنا أموراً على قدر المصلحة نذكرها ونظهر وجهها، فبدأ بالظهر تأسياً بجبريل، فقدَّر فيها رجوع الشمس مثل مربض العنز في ناحية المشرق ، فاختار إدخال نصف الذراع في الوقت، ووجهه ما ورد عن الرسول: ((أبردوا عن الصلاة بالظهر، فإن شدة الحرِّ من فيح جهنم)) ، فالإبراد سنة على هذا خاصة في الحجاز، فإن الحرِّ فيه شديد.
(وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء): ليس فيها اصفرار.
(حية): لم يضعف ضوؤها.
(في عضو من النهار): أي في بعض كثير منه.

(حين يسار فيه فرسخان): [ستة أميال] يأتي نصف بريد؛ لأن البريد أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، فيأتي الفرسخان ستة أميال من اثني عشر، وهي البريد، فكلامه في العصر يدل على بعض تأخر ليس بالكثير.
(وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم): يعني حين تغيب الشمس، ولا خلاف أن وقت وجوبها متعلق بغروب الشمس، ولكن الخلاف إنما هو في أمارة الغروب.
(ويدفع الحاج ): يسير من عرفة إلى مزدلفة، فإنه أيضاً يتعلق بالغروب.
(وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق): يريد الأحمر.
(إلى ثلث الليل): يشير إلى أن وقت اختيارها إلى ثلث الليل.
(وصلوا بهم الغداة): يعني صلاة الصبح.
(والرجل يعرف وجه صاحبه): يشير إلى أن الإسفار هو المستحب، كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر )) ، وقد ورد أنه كان في آخر عمره [يداوم] على التغليس بها، ثم لأصحابنا وللفقهاء في هذه الأوقات اضطراب عظيم، وليس من همنا ذكره.
(وصلوا بهم صلاة أضعفهم): يريد في صلاة الجماعة، كما جاء عن الرسول:((صلوا بهم صلاة أضعفهم )) .
(ولا تكونوا فتانين): تفتنون الناس بإطالة الصلاة عليهم جماعة، والفتنة: البلوى، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ }[الدخان:17].

(53) ومن عهد [له عليه السلام] كتبه للأشتر النخعي حين ولاه مصر وأعمالها، لما اضطرب أمرمحمد بن أبي بكر رضي الله عنه وهو أطول عهد كتبه، وأجمعه للمحاسن
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين): اسم الله مكتوب في صدر كل كتاب من كتبه، وكل وصية من وصاياه، ولكنها أسقطت لما كانت مجموعة في كتاب واحد، وكيف لا وهو أحق الناس بالعمل على السُّنة وملاحظة أدبها.
(مالك بن الحارث الأشتر): يحتمل أن يكون تلقيبه بالأشتر؛ لانقلاب جفن عينه، ويحتمل أن يكون ذلك أخذاً له من لقب الديك، فإنه يسمى أشتر، وإنما لقب بذلك وصفاً له بالشجاعة، وتشبيهاً له في لقط الرجال في الحرب بالديك في لقط الحبوب وانتقائها.
ويحكى أن الطرمِّاح دخل يوماً على معاوية، وكان من أصحاب أمير المؤمنين، فقال له معاوية: قل لابن أبي طالب: إني قد جمعت من العساكر بعدد حبات جاورس الكوفة، وها أنا قاصده، فقال له الطرمِّاح: إن لعلي ديكاً أشتر يلتقط جميع ذلك، فانكسر معاوية لكلامه .
(في عهده إليه حين ولاَّه مصر): جعله أميراً فيها ووالياً على أمورها.
(جبوة خراجها): الجبوة والجباوة هو: أخذ الخراج، والواو فيهما على غير قياس، والوجه فيهما الياء.
(وجهاد عدوها): من كان معادياً لها.
(واستصلاح أهلها): القيام فيهم بما يصلحهم في أمور الدين والدنيا.
(وعمارة بلادها): بالعدل فيهم والسيرة الحسنة.
(أمره بتقوى الله): اتَّقاه في ملاحظة أمره ونهيه.
(وإيثار طاعته): آثرته بكذا إذا جعلته أحق به، وأراد إيثارها على كل شيء من الأعمال.
(واتباع ما أمر به): فعله والاحتكام له.

(في كتابه من فرائضه وسننه): مما أوعد على تركه بالعقاب، وهو الفرض، وما لم يكن حاله كذلك وهو عبارة عن السنة، والفرض والواجب أمر واحد، ومن خالف في ذلك فخلافه متعلق بالعبارة لا غير.
(الذي لا يَسْعَدُ أحد إلا باتِّباعها): امتثالها والإتيان بها، والسعادة هي: إحراز الجنة.
(ولا يشقى أحد إلا مع جحودها): إنكارها.
(وإضاعتها): إهمالها واطّراحها، والشقاوة: الخسارة بالوقوع في النار.
(وأن ينصر الله بيده): في تغيير المنكر.
(وقلبه): بأن يكون كارهاً له.
(ولسانه): بالنهي عنه والذم لمن فعله.
(فإنه جلَّ اسمه قد تكفَّل بنصر من نصره): حيث قال تعالى : {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ }[الحج:40].
(وإعزاز من أعزَّه): برفع درجته، وإعلاء كلمته وإنفاذها.
(وأمره أن يكسر نفسه عند الشهوات): كسرالنفس: وضعها عن العلو وإنزالها عند السمو، ومخالفتها في كل ما تريده وتهواه.
(ونزعها عند الجمحات ): كفَّها عند تقحمها والوثبات لها على ما يهلكها، ثم تلا قوله تعالى: (ف‍{إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ })[يوسف:53]: في جميع حالاتها.
({إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي })[يوسف:53]: بالتدارك بالألطاف الخفية، والحماية عن الشر بالتوفيقات المصلحية.
واعلم: أن رياضة النفس هي من أهم المقاصد، وأجل المطالب بتصفيتها عن الأخلاق المذمومة؛ لتكون واصلة إلى سعادة الأبد، ونعيم السرمد.
(ثم اعلم يا مالك): ناداه باسمه على جهة الملاطفة.
(أني قد وجهتك إلى بلاد): مصر وأعمالها.
(قد جرت على أهلها دول قبلك): الدول: جمع دولة بالفتح، وهي: ما يتداوله الناس بينهم مرة لهذا ومرة لذاك.
(من عدل وجور): يريد من استقامة طرقهم في العدل، واعوجاجها في الجور.

(وأن الناس ينظرون من أمورك): أفعالك وأحوالك كلها.
(في مثل ما كنت تنظر فيه من أمر الولاة قبلك): من المعاملة وحسن السيرة، وطيب المعاشرة، وغير ذلك من الأحوال.
(ويقولون فيك ما كنت تقوله فيهم): من الثناء الحسن أو خلافه.
(فإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده): من الثناء الحسن والذكر الجميل، وفي الحديث: ((لو أطيع الله من وراء سبعين باباً لأظهره الله )) وهكذا حال المعصية.
(فليكن أحب الذخائر إليك): الذخيرة: واحدة الذخائر، وهو : ما يخبأ.
(العمل الصالح ): إما الذي أصلح حال صاحبه في القيامة، أو الصالح الذي يصلح للقبول عند الله تعالى.
(فاملك هواك): أراد لا تكون سيقة له، ولا يكون مالكاً لك فتهلك.
(وشُحَّ بنفسك عمَّا لا يحل لك): أراد اقبضها عن فعل ما لا يحل فعله، ولا تبذلها فيه.
(فإن الشح بالنفس): وهو منعها.
(الإنصاف منها فيما أحبت و كرهت): أراد أنك إذا ملكتها وشححت عليها فقد انتصفت منها في مرادها ومكروهها.
(وأشعر قلبك الرحمة للرعية): اجعل الرحمة شعاراً له تلاصقه في حالاته كلها.
(والمحبة لهم): الشفقة والحنو عليهم.
(واللطف بهم): في جميع أمورهم.
(ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً): في معاملتك لهم، التي من طبعها العداوة والافتراس.
(تغتنم أكلهم): تجعل أكلهم بمنزلة الغنيمة التي لا تبعة في أخذها.
(فإنهم صنفان): يريد على تفاوت أخلاقهم وبيان طرقهم، لا ينفكون عن نوعين:
(إما أخ لك في الدين): وإن كانت رتبتك فوق رتبته، فأنتما سواء من جهة الأخوة في الدين.
(وإما نظير لك في الخلق): مماثل لك في الطبائع والسجايا.
(يفرط منه الزلل): يتقدم منه، ومنه الفارط وهو: الذي يتقدم القوم لطلب الماء.

(وتعرض لهم العلل): في أجسامهم ومقاصدهم وأغراضهم.
(ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ): ويعرض لهم الزلل والخطأ في تصرفاتهم عمدها وخطئها، وفي الحديث: ((الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة )) .
(فأعطهم من عفوك): عن زللهم.
(وصفحك): عن خطأهم.
(مثل الذي تحبُّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه): يريد اجعل حالهم بالإضافة إليك على مثل حالك بالإضافة إلى الله تعالى، فإذا كنت تحبُّ عفوه وصفحه مع استغنائه عنك، فهم أيضاً يحبُّون عفوك وصفحك، مع افتقارك إليهم في أكثر الأمور.
(فإنك فوقهم): بما جعل لك من الولاية عليهم، والتصرف في أمورهم.
(ووالي الأمر عليك فوقك): يريد والإمام الذي ولاَّك مَالِكٌ لتصرفك أيضاً.
(والله فوق من ولاّك): وهذه الفوقية هي فوقية القهر والسلطنة، والاحتكام والولاية، لا فوقية الجهة في جميع مواقعها هاهنا.
(وقد استكفاك أمرهم): طلب منك، والضمير لله تعالى أو للإمام، أن تكون كافياً فيما يحتاجون إليه من أمور دينهم.
(وابتلاك بهم): امتحنك بالتصرف عليهم واختبرك في ذلك.
(لا تنصبن نفسك لحرب الله): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد لا تفعل شيئاً من المعاصي التي تكون مؤدية لحرب الله تعالى، نحو أكل الربا، فإن الله تعالى أوعد عليه بالمحاربة، كما قال تعالى : {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ }[البقرة:279].
وثانيهما: أن يكون غرضه لا تحاربنَّ أولياء الله من المؤمنين وأهل الصلاح، فتكون في الحقيقة محارباً لله بحرب أوليائه .
(فإنه لا يَدَىْ لك بنقمته): أي لا طاقة لك بعقوبته، وإنما حذفت النون للإضافة، واللام هاهنا مقحمة مؤكدة للإضافة.

(ولا غنى لك عن عفوه ورحمته): أي لا يعقل لأحد غناء من دون رحمة الله وعفوه لكل مخلوق، فكل غنى ليس فيه رحمة من الله ولا عفو فهو باطل كذب.
(ولا تندمنَّ على عفو): عن عقوبة عن جريمة لأحد من الخلق، فإن الله تعالى قد ندب إليه مطلقاً، ولا حالة يمكن قبحه فيها.
(ولا تبجحنَّ بعقوبة): التبجح: إظهار التكبر والفرح بما أصابه من تلك العقوبة، وأراد لا تفرح بذلك.
(ولا تُسْرِعنَّ إلى بادرة): البادرة: ما تسرع النفس إليه.
(وجدت عنها مندوحة): المندوحة: السعة، وأراد لا تعجل إلى ما تدعو إليه النفس من بوادر السوء من فعل أو قول، ما دام لك عنها سعة في تركها، والتغاضي عنها.
(ولا تقولن: إني مؤمر آمر فأطاع): يعني لا تحدثك نفسك وتزين لك الإسراع إلى البوادر، وتوقع في نفسك أن تقول: أنا أمير على ما تحت يدي من هذه الولاية، وأمير على هذه الرعية، فلا بد لهم من الانقياد لي في كل ما أمرت به.
(فإن ذلك إدغال في القلب): إفساد له وإبطال لقاعدة أمره.
(ومنهكة للدين): إضعاف له، يقال: نهكته الحمى إذا أضعفت قواه وحواسه.
(وتقرُّبٌ من الغِيَرِ): دنو من حوادث الدهر ونوازله.
(وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك): يريد وإذا وجدت في نفسك وانقدح في فؤادك لما ترى من العظمة والإمرة والحالة الجليلة بالسلطنة، ونفوذ الأمر لك :
(أُبَّهةً): العظمة والكبر.
(أو مَخِيلَةً): خُيَلاءَ في حالك.
(فانظر إلى عِظَمِ ملك الله فوقك): تفكَّر في نفوذ ملك الله عليك وقهره لك وسلطانه عليك.
(وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك): وأنه قادر من تدبيرك وتصريفك على ما لا يمكنك القدرة عليه من جهة نفسك.
(فإن ذلك): التفكر.
(يُطَامِنُ إليك): يخفض إليك.

(من طِمَاحِكَ): الطماح: علو النفس وارتفاعها ، وهو مثل الجماح.
(ويكف عنك من غَرْبِكَ): غرب الشيء: حدّه، وأراد يكفُّ حدَّة النفس وشرتها .
(ويفيء إليك ما عزب عنك من عقلك): فاء الشيء إذا رجع، وأراد يرجع إليك ما بَعُدَ من فهمك، وينبِّهك على خطئك في ذلك.
(وإياك ومساماة الله في عظمته): الترفع عليه في عظم كبريائه، من قولهم: سما إذا ارتفع وعلا، و إياك والعلو عليه والتكبر في ذلك.
(والتشبه به في جبروته): والمشابهة له فيما اختص به، وجعله رداءً له وهو الكبرياء.
(فإن الله يُذِلُّ كلَّ جبَّار): بما ادَّعى من تجبُّره وتكبُّره.
(ويُهِيْنُ كل مختال!): أهانه إذا أذلَّه، وأراد يُهِيْنُ كلَّ من تكبّر وتعاظم.
ثم إنه شرع في نوع آخر من الأدب، بقوله:
(أنصف الله): من نفسك في أداء حقوقه الواجبة عليك، وفروضه اللازمة.
(وأنصف الناس من نفسك): بأداء حقوقهم التي هي واجبة عليك.
(ومن خاصَّة أهلك): من يقرب إليك من أهلك وعشيرتك .
(ومن لك فيه هوى من رعيتك): يريد ومن تميل إليه ولك به اختصاص وميل، واتركهم في الحق على سواء ولا تميل عن الحق لأجل اختصاصهم بك.
(فإنك إلاَّ تفعل): ما أمرتك به فيهم من الإنصاف للحق منهم.
(تظلم): لا محالة من كان له حق عندهم.
(ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه): مخاصماً له على مخالفته لما نهى عنه من الظلم.
(دون عباده): أي يتولى خصومته بنفسه دونهم؛ لأن الأمر لله ذلك اليوم.
(ومن خاصمه الله): كان خصيماً له.
(أدحض حجته): حجة داحضة أي باطلة منقطعة عن الحق.
(وكان لله حرباً): لا ينزع عن محاربته.
(حتى ينزع): يقلع عما هو فيه من الظلم.
(ويتوب): يرجع إلى الله تعالى.

158 / 194
ع
En
A+
A-