(تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين): يريد تسفكون دماء المسلمين على غير وجهها، وتعتذرون بقتلي، يريد أن الغيظ والحنق والتشفي تحمل على الزيادة في القتل في أقارب القاتل وأهله، حتى لا يبقى منهم مخبر، وهذه كانت عادة العرب قديماً وحديثاً، إذا قتل منهم رئيس المبالغة في قتل قاتله، وإهدار دماء أهله وأقاربه كما كان في قتل بني بكر لكليب، وما فعله فيهم أخوه، فأراد عليه السلام النهي عن ذلك والكف عنه بقوله:
(ألا لا يقتلنَّ بي إلا قاتلي): من غير زيادة في ذلك كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ }[البقرة:178]، وكيف لا يكون ذلك وهو الذي شرع أمثلة العدل ليحتذى عليها وأوضح مسالك الحق ليهتدى إليها.
سؤال؛ أراه قال: (يا بني عبد المطلب) هاهنا، ولم يقل: يا بني هاشم، مع كون هاشم أجمع لكثير من بطون قريش؟
وجوابه؛ هو أن غرضه هاهنا ذكر من يعنيهم القتل، ويلحقهم عاره ويتعلق بهم ثأره، فلا جرم ذكر بني عبد المطلب لما كانوا أقرب رحماً وأكثر تلاصقاً بالرحم الماسة والقرابة الخاصة.
(انظروا إذا أنا مت): تفكروا في الأمر بعد موتي.
(من ضربته هذه): يحكى أن أمير المؤمنين خرج ليلة لتهجده فضربه ابن ملجم الملعون على قرنه، فجاءه الطبيب فأدخل رية على رأس المجس فخرج دماغه على رأس المجس، فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك؟ فإن عدو الله قد بلغ ، يريد أنه قد بلغ فيك مبلغه في إنفاد روحك وإهراقه.
(فاضربوه ضربة بضربة): يشير إلى المماثلة في القصاص من غير زيادة في ذلك.
(ولا يمثل بالرجل): في القتل.
وروى ما سمعه عن رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] أنه قال: (((إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ))) .
ويحكى أنه عليه السلام لما رأى عمه حمزة قد مُثِّلَ به يوم أحد، فرآه مبقور البطن قد أُكِلتْ كبده، فقال: ((أما والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين فنزلت الآية: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ....}إلى آخرها[النحل:126])) .
سؤال؛ كيف جاز قتل الحسن بن علي لابن ملجم لعنه الله قصاصاً، ولأمير المؤمنين يومئذٍ أولاد صغار، ومذهبكم أنه لا يجوز استيفاء القصاص إلا إذا كبروا؟
وجوابه عند أصحابنا من وجهين؛
أما أولا: فلأنه حكموا بردته؛ بقول الرسول عليه السلام: ((أشقى الأولين عاقر ناقة ثمود ، وأشقى الآخرين قاتلك يا علي)) وأشقى الناس لا يكون إلا كافراً.
وأما ثانياً: فلأنه كان ساعياً في الأرض بالفساد، ولافساد أعظم من قتل أمير المؤمنين، فقتله عندهم إنما كان من جهة هذين الوجهين، لا بالقصاص، والظاهر من كلام أميرالمؤمنين أنه فاسق وليس كافراً، وأن قتله إنما كان على جهة القصاص لا غير.
(48) ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية
(وإن البغي والزور يوتغان المرء في دينه): الإيتاغ: الإهلاك، يقال: فلان يوتغ دينه بالإثم إذا أهلكه.
(ودنياه): أي وهما يهلكان حاله في الدنيا، ويكدران ما هو عليه، وهذان الوصفان يختصان بمعاوية لما هو عليه من المخالفة لأمير المؤمنين، وتزويره في أقواله وأفعاله.
(ويبديان خلله عند من يعيبه): ويظهران نقصه ومعائبه عند من يريد نقصه.
(وقدعلمت أنك غير مدرك ما قُضِيَ ): يعني وأنت تعلم قطعاً ويقيناً أنك لا تقدر بالتحيل ولا بالقوة ما قدر الله.
(فواته): منك، وقضي بامتناعه عليك، ولا لك قدرة على تحصيله وإيجاده.
(وقد رام أقوام أمراً بغير الحق): يريد طلب قوم ولاية أمر الأمة بغير حق لهم في ذلك من الله، ولا من جهة رسوله.
(فتأولوا على الله): أول وتأول بمعنى، وهو: صرف الظاهر إلى غير وجهه لوجه ما، وفيه معنيان:
أحدهما: أن يريد أنهم تأولوا القرآن تصديقاً لما قالوه، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ }[النساء:59]، فقالوا لمن نصبوهم: أنتم أولوا الأمر بنص الله.
وثانيهما: أن يكون غرضه أنهم حلفوا على الله تعالى وتحكمواعليه بالأيمان، وفي الحديث: ((من يتألَّ على الله تعالى يكذِّبْه )) أي من يقسم على الله متحكماً لم يصدقه فيما حلف عليه، وخيب مأموله.
(فأكذبهم الله): إما على الوجه الأول فبقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }[البقرة:124]، وإما على الثاني فبقوله: ((يكذبه الله)).
(فاحذر يوماً): يريد يوم القيامة.
(يغتبط فيه من حَمِدَ عاقبة عمله): الغبطة هي: حسن الحال، أي يحسن حال من كانت عاقبة أعماله فيه محمودة من أهل الدين، والصلاح والخير.
(ويندم): فيه.
(من أمكن الشيطان من قياده): من تمكن الشيطان من جذب زمامه.
(فلم يجاذبه): يملكه عليه ويأخذه من يده مخافة أن يملكه عليه.
(وقد دعوتنا إلى حكم القرآن): أي بما كان منك من الخديعة والمكر بالدعاء إلى كتاب الله تعالى وحكمه.
(ولست من أهله): الضمير إما للقرآن أي لست من أهل القرآن؛ لأن أهله الذين يعملون بأحكامه ويحلون حلاله ويحرمون حرامه، وإما للحكم أي ولست أهلاً لحكمة لمخالفتك له في كل أمورك وأحوالك.
(ولسنا إياك أجبنا): بما كان من كفنا للحرب والمقاتلة، واستئصال الشأفة لك.
(ولكن أجبنا القرآن إلى حكمه): لما دعينا إليه فأجبناه محتكمين لأمره، واقفين عنده.
(49) ومن كتاب له عليه السلام إلى غيره
(أما بعد؛ فإن الدنيا مشغلة عن غيرها): المشغلة هي: الشغل، وأراد أنها ذات شغل عن الآخرة، فمن كان همه الدنيا لاجرم اشتغل بها عن طلب الآخرة، وإرادتها والعمل لها .
(ولم يصب صاحبها منها شيئاً): من لذاتها ونعيمها.
(إلا فتحت له حرصاً عليها): الحرص: أشد الرغبة في الشيء، قال الله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }[يوسف:103].
(ولهجاً بها): ولوعاً وكثرته طلباً لها.
(ولن يستغني صاحبها مما نال منها عما لم يبلغه منها): يعني أن كل ما لم يدركه الإنسان ولا يناله منها فهو مفتقر إليه، وما قد أحرزه منها لا يكفيه عما لم يدركه.
(ومن وراء ذلك): ما أدركه وما لم يدركه منها.
(فراق ما جمع): من حطامها ومتاعها.
(ونقض ما أبرم): ما أحكمه من أموره وأتقنه بالموت وذهابه عنه، وانقطاعه عن يده وانفلاته عنه.
(ولو اعتبرت بمن مضى): من الأمم الماضية، والقرون الخالية كيف تفرق ما جمعوه، وبطل عنهم ما توهموه، من إخلادهم إلى الدنيا، وانقطاعهم إليها.
(حفظت ما بقي): من عمرك وتداركته في فعل الأعمال الصالحة وإحرازها، أو يريد لو اتعظت بمن مضى؛ لكنت أحفظ على ما بقي في الاتعاظ والانزجار به.
(50) ومن كتاب له [عليه السلام] إلى أمرائه على الجيوش
[بسم الله الرحمن الرحيم]
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح): المسالح: جمع مسلحة وهي: الثغر والمرقب، قال الشاعر:
بكل قياد مسنِفة عنود ... أضرَّبها المسالح والغِوار
والمسنفة: بكسر النون هي: الفرس التي تتقدم الخيل في سيرها، وبفتحها: الناقة التي يُشَدُّ عليها بالسِناف وهو: الحبل.
(أما بعد؛ فإن حقاً على الوالي أن لا يغيِّره على رعيته فضل ناله): أراد أن الحق الواجب لله تعالى على من تولى أمر هذه الأمة وتصرف عليهم، أن الله تعالى إذا خصه بفضل وأعطاه كرامة من عنده لم يتغير عمَّا كان عليه قبل ذلك، من التواضع والرفق والنصيحة.
(ولا طَوْلٌ خُصَّ به): أي ولا يغيره ما خصه الله به من الكرم والطَّوْل، عن أن يزيده ذلك رفقاً وتواضعاً لهم.
(وأن يزيده ما قسم الله له من نِعَمِهِ): وأن يكون ما أمده الله به من النعم وخوله من العطاء.
(دُنُوّاً من عباده): قرباً منهم.
(وعطفاً على إخوانه): عوداً عليهم بالمصلحة، ورجوعاً عليهم بالمنفعة، من قولهم: عطفت الناقة على بوِّها إذا رجعت عليه بالإرامة .
(ألا وإن لكم عندي): المتوجه من حقكم، والواجب علي لله من أجلكم.
(ألاّ أحتجز دونكم سراً): أي لا أمنعه بل أفضيه إليكم وأطلعكم عليه.
(إلا في حرب): إلا ما كان مصلحة في تدبير الحرب، ومصالح الجيوش، فإنه لا ينبغي إفضاؤه إلى كل أحد؛ لما في ذلك من المصلحة في الأمر العام وهو الجهاد.
(ولا أطوي دونكم أمراً): أسرُّه، ويكون مطوياً لا يعلم بحاله.
(إلا في حكم): فإن إخفاءه مصلحة لما يرجع إلى الخصومة والتنازع فيها، وفي هذا دلالة على أن الحاكم لا ينبغي منه أن يكون مفتياً، وإنما يحكم في القضية بما أداه إليه رأيه فيها.
(ولا أؤخر لكم حقاً عن محله): محل الدين: أجله، ومحل الهدي: موضعه الذي يُنْحَرُ فيه، وأراد لا أؤخره عن موضعه الذي يستقر فيه .
(ولا أقف به دون منقطعه): يعني ولا أقطعه قبل وقت انقطاعه، وغرضه من هذا كله الوفاء بما يجب الوفاء به من حقوقهم، وإتمامها وإكمالها لهم.
(وأن تكونوا عندي في الحق سواء): لا فضل لأحدكم على الآخر في ذلك، ضعيفاً كان أو قوياً.
(فإذا فعلت ذلك): من نفسي لكم والتزمته.
(وجبت لله عليكم النعمة): بما هداكم إليه من الأحكام، وتعليمكم ما لا تعلمون من سنن من كان قبلكم.
(ولي عليكم الطاعة): بما وفيت به من الحقوق لكم.
(وألاَّ تنكصوا عن دعوة): ترجعوا على أعقابكم عند دعائي لكم، وتتأخروا عن مرادي.
(ولا تفرطوا في صلاح): تهاونوا في إصلاح حال تقدرون على إصلاحه وتتحققون وجوبه عليكم.
(وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق): الغمرات: جمع غمرة وهي: الماء الكثير، وأراد أنكم تجاوزا في الوصول إلى الحق الأمور الصعبة والأهوال العظيمة.
(فإن أنتم لم تستقيموا لي على ذلك): الذي أشرت إليه من امتثال الأمر والمناصحة في كل شيء.
(لم يكن أحد أهون عليَّ ممن اعوجَّ منكم): أراد أنه قد بلغ في الهوان كل غاية من أجل اعوجاجه عن الاستقامة على ما قلته والميل عنه.
(ثم أعظم له العقوبة ): التعزير البالغ والإهانة العظيمة، وفي هذا دلالة على جواز التعزير عند مخالفة الإمام لما يأمر به من أوامر الدين ومصالح الشرع.
(ولا يجد عندي فيها رخصة): أي ولا أتركها طلباً للرخصة في ذلك.
(فخذوا هذا من أمرائكم): أي الذي أشرت إليه ممن كان أميراً عليكم فهو حق واجب عليهم لكم.
(وأعطوهم من أنفسكم): ما فرض الله عليكم من طاعتهم، والامتثال لما أمروا به، وهو:
(ما يصلح الله به أمركم ): في الدين وجهاد أعداء الإسلام.
(51) ومن كتاب له عليه السلام إلى عماله على الخراج
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج): والخراج: هو عبارة عما يؤخذ على هذه الأراضي التي تجعل في يدي أهلها على خراج يؤدونه، افتتحها عمر وجعلها على هذه الصفة ، وهي سواد العراق، وهي ما بين عُبَّادان إلى الموصل في الطول، وما بين القادسية إلى حلوان في العرض ، واستمر ذلك بعد عمر فلم يغيره أمير المؤمنين.
(أما بعد؛ فإن من لم يحذر ما هو صائر إليه): من الأهوال العظيمة كالموت والقبر والإفضاء إلى القيامة، وغير ذلك من الفجائع.
(لم يقدِّم لنفسه ما يحرزها): عن هذه المخافات؛ لأنه إذا كان آمناً لها لم تخطر له على بال ولا هو في شيء منها.
(واعلموا أن ما كلفتم يسير): بالإضافة إلى نعم الله تعالى عليكم، وبالإضافة إلى ما يستحقه من التعظيم.
(وأن ثوابه): الذي جعله الله جزاء عليه.
(كثير): بغير نهاية لا يعلم حاله إلا الله.
(ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف): يريد لو فرضنا فرضاً على جهة التقدير أنه لا يستحق في مقابلة هذه المناهي من البغي والعدوان شيء من العقوبات المخوفة.
(لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه): لكان ما وعد الله على اجتنابه من الثواب العظيم ما لا يعذر أحد في ترك طلبه، فكيف به وقد أوعد عليه هذه العقوبات العظيمة، وفي كلامه هذا دلالة على أن لطلب النفع موقعاً عظيماً في النفوس لا يخفى حاله،وينبغي المواظبة على تحصيله،وتشير إليه العقول، ويدل على أن توقي الضرر أدخل في الاجتناب من طلب النفع لا محالة، ولهذا لو لم يكن في ذلك إلا فوات النفع فكيف بحاله وقد اختص بضرر عظيم لا يقوم له شيء، فهو بالانكفاف لا محالة أحق.
(فأنصفوا الناس): حقوقهم.
(من أنفسكم): وأعطوهم إياها سمحة من جهتكم.
(واصبروا لحوائجهم): أي من أجل قضائها وإنفاذها.
(فإنكم خزان الرعية): تحفظون ما أعطوكم من أموالهم.
(ووكلاء الأمة): يشير إلى العامل على الصدقة هو وكيل صاحب المال، وأمينه على ما دفعه إليه، ولهذا فإن القول هو قوله على ما دفعه إليه.
(وسفراء الأئمة): الذين يختلفون بين الإمام ورعيته، ويسفرون في حوائجهم فيأخذون من الرعية ما أعطوهم، ثم يؤدونه إلى الإمام.
(ولا تحسموا أحداً عن حاجته): بالسين منقوطة من أسفلها، أي لا تقطعوه بما يشغله عنها، وفيه رواية أخرى: بالشين المنقوطة من أعلاها أي ولا تغضبوه ولا تؤذوه عن حاجته.
(ولا تحبسوه عن طَلِبَتِهِ): الطلبة: ما يطلب، أي ولا تمنعوه عن إدراك مطلوبه وإحرازه.
(ولا تبيعنَّ للناس في الخراج): لا تكلفوهم إذا طلبتم منهم الخراج.
(كسوة شتاء): يتوقون به البرد عند شدته.
(ولا صيف): ولا ما يتوقون به الحر عند فورته.