(الذي ينادي فيه الظالم بالحسرة): على ما فعل من الأفعال وغصبه من الأموال.
(ويتمنى المضيع): الذي أضاع أوقاته، وفرط في حياته.
(الرَّجعة): الرد ليعمل صالحاً، كما قال تعالى:{رَبِّ ارْجِعُونِي ، لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}[المؤمنون:99-100]،.
(ولات حين مناص!): المناص: الملجأ، وأراد ليس الوقت وقت فرار وتأخر، ولقد بالغ في عتاب ابن عباس وشدد النكير عليه، وخشن له في القول، وأغلظ عليه في الوعيد؛ لما يعلم من حسن بصيرته وشدة ورعه، وتحرزه في أمور الديانة، واتقاد قريحته في العلم، ولما بلغه الكتاب على ما اشتمل عليه من الخشونة والمبالغة في العتاب وإظهار اللائمة، لم يتمالك في الإذعان والانقياد، ورد المال، وإظهار الندم عمَّا فعل من ذلك، والاعتذار إلى أمير المؤمنين كرم الله وجهه في هذه الزلة، وهكذا يكون حال أهل البصائر النافذة، ومن يرده الله بتوفيقه، وحقيق بمن كان حاله كحال ابن عباس في التقدم في العلم وإحراز الفضل أن يتداركه الله بالتوفيق من عنده، فما قصد أمير المؤمنين بما فعل؛ إلا تشنيعاً للقضية عليه لفضله وتمييزه، وليكون ذلك وازعاً لمن يكون في درجته عن اقتحام مثل هذه الشبه، والورود على مثل هذه الموارد الضنكة القبيحة عند الله.

(42) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عمر بن أبي سلمة المخزومي ، عامله على البحرين
كل نهر عظيم فهو: بحر، ولهذا يقال لدجلة وسيحون وجيحون: بحور، وإن كانت أنهاراً جارية، قال الشاعر:
سره ماله وكثرة ما يم‍ ... ‍لك والبحر معرضاً والسدير
يعني الفرات، والبحران اللذان ذكرهما: واديان في اليمن، يقال لهما: الحسا والقطيف، وقيل: غيرهما، والله أعلم بذلك.
(أما بعد، فإني قد وليت النعمان بن عجلان الزرقي على البحرين): جعلت أمرهما إليه، وأوليته العقد والحل فيهما.
(ونزعت يدك): أزلت ولايتك فيهما.
(بلا ذم لك): في ولايتك، ولا خيانة لاحقة بك في عمالتك.
(ولا تثريب عليك): لا عتب لا حق بك، ولا تأنيب، والثرب: شحم رقيق يغشى الكرش والمعاء، ومعناه إزالة الثرب؛ لأنه إذا ذهب كان ذلك أمارة على غاية الهزال، فضرب مثلاً للتقريع الذي بلغ الغاية في تمزيق العرض وإهداره، قال الشاعر:
فعفوت عنهم عفو غير مُثَرِّبٍ ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد
(فلقد أحسنت الولاية): في وضعك لها مواضعها، وإعطاها حقها.
(وأديت الأمانة): أوصلت ما اؤتمنت عليه على وجهه، وقمت فيه بحكمه.
(فأقبل): إلينا وَزُلْ عن عملك الذي كان تحت يدك بأمرنا.
(غير ظنين): متهم فيما أنت فيه، ولا بخيل بما كان من حقوقه.
(ولا ملوم): على تفريط كان هنالك منك ولا خيانة.
(ولا متهم): في أمر من أمور الولاية.
(ولا مأثوم): في جناية في يد ولا لسان.
(فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام): معاوية وأصحابه، وإنما كانوا ظلمة إما لأنهم ظلموا أنفسهم بتعاطيهم البغي والمخالفة، وإما لما أخذوه من البلاد والجبايات على غير وجهه وصرفوه في غير أهله، فهم ظالمون لا محالة، فلهذا سماهم ظلمة.

(وأحببت أن تشهد معي): حربهم وقتالهم، وتكون معي في المشاهد كلها والمواطن المشهودة.
(فإنك ممن أستظهر به على جهاد العدو): أجعله ظهيراً وعمدة ألجأ إليها عند الشدائد، والحاجات المهمة والأمور العظيمة.
(وإقامة عمود الدين): عن أن يكون مضطرباً، وأن يكون فيه اعوجاج، وما ذكره مجاز، والحقيقة جري أحكام الشريعة على مجاريها، وتقريرها على قواعدها.

(43) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى مصقلة بن هبيرة الشيباني
وهو عامله على أزدشير خرته ، وأزدشير خرَّة وهو اسم قرية:
(بلغن‍ي عنك أمر): على أيدي النقلة ولم يتحققه أمير المؤمنين، ولهذا أتى بإن، وهي موضوعة للشك، وهذا فيه دلالة على جواز الإنكار مع غلبة الظن، إذا كان هناك قرائن مؤذنة بذلك.
(إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك): صار ذا سخط عليك.
(وأغضبت إمامك): أي صار غاضباً عليك.
(أنك تقسم فيء المسلمين): أن هذه هي المصدرية في الأسماء، وهي في موضع رفع، إما بدلاً، وإما عطف بيان على قوله: أمر.
(الذي حازته رماحهم وخيولهم): أحرزوه بالقوة بالخيل والرجال.
(وأريقت عليه دماؤهم): باستشهاد من استشهد منهم عليه.
(فيمن اعتامك): أي اختارك، من قولهم: اعتام الشيء إذا اختاره، والعِيمة هي: خيار المال.
(من أعراب قومك): أجلافهم، وأهل الغباوة منهم.
(فوالذي فلق الحبة): شقها بنصفين.
(وبرأ النسمة): خلق النفس.
(لئن كان ذلك حقاً): يشير إلى ما ذكره من الأمر الذي بلغه عنه.
(لتجدنَّ بك علي هواناً): ليهوننَّ عندي أمرك، وينزلنَّ قدرك.
(ولتخفَّنَّ عندي ميزاناً): انتصاب ميزان يكون على التمييز، من باب قولهم: طاب زيد نفساً.
(فلا تستهن بحق ربك): الاستهانة من الهوان، وأراد فلا تهونه.
(ولا تصلح دنياك بمحق دينك): أي ولا يكن همك إصلاح دنياك وتسديدها بما يكون مَحْقاً عليك في الدين وتغييراً في حاله.
(فتكون من الأخسرين أعمالاً): من الذين خسروا أعمالهم بإحباطها بالسيئات، وإسقاط أجورها باقتحام الموبقات.
(ألا وإن حق مَنْ قِبَلَكَ): من في جهتك.
(وقِبَلَنَا): ومن في جهتنا.
(من المسلمين): أهل الدين والصلاح.

(في قسمة هذا الفيء سواء): مستوية لا فضل لأحد منهم على الآخر، وفي هذا دلالة على أن رأيه عليه السلام كان التسوية في العطاء، كما كان رأي أبي بكر قبله، وأما عمر فكان رأيه التفضيل في العطاء على مقادير الحقوق في الدين، وعلو المراتب في الإسلام .
(يردون عندي عليه): يأخذونه.
(ويصدرون عنه، والسلام ): ويذهبون به في قضاء حوائجهم، ويصرفونه في مآربهم كلها.

(44) ومن كتاب له عليه السلام إلَى زياد بن أبيه
وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه:
(وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزلُّ لبك):يريد استزلالك في لبك ويطلب ذلك منك.
(ويستفلُّ غربك): الغرب: حد السيف، وأراد يكفه ويرده عن حده كالاً.
(فاحذره): عن أن يخدعك بأمانيه، ويستزلك بأكاذيبه.
(فإنما هو الشيطان): أراد إن كنت تعرف الشيطان فهو معاوية بعينه لا مخالفة بينهما في حال.
(يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه): كما يفعل الشيطان.
(ومن عن يمينه وعن شماله): كما حكى الله ذلك عن إبليس بقوله: {ثُمَّ لاَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}[الأعراف:17].
(ليقتحم غفلته): تقحيم النفس إدخالها في الأمر من غير روية وثبات، وأراد يقتحم على الإنسان في حال كونه غافلاً.
(ويستلب غرته): أي يستلبه في حال كونه مغتراً بما يقع فيه من ذلك، أي يخدعه ويمكر به.
(وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة): أي فجأة لا عن تدبر وروية.
(من حديث النفس): التي لا يلتفت إليها ولا يعول عليها.
(ونزغة من نزغات الشيطان): النزغ من جهته هو: الإفساد والإغواء.
(لا يثبت بها نسب): أي لا يكون لاحقاً بمن ألحق به .
(ولا يستحق لمكانها إرث): لبطلانها وفسادها شرعاً، وقد كان أبو سفيان ادَّعى زياداً في عهد عمر بن الخطاب، وزعم أنه ولد له، وحاكم إلى عمر، فلم يقض عمر له بشيء من ذلك .
(والمتعلق بها): يريد بهذه الدعوة الباطلة.
(كالواغل): بالغين المنقوطة، وهو: الذي يهجم على الشربة ليشرب معهم وليس منهم.

(المدفَّع): بالعين المهملة، وهوالذي لا يزال مدفوعاً في صدره، محاجزاً عن الكون من جملة الشربة.
(والنوط): وهو ما يعلَّق بعد تمام الحمل من قدح، أو غير ذلك.
(المذبذب): لأنه أبداً لا يزال يتقلقل إذا حثَّ الجمل ظهره واستعجل في سيره.
(فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد بها ورب الكعبة): أراد أن كلام أمير المؤمنين على زعم زياد موهم للشهادة على أبي سفيان بالدعوة له.
(ولم يزل): ذلك.
(في نفسه): يريد كلام أمير المؤمنين ونقله عن أبي سفيان ما نقله، فما كان بعد ذلك إلا أياماً قليلة.
(حتى ادَّعاه معاوية): يباعد تلك المقالة التي ذكرها أمير المؤمنين.

(45) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عثمان بن حنيف الأنصاري
وهو عامله على البصرة ، الرواية فيه حُنيف-بضم الحاء-.
[بسم الله الرحمن الرحيم]
(أما بعد، يا ابن حنيف، فقد بلغن‍ي أن رجلاً من فتية أهل البصرة): الفتية: جمع فتى، قال الله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ }[الكهف:10].
(دعاك إلى مأدبة): المأدبة: ما كان طعاماً من غير وليمة، والوليمة: كالعرس، والإعذار وهو: طعام الختان وغير ذلك.
(فأسرعت إليها): من غير سؤال عن حالها، ومعرفة بحقيقتها، وطيب مكسبها.
(تستطاب لك الألوان): يُطْلَبُ لك أطيبها فيقدَّم نحوك.
(وتنقل إليك الجفان): أراد إما واحدة بعد واحدة لاختلافها وتباين أطعمتها، وإما تقدم هذه وتؤخر هذه ترفهاً بالمعايش، وتأنقاً في اللذات.
(فكرعت): في حياضها، والكروع: هو تناول الماء بالفم من غير واسطة الكف.
(وأكلت): من ألوانها ومختلفات أنواع طيباتها.
(أكل ذئب نَهِمٍ): النهم: بلوغ الغاية في حفظ الشيء وضبطه، وفلان منهوم على كذا إذا كان مولعاً به، وفي الحديث: ((منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا )) وإنما أضاف النهم إلى الذئب؛ لأنه مولع بكثرة الافتراس.
(أو ضيغم قَرِمٍ): الضيغم: اسم من أسماء الأسد، وسمي بذلك لشدة ضغمه لما يفترسه من الحيوانات، والقرم: شدة شهوة اللحم، وإنما شبهه بهذين الحيوانين؛ لكثرة ولوعهما بأكل اللحوم.
(وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم، غنيهم مدعوّ ، وفقيرهم مجفوّ): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أو لم تعلم أنهم في ولائمهم هذه يدعون الأغنياء ويتركون الفقراء، ومن هذه حاله فإن إجابته مكروهة من أجل ذلك.

وثانيهما: أن يكون مراده أنه لا غرض لهم في هذه الولائم إلا الرياء والسمعة والذكر، ومن هذه حاله فإنه لا يجب إجابة دعوته، ولا ينبغي لأحد من أهل الدين حضورها، ولهذا فإنهم يتركون الفقراء ويدعون الأغنياء من أجل ذلك.
ووجه آخر أهم مما ذكرته كله وهو: أنك إذا دعيت إلى وليمة قوم:
(فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقْضَمِ): المقضم: بمقدم الأسنان، وأراد ما تأكله من هذه المآكل.
(فما اشتبه عليك علمه): ولم تدر حاله، ومن أي وجه حصل مكسبه، وانقدحت الشبهة فيه.
(فالفظه): إن كان حاصلاً في فِيْكَ، أو أراد فاتركه إن لم تكن قد تناولته.
(وما أيقنت بطيب وجوهه): بكونه مأخوذاً من أوجه طيبة لا حرج في أخذها وتناولها.
(فَنَلْ منه): أي خذ مقدار الكفاية منه من غير حاجة إلى الزيادة.
(ألا وإن لكل مأموم إماماً): ألا هذه للتنبيه، وأراد أن كل مأموم فلا بد له من إمام.
(يقتدي به): في جميع عباداته، وأحوال دينه.
(ويستضيء بنور علمه): في ظلمات الجهل، وقتام الغباوة، وحنادس الضلالة.
(ألا وإن إمامكم): يشير إلى نفسه.
(قد اكتفى من دنياه بِطِمْرَيْه): الطمر: الثوب الخلق، وأراد إزاراً ورداء من غير زيادة.
(ومن طُعِمه بِقرصيه): ومما يطعم من ملاذ الدنيا وطيباتها برغيف بكرةٍ، ورغيف عشياً من غير زيادة.
(ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك): لصعوبته ومشقة الحال فيه، وكونه منافراً للنفوس في غاية الكراهة له.
(ولكن أعينوني بورع): عن الأمور المحرمة والملاذ القبيحة.
(واجتهاد ): في الطاعة لله، والانقياد لأمره.

(فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً): الكنز: الادخار، والتبر: ما كان من الذهب غير مضروب، فإذا ضرب فهو عين، ولا يقال ذلك في الفضة، وبعضهم يطلقه عليها.
(ولا ادخرت من غنائمها وفراً): ادخره إذا خبأه، والغنيمة: ما يؤخذ من الكفار، والوفر: المال الكثير، سمي بذلك؛ لوفوره وكثرته.
(ولا أعددت): أراد إما للتجمل، وإما أراد من زينة الدنيا ولذاتها.
(سوى بالي ثوبي طِمْراً ): انتصاب طِمْراً على المفعولية لأعددت، أي ولا أعددت طمراً للتجمل إلا بالي ثوبي هذا من غير زيادة.
سؤال؛ كيف قال هاهنا: سوى بالي ثوبي، وقال فيما تقدم: قد قنع من الدنيا بطمريه، فما وجه ذلك؟
وجوابه؛ لعله تارة يلبس الرداء، وتارة يلبس الإزار، فعبَّر على ما يقتضيه الحال من لباسه لأحدهما دون الآخر.
(بلى): تصديق لكلام محذوف منفي تقديره: أليس قد كان في أيديكم شيء من الأموال، فقال مصدقاً له: بلى:
(قد كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء): فدك : قرية قريب من المدينة نحلها رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] فاطمة +، وأعطاها إياها، وكانت مما لم يوجف عليه بخيل ولا بركاب ، فكان رسول الله يأخذ منها لخاصة نفسه ما يحتاجه، ثم أعطاها بعد ذلك فاطمة .
وقوله: (من جميع ما أظلته السماء)، تعريض إلى ما كان منهم من الاستئثار عليه بالخلافة وبغيرها.

154 / 194
ع
En
A+
A-