(إن كنت جازعاً على ما نقل من يديك): يشير إلى أن الجزع كله مذموم، وبيانه أنك لا يخلو جزعك، إما أن يكون على ما هو حاصل في يديك شحاً عليه وبخلاً أن يفوت، أو يكون جزعك على ما نقل من يديك، [فإن كان على ما نقل من يديك] من الأموال والأولاد وسائر النفائس:
(فاجزع على كل ما لم يصل إليك): لأنهما سيان في الفوات عن يديك، لا مزية لأحدهما على الآخر في ذلك، وإن كان جزعك على ما هو حاصل في يديك، فهو إساءة ظن بالله تعالى وقلة ثقة بكرمه ومزيد إحسانه، فلا فائدة فيه كما قال.
(استدلل على ما لم يكن بما قد كان): فيه وجوه:
أحدها: أن يكون مراده في الدنيا، وهو أن ما كان من الدنيا فهو زائل فانٍ، فهكذا ما يحصل منها من بعد، يكون حاله هكذا.
وثانيها : أن يريد ذلك في خطوب الدهر وحوادثه، وهي لا تزال حادثة في كل أوان، فافعل فيما يحدث منها من الصبر وكظم الغيظ مثلما فعلت فيما مضى منها.
وثالثها: أن يكون ذلك بالإضافة إلى الله تعالى، وعلى هذا يكون مراده استدلل على لطف الله وحسن رعايته بالخلق بما فعل من ذلك فيما مضى، فهو لا محالة يفعل مثله فيما يستقبل، وهو يحتمل لغير ما ذكرناه من المعاني، ولكنها مندرجة تحت هذا.
(فالأمور أشباه ): أي أن الأمور متشابهة يشبه بعضها بعضاً، ويستدل ببعضها على بعض.
(لا تكونن ممن لا ينتفع بالموعظة إلا إذا بالغت في إيلامه): يحث في هذا على أن الإنسان ينتفع بالذكر القليل، وينهى عن أن يكون لا ينتفع إلا بالمبالغة في الإيلام، وكدّ القلوب وجرح الأفئدة بالزواجر الوعظية، والقوارع الوعيدية.
(فإن العاقل يتعظ بالأدب): أدنى الموعظة وأيسرها وأسهلها.

(والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب): وهذا تعريض بأن من هذه حاله في كونه لا ينتفع إلا بعظيم الموعظة، مشبه للبهائم في أن انقيادها والانتفاع بها لا يكون إلا بالضرب، ومن ينقاد بأسهلها فهو مشبه بالعاقل في ذلك، وبين العاقل والبهيمة من التفاوت بون لا يدرك حده، ولا ينال أمره وقصده.
(اعرف حق من عرفه لك ): أراد أن من جملة الإنصاف معرفة الحق لمن اعترف به لك، ولا تلتفت إلى حاله.
(رفيعاً كان أو وضيعاً ): سواء كان قدره مرتفعاً أو متضعاً فذاك بمعزل عنه.
(استعد للموت): خذ العدة لوقوعه وهجومه، فإنك لا تدري أي وقت يهجم عليك، وما هذا حاله خليق بإحضار عدته والتأهب لوقوعه.
(اطَّرِحْ عنك واردات الهموم): أزل عن نفسك جميع ما ورد عليك من المهمات كلها.
(بعزائم الصبر): بالجد في الصبر والإعتماد عليه.
(وحسن اليقين): على ما يحصل في ذلك من الأجر والثواب، وتعلق الباء في قوله: بعزائم الصبر تعلق الآلة، كما تقول: كتبت بالقلم، أو تعلق الأحوال أي اطرحها أعني الهموم معتزماً بالصبر.
(من تعدى الحق ضاق مذهبه): أي من خالف الحق ضاق عليه تصرفه في أموره كلها وذهابه فيها، ومنه قولهم: لفلان في الأمور مذهب حسن أي تصرف معجب.
(من اقتصر على قدره كان أبقى له): يعني من قصر نفسه على قدرها كان أبقى لما هو عليه من الزوال والتغير؛ لأن الجهل بالحال يؤدي إلى ذلك، ولقد أحسن من قال في ذلك:
من طال فوق منتهى بسطته
أعجزه نيل الدنى بَلْهَ القضاء
من لم يقف عند انتهاء قدره
تقاصرت عنه فسيحات الخطاء
فهذا كله يشير إلى ما قلناه من تغير الحال عند جهل الإنسان بقدر نفسه، وسيأتي لأمير المؤمنين فيه كلام بالغ نشرحه في موضعه بمعونة الله تعالى.

(أوثق سبب ما بين الله وبينك ): يريد أن الأسباب والوُصَل وإن كانت كثيرة بينك وبين غيرك، لكن أحقها بالوثاق والربط هو السبب الذي بينك وبين الله، لما فيه من محمود العاقبة وجميل السلامة في الدنيا والآخرة، وكيف لا يكون أحق الأسباب بالإيثاق، وفيه صلاح الحال كله، والبغية المقصودة، المعول عليها.
(ليس كل عورة تظهر): أراد أن بعض العورات وإن حسن اطلاع غيرك عليها، فليس هذا حاصلاً في كلها، وإنما يكون ذلك في بعضها دون بعض.
(ولا كل فرصة تصاب): الفرصة: النهزة، وفي الحديث: ((من فتح له باب خير فلينتهزه )) أي يعاجله بالأخذ قبل فواته، فهكذا حال الفرصة ينبغي معاجلتها قبل فواتها، وليس هذا في كل فرصة، فربما ساعد فيها القدر فأخذت، وربما كان الأمر على خلاف ذلك
(فربما أخطأ البصير قصده): أكثر تصرفات البصير على نعت الصواب لموافقة المقادير، وربما خالفت المقادير فأخطأ ما قصده من ذلك.
(وأصاب الأعمى رشده): [وأكثر تصرفات الأعمى لا تجري على قانون الاستقامة، وربما أذعنت المقادير له فأصاب رشده] ، وهو ما يطلبه من ذلك.
(أخِّر الشر): يريد تأنَّ فيه ولا تعجل على فعله، فالعجلة إنما تنبغي في أعمال الآخرة، فأما الشر فلا عجلة فيه.
(فإنك إن شئت تعجلته): يريد أنما كان يمكن فعله في كل حالة فلا حاجة به إلى العجلة.
(قطيعة الجاهل): يريد مقاطعته، وعدم الإتصال به.
(تعدل صلة العاقل): يشير إلى أن النفع بمقاطعة الجاهل يساوي ما يحصل من النفع بصلة العاقل؛ لأنه لا يحصل بمواصلة الجاهل إلا ضرر، كما لا يحصل بانتفاء خلطة العاقل إلا نقص، فلهذا كان قطيعة هذا توازي صلة هذا .

(نعم حظ المرء القنوع): يشير إلى أن الله تعالى ما رزق المرء من الحظوظ والعطايا أفضل ولا أعظم من القناعة، وسيأتي له في القناعة كلام غير هذا، نورده في موضعه بمشيئة الله.
(شر أخلاق المرء الحسد): يشير إلى أنه لا شر أعظم في الخلائق من الحسد، وحقيقته: أن تريد إزالة نعمة غيرك إليك فتكون لك دونه، فهذا هو الحسد المذموم، وقد أكثر الله من الوعيد على صاحبه، وفي الحديث: ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب )) ، وفي حديث آخر: ((ما ذئبان ضاريان في زريبة أحدكم ؛ بأسرع من الحسد في حسنات المؤمن)).
(الشح يجلب الملامة): يريد أنه أعظم أسبابها وأقواها، وفي الحديث: ((أخوف ما أخاف على أمتي: شح مطاع ، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)) .
(الصديق من صدق غيبه): أراد أن الصديق حقيقة من كان صادقاً في حال الغيبة، فيكون حاله في حضورك كحاله في حال غيبتك من النصيحة والمواساة والذب عن العرض.
(الهوى شريك العمى): يعني أن العمى في البصيرة كماهو مهلك للإنسان، فهكذا أيضاً الهوى فإنه مشارك للعمى في هلاك المرء باتباعه وإيثاره.
(من التوفيق الوقوف عند الحيرة): التوفيق: هو اللطف الذي يكون معه موافقة رضاء الله تعالى، وسمي توفيقاً من أجل ذلك، ومن حكم هذا اللطف هو التوقف عند التحير في الأمور العظيمة؛ لأن مع الوقوف السلامة، ومع التهور العطب.
(طارد الهمِّ اليقين): يريد أن الهمَّ إذا عرض لك وتراكم فلا طارد له من الأمور شيء سوى اليقين بما قدر الله تعالى لك وعلم أنه لا يفوتك، وأنه لا محيص لك عنه، ومع هذا التحقق لا يبقي للهمِّ وجه أصلاً.

(رب بعيد): يعني أن من الأمور ما يستبعده الإنسان، ويحيِّل وقوعه وحصوله، ومع ذلك فإن المقادير تقضي بوجوده وحصوله وأنه:
(أقرب من قريب): أي أقرب ما يستقربه الإنسان ويظن وقوعه.
(الغريب): على الحقيقة.
(من ليس له حبيب): يوده، ويحنو عليه ويتعطف دون غيره من سائر الغرباء، فمن ليس حاله هذه [فليس بغريب] .
(أوثق العرى التقوى): يريد أن سائر العرى منقطعة بصاحبها إلا عروة التقوى، فإنه لا انقطاع لها ولا انفصام.
(من أعتبك): أي أرضاك من نفسه، وأعتبت فلاناً إذا أرضيته.
(فهو منك): أي موافق لك على ما أنت فيه، أو راعي لحقك منصف لك في إعطائك ما تستحق.
(من لم يبالك): يحتفل بأمرك ولا يطول بحالك، ولا يرعيك طرفاً.
(فهو عدوك): لأن هذه حالة العدو وحكمه.
(قطيعة الجاهل): قطع الوصل بينك وبينه، وسائر الأسباب.
(مصلحة): إصلاح لحالك ومراعاة لجانبك، إذ لا خير في مواصلته.
(بر الوالدين): بجميع أنواع البر من المعروف، وإسداء الخير إليهما وإنصافهما بكل ممكن تجده.
(كرم): أي من كرم النفوس وجودتها.
(المخافة): يعني الخوف من عدو أو لصٍّ أو سَبُعٍ أو غير ذلك من أنواع المخافات كلها:
(شر لحاف ): أقبح ما تردَّى به الإنسان والأم للقلب من كل شيء؛ لأن مع الخوف تتغير أكثر الحالات، وتضيق فرائص الإنسان ويشذُّ نومه، ولهذا قال الله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ }[النحل:112]، مبالغة في عظم ما أصابها ونالها من ذلك.
(لا خير في لذة): أراد لا فائدة ولا جدوى في لذة.
(تعقب ندماً): لأن ما يحصل بعدها من الندم يوفي ويزيد على ما يحصل منها من اللذة ويربي على ذلك.
(العاقل): أراد العاقل حقيقة.

(من وعظته التجارب): التجربة هي: خبرة الأمور والدرية بأحوالها حتى صار عارفاً ماهراً فيها، فمن هذه حاله فهو العاقل دون غيره.
(رسولك): بأي رسالة كانت وإلى أي رجل كان.
(تَرْجُمانُ عقلك): الترجمان هو: الذي يفسر كلامك ويظهر معناه بلغة أخرى، وأراد أن الرسول هو الذي يُعَبِّرُ عن عقلك ويظهر مقصودك، ويبين عن غرضك، فاختر من شئت يكون رسولاً لك، فهذه حاله.
(ليس مع الاختلاف ائتلاف): يعني أن كل ما وقع فيه مخالفة وتفرق كلمة وتشتت آراء، فلا وجه للموافقة فيه بحال.
(ينبئ عن كل امرئ دخيلته): الدخيل والدُّخْلُلُ هو: الذي يختص بالإنسان ويداخله في أموره كلها، وأراد أن كل من يختص بالإنسان فهو دليل عليه من جودة ورداءة.
(رب باعث عن حتفه): الحتف: الموت، وأراد رب من يبعث الموت على نفسه ويجره عليها، وترى هذا كثيراً، ومنه قولهم: فلان باعث عن حتفه بظلفه.
(رب هزل عاد جدّاً): من الطلاق والحرية وغير ذلك من الأمور؛ لأنه ربما وقع في أول الأمر أحاديث ليس لها وقع، ثم كان عاقبة الأمر الجد في ذلك وبلوغ غايته.
(من أمن الزمان خانه): يعني أن طبع الدهر هو الخيانة، فهو لا يزول عن طبعه وما هو من مقتضى ذاته، فإذا أمنه أحد فهو يرجع إلى طبعه الأول في المكر والخديعة والخيانة.
(من تعظَّم عليه أهانه): يعني من صاوله ولم يجنح له أذله وصرعه لجنبه.
(ليس كل من رمى أصاب): جعل هذا كناية، وأراد به أن كل من توصل بسبب إلى غرض من الأغراض فليس يكاد يناله، وربما عرض دونه عارض فحال بينه وبينه.
(إذا تغيَّر السلطان): في العدل والقيام بالأمر، وإنصاف كل ذي حق حقه.

(تغيَّر الزمان): إما بفساد الرعية من جهة أنفسهم لما يلحقهم في ذلك من الضرر، وإما بتغير من جهة الله تعالى يسلطه الله عليهم، وفي الحديث: ((خمس بخمس )) قيل: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ فقال: ((ما نقض قوم العهد إلا سلَّط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال والميزان إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس [الله] عنهم القطر)) . وإذا كان الأمر هكذا فلا يمتنع مع تغير الزمان أن يصيبهم الله بشيء من البلاوي عند تغير السلطان.
(خير أهلك من كفاك): أراد إما من كفاك نفسه فلم تشتغل به، وإما أن يريد من كفاك بعض أمورك وأعانك بها.
(اعتذر من اجتهد): أراد أن كل من اعتذر إليك فقد بالغ في الاجتهاد في زوال العتب عنه، أو من اعتذر عن الإساءة فقد بالغ في الاجتهاد في محو الذنب.
(رأس الدين): أعلاه وأكمله، كما قال عليه السلام: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس )) .
(صحة اليقين): الإيقان بالله، والقطع بوجوده، والتصديق بما جاءت به رسله.
(تمام الإخلاص): في العبادة لله تعالى والوفاء بحقه.
(تجنب المعاصي): البعد عنها ومجانبتها، فلا إخلاص لله فيما عمل لوجهه مع فعل المعاصي وارتكاب المناهي.
(خير المقال): أجوده عند الله، وأعلاه حالة عنده.
(ما صدَّقه الفعال): يريد ما كان مطابقاً له، فمن قال قولاً ثم صدقه فعله فذلك القول هو أنفس الأقوال وأعلاها وخيرها.

(السلامة مع الاستقامة): أراد أن الدين مهما كان راسخاً في النفس فالاستقامة حاصلة، ومهما كانت الاستقامة موجودة فالسلامة عن الأخطار كلها موجودة أيضاً، ومع الاضطراب حصول الفشل والتغير في الحال، ولا سلامة مع ذلك، ولما نزل قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }[هود:112]، شق ذلك على الرسول عليه السلام لما فيه من الصعوبة .
(الدعاء مفتاح الرحمة): يريد اللطف من الله للخلق، ولولا أنه مفتاح الرحمة لما أمر الله به عباده حتى قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }[غافر:60]، وندبهم إلى ذلك وحثهم عليه حتى قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }[البقرة:186]، وفي الحديث: ((الدعاء يرد القضاء )) ، وفي حديث آخر: ((الدعاء سلاح المؤمن )) شبهه بالسلاح؛ لأنه يصاول به كل من غالبه، ومن آدابه تربص الأوقات الشريفة، واستقبال القبلة، وأن يكون على وضوء وخفض الصوت، والتضرع والإيقان بالإجابة، وافتتاح الدعاء بذكر الله والصلاة على الرسول .
(سل عن الرفيق قبل الطريق): يعني إذا سافرت سفراً فاسأل أولاً عمن يرافقك فيها قبل سلوكها، فإن الرفيق لا بد منه في الطريق، وفي الحديث: ((الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة رفقة )) .
(والجار قبل الدار): وسل عن جيرانك قبل الشروع في شرائها، فإن كانوا صالحين وإلا فلا.
(احتمل ممن أدل عليك): فإن إدلاله عليك لأحد أمرين:
أما أولاً: فلما يظنه من سعة الخلق، ولين الجانب.
وأما ثانياً: فلما يعهد من كرم النفس وشرف الطبع، وكل هذه الأمور موجبة للاحتمال في الإدلال.

(واقبل عذر من اعتذر إليك): لأن اعتذاره عما فرط منه دلالة على ندمه على ذلك، وفي الحديث: ((من لم يقبل العذر لم يرد عليَّ الحوض )) .
(أطع أخاك وإن عصاك): لأن في ذلك دلالة على حسن الشمائل، وشرف الخلائق، وهذا كله في الطاعة التي لاخلل على الدين بها .
(خذ العفو من الناس): يعني ما سمحت به أنفسهم من غير إكراه لهم على ما يشق ويكره، وهو من محاسن الشمائل، ولهذا أمر الله به نبيه حيث قال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }[الأعراف:199]،.
(إياك أن تذكر من الكلام قذراً): القذر: ما تستقذره النفس من هذه العقوبات، والقذر: الكلام الفاحش، وإنما حذر عن ذكره؛ لأن في ذكره ولوع اللسان به، وفيه أيضاً سقوط الحالة وركة النفس وهونها، والقياس هاهنا، ورود الواو في أن، وأن يقال: إياك وأن، كما مر في مواضع من كلامه، ولكن الواو حذفت عن أن ها هنا لما كان التقدير فيه: إياك عن أن تذكر أو من أن تذكر، وطرح حرف الجر يكثر في أن المخففة والثقيلة.
(وأن تكون مضحكاً): أراد وإياك أن تكون مضحكاً لجلسائك أو للناس لما في ذلك من ركة الهمة وسخف الطبيعة، وفي الحديث: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه فيهوى بها من الثريا إلى الثرى)).
(وإن حكيت ذلك من غيرك): فإنه لا خير فيه أيضاً؛ لأن يجري على لسانك لا محالة.
(عوِّد نفسك السماح): يعني إن كان السماح غريزة من الله فهي خصلة محمودة، وإن لم تكن غريزة فتعودها فإنها تأتي بكل خير، وفي الحديث: ((السخي قريب من الله ، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار)) .

(تخيَّر من كل خلق أحسنه): معناه تبصَّر الخلائق كلها، فما رأيته يزينك فخذه واعمل عليه، كما قال تعالى: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا }[الأعراف:145]، وقال تعالى : {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ }[الزمر:18]، فالأحسن من كل شيء هو: أفضله وأعلاه.
(فإن الخير عادة): يريد أن فعل الخير على حسب ما تعوده الإنسان فإن تعود خيراً فعله، وإن تعود شراً فعله.
(إياك ومشاورة النساء): في أمورك في الدين والدنيا واقتباس الرأي منهنَّ في ذلك، فحذره من ذلك.
(فإن رأيهنَّ إلى أَفْنٍ): الأفن: مصدر قولك أفنه الله أفناً بسكون العين، والاسم منه: الأفَن بتحريك العين، والأفن: ضعف الرأي والعقل جميعاً، ورجل مأفون أي ضعيف.
(وعزمهنَّ إلى وهن): الوهن: الضعف أيضاً، وأراد وما عزمن عليه فهو يؤول إلى الضعف والهوان.
(اكفف أبصارهنَّ بحجابك إياهنَّ ): يشير إلى أن أبصارهنَّ طوامح، ولا يكف أبصارهنَّ مثل الحجاب لهنَّ، فإن فيه خلاصاً عن تشوف أبصارهنَّ.
(فشدة الحجاب خير من الارتياب ): يعني فما يلحقهنَّ من الغم بشدة الحجاب خير من لحوق الريبة، وهي الخوف عليهنَّ من الفتنة وركوب الفاحشة.
(وليس خروجهنَّ بأضر من دخول من لا تأمنه عليهنَّ): يشير بذلك إلى مصلحة الحجاب لهن، يعني فإذا كنت لا ترضى دخول أحد عليهنَّ لأجل الريبة، فهكذا حالهنَّ في الخروج أيضاً من غير تفرقة بينهما.
(فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل): لأن معرفتهنَّ بحال غيرك آنس به ولا حاجة إلى ذاك ، وكل هذا تبعيد عن الريبة، وتحرز في النزاهة، ومواظبة على الشهامة ومبالغة في الغيرة.

150 / 194
ع
En
A+
A-