(قبل أن تكون غصة): الغصة: واحدة الغصص وهي: الشجا في الحلق، وأراد أن إهمالها وترك المعاجلة في أخذها يكون شجاً في الحلق لا محالة.
(من الحزم العزم): أراد أن العزم على أخذ الشيء، وتناوله هو أحد أجزاء الحزم؛ لأنه إذا أخذه وقطع على تناوله فهو آخذ بالحزم لا محالة، مخافة أن يفوت أو يعرض عن أخذه عارض، فلهذا قال: من الحزم العزم.
ثم أخذ في تقرير الحكم وبيان أسرارها وغرائبها بقوله:
(سبب الحرمان التواني): اشتقاق التواني من الونى، وهو: الضعف، وغرضه أن السبب في امتناع بعض الأشياء وحرمانها هو الضعف عن طلبها والتساهل في إدراكها، ولهذا نجد الإنسان إذا جدَّ في طلب شيء حصل، وإذا توانى فيه فات لا محالة.
(ليس كل طالب يصيب): مطلوبه، ويحصل له، فكم من طالب ولا ينال مطلوبه، ولا يكون حاصلاً وإن جد واجتهد.
(ولا كل غائب يؤوب): فكم من غائب يعرض دون إيابه الموت، فلا يؤوب أبداً.
(من الفساد): في الدين والإعراض عن الآخرة:
(إضاعة الزاد): وهو التقوى وما بلغ إلى الآخرة، ولا فساد كهو؛ لأن كل فساد يرجى صلاحه إلا ما كان من فساد الزاد في الآخرة فإنه لا رجوى لصلاحه بحال.
(وهو مفسدة المعاد): يعني أن من أضاع زاده في الآخرة فقد أفسد لا محالة معاده إلى الله تعالى، ومرجعه إليه؛ إذ لا معاد من دون زاد.
(لكل أمر عاقبة): يؤول إليها ويرجع، وإلى الله عاقبة الأمور كلها وصيرورتها.
(رب دائب مفرط): الدأب: المداومة على الشيء وتكراره، وأراد رب مداوم على فعل شيء وهو في الحقيقة مفرط في فعله، كأنه بمنزلة من لم يفعله، إما لفساد قصده وتغير نيته، وإما لإيقاعه له على غير الوجه المأمور به.
(ورب ساعٍ مضيع): أي رب من يكون ساعياً في تحصيل شيء ومجتهداً في فعله وهو في الحقيقة مضيع له ؛ لكون سعيه غير موافق للأمر، ولا مطابقاً له، وما ذكره أمير المؤمنين يقع كثيراً.
(التاجر مخاطر): في اضطرابه في تجارته وركوب البر والبحر، فهو على غير حقيقة في تجارته هل تسلم أو لا؟ وهل يربح أو يكون خاسراً؟ فلا يزال في خطر في تصرفاتها كلها، ولا يزال راكباً للأخطار.
(لا خير في معين مهين): الإعانة إنما تراد من أجل تحصيل المقصود وإيقاعه، فإذا كان المعين في غاية الضعف والهوان فلا فائدة فيها، ولا نفع واقع بها.
(ولا في صديق ضنين): أراد بالضنين إما البخيل، وإما المتهم، وكلاهما يشوبان الصداقة، ويقطعان حالها، ويبطلان أمرها.
(ولا تبنينَّ في أمر على غرور): الغرور هو: الخدع والمكر، وأراد أن كل أمر قررت قواعده على خديعة ومكر، فهوباطل متلاشي لا ثبات له، فلهذا نهى عنه.
(من حلم ساد): أراد أن الصبر على المكاره وتحمل أذى الخلق والاصطبار على ما يأتي منهم من المكروه، يورث السؤدد عليهم، وعن هذا قال بعضهم:
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... فلن تستطيع الحلم حتى تحلمّا
(ومن تفقه ازداد): التفقه: التفهم لمراد الله وإصلاح حاله في الدين والدنيا، ومن فهم عن الله ازداد خيره وكثر صلاحه.
(لقاء أهل الخيرات عمارة القلوب): لأن عمارة القلوب لا تحصل بأعظم من ذكر الموت وأحوال الآخرة، ولقاء أهل الصلاح يكون فيه أبلغ ذلك وأعظمه.
(إياك أن تجمح بك مطايا اللجاج): جمح الفرس براكبه، إذا خالفه في مراده ولم يملك أمره، وأراد التحذير عن أن يكون اللجاج والشجار طامحين بالإنسان إلى المكاره السيئة والمداخل الضيقة، والمعنى في هذا هو كف النفس وزمها عن الورود في اللجاج والخصومات.
(إن قارفت سيئة فعجِّل لها توبة ): القرف: الاكتساب، يقال: فلان يقترف لعياله إذا كان يكتسب عليهم، وأراد أنك إذا اكتسبت سيئة فلا تمَّالك في تعجيل توبة من أجلها تمحوها.
(لا تخن من ائتمنك وإن خانك): أراد أن الواجب عليك أن لا تخون أحداً، وخيانته لك لا تبطل هذا الواجب، ولأنه إذا خانك فقد أسقط حقك، وإذا أسقط حقك فلا تسقط حقه بالخيانة من جهتك.
(لا تذع سره وإن أذاع سرك): الإذاعة: هي الإفشاء، وفلان خدَّاع مذَّاع أي يفشي الأسرار وينشرها، وغرضه أنك لا تفش سره وإن أساء في إفشاء سرك.
(لا تستوثق بثقة رجاء): يقال: فلان أخذ بالوثيقة في أمره، أي بالثقة، وأراد هاهنا أنك إذا طلبت وثيقة في أمر فلا تجعلها على جهة الرجاء، وكن فيها على قطع فيطمئن بها القلب، ويكون الصدر إليها منشرحاً.
(لا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه): يعني أن حفظ القليل في يدك خير من بذله على غير حقيقة من حاله لرجوى ما هو أكثر منه، وأراد بهذا حيث لا يكون ظن السلامة أكثر، فأما إذا كان ظن السلامة أكثر فالعقول مشيرة إلى حسن ذلك لا محالة.
(جد بالفضل ): في جميع أحوالك، وغرضه كن مفضلاً على من قدرت عليه.
(وأحسن البذل): أي ليكن بَذْلُكَ [وعطاؤك حسناً] متوسطاً من غير إسراف في حالك، ولا إضرار به، كما قال تعالى: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ }[الإسراء:29]،.
(قل للناس حسناً): أي قولاً ذا حسن، وأراد قولاً لطيفاً لا خشونة فيه، ولا يجوز حسناً بغير تنوين، على أن يكون تأنيث الأحسن؛ لأن المؤنث من ذلك لا يجوز إتيانه بغير اللام أو الإضافة إلا على جهة الشذوذ، فلهذا وجب حمله على المصدر كما ذكرناه.
(قلَّ ما تسلم ممن تسرعت إليه): بالمكروه والأذى، وغرضه أن كل من بادرت إليه بفعل القبيح فإنه لا يزال مجتهداً في المبالغة، [في المكر] والخديعة، والكيد لك لا محالة، فلا تكاد تسلم من كيده.
(أو تندم إن تفضلت عليه): أي أن الإحسان يقود إلى كل خير، فلا تكاد تندم على فضل على أحد بحال.
(من الكرم): في الطباع، واتباع محامد الشيم.
(الوفاء بالذمم): بالعقود والمواثيق، والمكر والخديعة هو اللؤم بعينه.
(الصدود آية المقت): صدَّ عنه صدوداً إذا أعرض عنه، والمقت: البغض والكراهة، وأراد أن الإعراض علامة للبغض لا مرية فيه.
(الانقباض يجلب العداوة): لأن مع الانقباض البعد، والبعد يورث الوحشة والقطيعة، وهذه كلها أسباب جالبة للعداوة.
(والخلطة تورث المحبة): لأن مع الخلطة الألفة، والألفة تورث البشاشة، والبشاشة حِباَلَةُ المودة.
(كثرة العلل): أراد أن المرء إذا كان كثيراً ما يكثر العلل على صاحبه في أحوال معاشرته له، فإن ذلك كله.
(آية الملل): علامة السآمة له، والنفرة عن خلطته ومفاكهته.
(من الكرم): في الطباع والشيم.
(صلة الرحم): برها وكرامتها بالمواصلة والتعهد، ولهذا ترى ذلك كثيراً في أفاضل الناس وأهل الشهامة منهم.
(التجني وجه القطيعة): التجني هو: التجرم وهو ادعاء ذنب لم يذنبه الغير، وأراد أنه وجه المقاطعة عن التواصل، وحقيقتها وعلامتها، ومعه حصولها لا محالة.
(احمل نفسك في أخيك عند صرمه على الصلة):أراد أنه إذا صرمك فأكره نفسك على صلته واحملها على ذلك، وقوله: احمل نفسك، يدل على أنه إكراه للنفس على ذلك؛ لأنه خلاف هواها ومرادها.
(وعند صدوده): إعراضه عنك.
(على اللطف والمقاربة): الرفق به والتقرب إليه.
(وعند جموده): بخله ومنع جود نفسه.
(على البذل): على إسداء المعروف إليه، وإنالته بخيرك.
(وعند تباعده على الدنو): على القرب منه ، والتعهد لحاله.
(وعند شدته): بخله بما في يده أوعلى ضيق أخلاقه وضنكها.
(على اللين): إما على المسامحة، وإما على بسط الأخلاق ولينها له.
(وعند جرمه): إساءته إليك.
(على العذر): على قبول عذره إذا اعتذر في ذلك.
(حتى كأنك له عبد): أراد أنك تفعل ذلك وتستمر عليه حتى كأنك في منزلة العبد له.
(وكأنه ذونعمة عليك): تفضل وعطاء في اصطبارك على ذلك، وإكراه النفس عليه.
(وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه): يعني أن خضوعك وقربك ودنوك ولينك، إنما يكون ذلك مستحقاً ومندوباً إليه في حق من يعرف ذلك، ويتحققه ويكون موضعاً له.
(أو أن تفعله في غير أهله): لأن فعلك ذلك في غير موضعه، وفي غير أهله سقوط في الهمة، وركة في الطبيعة، وذل في النفس.
(لا تتخذَّن عدو صديقك صديقاً): لأن الأعداء ثلاثة: عدوك، وعدو صديقك، وصديق عدوك، والأصدقاء ثلاثة أيضاً: صديقك، وصديق صديقك، وعدوعدوك، فإذا اتخذت عدو صديقك صديقاً.
(فتعادي صديقك): باتخاذ عدوه صديقاً، وهو أحد الأعداء لك.
(ولا تعمل بالخديعة): في أحوالك كلها فتري صاحبك النصح وغرضك خدعه.
(فإنها خلق اللئام): جمع لئيم وهو: الدني الأصل الشحيح [الفعل وأراد أن] ذلك دال على لآمة أصله، وسخافة فعله.
(امحض أخاك النصيحة): [محضته الود أخلصته] له ويقال: هو عربي محض أي خالص نسبه، أي أخلصها له، وكل شيء [أخلصته فقد] أمحضته، قال الشاعر:
قل للغواني أما فيكنَّ فاتكةٌ ... تعلو اللئيم بضربٍ فيه إمحاض
(حسنة كانت أو قبيحة): يعني مراده كانت حسنة عنده أو مكروهة، فعبَّر عن الحسن عما يكون مراداً، وعن القبيح بما يكون مكروهاً، وليس الغرض أن النصيحة تكون قبيحة، فإن كل ما كان قبيحاً فلا وجه للأمر به.
(لا تصحبن الإخوان بالإيهان): الوهن: الضعف، وأراد لا تصحبهم بالإفساد والضعف، والركة في الحال.
(صاحبهم بالتذكير عند الزلة): تذكير التوبة ليتوب عنها، أو تذكير كونها خطيئة فيقلع، أو تذكَّر عظمة الله وخوفه، فيكون ذلك سبباً للانزجار عنها.
(وأمحضهم المودة): أي أخلصها لهم، وود محض إذا كان خالصاً لا شوب فيه.
(عند الهَبَّةِ): يُروى مفتوحاً، وهي واحد الهبات، يقال: هب البعير هبة وهباباً إذانشط في سيره، قال لبيد:
فلها هَبَابٌ في الزِّمام كأنَّها
صهباء راح مع الجنوب جهامها
ويُروى بالكسر وهي: الحالة، يقال: هب البعير هِبَة إذا هاج للضراب، وكلاهما صالح هاهنا، فإن الغرض محض المودة عند شدة الأمر وصعوبته.
(كم من أخ ثقة): تثق به في جميع أحواله، ويطمئن صدرك إليه وينشرح.
(بعث العتب بحقه ): البعث: الإرسال، قال تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا }[الإسراء:5]، وأراد أزال العتب حقه وأرسله، وغرضه من هذا كله هو أن كثرة عتاب الصاحب تزيل حقه وتبطله.
(ساعد أخاك على كل حال): في أمور الصحبة والإخوة، فإن مع المساعدة تكون استقامة الأحوال كلها وانتظامها.
(وزل معه في الحق حيث زال): أي لا تفارقه مهما كان على الحق، وكن معه عليه على أي وجه كان.
(جد على عدوك بالفضل): عامله بالتفضل عليه في أحواله كلها.
(فتسخير العدو بالإحسان إليه أجلى الظفرين): التسخير: هو التذليل ، وأراد أن تذليل العدو بإعطائه المعروف والإحسان من جهتك، فإن الظفر بالعدو يكون بوجهين:
أحدهما: القهر له والغلبة.
وثانيهما: الإحسان إليه، لكن تذليله بالإحسان إليه أجلى من قهره، وأحمد عاقبة في مذاهب الكرام؛ لكونه أخف حالاً وأسهل من القهر لا محالة، ولأنه بالإحسان ينجذب من جهة نفسه، وبالقهر إنما ينجذب بداعية الإكراه لا غير، فلهذا كان ذلك أجلى وأجود.
(بصر صديقك): أره البصيرة في أمره، واهده إلى الرشد.
(وتجرع الغيظ): اصبر على ما يغيظك من أمرك، واكظم غيظك فيه.
(فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة): يريد أن عاقبتها حلوة المطعم.
(ولا ألذ منها مغبة): مغبة كل شيء: عاقبته، وهي بفتح الغين المصدر، وبالكسر أيضاً كالمحمدة والمعذرة.
(لن لمن غالظك): قاساك وناواك، والغلظة: الفظاظة، قال الله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ }[آل عمران:159].
(يوشك أن يلين لك): أراد أنك إذا لنت له في أول الأمر فيقرب لا محالة أن يلين لك في آخره.
(تفضل على عدوك): بالإحسان إليه وإسداء المعروف عليه.
(فإنه أجلى الظفرين): إما القهر له، وإما الإحسان إليه، ولا شك أن الإحسان هو أجلاهما وأعظمهما نفعاً وجدوى.
(وإن أردت قطيعة أخيك): يقول: إذا عزمت يوماً على قطعه عن المواصلة، وإيحاشه عن الألفة.
(فاستبق له من نفسك بقية): اجعل عند نفسك له بقية من المواصلة، ولا تبالغ في القطيعة والوحشة.
(إن بدا لك): عن ذلك من المواصلة، واستقبحت أمرك.
(يوماً ما): يوماً من الأيام على القلة والندور وهذه إشارة منه إلى أن الإنسان لا يستمر على حالة واحدة، فليكن من أمره على ثقة في التبقية لنفسه من ذلك.
(ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه): من قصدك في طلب حاجة وظن فيك قضاءها، أو قصدك في عطية، وظن بك غنى، أو غير ذلك من الظنون الحسنة فلا تخيب رجاءه فيما قصد من ذلك، وصدِّق رجاءه في ذلك، ولا تخالفه فيما أمَّل فيك من قضائها.
(ما أقبح القطيعة بعد الصلة!): أي أن القبح فيها يعظم حاله، ولهذا أتى به على جهة التعجب من حاله، لما فيه من زيادة القبح وشناعته .
(والجفاء بعد الإخاء): الجفاء: خلاف البر، والإخاء: المودة.
(والعداوة بعد المودة): وإنما عظم القبح لما تقدم قبل ذلك مما ينافيه ويعاكسه، فلهذا ازداد قبحاً؛ لأن العداوة ابتداءً ليس حالها مثل حالها إذا تقدمها مودة وموالاة، فإن ذلك يكون أدخل في القبح لا محالة.
(لا تضيعن حق أخيك): تسقطه وتزيله.
(اتكالاً على ما بينك وبينه): من الإدلال والألفة والصحبة.
(فإنه ليس بأخ لك من ضيعت حقه): يعني أن ذلك كله يبطل ويسقط حكمها ويبطل حقيقتها.
(لا ترغبنَّ فيمن زهد فيك [ولا تزهدنَّ فيمن رغب فيك] ): لأن رغبتك في زاهد فيك دلالة على هون النفس وركتها، وسقوط حالها، وزهدك فيمن رغب فيك أيضاً نقصان حظ في حقه.
(لا يكن أهلك): قرابتك ومن يختص بك من أهلك.
(أشقى الناس بك): أعظم الناس شقاء بك، يشير إلى حسن المعاشرة لهم والتوسيع في حالهم، والمواساة لهم، فإذا فعلت ذلك كانوا أسعد الناس بك حالاً، وأعظمهم حظاً بك.
(لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على مواصلته ): أراد أن أخاك وإن قطعك عن المواصلة وقوي على ذلك، فكن أقوى منه، على خلاف ذلك من المواصلة والقرب، لتكون أفضل منه وأعلى حالاً.
(ولا على الإساءة أقوى منك على الإحسان): وإذا كان قوياً على الإساءة إليك، فكن أقوى منه على الإحسان إليه.
(ولا على البخل أقوى منك على الجود): وإذا كان قوياً على البخل فكن أقوى منه على الجود والتفضل .
(ولا على التقصير أقوى منك على التفضل): وإذا كان قوياً على التقصير في الأحوال كلها، فكن أقوى على الإفضال والإعطاء منه.
(وليس جزاء من سرك أن تسوءه): ليس من خلائق الكرام ولا من خصال أهل الشيم الشريفة؛ أنه إذا صدر من جهة أحد إليك مسرة أن تكافئ صاحبها بمكروه، ولا أن من فعل فعلاً من الإحسان يكون جزاؤه الإساءة إليه.
(لا يكبرنَّ عليك ظلم من ظلمك): أي لا يَعْظُمَنَّ عليك، إما في العفو عنه والصفح، وإما في وقوع الغم فيه.
(فإنما سعى في مضرته): بما يحصل عليه من اللوم من الخلق في الدنيا، والعقوبة من الله تعالى في الآخرة.
(ونفعك): بما يحصل من الثواب على كظم الغيظ عنه أو بالعفو عنه أيضاً، وما يحصل من محمدة الناس لك في ذلك كله.
(الرزق): الذي قدَّره الله لك وحتمه، وجعله بلغةً لك.
(رزقان): نوعان، ووجهان:
(رزق تطلبه): بالاجتهاد في طلبه بحرفة أو سفر، أو عمل أوكدٍّ على أي وجه كان ذلك في إيجاده.
(ورزق يطلبك): يسوقه الله تعالى إليك من غير كد ولا تعب، ولا نصب في ذلك.
(وأنت إن لم تأته أتاك): يعني أن الله تعالى قد قدر وقوعه وحصوله إليك، فأنت وإن لم تأته بالطلب فهوآتٍ إليك لا محالة لا يتخلف عنك.
(والزمان): الذي خلقه الله تعالى مصلحة للعباد ومقداراً لآجالهم.
(يومان: يوم لك): نفعه.
(ويوم عليك): ضره.
(فما كان لك): فيه من المنافع والأرزاق المقدرة لك.
(أتاك على ضعفك): وصلك وإن كنت ضعيفاً عن تناوله وأخذه.
(وما كان عليك): وباله من الهموم، والغموم، والآلام المقدر وصولها إليك.
(لم تقدر على دفعه): إزالته عنك وإبعاده.
(بقوتك): وإن كنت قوياً.
(ما أقبح الخضوع عند الحاجة!): أتى به على قضية التعجب، لما فيه من المبالغة في القبح والشناعة، وهو أن تكون خاضعاً عند حاجتك لغيرك، لا وجه للخضوع سوى الحاجة.
(والجفاء عند الغنى!): أي وما أقبح الجفاء، وهو خلاف البر عند الاستغناء، وأراد أن التذلل إذا كان عند طلب الحاجة، ثم يكون الجفاء بعد الاستغناء، فهذا يكون أقبح ما يكون.
(ما أقبح المعصية لمن لم يزل بره عندك): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون خاصاً في حق الله تعالى، فإذا كان الله تعالى لا يزال بره واصلاً إلى الخلق في كل ساعة، فمعصية من هذه حاله لها مدخل عظيم في القبح.
وثانيهما: أن يكون عاماً في حق الله تعالى وفي حق غيره، وهو أن كل من كان بره واصلاً إليك على الدوام فمعصيته تعظم لا محالة، سواء كان في حق الله أو حق غيره من المخلوقين.
(إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك): يشير إلى ما في الدنيا فهو فانٍ، ولا بقاء لشيء منها إلا ما كان صلاحاً للآخرة من الأعمال الصالحة، وجميع أنواع البر كلها، والمثوى: موضع الإقامة والثوى.