(وإياك أن توجف بك مطايا الطمع): الوجيف: هو ضرب من السير السريع، يقال: وجف البعير يجف وجوفاً إذا سار سيراً سريعاً، وأراد تحذيره عن أن تسرع مطايا الأطماع بك، أي بسببك ومن أجلك، ومطايا الطمع في موضع رفع على الفاعلية لتوجف.
(فتوردك مناهل الهلكة): الورود مع المناهل من باب توشيح الاستعارة، وأراد تحقق العطب مع المواظبة على الأطماع.
(وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل): أراد أنه إن أمكنك الاكتفاء بما قسم الله لك من جهته، والاستغناء عما في أيدي الناس، وكف السؤال عنهم؛ كيلا يكونوا منعمين عليك، فيكون الله قد قسم على أيديهم نعمة منه عليك.
(فإنك مدركٌ قسمك): ما قدره الله لك وحتمه من الرزق من غير وساطة أحد من خلقه.
(وآخذٌ سهمك): الذي فرضه الله لك.
(فإن اليسير من الله سبحانه): من الرزق.
(أكثر وأعظم من الكثير من خلقه): أجزل وأحمد عاقبة مما يكون على أيدي الخلق، وقد ظهر ذلك من أوجه:
أما أولا: فلأن عطاء الله تعالى ليس فيه منِّة من جهة مخلوق، بخلاف ما يكون من جهة بني آدم فإن فيه المنّة.
وأما ثانياً: فلأن عطاء الله تعالى أهنأ وأمرأ بخلاف عطاء غيره من جهة الخلق، فإن فيه تعباً ونصباً.
وأما ثالثاً: فلأنهم يرجون بما ينعمون به من النعم المكافأة والمصانعة، والله تعالى لا يرجو شيئاً من ذلك.
وأما رابعاً: فلأن عطاءهم حقير هين، وعطاؤه جل جلاله لا يمكن حصره ولا عده.
وأما خامساً: فلأن في سؤال الخلق إراقة ماء الوجه عند المسؤل، وليس أهلاً لذلك، بخلاف سؤاله تعالى فإنه مستحق لأكثر من ذلك.
وعلى الجملة فإن إحسانه تعالى مخالف لإحسان جميع الخلق من جميع الوجوه، فلا وجه لطلب المخالفة في ذلك.

(وإن كان الكل منه): يريد أن الإحسان وإن حصل لك من جهة الغير فهو في الحقيقة من جهة الله تعالى ؛ لأن الله تعالى هو الذي أعطاه ومكنه من فعل الإحسان ورغبه في فعله، ووعده العوض في الدنيا، وإجزال الثواب له في الآخرة، فلهذا قال: الكل منه لأجل ما قررناه.
(واعلم أنك لست بايعاً شيئاً من دينك وعرضك بثمن وإن جل إلا كنت مغبوناً): أراد أن تحصيل شيء من الدنيا وإن جل حاله وعظم خطره بنقص في الدين أو نقص من العرض بإهراق ماء الوجه في المسألة، أو التواضع لمخلوق، فإنه لا محالة يكون الغبن فيه كبيراً؛ لأن ما يحصل من ذلك حقيراً بالإضافة إلى ما يفوت من الدين والعرض.
(فالمغبون من غبن نصيبه من الله): أراد أن المنقوص حقيقة هو من نقص نصيبه من ثواب الله وجزيل ما عنده.
(خذ من الدنيا ما آتاك): ما قسمه الله لك من غير كلفة ولا مشقة؛ لأن كل ما قدره الله لك منها فهو آتيك لا محالة على أيسر الوجوه وأسهلها.
(وتول عمَّا تولاك): وأعرض عمَّا أعرض عنك منها، ولا تذهب نفسك على ذلك حسرة وجزعاً.
(وإن أنت لم تفعل): ما أشرت إليه من أخذ ما جاءك منها، والإعراض عما لم يأتك منها.
(فأجمل في الطلب): اطلب ما طلبت منها على سهولة، وتيسير حال من غير تهالك في طلب وإتعاب النفس في تحصيلها.
(وإياك ومقاربة من ترهبه): تخافه وتشفق منه.
(على دينك وعرضك): فإن من هذه حاله لا خير في خلطته لما فيها من الضرر على الدين بالثلم والنقص، وعلى العرض بالإهدار.
(تباعد من السلطان الجائر): ففي بعدك عنه سلامة للدين وراحة للقلب عن التكلف؛ لأن في خلطته إيناساً له والواجب إيحاشه وفيها تقريب له وقد أمرنا بالإبعاد له، وفي الحديث: ((إذا مدح الفاسق اهتز العرش )) .

(ولا تأمن خدع الشيطان): ختله ومكره وإدلاؤه بالغرور في الخلطة لهم، والقرب منهم، وتقريب الحال منه في ذلك.
(فيقول لك: متى أنكرت): عليهم ما يفعلونه من الظلم والجور.
(أو علمت): بمنكر فأزلته، أو ظلم فغيرته.
(أو تشفعت): في حال ضعيف أو في إزالة منكر، أو غير ذلك من الأمور المقربة إلى الله تعالى.
(أجرت): أعطاك الله الأجر العظيم، وكان له ثواب عند الله تعالى.
(فإنه هكذا أهلك من كان قبلكم): الضمير للشيطان، يعني أنه خدعهم بهذه الأماني، وقرب لهم الحال بهذه التسويفات، وزين لهم ذلك بهذه الأكاذيب حتى وقعوا فيما وقعوا.
(وإن أهل القبلة): ممن آمن بالرسول وصلى إلى قبلته.
(آمنوا بالمعاد): أحكام الآخرة، وصدقوا بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الأهوال.
(ولو سمعت أحدهم يبيع آخرته بدنياه): يعني ولو خوطب الواحد منهم، وكلم على أن يبيع آخرته بشيء من حطام الدنيا ورغائبها النفيسة.
(لم يفعل): ما دعاه إلى ذلك داعي ولا أراده.
(ولم يطب بذلك نفساً): ما ساعدته نفسه ولا طابت به، لما فيه من القوة والصلابة على دينه.
(ثم قد يختله الشيطان): الختل هو: الخدع والمكر، وغرضه أنه لا يزال يمنيه الأماني، ويرغبه فيها بخدعه ومكره وبأمانيه وأكاذيبه.
(حتى يورطه): يهلكه في كل ورطة، والورطة: الهلكة.
(في هلكته): الضمير إما للشيطان أي في هلكاته التي يهلك بها غيره، وإما للواحد منا أي في هلكته التي قد قدرت له، وأحكم فيها رأيه من أجله.
(بعرض من الدنيا): شيء.
(حقير يسير): فَيُطْمِعُهُ فيه، ويُمَنِّيه أخذه وتناوله على قرب وسهولة.
(وينقله من شيء): من المعاصي.

(إلى شيء): فوقه وأعلا منه، أو ينقله من درجة في ترك الدين وإهماله إلى درجة أسفل منها.
(حتى يؤيسه من رحمة الله): حتى هذه متعلقة بكلام، أي فلا يزال يفعل ذلك به حتى يزيل رجاه عن الرحمة، فينقطع عنها ولا تخطر له على بال، وعند ذلك يقتحم العظائم وهي سهلة عليه لا يكترث بها، ولا يبالي بالدخول فيها.
(فيجد الراحة إلى ما يخالف الإسلام وأحكامه): فيسهل عليه الحال بعد ذلك إلى ترك الدين وراء ظهره، ولا يبالي عن ذلك، فهذه حال من اطمأن إلى قرب الظلمة وساعد نفسه إلى ذلك.
(فإن أبت نفسك إلا حب الدنيا): بالتقرب إليهم ومخالطتهم.
(وقرب السلاطين): أهل الأمر والدولة على الخلق.
(وخالفتك عما فيه رشدك): سلامتك ونجاتك في الآخرة.
(فأملك عنك لسانك): احفظه عن الكلام بحضرتهم، والمحاذرة عن إكثاره معهم.
(فإنه لا بقيَّة للملوك عند الغضب): الرواية في قوله: بُقَيَّة بالتصغير [تحقير بَقيَّة] ، وله معنيان:
أحدهما: أن يكون مراده أنه لا انتظار لهم عند الغضب، ولا مراعاة أصلاً، من قولهم: بقيت فلاناً إذا انتظرته.
وثانيهما: أن يكون مراده أنه لا استبقاء لهم عند الغضب، وأخذه من بقية الماء في الكوز، أي أنهم لا يتركون شيئاً يبقى عند الغضب، بل يهلكون هلاكاً باستئصال.
(ولا تسأل عن أخبارهم): عما يتعلق بأحوالهم الخاصة فإن ذلك يبعث على الغيرة والغضب من جهتهم.
(ولا تنطق بأسرارهم): فإن فيه مخالفة لمقاصدهم، وآرائهم.
(ولا تدخل فيما بينهم): فإن فيه تغريراً بالنفس ومخاطرة بها.
(وفي الصمت السلامة عن الندامة): عما فرط من الكلام، وعن بعضهم:
ما إن ندمت على سكوتٍ مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا

(وتلا فيك فيما فرط من صمتك): يريد أنك إن فرطت في الصمت فإنه يمكنك تداركه بأن تتكلم فيما بدا لك منه فهو لا محالة.
(أيسر من إدراك ما فات من منطقك): يعني وأنت إذا تكلمت بكلام فإنه لا يمكنك تداركه بأن تصمت عنه، فإنه يستحيل استرجاع ما خرج من الكلام ورده، ولهذا قال بعضهم: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وعن بعضهم: أنا على ما لم أقل أقدر مني على ما قلت، وقال آخر: أنا إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها .
ولقد أشار صاحب الشريعة إلى هذه الأسرار بقوله: ((من صمت نجا )) ، وبقوله: ((من سكت سلم )) ، وبقوله: ((الصمت خير، وقليل فاعله )) ، فهذه الكلم كلها من جهته قد اشتملت على جميع أسرار الصمت، واحتوت عليها.
(وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء): وكاء القربة: الخيط الذي يشد به رأسها، وفي الحديث: ((احفظ عفاصها ووكاءها )) وغرضه من هذا التحفظ عن عورات الكلام بالصمت.
(وحفظ ما في يديك): من الأموال وما تحتاج إليه في الدنيا.
(أحب إليك من طلب ما في يد غيرك): والمعنى في هذا هو أن حفظ ما في يدك عن الإتلاف بالهبة، وسائر أنواع التفضلات أحب وأقرب إلى الله من إتلافه، وطلب ما في أيدي الناس، والخضوع لهم بالسؤال والطلب.
(ولا تحدثن إلا عن ثقة): عمَّن يغلب على الظن صدقه وأمانته في الحديث، فإذا حدثت عمن يغلب عليه الكذب.
(فتكون كذاباً): لأن نقل الحديث عن الكاذب يكون كذباً لامحالة.
(والكذب ذل): لصاحبه وعار عليه لما فيه من المقت عند الله تعالى، وعند الخلق.

(وحسن التدبير مع الكفاف): [الكفاف] هو: الذي يكون فيه كفاية من غير إسراف ولا تقتير، وفي الحديث: ((اللَّهُمَّ، اجعل رزق آل محمد كفافاً )) وأراد أن الاقتصاد في المعيشة وإن كان كفافاً.
(أكفى لك): أعظم كفاية لمآقي وجهك.
(من الكثير مع الإسراف): لأن مع الاقتصاد فالكفاية حاصلة، ومع الإسراف لا كفاية، فلهذا كان ذلك أحق وأولى.
(ومرارة اليأس خير من الطلب إلى لئام الناس): المعنى في هذا هو أن اليأس وإن كان مراً عما في أيدي الخلق، فهو خير من الرجوى والطلب إلى أسافل الناس وأراذلهم.
(والعفة مع الحرفة): أراد أن التعفف عن كل ما يشين المرء ويسقط منزلته مع الحرفة، وهو نقصان الحظ والحرمان.
(خير من الغنى مع الفجور): أعود لا محالة، وأحسن حالاً؛ لأن الفجور فيه نقصان الدين وهدمه، والعفة مع نقصان الحظ لا نقص فيه على الدين ولا هدم له.
(والمرء أحفظ لسره): أراد أن المرء إذا كان معه سر فهو أحفظ لسره وأملك به، فإذا أباحه وأفشاه إلى غيره، فذلك الغير لا محالة أكثر إظهاراً له، وعن هذا قال بعضهم:
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
(رب ساعٍ فيما يضره): في الدين والدنيا، وبيانه هو: أنا نرى من يكون مجتهداً في التعلق بالملوك، ومحباً في خدمتهم ومع ذلك يضره في دينه، وهكذا فإنا نرى كثيراً ممن يتعلق بطلب الأموال فيولع بالأسفار، ويعلم ما فيها من النقص بجسمه بالمرض، فلهذا قال: رب ساعٍ فيما يضره، يشير به إلى ما ذكرناه، ونرى من هذا شيئاً كثيراً.
(من أكثر): من الكلام فيما لا يعنيه.
(أهجر): الإهجار: هو الإفحاش في المنطق، وغرضه أن كثرة الكلام تؤدي إلى ذلك، وترشد إليه.

(ومن تفكر أبصر): أراد أن كل من تفكر في عواقب أمره وما يؤول إليه حاله استبصر في أمره، وكان منه على حقيقة وبصيرة.
(خير حظ المرء قرين صالح): الحظ: ما يقدره الله للإنسان ويقسمه من سعادة وشقاوة، وأراد أن خير ما يقدره الله تعالى للمرء مقارنة أهل الصلاح؛ لما في ذلك من السعادة والنفع في الآخرة.
(قارن أهل الخير تكن منهم): أراد أن المقارنة والخلطة تكسب البعضية، فمن قارن أهل الخير، واختلط بهم كان من جملتهم ونسب إليهم، وفي الحديث: ((المرء من قرينه )) أي أنه يكتسب من خلائقه، ويأخذ من شيمه.
(باين أهل الشر تبن عنهم): اعتزل عنهم تكن مخالفاً لهم في كل أحوالك.
(لا يغلبن عليك سوء الظن): يعني كن في أكثر أحوالك محسناً للظن بكل أحد، ولا يغلبن عليك سوء الظن بكل أحد، فيؤدي إلى التهمة وانقطاع الألفة.
(بئس الطعام الحرام): وفي الحديث عن الرسول عليه السلام أنه قال: ((طلب الحلال فريضة على كل مسلم )) ، وفي حديث آخر: ((كل لحم نبت من الحرام فالنار أولى به )) .
وعن ابن عباس: لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام.
(ظلم ضعيف أفحش الظلم): أعظمه وأعلاه، وكل شيء جاوز حده فهو فاحش، وفي الحديث: ((اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد ناصراً غيري)) .
(الفاحشة كاسمها): أراد أن لفظها مطابق لمعناها، فلما كان الزنا عظيماً عند الله وأجل الكبائر، ولهذا جعل في مقابلته عقوبة لا تشبه العقوبات، فلما عظم أمره وكبر خطره عند الله، لا جرم سمي فاحشة، وهكذا كلما عظم حاله أطلق عليه هذا الاسم.
(التصبر على المكروه): على ما تكرهه النفس وينفر عنه الطبع من احتمال الأذى وكظم الغيظ، وغير ذلك مما يعد تصبراً.

(يعصم القلب): عن الميل عن الحق، وعن الطيش والفشل، والعجلة، وغير ذلك من الأمورالمكروهة.
(ربما كان الدواء داء، والداء دواء): يعني ربما أهلك الدواء الذي ترجا منه الصحة للإنسان، وربما كان الشيء الذي يؤلم ويؤذي دواءً مفيداً للصحة، مثل: الكي وقطع بعض الأعضاء لسلامة الروح، وهكذا ما يحكى عن بعض الأطباء أن من الأمراض ما يكون سبباً لزوال مرض آخر، وهذا نحو المالَنْخُوليا فإنه يذهب وينجل بالبواسير.
(إذا كان الرفق خرقاً، كان الخرق رفقاً): الخَرَقُ بالخاء المعجمة بفتحتين هو المصدر، والاسم منه الْخُرُق بضمتين هو: الجهل، والرفق: هو نقيضه، وفي الحديث: ((عليك بالرفق يا عائشة، فإنه ما حصل في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلا شانه))، ومثال ما يكون فيه الرفق خرقاً أنه إذا أقدم عليك العدو في الحرب فتأنيت في دفعه وقتله، فهذا يكون رفقاً بالإضافة إلى العدو، وهو بالإضافة إليك خرقاً؛ لأنه يؤدي إلى هلاك نفسك.
ومثال ما يكون الخرق رفقاً: هو أنك إذا خاطرت وعاجلت في قتل العدو، وكان هذا خرقاً بالإضافة إلى العدو، ورفقاً بالإضافة إلى نفسك، وحاصل المعنى فيما ذكر هاهنا هو أن الرفق في بعض المواضع قد يكون خرقاً، والخرق في بعض المواضع قد يكون رفقاً على أوجه مختلفة، لا يخفى حالها على الأذكياء.
(سوف يأتيك ما قدرِّ لك): أراد وإن بعد الأمر في ذلك وتراخت المدد، فإنه لا بد من وصوله إليك من خير وشر.
(رب يسير أهنئ من كثير): من الرزق؛ لأنه ربما حصل في الكثير ما يكدره من كثرة العوارض والآفات والغموم والأحزان، واليسير لا يلزمه شيء من هذه الأمور، فلهذا كان أهنئ.

(ساهل الدهر ماذل لك قَعُوْدُهُ): القَعود بفتح القاف من الإبل: ما يقتعده الراعي في جميع حوائجه، وهو الذي تمت له سنتان إلى أن يثنى ، فإذا أثنى فهو جمل، وغرضه من هذا الأمر بمواتاة الدهر، وأخذ أموره بالسهولة مهما كان مذعناً منقاداً، فأما إذا اعتاص أمره فلا سبيل إلى مساهلته.
(ربما نصح غير الناصح): الجاري على الأكثر النصيحة ممن طلبت منه ، وفي الحديث: ((المستشار مؤتمن )) وربما جرى على القلة أن يُسْتَنْصَحُ إنسان فتأتي النصيحة من غيره.
(وغش المستنصح): أي وحصل الغش والخديعة ممن طلبت منه النصيحة، ومهما كان الأمر هكذا فلا ينبغي لعاقل الاتكال على نصح الناصح، وغش الغاش؛ لأنه ربما جرى منهما خلاف ذلك.
(إياك والاتكال على المنى): المنى: جمع منية، وهو: ما يتمناه الإنسان من جميع الأشياء، فحذَّره عن الاعتماد عليها.
(لأنها بضائع النوكى): البضاعة: ما يتوصل بها إلى الربح، وغرضه أنها بضائع أهل الحمق والجهل، والنوكى: جمع أنوك وهو الأحمق.
(وفي تركها خير الدنيا والأخرى): يريد أنك إذا تركتها، وآثرت ما هو الصحيح المعتمد عليها دونما هو أمر موهوم لا تدري هو يحصل أم لا، فقد اعتمدت في أمرك على ما هو الحق من أعمال الدنيا والآخرة، وعملت على ما هو الأفضل منهما.
(ذكِِّ قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب): ذكت النار تذكو ذكواً: إذا اشتعلت، وأراد نوِّر قلبك بتذكر الآداب الدينية والدنيوية، وأشعل فيها نيرانها كما تشعل النار وتذكو وقودها بإيراد الحطب عليها.

(لا تكن كحاطب ليل): نهاه عن أن يكون جامعاً بين غث الأمور وسمينها، وقويها وضعيفها، وجيدها ورديئها، وإنما يأخذ من الأمور أحسنها وأعلاها وأرفعها من أمور الدين والدنيا، وفي الحديث: ((إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها)).
(وغثاء السيل): الغثاء: ما يحمله السيل من بطون الأودية من الأخلاط المجتمعة، قال امرؤ القيس:
كأن ذرى رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مِغْزَل
ويكون مثقلاً ومخففاً.
(كفر النعمة لؤم): اللَّومُ بفتح الفاء: العذل، يقال: لامه لوماً إذا عذله، واللُوْمُ بضم الفاء هو: الاسم من الملامة واللائمة، وألام الرجل إذا أتى بما يلام عليه، واستلام الرجل إلى الناس أي استذمَّ.
(صحبة الجاهل شؤم): الشؤم هو: نقيض اليمن، وأراد أن كل من صحب الجهال فإنه يكون لا محالة مشئوماً لا خير فيه ولا معه.
(العقل حفظ التجارب): وهي جمع تجربة، وهي خبرة الأمور والحنكة فيها، ومعاناتها مرة بعد مرة، وفيه معنيان:
أحدهما: أن يريد أن من حكم العقل وقضيته حفظ ما جربه الإنسان وعالجه مرة بعد أخرى.
وثانيهما: أن يكون غرضه أن العاقل لا يكون عاقلاً، ولا يكون عقله كاملاً، إلا بعد أن يكون مجرباً للأمور، ذا حنكة فيها، وأما من يأتي الأمور ويفعلها من غير تجربة فيها، فليس على حد العقلاء، ولا ذاك من حقيقة شأنهم.
(وخير ما جربت ما وعظك): وأفضل ما عالجت من الأمور كلها، ما كان سبباً في اعتبارك وموعظتك، وانتفاعك في أمر الدين وحال الآخرة.
(بادر الفرصة): يقال : أفرصتني الفرصة أي أمكنتني، وأراد الأمر بالإسراع والمعاجلة في إحراز الخيرات من جميع الأمور، والمواثبة عليها قبل فواتها، وعروض ما يعرض من أخذها وتناولها.

148 / 194
ع
En
A+
A-