(فشحَّت عليها نفوس قوم): يشير إلى ما كان من تيم وعدي وبني أمية، وإنما عدى شحَّت بعلى؛ لأن الشح في معنى الحرص، فإن فاطمة عليها السلام أخبرت بأن أباها نحلها إياها، فمنعها أبو بكر ذلك ، وكان هذا من أقوى ما يذكر في مطاعن خلافته مع ما كان من حديث الميراث ، وغير ذلك من المطاعن، فإنها لما ادَّعتها قال لها أبوبكر: اثبتي برجلين أو برجل وامرأتين، فقد قيل: إنها جاءت بأمير المؤمنين فأبى ذلك ، ولعله كان يذهب إلى بطلان الحكم بالشاهد واليمين للمدَّعي، وفاطمة تذهب إلى جواز ذلك .
(وسخت عنها نفوس أخرين): يشير إلى نفسه وفاطمة والحسن والحسين، وإنما عدَّاه بعن؛ لأن السخاوة متضمنة لانقطاع الرغبة عن الشيء المسخو به، فلهذا عدَّاه بعن؛ لأنهم لما رأوا من كثرة المطالبة فيها أهملوها وتركوها.
(ونعم الحكم الله): بين الخلائق، أو فيما ندَّعي من فدك وغيرها.
(وما أصنع بفدك وغير فدك): استفهام وارد على جهة التقرير عند النفوس، وفيه معنى التعجب، وأراد وما تنفعني فدك وأضعافها من الدنيا.
(والنفس مظانها في غدٍ جدث): الجدث: القبر، قال الله تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً }[المعارج:43]، ومظنة الشيء: موضعه الذي يظن حصوله فيه ، وأراد أن القبر مكانها وموضعها لا موضع لها سواه.
(ينقطع في ظلمته آثارها): فلا يوجد لها أثر بعد صيرورتها فيه.
(وتغيب أخبارها): فلا يسمع لها بخبر، وأراد امحاء جميع رسومها وأعلامها.
(وحفرة): أي ومظانها حفرة.
(لو زيد في فسحتها): لوبلغت كل غاية في السعة والفسحة.
(وأوسعت يدا حافرها): وكان غرض الحافر لها توسيعها .
(لأضغطها الحجر والمدر): الضغط: هو الزحم، يقال: اللَّهُمَّ، ارفع عنا هذه الضغطة، وفي الحديث: ((إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد )) يريد سعد بن معاذ.
(وسد فرجها التراب المتراكم): الفرجة: الخلل في الشيء، وأراد أنها وإن فسحت في نفسها فإنها تزدحم بالأحجار المهيلة، وتسد ما فيها من الخلل بالتراب المحثي فيها.
(وإنما هي نفسي): أراد لا أملك سواها، ولا أمارس إلا إياها.
(أروضها بالتقوى): أعالجها بالرياضة كما يعالج المُهْرَ المروض بمراقبة الله تعالى وخوفه، والانكفاف عن محرماته، والمواظبة على القيام بواجباته.
(لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر): أراد يوم القيامة كما سماه الله الفزع الأكبر ، إذ لا فزع أطمَّ منه.
اللَّهُمَّ، نجنا من أهواله وعظائمه بكرمك الواسع.
(وتثبت على جوانب المزلقة ): المزلقة والمزلق: موضع لا يثبت عليه قدم يقال: مكان زلق، قال الله تعالى:{فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً }[الكهف:40]، أي أرضاً ملساء لا ثبات فيها، وإنما قال: على جوانب المزلق مبالغة في الاستقرار والثبوت؛ لأن المزلقة لا تثبت في وسطها قدم فضلاً عن جوانبها، فإذا كانت قدمه ثابتة على طرف المزلقة كانت في غاية الرسوخ والاستقامة والثبوت، وكثيراً ما يرمز إلى مثل هذه الأسرار في كلامه، ويتفطن لها أولو البصائر.
(ولو شئت لاهديت الطريق إلى لباب هذا القمح): لباب كل شيء: خلاصته ونقاوته، وأراد خلاصة البر ومخ الحنطة.
(ومصفى هذا العسل): وأعلا هذه الأعسال عندكم.
(ونسائج هذا القز): والثياب الغالية المنسوجة من القز، يريد أعلا الإبريسم من الديباج وغيره.
(ولكن هيهات): هيهات: اسم من أسماء الأفعال دال على الخبر، والغرض منه بَعُدَ ذلك، ولكن هذه الاستدراك عما ذكره من قبل، والمعنى بَعُدَ الإيثار مني لهذه الأشياء.
(أن يغلبني هواي): فأكون منقاداً له.
(ويقودني جشعي): الجشع بالجيم هو: الحرص، وأراد أني غير مغلوب للهوى، ولا سلس القياد للحرص.
(إلى تخيّر الأطعمة): انتقاء أطيبها، وأعلاها فآكله، وأغتنم قضمه.
(ولعل بالحجاز أو اليمامة ): اليمامة: اسم لجارية كانت تبصر على مسافة ثلاثة أيام، يقال لها: الزرقاء، يقال: أبصر من زرقاء اليمامة، واليمامة: قرية أيضاً ، وكانت تسمى الجو فسميت باسم هذه الجارية وغلبت عليها.
(من لا طمع له في القرص): لشدة الفقر والحاجة.
(ولا عهد له بالشبع): لا يكاد يذكر الشبع، ولا يخطر بباله لقلته وندوره.
(أو أبيت مبطاناً): البطنة: هي الامتلاء من العيش، وفي الحديث: ((البطنة تذهب الفطنة )) والمبطان: وصف للمبالغة، وهو: كثير الشبع.
(وحولي بطون غرثى): الغرث: الجوع.
(وبطون حرى): رجل حران وامرأة حرى أي عطشى، والحِرة بالكسر: العطش، ومنه المثل: أشد العطش حرة على قرة، إذا عطش في يوم بارد.
(أو أن أكون كما قال القائل:
وحسبك داءً أن تبيت ببطنة ... وحولك أكباد تحنُّ إلى القدِّ)
ولنذكر إعرابه وموضع الشاهد منه.
أما إعرابه فهو ظاهر:
أن: في موضع رفع خبر لحسبك ، وداءً: نصب على التمييز، وإن رفعت داء على أنه خبر لحسبك، وأن في موضع رفع عطف بيان على داء أو بدل منه.
والقدُّ: جلد تحرقه العرب في الجدب، ويستفون رماده.
وأما موضع الشاهد منه: فإنما أورده تمثلاً به لما له في حالته التي هو عليها من المناسبة والملائمة في الإيثار على نفسه، والمواساة لغيره.
(أأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين): استفهام فيه معنى التعجب، والمعنى في هذا كيف يطلق عليَّ هذا اللقب، ويضاف إليَّ هذا الاسم، وأتسمى بإمرة المؤمنين والرئاسة لهم، ويأمر رسول الله بتلقيبي به ، وكيف أنال هذه الحالة، وأترقى إلى هذه الدرجة العالية.
(ولا أشاركهم في مكاره الدهر): يعني وأنا غير مشارك لهم فيما يأتي به الدهر من الحوادث المكروهة، والجملة السلبية في موضع نصب على الحال من الضمير في أقنع، والمعنى أقنع غير مشارك لهم.
(أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش): الأسوة: ما يتأسى به الحزين ويتعزى به، والجشوبة: غلظ العيش وجرزه، والمعنى في هذا كله أني لا أكون أمير المؤمنين وراعياً لهم، ولا يصدق عليَّ إطلاق هذا اللقب إلا مع مشاركتهم في المكاره، والتأسي بهم في غلظ العيش وجشوبته.
(فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات): لأن أكون مشتغلاً بالمأكولات الطيبة، أخضمها وأقضمها وأن أكون:
(كالبهيمة المربوطة همها علفها): لا هم لها سوى أكل ما يؤتى لها به من العلف حيث كانت مربوطة غير مرسلة.
(أو المرسلة): حبلها على غاربها من غير ربط.
(شغلها تقممها): التقمم: جمع البهيمة للمرعى والنبات بمقمتها وهي: شفتها.
سؤال؛ أراه قال في المربوطة: همها علفها، وقال في المرسلة: شغلها تقممها؟
وجوابه؛ هو أنها إذا كانت مربوطة فلا شغل لها تشتغل به، وإنما غايتها هو الهم لما تأكله ولما يوضع بين يديها من الأعلاف والحشائش، فأما إذا كانت مرسلة فهي مشتغلة لا محالة بإصلاح حالها فيما تجده، وتهتدي إليه من رزقها وتأخذه بمقمتها، وتستولي على إحرازه بها.
(تكترش من أعلافها): أي تجمع في الكرش، ومن هاهنا للتبعيض، أي تأخذ ما يكفيها من بعض الأعلاف.
(وتلهو): بالأكل وطلب المتاع لها.
(عما يراد بها): من التكاليف العظيمة، وتحصيل الأعباء المهمة.
(أو أترك سدى): عطفاً على قوله: ليشغلني أكل الطيبات، أي أترك مهملاً من غير هم وشغل ، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى }[القيامة:36].
(أو ألهو عابثاً) : أو أكون مشتغلاً باللهو من غير حاجة وأرب.
(أو أجر حبل الضلالة): على غير بصيرة من أمري، ولا طريقة رشد.
(أو أعتسف طريق المتاهة!): الاعتساف هو: الأخذ على غير طريق، والمتاهة: هو التحير، والمتاهة: مفعلة من التيه.
(وكأني بقائلكم يقول): عند معرفته بحالي وتحققه بسيرتي في ذلك، وعلمه بمأكلي ومشربي.
(إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب): في الخشونة، ورقة العيش، وهونه وركته.
(فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران): أي حبسه، والقرن: المثل بالكسر، من قولهم: ما يقعدني عنك إلا شغل أي ما يحبسني، وأراد فقد حبسه الهزال والضعف عن أن يقاتل قِرْناً مثله.
(و منازلة الشجعان): المنازلة: من النزول، وذلك يكون في الحرب، وهو أن يقتحم كل واحد عن فرسه، ويتجالدون بالسيوف على الأقدام، قال:
ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
(ألا وإن الشجرة البريَّة): النابتة في البراري.
(أصلب عوداً): الصلابة: القوة، وأراد أن عودها صليب ليس دهساً .
(والروائع الخضرة): أي والأشجار الرائعة، يريد المعجبة، من قولهم: راعني الشيء أي أعجبني، ومنه الأروع من الرجال، وغرضه أن المخضرة من الأشجار المعجبة التي يبدو لها رونق وطلاوة، ويظهر لها رواء ونضارة.
(أرق جلوداً): يريد أنها تنخدش بأدنى مس، ويزول رونقها بأدنى تغير.
(والنابتات العذية ): يعني والأشجار النابتة بماء المطر دون غيره من الأمواء.
(أقوى وقوداً): الوَقود بالفتح هو: ما يوقد من حطب وغيره، والوُقود بالضم هو: المصدر.
(وأبطأ خموداً): يريد أن خمودها لا يكاد يذهب؛ لقوتها وصلابة عودها، وأراد من هذا كله بياناً لحاله، وأنه وإن كان على ما ذكر من القوت اليسير وأكل الطعام الخشن، فإن بنية جسمه قوية، وعظامه أقرب إلى الصلابة والشدة، فلا يضرها ذلك، وما ذكر من تنويع الأشجار تمثيل لحاله ، وبيان لصفاته في ذلك.
(وأنا من رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] كالصنو من الصنو ): يعني أن منزلته ومكانه من رسول الله مكان الصنو من صنوه في الدنو والمقاربة، فإذا خرج غصنان من أصل واحد فكل واحد منهما صنو، وأراد أنه هو ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غصنان خرجا من أصل واحد، فهو منه بمنزلة الصنو من صنوه من غير مخالفة، وهذا ظاهر فإن عبد الله وأبا طالب لأب وأم أخوين ، ثم إن أبا طالب كفل رسول الله بعد جده عبد المطلب ورباه في حجره ، فهو بمنزلة الولد له؛ [لأنه ابن أخيه، ولأنه كفله ورباه فهو بمنزلة الولد له] ، فلهذا قال أمير المؤمنين: إنه من الرسول بمنزلة الصنو من الصنو يشير إلى ما ذكرناه.
(والذراع من العضد): يريد أن الذراع متصل بالعضد لا حاجز بينهما ولا حائل، وهذا يضرب به المثل في شدة الاتصال.
قالت امرأة من العرب ترقص ولدها:
يا بكر بكرين يا خِلْب الكبد ... أصبحت مني كذراع من عضد
(والله لو تظاهرت العرب على قتالي): تظاهروا أي تعاونوا، وصار كل واحد منهم ظهراً للآخر يستند إليه عند الحوادث الكريهة، قال الله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }[البقرة:85]، وقال تعالى:{وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً }[التوبة:4]، والمظاهرة: المعاونة.
(لما وليت عنها): فراراً، وذلة وجبناً.
(ولو أمكنت الفرص من رقابها): الفرص:جمع فرصة وهي: النهزة ، يقال: فلان ينتهز الفرص أي يغتنمها ولا تفوته، وأراد أني لو تمكنت من رقابها لاغتنمت فرصها.
(لسارعت إليها): من غير تلبث ولا ترتب في حالها، وأراد بذلك من كان من العرب مرتداً عن الدين أو باغياً عليه، مخالفاً بالفسق والخروج والتمرد.
(وسأجهد في أن أطهر الأرض): أطلب الاجتهاد، ولا أوثر عليه شيئاً حتى أنقي وجه الأرض، وأزيل عنه ما يطخيه ويكدره.
(من هذا الشخص المعكوس): يعني معاوية ومن قال بقوله وذهب إلى مذهبه في المخالفة والبغي، وإنما وصفه بالعكس؛ لأن العكس هو: رد الشيء مقلوباً، فإنه كان في أول حاله في أيام الرسول عليه السلام على حالة مستقيمة في الدين، وكان من جملة رواة الحديث، ثم انعكس أمره بعد ذلك بالفسق والبغي والخروج على أمير المؤمنين.
(والجسم المركوس): الركس: القذر، وفي حديث الاستجمار أنه أوتي بروثة فرمى بها وقال: ((إنها ركس)) ، وأراد الجسم الخبيث من الذين قال الله تعالى فيهم:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }[المائدة:41].
(حتى تخرج المذرة من بين حب الحصيد): المذرة: الحبة الفاسدة، ومنه بيضة مذرة أي فاسدة، والمذر: الفساد والتغير، والحصيد: المحصودمن الزرع وهو الجيد الذي قد حضر استحصاده، وهو البالغ في الجودة، وأراد حتى يتميز الجيد من الردي والصحيح من الفاسد، والإشارة بما قاله من ذلك إلى تطهر الأرض من أهل الزيغ في العقائد، التاركين لأحكام الدين، والماحين لرسومه وأعلامه.
(إليك عني يا دنيا): إليك هذه اسم من أسماء الأفعال في معنى الأمر، أي ارجعي عني وابعدي، كما تقول: إليك زيداً أي خذه، وعندك عمراً أي الزمه، وعني متعلق بما دل عليه إليك من الفعل، كما نصب الظاهر في قولك: عليك زيداً وإليك عمراً.
(فحبلك على غاربك): الغارب: من الجمل ما بين السنام والعنق، يقال: فلان حبله على غاربه، استعارة له من إلقاء خطام البعير على غاربه ليذهب حيث شاء، وقولك: حبلك على غاربك، كلمة كانت العرب يطلِّقون بها نساءهم في الجاهلية، والمراد بها اذهبي حيث شئت، ثم شرع في الإسلام الطلاق الصريح، وبقيت هذه كناية إذا نوى بها الطلاق الآن كانت طلاقاً.
(قد انسللت من مخالبك): خلصت وخرجت، والمخالب: جمع مخلب وهو ظُفُرُ البُرْثُن في سباع الوحش كالأسد والنمر، وهو المنقار الذي يخلب به في سباع الطير كالصقر والشاهين، وغير ذلك، فكل واحد منهما مخلب في حقه.
(وأفلت من حبائلك): أفلت بمعنى فلت وتخلص، والحبائل : جمع حبالة وهي الشبكة للصيد.
(واجتنبت الذهاب في مداحضك): جانبت المضي والسير في المزالق، ومنه دحضت رجله إذا زلقت وزلت، أخبريني حين أسألك:
(أين القوم الذين غررتهم): الغرر : المكر والخديعة.
(بمداعيك!): فيه روايتان:
أحدهما: بالياء بنقطتين من أسفلها، وهوجمع مدعاة إلى اللهو واللعب، وسائر أنواع الطرب.
وثانيهما: بمداعبك بالباء بنقطة من أسفلها جمع مدعبة، وهي الدعابة والمزاح، والمعنى فيهما متقارب.
(أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك!): الفتنة: الاختبار والامتحان، والزخرف: الذهب في الأصل ثم شبه به كل مموه مزور، والمزخرف: المزين، وأراد أن الله تعالى جعلها في حقهم بلوى واختباراً لهم وامتحاناً، فكان سبباً للضلال والهلاك.
(هاهم): ها هذه للتنبيه، مثلها في قولك: هاذاك، كما قال تعالى: {مَا هَذَا بَشَراً }[يوسف:31]، والضمير هاهنا منفصل راجع إلى من تقدم من القرون والأمم.
(رهائن القبور): موثقين بأعمالهم لا يفك رهنهم إلا بأدائها كاملة [عند الله تعالى] .
(ومضامين اللحود): قد ألصقوا إليها.
(والله لو كنت شخصاً مرئياً): شبحاً يرى ويدرك بالحاسة الناظرة.
(أو قالباً حسِّياً): القالب بالفتح: ما يطبع على مثاله وحذوه، ومنه قالب النعل، وأراد أنك لو كنت مما يحتذى على مثاله ويحسه الراؤون له.
(لأقمت حدود الله عليك): أراد بالحد التعزير والأدب؛ لأن من يَغِرُّ ويخدع لا يستحق إلا الأدب والتعزير، ويحتمل أن يكون مراده الحد بالقتل؛ لأنها لا محالة قاتلة لمن سبق من الأمم، ملقية لهم في المهالك العظيمة والمتالف المردية.
(في عباد): من خلق الله.
(غررتهم بالأماني): الكاذبة.
(وأمم): الأمة: الجماعة من الناس.
(ألقيتهم في المهاوي): جمع مهواة وهي: الحفرة العميقة يقع فيها الجاهل بها.
(وملوك): من الجبابرة.
(أسلمتهم): من الاستسلام وهو: الانقياد.
(إلى التلف): إلى الهلاك المتلف.
(وأوردتهم موارد البلاء): المورد: الموضع الذي يورد منه الماء، وقد استعاره هاهنا في نقيضه من الهلاك والردى.
(إذ لا ورد ولا صدر!): الورد هو: الوصول إلى الماء، والصدر: هو الصدور عنه بالارتواء، وهو هاهنا كناية عن عدم الحيلة في الأمر، يقال: فلان لا يملك في هذا الأمر ورداً ولا صدراً، هذه إذ معمولة لما قبلها من الفعل، وهو قوله: أسلمتهم إلى التلف وقت لا حيلة لهم ولا تصرف.
(هيهات!): بَعُدَ ما يرجى منك من الخير وفيك لراحته، وبرهان ذلك وعلامته هو أن:
(من وطئ دحضك): الدحض هو: المكان الزلق، وأراد أنه من تمكن منك، وتوطن في حالك .
(زلق): أي زلت به رجله فلم تثبت ولم تستقر.
(ومن ركب لججك): اللجة هو : معظم الماء، وأراد ومن ركب سفن لججك.
(غرق): في بحارك.
(ومن ازوَّر عن حبالك ): ازورَّ عن الشيء إذا مال عنه وعدل، وغرضه مال عن الاصطياد بحبالك.
(وفق): للنجاة في أمره وللسعادة في عمله.
(والسالم منك): والذي سلم من خدعك وغرورك، وكان بمعزل عن كذبك وأباطيلك.
(لا يبالي أن ضاق به مُنَاخُه): غير ملتفت على ضيق مجلسه، وضنك موضعه، والمناخ: موضع الإناخة، واستعاره لموضع الاستقرار والكون في الأماكن.
(والدنيا عنده): بالإضافة إليه.
(كيوم حان انسلاخه): مثل يوم قد ذهب أكثره، وصار منسلخاً بورود الليل عليه.
(اغربي عني!): أي تباعدي بالغين المنقوطة والراء المهملة.
وفي بعض النسخ: (اعزبي): بالعين المهملة، والزاي المنقوطة، وهوتصحيف لا وجه له.
(فوالله لا أذل لك): أخضع وأكون في غاية الهوان لك.
(فتستذليني): أي فأكون ذليلاً عندك، ونصبه على أنه جواب للنفي في قوله: لا أذل لك.