(وأن المبتلي): بجميع أنواع البلايا من الغنى والفقر، والألم والغم وسائر الشرور والمصائب في العالم.
(هو المعافي): فيها كلها، والصارف لها أجمع.
(وأن الدنيا ما كانت لتستقر): تنتظم أحوالها ويحصل المقصود منها في الحكمة.
(إلا على ما جعلها الله تعالى ): طَبَعَهَا:
(عليه): وجعل أحوالها منتظمة فيه.
(من النعماء والابتلاء): أراد بالنعماء على قوم والابتلاء لآخرين، وإما بالنعماء في حالة والابتلاء في حالة أخرى.
(والجزاء في المعاد): يريد والمجازاة بالخير والشر في الآخرة.
(وما شاء): من هذه الأحوال والاختلافات العظيمة.
(مما لا يُعلم): يحيط به علم عالم ولا تستولي عليه معرفة عارف، وفي كلامه هذا إشارة إلى أن أحوال العالم لا تنتظم إلا بما ذكره من إثبات الصانع، وعدله وحكمته والرغبة في الثواب، والرهبة من العقاب، وإثبات المعاد الأخروي.
(فإن أشكل عليك شيء من ذلك): مما ذكرته لك وأوضحته.
(فاحمله على جهالتك به): أراد فاتهم فيه نفسك، وأنه لم تحط به علماً، ولا بلغت كنه حاله وحقيقته.
(فإنك أول ما خلقت جاهلاً ثم عُلِّمت): أراد لا تأخذك أنفة في أنك تجهل أكثر الأمور، فإنك مولود على الجهالة وعدم العلم ، ثم علمك الله بعد ذلك كما قال تعالى : {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ}[النحل:78]،.
(وما أكثر ما تجهل من الأمور): إخبار عن كثرة الجهل بالأمور في معرض التعجب من ذلك والاستطراف له.
(ويتحير فيه رأيك): فلا تجد سبيلاً إلى حله وكشفه.
(ويضل فيه بصرك): تذهب عنه بصيرتك وعقلك.
(ثم تبصره بعد ): بإلهام الله لك ودلالتك عليه من جهته.
(فاعتصم بالذي خلقك ورزقك): إما تمسك به في جميع أمورك، وإما امتنع بألطافه عن كل ما تكره من الأمور وتحذر .
(وسواك): أقام صورتك وعدل قوامك وأحكم خلقك.
(وليكن له تعبدك): إما مصرف عبادتك، وإما تذللك وتصاغرك.
(وإليه رغبتك): في جميع الأمور العظيمة، وتحصيلها واكتسابها.
(ومنه شفقتك): أي لا تخف أحداً غيره، ولا تراقبنَّ أحداً سواه.
(واعلم يا بني أن أحداً لم ينبئ عن الله تعالى ): يخبر عنه من الأخبار الغيبية والأسرار الحكمية.
(كما أنبأ عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): فإنه نصح في ذلك غاية النصح، وأبلغ نهاية البلاغ، ولم يكتم شيئاً مما ينفع الخلق، ويقربهم إلى النجاة، ويكون طريقاً لهم إلى الجنة.
(فارض به رائداً): الرائد هو: الذي يبعثه القوم ليطلب لهم الكلأ.
(وإلى النجاة قائداً): أراد وهادياً إلى كل خير مما يكون فيه نجاة لك.
(فإني لم آلك نصيحة): أي لم أقصر في نصحك ولا منعتك منه شيئاً.
(وأنك لم تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت): أي لا تبلغ غاية في النظر لنفسك إلا وأنت مقصر فيها فلا تبلغ.
(مبلغ نظري لك): في الأمور الدينية، والآداب الدنيوية.
(واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك): ثان مشارك له في الوحدانية.
(لأتتك رسله): أنبياؤه يدعونك إليه، ويعرفونك حاله، وما أمر به ونهى عنه، كما كان ذلك في حق الله تعالى، وهذه إشارة منه إلى برهان عقلي على أنه لا ثاني مع الله تعالى، وتقريره على مثال ما قاله هو أن الله تعالى لو كان معه إله آخر لكان داعي الإحسان متوفراً من جهته إلى الإحسان إلى الخلق، والتفضل إليهم، فكان من حقه بعثة الرسل إلى خلقه؛ ليكون متفضلاً عليهم بهذه التكاليف، وينعم بها عليهم ليحصل لهم بها الفوز في الآخرة، وإحراز النعيم المقيم بها، فإذا كان داعي الإحسان متوفراً بحيث لا مانع له عنه وجب فعله، فلما لم يفعله دل على بطلانه وزواله، وأنه لا إله إلا إله واحد.
(ولرأيت آثار ملكه وسلطانه): وهذه منه إشارة إلى برهان آخر عقلي، وهو أن الله تعالى لو كان معه إله آخر لكان داعيه متوفراً إلى الإحسان إلى الخلق بخلقهم وإكمال حياتهم، ليلتذوا بها، ويصلوا بها إلى إدراك هذه المنافع، ولن يتم ذلك إلا بإيجاد عوالم غير هذه العوالم ليكون دلالة عليه، وليكون معها منعماً متفضلاً، فلما لم يكن شيء من ذلك دل على بطلانه وزواله.
(ولعرفت أفعاله وصفاته): وهذه أيضاً إشارة إلى برهان عقلي، وهو أن الله تعالى لو كان معه إله آخر لوجب أن يكون عالماً قادراً، حكيماً في أفعاله، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن يدلنا على هذه الأفعال دلالة لتكون حاصلة بالبرهان العقلي في حقه ليكون إلهاً لأجل اختصاصه بها.
(ولكنه إله واحد كما وصف نفسه): يشير إلى ما وقع في الكتاب الكريم من صفة الله تعالى، بكونه واحداً، كما أشار إليه تعالى في ثلاثين موضعاً من كتابه، كلها دالة على توحيده، وأنه إله واحد، والأدلة النقلية أصرح بالمراد، والأدلة العقلية فلا غبار عليها كما أشرنا إليه.
(لا يضاده في ملكه أحد): التضاد في الملك هو أن يأمر هذا بما ينهى عنه ذاك وعكسه، أو يريد هذا ما يكرهه ذاك أو غير ذلك من الأحكام المتضادة، وأراد أنه ليس له مثل، فيكون مضاداً له، ومخالفاً له في مراداته، وهذا لأن هذه قضية واجبة أعني الاختلاف في الدواعي بين الملوك، والتعالي لبعضهم على بعض، كما أشار إليه تعالى بقوله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى }[الأعراف:26].
(ولا يزول أبداً): أراد أن وجوده إنما كان لذاته، وما كان هذا حاله استحال أن يكون لوجوده آخر وانقضاء، فلهذا قال: لا يزول أبداً.
(ولم يزل أولاً): أراد أن وجوده بلا أول؛ إذ لو كان لوجوده أول، لكان حاصلاً بعد أن لم يكن، فيحتاج إلى مؤثر وفاعل، وهذا محال في حقه.
(قبل الأشياء): لأن جميع الأشياء كلها سواه محدثة، ولها أول، فلهذا قال: إنه قبل الأشياء.
(بلا أولية): يريد أنه وإن كان قبل الأشياء فهذه القبلية ليس لها حد، ولا لها غاية.
(وآخر بعد الأشياء): يريد أن وجوده سرمدي، فلهذا كان متأخراً بعدها.
(بلا نهاية): له في الآخرية كما لا بداية له في الأولية.
(عظم أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب): أراد أن من هذه حاله في عدم الأولية لوجوده، وعدم الآخرية لوجوده أيضاً ، وأنه مختص بالصفات الإلهية، فإنه يتعالى في ذاته عن أن تكون ربوبيته يشتمل عليها قلب في الإحاطة والاستيلاء.
(أو بصر): أو يكون إدراك يستولي على ذلك، أو عقل، إن حملنا الإدراك على العقل، فكلاهما بعيد عن الاستيلاء عليه؛ لأنه تعالى في ذاته غير متناه في جميع أحواله، وما لا نهاية له فلا يمكن الاستيلاء على حقيقته والإحاطة بها.
(فإذا عرفت ذلك): ما وصفته لك من خالقك واختصاصه بما ذكرته لك من الصفات.
(فافعل ما ينبغي لمثلك أن يفعله): من التذلل لجلاله والتصاغر لعظيم سلطانه، ولما يظهر عليك من قدرته وقهره.
(في صغر خطره): ضعف حاله.
(وقلة مقدرته): وحقارة قدرته على ما يقدر عليه.
(وكثرة عجزه): عن أكثر الأشياء وإيجادها.
(وعظيم حاجته إلى ربه): في قليل الأمور وكثيرها وجليلها ودقيقها.
(في طلب طاعته): فعلها وتحصيلها، والاجتهاد في أدائها.
(والرهبة من عقوبته): وأن تكون راهباً عن الوقوع في المعاصي الموجبة لعقوبته.
(والشفقة من سخطه): والخوف مما يوجب الوقوع في سخطه وغضبه، وهو أحق بذلك وأولى به.
(لأنه لم يأمرك إلا بحسن): مصلحة في دينك، فلهذا وجب امتثال أمره.
(ولم ينهك إلا عن قبيح): ما يكون ارتكابه مفسدة، فلهذا وجب الانكفاف عما نهى.
(يا بني، إني قد أنبأتك عن الدنيا): أخبرتك عنها وأعلمتك.
(وحالها): في التغير والزوال والتقلب بأهلها، والتحول.
(وزوالها): عن أهلها.
(وانتقالها): إما نفادها مطلقاً، وإما انتقالها من قوم إلى آخرين.
(وأنبأتك عن الآخرة): أعلمتك وعرفتك.
(وما أعد لأهلها فيها): من النعيم المقيم لأهل الجنة والعذاب الأليم لأهل النار.
(وضربت لك فيهما الأمثال): يريد الدنيا والآخرة.
(لتعتبر بها): تتعظ بما ذكرته.
(وتحذو عليها): تتبع آثارها وتسلك على طريقها.
(إنما مَثَلُ من خبر الدنيا): عرف حالها، وقلبَّها ظهراً لبطن.
(كمثل قوم سَفْرِ): السفر: اسم للجمع كنفر ورهط، ويجوز أن يكون جمعاً لسافر نحو راكب وركب، وصاحب وصحب.
(نبا بهم): نبا الشيء: إذا ارتفع، وأراد أنه لم يوافقهم فارتفع عن الموافقة.
(منزل جديب): مكان لا خصب فيه ولا مرعى لأنعامهم.
(فأمَّوا منزلاً خصيباً): قصدوا مكاناً خصيباً فيه الخصب، وهو المرعى لأنعامهم.
(وجَنَاباً مريعاً): الْجَنَابُ بالفتح هو: فناء الدار، وما قَرُبَ من محلَّة القوم، والمريع: الممرع، يريد كثير الشجر.
(فاحتلموا وعثاء الطريق): الوعثاء: ما يصيب في الطريق من المطر وألم السفر ، وفي الحديث في دعائه عليه السلام: ((أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب )) . وفي حديث آخر: ((السفر قطعة من العذاب )) .
(وفراق الصديق): وما يصيب من ألم بفراقه أيضاً.
(وخشونة السفر): الخشونة بالخاء بنقطة والنون هي: خلاف اللين.
(وجشوبة المطعم): بالجيم والباء بنقطة، وهو خلاف السلس، وفي الحديث: ((اجشوشبوا )) يريد كلوا الجشب من الطعام، وهو خلاف الطيب.
(ليأتوا سعة دارهم): اللام هذه متعلقة باحتملوا، وأراد ليأتوا الواسع من هذه الدار المقصودة.
(ومنزل قرارهم): والمنزل الذي يستقرونه ويجعلونه موطناً لهم.
(فليس يجدون لشيء من ذلك ألماً): أي مما أصابهم واختص بهم ألماً ينفرون عنه، ويتوجعون من إصابته.
(ولا يرون نفقة فيه مغرماً): ولا يرون لما أنفقوا فيه من النفقات أنها من جملة المغارم المثقلة، والأمور المتعبة.
(ولا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم): هذا الذي يقصدونه؛ لما لهم إليه من الشوق.
(وأدناهم من محلتهم): التي يأتونها، ويريدون الوقوف فيها، فهذا مثل من عرف حالها وتحقق أمرها، وأمر الآخرة كما ذكرت.
(ومَثَلُ من اغتر بها): الغرر: الخديعة، وأراد من انخدع بلذاتها.
(كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب): كثير المرعى لأنعامهم وأنفسهم.
(فنبا بهم إلى منزل جديب): ارتفع إلى منزل مجدب لا مرعى فيها ولا شجر.
(فليس شيء أكره ولا أفظع عندهم من مفارقة): الفظاعة: هي الشدة في الأمر.
(ما كانوا فيه): من الرخاء والنعمة والراحة والدعة، وطيب المآكل والمشارب لهم ولأنعامهم.
(إلى ما يهجمون عليه، ويصيرون إليه): هجم على الشيء: إذا طلع عليه على بغتة، وأراد إلى ما تصير عاقبتهم إليه من الجوع والعطش، ومفارقة الراحة وحصول الألم، فهذا مثال من اغتر بها وخدعته.
(يا بني، اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك): أراد اجعلها معياراً صادقاً فيما بينك وبين من تعامله من الخلق.
(فأحب لغيرك ما تحب لنفسك): من جميع المحبوبات كلها.
(واكره له ما تكره لها): من جميع المكروهات كلها.
(ولا تظلم): أحداً من الخلق.
(كما لا تحب أن تظلم): يجري عليك ظلم من أحد من الخلق.
(وأحسن): إلى من أمكنك الإحسان إليه من الخليقة.
(كما تحب أن يحسن إليك): يحسن إليك الناس، وتريد ذلك وتهواه.
(واستقبح من نفسك): استنكره وكف عنه نفسك.
(ما تستقبح من غيرك): تكرهه وتنفر عنه من جهته.
(وارض من الناس): من المعاملة وإنصاف الحق.
(بما ترضاه لهم من نفسك): بما تحب أن يعاملوك به من جهة أنفسهم.
(ولا تقل ما لا تعلم): فتكون ممقوتاً عند الله، كما قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ }[الصف:3].
(وإن قَلَّ ما تعلم): فإن قليل القول مما يكون معلوماً مفهوماً واضحاً أحسن من كثير القول الذي ليس معلوماً ولا يفهم.
(ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك): أراد ولا تقل في أحد قولاً لو قيل لك من جهة غيرك لكنت كارهاً له.
(واعلم أن الإعجاب ضد الصواب): يريد أن إعجاب الرجل بنفسه في مال أو جمال أو علم أو فضل، أو غير ذلك من أوصاف الفضل مضاد للصواب ومباين له، فلا يصاحب الإعجاب صواب قط في حالة من الحالات.
(وآفة الألباب): أراد وهو آفة العقول، ومفسد لها ومغير لأحكامها.
(فاسع في كدحك): أراد اجتهد في صلاح ما أنت فيه من أمر معيشتك ورمّها .
(ولا تكن خازناً لغيرك): بجمع المال فيأتي من يأخذه بعدك فتكون قد جمعته وأخذه غيرك، فتكون خزاناً على الحقيقة؛ لأن علامة الخزان أن يكون حافظاً لمال غيره حتى يأتي له ويأخذه.
(وإذا أنت هديت لقصدك): للطريق الموافقة لرضاء الله تعالى فاشكر ذلك.
(فكن أخشع ما تكون لربك): أخوف ما تكون وأخضع وأذل له.
وأقول: إن هذه الكلمات مع قلتها، وتقارب أطرافها، قد بلغت في الحكمة أقصاها، وصارت مستولية على حدها وقصاراها.
ثم أخذ في نوع آخر من الموعظة بقوله:
(واعلم أن أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة): يريد الطريق إلى العرصة والقيامة، ويحكى أن بعد النفخة الثانية يساقون إلى أرض المحشر وهم حفاة عراة قد غرقوا في العرق، كل واحد منهم على قدر ذنبه، فيقفون في طول يوم القيامة شاخصة أبصارهم.
(ومشقة شديدة): لما يلقون من الأهوال، ولما هنالك من الشدائد.
اللَّهُمَّ، أجرنا من هولها برحمتك الواسعة.
(وأنه لا غنى لك فيه): يريد الطريق.
(عن حسن الارتياد): الطلب لما يصلحك، ويكون عدة لك من هوله.
(وقدر بلاغك من الزاد): ومقدار ما يبلغك إليه ويوصلك من الزاد.
(مع خفة الظهر): عن ثقل الأوزار وتحمل المآثم.
(فلا تحملن على ظهرك): من الخطايا والمعاصي.
(فوق طاقتك): أزيد مما تحتمله قوتك ومنّتُك ، فإن فعلت ذلك واخترته صعب الأمر عليك.
(فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك): الوبال: الهلاك، وأراد أنه يكون مهلكاً لك في الآخرة بتحمله لا محالة.
(وإذا وجدت من أهل الفاقة ): وهم أهل الفقر والمسكنة.
(من يحمل عنك زادك إلى يوم القيامة): يتحمل ثقله ويكون عليه إيصاله.
(فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه): الموافاة: هي الملاقاة، وأراد يلاقيك به وأنت في غاية الافتقار إليه.
(فاغتنمه): اجعله كالغنيمة وأعطه إياه.
(وحمله إياه): اجعله حاملاً له دونك.
(وأكثرمن تزويده): من إعطائه ما يكون لك زاداً.
(وأنت قادر عليه): الآن ومتمكن منه.
(فلعلك تطلبه): بعد هذا.
(فلا تجده): لأنه ربما عرض فقر بعد غنى.
(واغتنم من استقرضك): أراد من طلب منك قرضاً بإعطائه على جهة الصدقة، فإنها في الحقيقة قرضاً لله تعالى ليجازي عليها أضعافها، كما قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ }[الشعراء:214]، وقال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ }[الشعراء:214]، والأظهر أنه يريد الصدقات كلها، وأراد بكونه حسنة إخراج أنفس المال ، ومراعاة وجه الله تعالى، وجودة النفس بها.
(في حال غناك): ما دمت متمكناً من المال ومن إخراجه.
(لتجعل قضاءه لك في يوم عسرتك): لتجعل أنت بإعطائك له، أو ليجعل الله قضاءه في موضع الحاجة العسيرة.
(واعلم أن أمامك عقبة كؤوداً): شاقة صعبة.
(المخف فيها أحسن حالاً من المثقل): لما يكون في الخفة من السلامة، ولما يخشى في الثقل من العطب والهلاك.
(والمبطئ عليها أقبح حالاً من المسرع): لأن مع التأخر والبطء لا يأمن الهلكة.
(وإن مِهْبَطَهَا ): الْمِهْبطُ بالكسر هو: موضع الهبوط، كالمِضْرَب لموضع الضرب.
(لا محالة): بلا شك ولا مرية، والمحالة: مفعلة من الحيلة، يقال: الموت آتٍ لا محالة، أي لا بد من وقوعه.
(على جنة أو على نار): أراد أنه لا بد من أحد المنزلين، فإن الإجماع منعقد على أن كل من كان من المكلفين، فلا بد من كونه في الآخرة في جنة أونار .
(فارتد لنفسك): اطلب لها ما يصلحها من الأعمال الصالحة، وتزود التقوى.
(قبل نزولك): في حفرتك التي هي منزلك ومستقر وطنك.
(ووطئ المنزل قبل حلولك): أراد مهده، وقرر قواعده قبل استقرارك فيه.
(فليس بعد الموت مستعتب): استعتبته إذا طلبت رضاه، والمستعتب هاهنا هو: الاستعتاب، وهو طلب الرضا، وأراد أنه لا يطلب رضا أحد بعد الموت بل هو الغاية.
(ولا إلى الدنيا منصرف): مرجع ولا رد بعد الموت، وإنما المرجع إلى الدار الآخرة.
(واعلم أن الذي بيده خزائن السموات والأرض): ملكهما وما فيهما من الخزائن والممالك.
(قد أذن لك في الدعاء): أمرك بالسؤال له، وحثك على الدعاء.
(وتكفل لك بالإجابة ): ضمن لك بذلك، والكفيل: الضامن.
(وأمرك أن تسأله): حيث قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }[غافر:60].
(ليعطيك) من خزائنه ما سألته إياه.
(وتسترحمه): تطلب منه الرحمة.
(ليرحمك ): يلطف بك.
(ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه): من هذه الوسائط، وإنما سؤالك هو الشفيع، وطلبك هو الذريعة.
(ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه): يضطرك إلى واسطة شفيع إليه.