(ولم يمنعك إن أسأت من التوبة): يسدها عليك عن فعل المعصية، وتدارك ما سلف من جهتك.
(ولم يعاجلك بالنقمة) أراد ولم يعاجلك بالعذاب عند إقدامك على فعل المعصية.
(ولم يفضحك حيث الفضيحة ) فضحه: إذا كشف مساوئه وأظهرها للخلق، وغرضه أنه لم يكشف مساوئك عند انكشافها من جهتك بهتك سترك بفعلك للقبيح.
(ولم يشدد عليك في قبول الإنابة): أراد أنه جعل الإنابة والتوبة أسهل ما يكون من الأمر وأيسر، من غير مشقة من جهة الله تعالى، ولا تعسير في حالها.
(ولم يناقشك بالجريمة): المناقشة هي: الاستقصاء في الحساب، وفي الحديث: ((من نوقش الحساب عذب ))، وغرضه هاهنا هو أن الله تعالى من جهة عظيم لطفه وسعة رحمته لم يستقص عند فعله المعصية من جهته على المناقشة، بل عفا وسمح حقه في ذلك.
(ولم يؤيسك من الرحمة): اليأس هو: القنوط، وهو غلبة الظن على عدم حصول الشيء، وغرضه أنه لم يقنطك عن رحمته مع التهالك في المخالفة.
(بل): إضراب عما ذكره أولاً من هذه التفضلات الكاملة.
(جعل نزوعك عن الذنب): إقلاعك عنه، وفلان قد نزع عن الإساءة إذا أقلع عنها وانصرف.
(حسنة): من جملة الحسنات التي يضاعف عليها الأجر، ويوفر عليها الثواب.
(وحسب سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشراً): حيث قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا}[الأنعام:160]،.
(وفتح لك باب المتاب ): يريد التوبة، كما قال تعالى: {وَإِلَيْهِ مَتَابِ }[الرعد:30]، أي توبتي، وأراد أنها غير مغلقة عن العبد في حالة من الحالات، وفي الحديث: ((باب التوبة مفتوح لا يغلق؛ حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

(فإذا ناديته سمع نداك): بجميع حوائجك، وكشف كربك وقضاء حوائجك من جهته كلها.
(وإذا ناجيته علم نجواك): النجوى هو: التناجي، وأراد أنه محيط بما تناجيه من مهماتك، وعالم بها، كما قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}[المجادلة:7].
(ومتى شئت دعوته فلباك): وأي وقت دعوته أجابك بالتلبية التي هي نهاية الإنصاف في الإجابة.
(فأفضيت إليه بحاجتك): أظهرتها عنده وكشفتها لديه.
(وأبثثته ذات نفسك): بث إليه السر إذا كشفه له، وأظهرت له حقيقة حالك.
(وشكوت إليه همومك): أعلمته بحالك فيما يهمك من الأمور ويعييك.
(واستكشفته كروبك): طلبت منه كشفها وإزالتها عنك.
(واستعنته على أمورك): طلبت منه الإعانة على كل ما يعرض لك، ويخصك من أحوالك.
(وسألته من خزائن رحمته): ألطافه الخفية، وعطاياه الجزيلة.
(ما لا يقدر على إعطائه غيره): لأن الأمر إذا كان على هذه الصفة كان سؤاله أحق والتواضع له أجدر؛ لأن من هذه حاله فهو حقيق بذلك وأهل له.
(من زيادة الأعمار): تطويلها والتنفيس فيها.
(وصحة الأبدان): عافيتها واستقامتها.
(وسعة الأرزاق): كثرتها والبركة فيها.
سؤال؛ أليس هذه الأمور كلها -أعني الأعمار، والأبدان والأرزاق- أمور مقدرة مفروضة، وأحوال معلومة لا يزاد عليها ولا ينقص، وتجري على مقادير معلومة، فما فائدة الدعاء والحال ما قلناه؟
وجوابه من وجهين؛
أما أولاً: فلأنه وإن كان الأمر كما ذكرت؛ لكنه قد ورد الشرع بذلك لمصلحة لا يُعْلَم حالها، فلهذا جاز وإن كان الحال كما قلت .

وأما ثانياً: فلأنه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى من حاله أنه إذا دعا مد الله عمره إلى مدة مقدرة، لو لم يدع لم يستحق ذلك، وهكذا القول في الرزق والصحة، وإذا كان العلم عندنا يجوز دخول الشرط فيه جاز ماذكرناه، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ}[الأعراف:96]، ولأن العلم يتعلق بالشيء على جميع وجوهه ومن جملتها الشرط، وإذا جاز ذلك جاز ما ذكرناه.
(ثم يجعل في يديك مفاتيح خزائنه): يمكَّنك منها ويجعلها كأنها حاصلة في يديك ، أي وقت أردت فتحها أطاعتك.
(بما أذن لك من مسألته): حيث أمرك بسؤاله وندبك إلى ذلك، وحثك عليه.
(فمتى شئت): أردت وطلبت.
(استفتحت بالدعاء): لا يعتاص عليك، ولا يؤخر عنك:
(أبواب نعمته): أنواعها.
(واستمطرت شآبيب رحمته): الشؤبوب: واحد الشآبيب، وهو الدفعة الواحدة من المطر، قال كعب بن زهير يصف حماراً يتبع الأتن :
إذا ما انتحاهنّ شؤبوبه ... رأيت لجاعرتيه غضونا
أراد أنه إذا عدا رأيت لجاعرتيه تكسراً وتعطفاً عند عدوه.
(فلا يقنطك ): يؤيسك.
(إبطاء إجابته): تأخرها عنك.
(فإن الإجابة على قدر النية): على حد ما يعلم الله من ذلك، ويعلم المصلحة فيه.
(وربما أخِّرت الإجابة ): عن التعجيل على إثر الدعاء.
(ليكون ذلك أعظم لأجر السائل): أكثر لثوابه لما يحصل من الإلحاح بالدعاء وتكريره.
(وأجزل لعطاء المسئول ): أعظم في عطيته وأوسع.
(وربما سألت الشيء فلا تؤتاه ): يعني أنك ربما سألت، وفي تأخيره مصلحة لك فلا تسعد بالإجابة إليه.
(وأوتيت خيراً منه): أفضل وأعظم حالاً.
(عاجلاً): على الفور.

(أوآجلاً): إما متأخراً بعد ذلك بأزمنة، وإما مؤخراً إلى الآخرة.
(أو صرف عنك لما هو خير لك): إما لأن الله تعالى يريد أن يدخره لك إلى الآخرة، وإما لأن الله تعالى يعلم أن في تعجيله مفسدة لك فلهذا لم يعجله لك.
(فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته): لما يعلم الله فيه من المفسدة بالإعطاء والتمكين.
(فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله): خيره ومصلحته.
(ويُنْفَى عنك وباله): ويزول عنك ما يهلكك منه، يريد مما يعلم الله أن لك فيه صلاحاً في الدين والدنيا.
(والمال لا يبقى لك): لأنه فانٍ متفرق.
(ولا تبقى له): لأنك منطقع عنه بالموت، وفي الحديث:((إنَّ المؤمن إذا دعا إلى الله تعالى في حاجة له ، فإنَّ الله تعالى يقول لملك الإجابة: أخِّر دعوته، فإنّي أحبُّ أن أسمع صوته، وإذا دعا الفاجر في حاجة له، يقول الله لملك الإجابة: عجِّل له دعوته، فإنِّي أكره أن أسمع صوته))، فالدعاء لا محالة قدورد به الشرع، وكثرة الإلحاح على الله تعالى، والإجابة وعدمها إنما يكون على حد ما يراه من المصلحة ويعلمه منها، والدعاء بجميع المنافع كلها، ودفع المضار كله مشروط بالمصلحة، وهي مضمرة في الدعاء بلا إشكال.
ثم أخذ في نوع آخر من الآداب والحكم، بقوله:
(واعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أنك إنما خلقت لغرض الآخرة وهو العبادة لله تعالى المستحق بها منافع الآخرة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }[الذاريات:56]، لا من أجل منافع الدنيا ولذاتها وطيباتها.

وثانيهما: أن يريد أنك إنما خلقت للأمر الدائم، وهو ما كان في الآخرة، لا لما يكون منقطعاً بالزوال والفناء، وهوالدنيا.
(وللفناء): أي ولأن يكون منتهاك الفناء.
(لا للبقاء): أي وليس الغرض بقاءك في الدنيا.
(وللموت): أي ولأن تموت.
(لا للحياة): أي لأن تحيا في الدنيا، والمقصود من هذا كله هو العلم بأن المطلوب هو الآخرة لا الدنيا.
(وأنك في منزل قُلْعَة): يقال: هذا منزل قلعة إذا كان ليس مستوطناً، ومجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج فيه إلى أن يقوم مرة بعد مرة، ويقال: هم على قلعة، أي على رحلة.
(ودار بُلْغَة): إلى الآخرة، وإلى الدرجات العالية من الجنة بالأعمال الصالحة.
(وطريق إلى الآخرة): توصل بها إليها.
(وأنك طريد الموت): الطريد: ما يتبع من الصيد وغيره، وأراد أن الموت تابع لك وهو في أثرك.
(الذي لا ينجو منه هاربه ): من يهرب منه.
(ولا بد أنه مدركه): لابد من كذا أي لا فراق عنه، وغرضه أن الموت لا يفارقه، فإذا كان ملازماً لك لا محيص لك عنه.
(فكن منه على حذر أن يدركك): مخافة أن يدركك.
(وأنت على حالة سيئة): قبيحة عند الله غير مرضية.
(قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة): تأمل الإقلاع عنها، والخروج عن عهدتها بالإنابة إلى الله تعالى.
(فيحول بينك وبين ذاك ): يريد فاحذر أن يكون الموت حائلاً بينك وبين الإنابة، والإقبال إليه.
(فإذا أنت قد أهلكت نفسك): بالتساهل حتى أخذ الموت بعنقك.
(أي بن‍ي ، أكثر من ذكر الموت): أخطره على بالك وكرر حاله على ذهنك، واذكره بلسانك، ولا تغفله عن قلبك ولسانك.
(وذكر ما تهجم عليه، وتفضي بعد الموت إليه): هجم علينا إذا طلع بغتة، وأراد أحوال الآخرة كلها وما تؤول إليه عاقبة أمره بعد الموت.

(فاجعله أمامك): مقابلاً لك.
(كأنك تراه): بعينك لا يستره عنك شيء.
(حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك): أي تحرزت منه بمبلغ جهدك وطاقتك.
(وشددت له أزرك): الأزر: القوة، قال الله تعالى:{اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي }[طه:31]،.
(ولا يأتيك بغتة): من غير تيقظ له ولا تحفظ عنه.
(فيبهرك ): أراد يغلبك.
(وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها): تحذير له عن أن ينخدع بما يرى من ركون أهل الدنيا إليها.
(وتكالبهم عليها): التكالب: هو التواثب عليها.
(فقد نبأك الله عنها): أخبرك في كتابه الكريم بأخبارها، ووصفها بصفاتها من كونها متاعاً وغروراً ولعباً ولهواً وزينة، وغير ذلك مما يؤذن باستحقارها وهونها عند الله تعالى وانقطاعها.
(ونعت إليك نفسها): بأنها فانية، وأنها منقطعة غير باقية ولا دائمة.
(وتكشفت لك عن مساويها): أبانت عيوبها وأظهرت مساوئها؛ بما كان من خدعها لأهلها ومكرها بمن اطمأن إليها، فهذه هي المساوئ، إذ لا مساوئ أعظم منها.
(واذكر الآخرة): أخطرها ببالك، وأجرِ ذكرها على لسانك.
(وما فيها من النعيم المقيم): لأهل الطاعة، وأهل ولاية الله تعالى ومحبته.
(والعذاب المقيم ): لأهل المعصية، وأهل عداوة الله تعالى.
(فإن ذلك): يريد ذكر الآخرة.
(يزهدك في الدنيا): يزيدك فيها زهادة وإعراضاً عنها.
(ويصغرها في عينك): فلا ترى لها قدراً ولا وزناً.
(فلا تركن إليها): أراد لا تستند إليها.
(فإنما أهلها كلاب عاوية): يشبهون فيما هم فيه الكلاب العاوية.
(وسباع ضارية): ضرا يضري بكذا إذا كان متعوداً له، وأراد أنها متعودة للأكل والافتراس.
(يهر بعضها على بعض): هرير الكلب: صياحه، قال آخر يصف شدة البرد:
إذا كَبَّدَ النجم السماء بشتوة

على حين هرَّ الكلب والثلج خاشف
أي ذاهب في الأرض.
(ويأكل عزيزها ذليلها): تسلطاً عليه وقهراً له .
(ويقهر كبيرها صغيرها): ذلاً واستهانة.
(نعم معقَّلة): أي معقولة، فلا تقدر على الذهاب والتصرف.
(وأخرى مهملة): من غير عقال سائبة على رءوسها.
(قد أضلت عقولها): أي ذهبت حيرة وفشلاً فلا يُنْتَفَعُ بها.
(وركبت مجهولها): أراد إما دخلت مواطن تجهلها ولا تدري حالها، وإما احتملت أموراً لا تعرف مواردها ومصادرها لجهلها بها.
(سروح عاهة): أعاه القوم إذا أصابت ماشيتهم العاهة، والسروح: جمع سرح وهو قطعة من الماشية، وكنى بذلك عن أهل الدنيا وتغير أحوالهم كلها.
(بوادٍ وعث): الوعث: الرمل الرخو الذي تغيب فيه الأقدام لرخاوته.
(ليس لها راعٍ يقيمها): على مصالحها، ويسلك بها مراعيها.
(ولا مسيم يسيمها): والمسيم هو: الراعي، وأراد ليس لها راعٍ يكون حافظاً لها عن المحذورات، فجعل ما ذكره مثالاً للدنيا وأهلها وما هم عليه من عدم التحفظ والإهمال.
(سلكت بهم الدنيا طريق العمى): باتباعهم لها وانقيادهم لأمرها، وانهماكهم في لذاتها.
(وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى): أمالت أبصارهم عن أعلام الهداية إلى الدين وطرق السلامة.
(فتاهوا في حيرتها): تحيروا في ضلالها.
(وغرقوا في نعمتها): استعارة لما هم عليه من الاشتغال فيها بالرفاهية والتنعم، وطلب اللذات فيها.

(واتخذوها رباً): هذه مبالغة عظيمة في الخضوع لها، وأنها بلغت مبلغ من يُعْبَدُ، ويكون رباً يُخْضَعُ له، ويكون ذليلاً من أجله، ونظير هذا قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }[الجاثية:23]، فلما انقاد لأمره واحتكم له، صار هواه بمنزلة إله يعبده، فلما صار أمرها كما ذكرناه واستحكمت فيهم.
(فلعبت بهم): باحتكامها عليهم واستعبادها لهم وإنفاذ أمرها عليهم.
(ولعبوا بها): في استعمال لذاتها والتنعم في طيباتها، وشغل أنفسهم بها.
(ونسوا ما وراءها): من الأهوال العظيمة والأمور المفظعة، والأخطار الجليلة.
(رويداً يسفر الظلام): انتصاب رويداً على المصدر، وهو تصغير إرواد على الترخيم، وأراد أمهل، يسفر الظلام أي ينكشف ، وأراد أمهل قليلاً فعن قريب وقد انكشف عن حقيقته الأمر، ورجعت الأشياء إلى حقائقها وأصولها.
(كأن قد وردت الأظعان!): الأظعان: جمع ظَعْن، والْظَّعْنُ: اسم للجمع كالْنَّفْرِ والْرَّهْطِ، فأما قوله تعالى: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ }[النحل:80]، فهو مصدر، والأظعان: الإبل التي عليها الهوادج، والمعنى في هذا أنا مسافرون، وكأن قد وردت الأظعان مناهلها، وكأن قد قدمنا منازلنا، وانقطعت هذه الأسفار.
(يوشك من أسرع يلحق ): يقرب، أي من أسرع في سيره يلحق بمن كان متقدماً عليه، وأراد أنا عن قريب لاحقون بمن تقدمنا من الأموات، مسرعون إليهم.
(واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار، يسار به وإن كان واقفاً): شبه جري الليل والنهار بالمطايا المسرعة في سيرها، وهما في غاية السير والإسراع بمن فيهما، وإن كان واقفاً لا يشعر بالسير.
(ويقطع المسافة): إلى الآخرة.

(وإن كان مقيماً وادعاً): أي ساكناً، من قولهم: ودع الرجل فهو وديع أي ساكن، وقيل لبعض الصالحين: كيف أصبحت؟ وكيف حالك؟ فقال: ما حال من ينتقل كل يوم مرحلة إلى الآخرة .
ثم أخذ في بيان حال الرزق والتفويض إلى الله بقوله:
(واعلم يقيناً): إما علماً يقيناً، وإما متيقناً، فالأول يكون صفة لمصدر، والثاني على الحال.
(أنك لن تبلغ أملك): يريد ما كنت تأمله في الدنيا، وأنه لا بد من انقطاعه بالموت لا محالة، فكل أحد من الخلائق ليس بالغاً أمله بحال.
(وأن الله قد أذن في خراب الدنيا وعمارة الآخرة): إذنه علمه بخرابها، أو أمره بذلك وترغيبه عنها، وأن الآخرة قد أمر بعمارتها لكونها دائمة غير منقطعة وأنها دار الجزاء.
(فإن زهدت فيما زهدتك فيه): زهد في الأمر إذا انصرف عنه، وأراد إن أعرضت عن زخارف الدنيا ولذاتها.
(ورغبت فيما رغبتك فيه): رغب في الأمر إذا أراده، وغرضه إن رغبت في الآخرة ونعيمها كما أشرت إليك في هذا وهاذاك .
(فأهل ذاك أنت): أراد فهو المرجو فيك والمؤمل من عندك.
(وإن كنت غير قابل نصحي): غير ملتفتٍ إلى ما أودعتك من النصيحة في أمرك كله.
(فاعلم يقيناً): لا شك فيه.
(أنك لن تبلغ أملك): وأن الموت حائل بينك وبينه، وقاطع لك عن إتمامه.
(ولن تعدو أجلك): الذي قد فرض الله لك وقدره من أجلك، فلا يزاد عليه ولا ينقص منه.
(وأنت في سبيل من كان قبلك): يريد سالكاً لطرائقهم، تابع لآثارهم.
(فخفض في الطلب): أراد هون الطلب في الأمور كلها.
(وأجمل في المكتسب): أراد إما في الاكتساب، وإما في تحصيل الأمر بكسبه، ولا تجهد نفسك، ولا تكلفها فوق طوقها في ذلك.
(فإنه): الضمير للشأن.

(ربَّ طلب جرَّ إلى حرب): الحرب هو: استلاب المال من صاحبه ظلماً وعدواناً، وأراد أن الطلب ربما كان سبباً في أخذ المال واصطلامه من صاحبه، وهذا كثير ما يعرض.
(وليس كل طالب بمرزوق): أراد كم من مجدٍ في الطلب ومع ذلك فإنه لا يرزق ما في نفسه، ولا يبلغه أصلاً.
(ولا كل مجمل): ساع في طلب الرزق على الإجمال والسهولة في حاله.
(بمحروم): ممنوع ما قدر له عند الله تعالى.
(وأكرم نفسك عن كل دنيَّة): الدنيَّة من الأمور: ما يسقط الهمة وينزل القدر، وأراد نزّه نفسك عن الوقوع في كل خصلة مسقطة لقدرك عند الله وعند الخلق.
(وإن ساقتك إلى الرغائب): وإن كانت مؤدية لك إلى كل ماترغب فيه النفوس وتدعو إليه.
(فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً): أراد أنك إذا أسقطت نفسك وهونَّت منزلتك في طلب شيء من حقير الدنيا وحطامها، فإنه لا يكون عوضاً وإن عظم خطره وكان نفيساً، عما فات من نقص نفسك وإنزالها عن قدرها.
(ولا تكن عبداً لغيرك): أراد أنك لا تذل نفسك بطلب طمع من أحد فتكون عبداً له بملكه لك بما كان من جهته من الإحسان إليك، والتذلل له في طلبه.
(وقد جعلك الله حراً): مالكاً لنفسك غنياً بإحسانه إليك عن إحسان غيره، فلا تذل نفسك وقد أعزك بما أعطاك من خيره.
(وما خير خير لا يوجد إلا بشر): استفهام فيه معنى التعجب، وأراد أي خير في الخير الذي لا يمكن تحصيله إلا بتحمل الشر والتلبس به.
(ويسر لا ينال إلا بعسر): وما حال يسر لا يمكن إيجاده إلا بتحمل العسر.

147 / 194
ع
En
A+
A-