(ونحن عنه راضون): هذه الجملة الإبتدائية في موضع نصب على الحال، مثلها في قولك: جاء زيد والشمس طالعة.
(أولاه الله رضوانه): أي أعطاه، من قولهم: أولاني معروفاً من عنده.
(وضاعف له الثواب): جعله أضعافاً زائدة على مقدار المستحق تفضلاً وإحساناً من جوده.
(فأصحر لعدوك): المصاحر: الذي يقاتل عدوه في الصحراء ولا يخاتله، وأراد أظهر له نفسك وتكشف له.
(وامض على بصيرتك): على معرفتك بالحق وعلمك به.
(وشمر لحرب من حاربك): عن ساق الجد، والأمر بالتشمير هاهنا كناية عن الاجتهاد في الحرب للأعداء، والجد فيه من غير تهوين.
(وادع إلى سبيل ربك): إلى صراطه وطريقه بالنصرة والسيف.
(وأكثر الاستعانة بالله): إن كانت الرواية بالنون فالمراد اطلب العون من الله تعالى، وإن كانت الرواية بالثاء فالمراد به طلب الغوث من عند الله، واستغاثني فلان فأغثته إغاثة، والاسم منه الغياث.
(يكفك ما أهمك): ما أنت مهموم به من الأمور كلها.
(ويعينك على ما ينزل بك): يلطف لك فيما ينزل بك من المهمات العظيمة.

(35) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عبد الله بن العباس بعد قتل محمد بن أبي بكر بمصر رحمه الله تعال‍ى
(أما بعد، فإن مصر قد افتتح): أعاننا الله تعالى حتى فتحناه، وصارت من جملة أعمالنا، وما ينفذ فيه أمر الله وأمرنا.
(ومحمد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد): حيزت له الشهادة، ولقي الله تعالى شهيداً.
(فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً): يقال: فلان نحتسبه ولداً إذا مات وهو كبير، فإن مات وهو صغير قيل: افترطه، وفي الحديث: ((أسقاطكم أفراطكم )).
(وعاملاً كادحاً): الكدح: جهد النفس في العمل وكدها فيه، من: كدح جلده إذا خدشه.
(وسيفاً قاطعاً): يقال: فلان سيف قاطع إذا كان ماضياً في أموره.
(وركناً دافعاً): أي عظيماً، من قولهم: سيل دفاع إذا كان يدفع ما قابله.
(وقد كنت حثثت الناس على لحاقه): للنصرة له والدفاع عنه.
(قبل الوقعة): واشتباك الحرب والتحامها.
(وأمرتهم بغياثه): بالإغاثة له والإسراع إلى نصرته.
(ودعوتهم سراً وجهراً): أراد أني كالمتهم على أعيان الملأ مرة، وخفية فيما بيني وبينهم مرة أخرى.
(وعوداً وبدءاً): وأعدت عليهم المراجعة بعد أن ابتدأتها، فتحزبوا عند ذلك أحزاباً، وتفرقوا فرقاً.
(فمنهم الآتي كارهاً): من غير رضا من نفسه.
(ومنهم المعتل كاذباً): يعني يعتل بعلة وهو كاذب فيها أنه معذور، وما له عذر يعذر به.
(ومنهم القاعد): من غير علة.
(خاذلاً): متقاعداً عن نصرة الحق وهو متمكن منها .
(أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً عاجلاً): لطفاً من عنده معجلاً لمخالفتهم لأمري، ونكوصهم عن نصرة دينه.
(فوالله لولا طمعي): الطمع: شدة الرغبة في مطلوب الطامع.

(عند لقاء عدوي في الشهادة): شدة رغبتي فيها، وانقطاع نفسي في محبتها.
(وتوطين‍ي نفسي على المنية): وعزمي على موافاة الأجل ولقائه.
(لأحببت ألاَّ أبقى مع هؤلاء): هذا جواب القسم، وهوفي الحقيقة جواب لولا، ولكنه مع لولا نازل منزلة جواب القسم وساد مسده، وأراد أنه لا يحب الدوام معهم.
(ولا يوماً واحداً): على قلته وحقارته.
(ولا ألتقي بهم): ألاقيهم.
(أبداً): زماناً لا ينقطع.

(36) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عقيل بن أبي طالب
(فسرحت إليه جيشاً كثيفاً من المسلمين): الكثيف: الغليظ يقال: كثف الشيء كثافة إذا غلظ، وأراد جيشاً متكاثفاً لكثرة عساكره، وقد كان أرسله في هذه العساكر لحرب بعض البغاة وأظنه معاوية.
(فلما بلغه ذلك): يريد وصول العسكر وخروج عقيل فيهم.
(شمر هارباً): جزعاً وفشلاً عن اللقاء.
(ونكص): على عقبيه، يعني رجع عما أراد.
(نادماً): على ما فعل من اللقاء، أومن استمراره على المخالفة لما رأى ما رأى.
(فلحقوه ببعض الطريق): تداركوه بعد توليته هارباً.
(وقد طفَّلت الشمس للإياب): تطفيل الشمس: ميلها إلى الغروب، وإيابها: رجوعها إلى مكانها الذي تستقر فيه.
(فاقتتلواشيئاً): أي اقتتالاً.
(كلا ولا): أي ليس بالقليل ولا بالكثير أي متوسطاً بين الأمرين، كما قال تعالى: {لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ }[النور:35]، أي لا هي في مضحاة للشمس، ولا في مقنأة للظل .
(فما كان): بعد الاقتتال الذي كان منهم.
(إلا كموقف ساعة): كساعة قليلة يوقف فيها.
(حتى نجا): عن القتل والأسر والسلب.
(حريصاً) : في غاية الحرص على الذهاب، وانتصابه على الحال من الضمير في نجا.
(بعدما أُخِذَ منه بالْمُخَنَّق): المخنَّق بالتشديد هو: موضع الخنق من العنق، أورد هذا كناية عن شدة الحال التي بلغوها، وصعوبة الأمر هناك.
(ولم يبق معه غير الرمق): آخر النفس، ومنه عيش رمق أي يمسك الرمق لقلته.
(فلأياً بلأي): أي شدة بعد شدة وإبطاء، وانتصابه على المصدرية تقديره: لأى لأياً أي اشتد شدة وإبطاء.
(ما نجا): ما هذه زائدة للإبهام أي شدة بعد شدة عظيمة كان نجاؤه.
(فدع عنك قريشاً): اترك أخبارهم وأحاديثهم.

(وَتَرْكاضَهُم في الضلال): التفعال من أبنية المصادر الموضوعة للمبالغة كالتسيار والتضراب.
(وتَجْوَالهُم في الشقاق): التجوال: الاضطراب، ومنه: تجاول الفرسان.
(وجماحهم في التيه): جمح الفرس: إذا اشتد رأسه فلا يملك، وأراد بهذا كله إصرارهم على ماهم فيه من الضلال، وركوب الشقاق في مخالفته، يشير به إلى طلحة والزبير وعائشة ومعاوية ممن تحزب عليه من قريش.
(فإنهم أجمعوا على حربي): اجتمعوا عن آخرهم على شقاقي ومخالفتي.
(كإجماعهم على حرب رسول الله[ صلى الله عليه وآله وسلم] قبلي): يريد في الاجتماع والتألب دون الحكم؛ لأن حرب رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] كان كفراً وشركاً ونفاقاً، وحربه إنما هو فسق وبغي ومخالفة.
(فجزت قريشاً عن‍ي الجوازي): الجوازي: جمع جازية، وأراد إما الأرحام، وإما الخصال المحمودة، وإما الفعلات المذمومة على ما فعلوه معي وأسندوه إلي.
(فقد قطعوا رحمي): بما كان منهم من الشقاق والمخالفة، والحرب بيني وبينهم التي تؤذن بقطع الأرحام.
(وسلبوني سلطان ابن أمي): أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما عبَّر عنه بابن الأم؛ لأمرين:
أما أولاً: فلأن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين كانت تربي رسول الله[ صلى الله عليه وآله وسلم] في حجر أبي طالب فكانت كالوالدة له .
وأما ثانياً: فلأن أبا طالب وعبد الله أب رسول الله كانا أخوين من الأب والأم، وأم الأب أم، فلهذا قال: ابن أمي يشير إلى ما ذكرناه، وأراد بالسلطان الولاية بعد رسول الله كانت مستحقة له.
وزعم الشريف علي بن ناصر أنه أراد بقوله: ابن أمي، نفسه، وهذا بعيد لا يعهد مثله، والوجه فيه ما ذكرناه .

(وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال): لأن عقيلاً سأل أمير المؤمنين عن رأيه في قتال أهل القبلة، فأجابه بقوله:
(فإن رأيي قتال المحلِّين): بالحاء المهملة أي إن الذي أذهب إليه، وأقوله بالحجة الواضحة، والدليل القاطع أن أقاتل من أحل قتالي وأباحه، وبغى عليَّ، وخالف أمري من هؤلاء.
(حتى ألقى الله): ألاقيه عند انقضاء أجلي بالشهادة في حربهم وقتالهم.
(لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة): أي أني لا أعتز باجتماع الناس إليَّ، وإنما عزتي بالله ونفوذ بصيرتي في ذلك.
(ولا تفرقهم علي وحشة): ولا يزيدني بعدهم عني وحشة، ولا نكوصاً عما أنا فيه من قتالهم ومنابذتهم.
(ولا تحسبن أن ابن أبيك -ولو أسلمه الناس-): إنما قال: ابن أبيك، ولم يقل: ولا تحسبني ملاطفة في أدب الخطاب، وتذكيراً للرحم الباعثة على المواصلة والنصرة، وتشجيعاً له على معاضدته في الخطوب العظيمة، ونظيره قول إبراهيم لآزر: {يَاأَبَتِ}، وقول لقمان: {يَابُنَيَّ}، وقول هارون: {يَبْنَؤُمَّ}، وغير ذلك، وأراد ولا تظننَّ ابن أبيك عند إسلام الناس له وانقطاعهم عن نصرته وانفلاتهم عن يده.
(متضرعاً): ذليلاً خاضعاً.
(متخشعاً): إن كانت الرواية فيه بالخاء المنقوطة، فالغرض بالخشوع هو: الخضوع والتصاغر، وإن كانت الرواية بالجيم ، فالغرض بالتجشع هو: أشد الحرص على الدنيا والبقاء فيها.
(ولا مقراً للضيم): أي ولا معترفاً بالظلم.
(واهناً): أي ضعيفاً من الوهن ، وهو: الضعف.
(ولا سلس القياد للقائد): ولا سهلاً لمن أراد قياده.
(ولا وَطِئَ الظهر للراكب): استعار هذا من الجمل الذي تكون فيه صلابة وخشونة، فلا ينجذب لمن يقوده بزمامه، ولا يتوطئ ظهره لمن أراد ركوبه.

(المقتعد): الذي يقعد عليه عند ركوبه له.
(ولكنه كما قال أخو بن‍ي سليم): سليم: قبيلة من قيس غيلان، وسُليم: قبيلة من غطفان.
(فإن تسألني كيف أنت فإنني
يعز عليَّ أن ترى بي كآبة ... صبور على ريب الزمان صليب
فيشمت عادٍ أو يساء حبيب)
ولنذكر إعرابهما وموضع الشاهد منهما:
أما إعرابهما فهو ظاهر، والكآبة: سوء الحال وشدة الحزن، والشماتة: الفرح ببلية العدو ووقوعه في المكاره، وقوله: أن ترى بي في موضع رفع على الفاعلية ليعز.
وأما موضع الشاهد منهما: فإنما أوردهما تمثلاً لما هو فيه من التجلد وإظهار حسن الحال، والصبر على المكاره، وإمضاء العزم على الاصطبار عند كل مساءة .

(37) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(فسبحان الله!): تنزيهاً له وبراءة له عما أنت فيه من خبث السريرة، وفساد العلانية وقبح الأعمال.
(ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة): تعجب من شدة ملازمته لما ابتدعه من جهة نفسه من الأهواء وضلال الآراء التي افتعلها بالمكر، وأعمل فيها رأيه بالخديعة.
(والحيرة المتَّبعة): واتباعك للمذاهب التي هي مواطن للحيرة والارتباك، وتعمقك فيها من غير بصيرة هناك ولا رأي مسدد.
(مع تضييع الحقائق): الحقائق: جمع حقيقة، وهي ما ينبغي للإنسان أن يحرسه عن الإهمال والضياع، وأراد أن معاوية مهمل لما يتوجه عليه حراسته من حقائق الدين والقيام بواجباته وامتثال أوامره، والانكفاف عن الوقوع في مناهيه.
(واطّراح الوثائق): الوثائق: جمع وثيقة وهي واجبات الدين ومهماته.
(الت‍ي هي لله طِلْبَةٌ): أي مطلوبة من جهة كونه آمراً بها وحاثًّا على فعلها، وإرساله للرسل اعتناء بها.
(وعلى عباده حجة): إن هم أتوا بها استحقوا الجنة، وإن هم أعرضوا عنها استحقوا النار، وحال معاوية لا يخفى في إهماله لهذه الأشياء وإعراضه عنها.
(فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته): اعلم أن معاوية لكثرة غدره وعظم محاله ومكره، لا يزال تكرير أحاديث قتلة عثمان وأمره إغراقاً في مخالفة الحق، وإعراضاً منه عن المسالك الواضحة، واتخاذ ذلك طعناً في الدين ومخالفة لسبيل المؤمنين.

(فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك): يشير بكلامه هذا إلى أنه ليس من عثمان في ورد ولا صدر، وأن كلامه هذا ليس انتصاراً من أجل عثمان، وإنما هوتقرير لما هو فيه من البدعة والضلالة والبغي؛ لأن عثمان لا ينتفع بانتصاره له الآن، وإنما هو انتصار من أجل نفسه فلهذا قال: نصرته حيث كان النصر لك.
(وخذلته حيث كان النصر له): يريد أن خذلانك له ظاهر يوم كان محاصراً في داره، فتركت نصره، ولو نصرته ذلك اليوم؛ لكان النصر له؛ لأنه يكون تفريجاً لما هو فيه، فأما الآن فلا ينفعه نصرك بحال.
فانظر إلى كلامه هذا ما أشمله للمعاني، وأفحمه للأفئدة، وأقطعه للشغب واللجاج.

(38) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أهل مصرلما ولَّى عليهم الأشتر
(من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى القوم): من هذه لابتداء الغاية، وهي في موضع رفع خبر لمبتدأ تقديره: هذا الكتاب من عبد الله، والخبر إلى القوم.
(الذين غضبوا لله): أي من أجل الله.
(حين عصي في أرضه): بارتكاب المناهي وإضاعة الحدود.
(وذُهِبَ بحقه): ذهب بكذا إذا أخذه، وأراد أنهم أخذوا بها كل جهة في تضييعها وإبطالها.
(فضرب الجور سرادقه): السرادق: هو الخيمة من القطن، واستعاره هاهنا لدخول الناس في الجور واندراجهم تحته.
(على البر والفاجر): المسلم والفاجر، والفاجر يُظْلَمُ وَيَظْلِمُ، والمؤمن يُظْلَمُ ولا يَظْلِمُ.
(والمقيم والظاعن): والقاطن في بيته، والمرتحل عنه، وغرضه بذلك عمومه وشموله لكل أحد.
(فلا معروف يستراح إليه): أي يحث عليه ويفعل، فتستريح إليه قلوب المؤمنين الأولياء، وتطمئن أفئدتهم بفعله وتميل نفوسهم إليه.
(ولا منكر يتناهى عنه): ينهى كل واحد صاحبه عن فعله والإقدام عليه، فهذه حال أهل مصر على ما ذكره من الثناء عليهم في ذلك.
(أما بعد، فإني قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله): ولياً من أوليائه، والبعث هو: الإرسال.
(لا ينام أيام الخوف): لشدة تيقظه وتحفظه من الأعداء، فيذهب نومه إذا كان خائفاً.
(ولا يَنْكُلُ عن الأعداء): ولا يجبن عن ملاقاة الأعداء.
(ساعات الروع): أحيان الفشل من شدة الخوف والفزع.
(أشد على الفجار من حريق النار): في هيبته وشدة انتقامه، وتسلطه عليهم بالقهر والتطاول، يشبه النار عند حريقها في سطواته عليهم، وهو مالك بن الحارث.
(أخو مَذْحَجٍ): قد ذكرنا تفسير الأشتر فيما سبق، ومذحج : قبيلة من اليمن.

152 / 194
ع
En
A+
A-