(وحذِّره صولة الدهر): صال الجمل يصول إذاغلب وقهر، وأراد كن على حذر من قهره وغلبانه، فإن له صولات لا تُرَدُّ، ووثبات لا تُدْفَعُ.
(وفحش تقلب الليالي ): كل شيء جاوز الحد في المبالغة فهو فاحش، ومنه الفاحشة لأنها جاوزت الحد في القبح والشناعة، قال طرفة:
عقيلة مال الفاحش المتشدد
أراد الذي جاوز الحد في البخل.
(وأعرض عليه أخبار الماضين): من الأمم الماضية والقرون الخالية ممن ترأس وساد، وجمع الجيوش والعساكر وقاد.
(وذكِّره بما أصاب من كان قبلك من الأولين): من العقوبات العظيمة، والنوازل الباهرة ، والحوادث المفرِّقة.
(وسر في بلادهم وآثارهم): فالبلاد مُدَعْثَرَة، والآثار منطمسة.
(فانظر ما فعلوا): من الأفعال، فإنها مكتوبة محفوظة عليهم، ما يغادر منها صغيرة ولا كبيرة.
(وعمَّا انتقلوا): من المساكن الرفيعة، والقصور المشيدة، والمراتب العالية، والأموال والكنوز والذخائر.
(وأين حلوا ونزلوا): في القبور والأجداث، ثم أوضح ذلك بقوله:
(فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة): من الأولاد والبنين والزوجات والأمهات والآباء.
(وحلوا ديار الغربة): حيث لا أنيس معهم ولا مصاحب يؤنسهم، في قبور خالية وأماكن وحشة.
(وكأنك عن قليل وقد صرت كأحدهم): كالواحد منهم في الموت والفناء والتغيروالزوال.
(فأصلح مثواك): موضع إقامتك.
(ولا تبع آخرتك بدنياك): أراد ولا تجعل دنياك عوضاً عمَّا يحصل لك في الآخرة، فإن الدنيا منقطعة، والآخرة باقية دائمة.
(ودع القول فيما لا تعرف): أراد أن القول فيما لا يعرف الإنسان حاله هو الجهل بعينه.
(والخطاب فيما لا تكلّف): فإن الخطاب فيما لم يرد على الإنسان فيه تكليف يكون لا محالة رمي في العماية، وخبط في الجهالة، وعبث لا فائدة تحته.
(وأمسك عن طريق): تترك السلوك لها.
(إذا خفت ضلالته): إذا كنت لا تأمن وقوعك منها في المحذور في الدين.
(فإن الوقف عند حيرة الضلال): عند التحير والارتباك في المكاره العظيمة.
(خير من ركوب الأهوال): أهون من الخوض في الأهوال العظيمة وارتكابها.
(وأمر بالمعروف): حض على فعله، وحث على الإتيان به.
(تكن من أهله): من المنسوبين، والمعزوين إليه، وفي الحديث:((أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة )) .
(وأنكر المنكر): إِنْهَ عنه وأبعد غاية البعد.
(بيدك): أي وغيَّره بيدك وهو الكفُّ عنه.
(ولسانك): بالنكير عليه، والتعنيف على من فعله.
(وباين من فعله بجهدك): المباينة هي: المباعدة، وأراد البعد عنه بقدر الطاقة، والإمكان منك.
(وجاهد في الله حق جهاده): القدر الذي يتوجه من جهتك من حقه من جهاد النفس على فعل الطاعة، وجهادها على الانكفاف عن المعصية، والجهاد بالدعاء إلى الله تعالى بالعلم، وجهاد أعداء الله بالسيف، فهذه الأوجه كلها جهاد.
(ولا تأخذك في الله لومة لائم): أراد أنك لا تخشى فيما يكون متعلقاً بحق الله من أحد ملامة، فتترك حق الله من أجل ما يلحقك من اللوم، ولقد مدح المؤمنين في جهادهم بقوله:
{يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ }[المائدة:54].
(وخض الغمرات إلى الحق): الغمرة: كثرة الماء، والغمرة: الزحمة من الناس، وأراد اقتحم الأمور الشديدة إلى نيل الحق وبلوغه.
(حيث كان): لايحجزك عن نيله بُعْدُ مكان، ولا حزونة طريقة .
(وتفقَّه في الدين):تفهَّم ما يهمك ويعنيك من أمره، وفي الحديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) أي يعلِّمه معالمه، ويرشده إلى طرائقه .
(وعوَّد نفسك الصبر على المكروه): أراد تعويد النفس وتمرينها على احتمال الأذى، وتحمل المكاره فإن ذلك يقود إلى كل خير، وفيه التشبُّه بأخلاق النبوة، وفي الحديث: ((الصبر أعظم جنود المؤمن )) لأنه يغلب به كل من قاومه، وأراد المكر به.
(ونعم الخلق التصبُّر): التصبُّر هو: تكلُّف الصبر.
وسئل عليه السلام عن الإيمان؟ فقال: ((الصبر، والسماحة)) ، وفي الحديث: ((التصبُّر كنزٌ من كنوز البر )) .
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه:
صبر على أداء الفرائض لله وله ثلاث مائة درجة.
وصبر عن محارم الله، وله ثلاث مائة درجة.
وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة .
وإن نفَّس الله لي في المهلة، وزاد لي في الأجل ذكرت حقيقة الصبر وأسبابه، وكيفية اكتسابه، في شرحي لكتاب (المصباح) للصادق عليه السلام، في علم التصوف، وسلوك طريق الآخرة، فالنية صادقة في ذلك بمعونة الله تعالى .
(ألجئ نفسك في الأموركلها إلى إلهك): أراد فوّضها في التدبير إليه، ولا تكلِّف نفسك ما لا تطيقه من تدبيرها ، فهو كافيك في ذلك كله.
(فإنك تلجئها إلى كهف حريز): لا يمكن الوصول إليه.
(ومانع):لك عن كل محذور.
(عزيز): لا يضام ولا يهضم من كان ناصراً له.
(وأخلص في المسألة لربك): أراد أنك إذا سألت الله مسألة، فمن آداب الدعاء فيها هو الإخلاص فيها، والعلم بأنه لا قضاء لها إلا من جهته، ولا يقدر عليه أحد سواه، أو أراد إذا سألت مسألة من جهة الله فاقطع واجزم ولا تردد نفسك، وفي الحديث: ((إذا سأل الله أحدكم مسألة فليجزم فيما يسأل فيه)) .
(فإن بيده العطاء): لمن يحب.
(والحرمان): لمن يريد، قال الله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ}[فاطر:2] أبداً.
(وأكثر الاستخارة): يروى بالخاء أي اطلب الخيرة من الله تعالى في جميع أمورك كلها.
وفي الحديث: ((أن الرسول عليه السلام كان يلقننا الاستخارة؛ كما يلقننا السورة من القرآن)) .
وبالجيم أيضاً، وأراد وأكثر ما تستجير بالله في جميع أحوالك من مهمات الدين والدنيا؛ فإنه لا تُسْتَدْفَعُ البلايا إلا بلطفه وحفظه.
(وتفهم وصيتي): تحققها وتعقَّل ما تضمنتها.
(ولا تذهبن عنك صفحاً): ذهب عن الشيء صَفْحاً إذا أعرض عنه.
(فإن خيرالقول ما نفع): صاحبه وظهرت فيه علاماته.
(واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع): صاحبه في دينه ولادنياه، ولهذا فإن الرسول [ عليه السلام] كان يعوذ بالله من العلم الذي لا ينفع، فكان يقول في دعاءه: ((أعوذ بك من علم لا يَنْفَعُ ، ومن قلب لا يَخْشَعُ، ومن عين لا تَدْمَعُ، ومن دعاء لا يُسْمَعُ، أعوذ بك من شرِّ هذه الأربع)) .
(ولا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لا يَحقُّ تَعَلُّمُهُ): أراد أن كل ما لا يجب تعلُّمه من العلوم؛ فإنه لا ينتفع به صاحبه، وعلى هذا يكون أنفع العلوم أوجبها فرضاً، وأعظمها وجوباً.
ثم حثَّه بعد ذلك على فعل خصال ينتفع بها، بقوله:
(أي بني ، لما رأيتني قد بلغت سناً): أفعال القلوب نحو: علمت ورأيت يجوز الجمع فيها بين ضميري الفاعل والمفعول، فتقول: رأيتني وعلمتني، وأراد أني قد كبرت، والسنُّ: أكبر العمر.
(ورأيتني أزداد وَهْناً): ضُعْفاً كلما دخلت في السنِّ ونقصت أيامي.
(بادرت): عاجلت.
(بوصيتي إياك خصالاً ): الخصلة هي: الخلة من خير أو شر، قال الكميت:
سبقت إلى الخيرات كل مناضل
وأحرزت بالعشر الولاء خصالها
(منها أن يعجل بي أجلي): يسبق عليَّ الموت.
(دون أن أفضي إليك بما في نفسي): أظهره لك وأحثك على فعله.
(وأن أنقص في رأيي): بالضعف والوهن.
(كما نقصت في جسمي): بالهزال والشيخوخة والهرم.
(أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى): بعض الأهواء الغالبة.
(وفِتَن الدنيا): ما يفتتن به الإنسان من خير يلهي أو شر أو غير ذلك من البلاوي.
(فتكون كالصعب النفور): كالبعير الذي صار فحلاً غير ذلول لا يطاق عليه.
(وإنما قلب الحدث): الصغير من الرجال.
(كالأرض الخالية): عن سائر النباتات الطيبة.
(ما ألقي فيها من شيء قَبِلتُهُ): نبت فيها على أحسن هيئة وأجملها وأحمدها في المنظر والمرأى.
(فبادرتك بالأدب): بالتذكير والموعظة.
(قبل أن يقسو قلبك): عن قبول المواعظ ، فلا يقبل شيئاً منها.
(ويشتغل لبك): أي عقلك بغيرها مما لا فائدة فيه ولا منفعة وراءه.
(لتستقبل): تعليل لقوله: بادرتك من أجل أن تستقبل.
(بجد رأيك من الأمر): أعلاه وأقواه وأعظمه تبصرة في الأمور.
(ما كفاك أهل التجارب بغيته ): ما هذه موصولة في موضع نصب على المفعولية، أي تستقبل ما قد فرغ أهل الخبرة عن طلبه وتحصيله.
(وتجربته): الخبرة فيه والتحقق بحاله .
(فتكون): نصب عطفاً على قوله: لتستقبل، أو رفع على الاستئناف، أي وأنت تكون:
(قد كفيت مؤونة الطلب): المؤونة فعولة من الأوْن، وهو: الخُرج ؛ لأنها تثقل الإنسان وتتعبه، وفي الحديث: ((تكون المعونة على قدر المؤونة )) ، تهمز ولا تهمز، وأراد أنك تكفى ثقل الطلب وكلفته.
(وعوفيت من علاج التجربة): المعافاة هي: المسالمة، وأراد أنك قد سولمت من علاج أهل التجارب.
(فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه): أراد فجاءك على سهولة من غير مشقة وعلاج، ما قد كنَّا نعالج ويشقُّ علينا مقاساته وتعبه.
(واستبان لك): أي اتضح.
(ما ربما أظلم علينا فيه ): ما كان مظلماً علينا عند طلبه وتحصيله.
(أي بني، وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي): من الأمم والقرون.
(فقد نظرت في أعمالهم): الحسنة والسيئة.
(وفكرت في أخبارهم): قصصهم وسيرهم.
(وسرت في آثارهم): أماكنهم التي عمروها ومساكنهم التي زخرفوها، وطرقهم التي سلكوها.
(حتى عدت كأحدهم): كالواحد منهم في تحققها وتبينها.
(بل): إضراب عما ذكره من أنه كالواحد منهم.
(كأني بما انتهى إليّ من أمورهم): قرع سمعي وتحققته من أحوالهم كلها.
(قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم): في شدة التحقق وعظم التبصر.
(فعرفت صفو ذلك من كدره): خيره من شره، فأخذت ماهو خير، وتركت ما هو شر.
(ونفعه من ضره ): وما يضر من ذلك وما يكون نافعاً منه.
(فاستخلصت لك من كل أمر جليله ): أعظمه وأسناه، وأحسنه موقعاً.
(وتوخيت لك جميله): طلبت لك من ذلك أجمله وأحمده.
(وصرفت عنك مجهوله): ما يكون مجهولاً من أموره، لا يعرف حاله.
(ورأيت حين عناني من أمرك): وعرفت وقت ما أهمني من إصلاح حالك وأمرك.
(ما يعني الوالد الشفيق): ما هذه موصولة في موضع رفع فاعلة لعناني، والشفقة: المحبة، والمشفق: المحب لما يوده.
(وأجمعت عليه من أدبك): يقال: أجمعت أمري إذا عزمت عليه، ولا يقال: جمعته، قال الله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ }[يونس:71]، أي وادعوا شركاؤكم؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي حكاه الكسائي.
(أن يكون ذلك): أي الأدب، والتثقيف مني.
(وأنت مقبل العمر): أي في أول أوانه.
(مقتبل الدهر): أي ذو إقبال منه وبُلَهْنِيَة .
(ذو نية سليمة): عما يعرض لها ويشوش حالها وأمرها.
(ونفس صافية): عن المكدرات والعوارض.
(وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله): أول ما أضعه في صدرك هو فهم كتاب الله تعالى، وفهم تأويله فيما كان منه مفتقراً إلى التأويل.
(وشرائع الإسلام): التي شرعها الله لخلقه، وعرَّفهم مصالحهم فيها.
(وأحكامه) ما حكم منها وفرض.
(وحلاله وحرامه): ومعرفة ما أحلَّه لعباده، وحظره عليهم.
(لا أجاوز ذلك بك إلى غيره): لا أعدل عما ذكرته من العلوم إلى غيرها لما في ذلك من المصلحة العامة.
(ثم أشفقت أن يلتبس عليك): الإشفاق ها هنا هو: الخوف، وأراد أني أتخوف عليك أن يلتبس عليك.
(ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم): يريد اختلافهم في هذه المذاهب وميلهم إلى هذه الأهواء، واستحداثهم لهذه الآراء، وغرضه بذلك اختلافهم في الديانات، ومسائل الاعتقاد مما يكون الحق فيه واحداً ومما يعظم فيه الخطر، ويحصل بسببه الهلاك في هذه المسائل الإلهية، والاعتقادات الدينية.
(مثل الذي التبس عليهم): أراد أن تقع في مثل ما وقعوا فيه من اللبس واختلاف الآراء.
(فكان إحكام ذلك): الإشارة إلى ما ذكره أولاً من الأمر الملتبس.
(على ما كرهت من تنبيهك): الكره بالضم والفتح هو: المشقة، يقال: فعلت هذا على كره أي مشقة، وغرضه فكان إحكام ذلك من جهتي على ما يلحقني من المشقة بترك تنبيهك في ذلك.
(له): أي من أجله وسببه .
(أحب إليّ من إسلامك): أعظم إليّ محبة من تسليمك.
(إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة): أن تكون هالكاً مع من هلك فيه، واتبع رأيه ولم يعول على حجة واضحة، ولا كتاب منير.
(ورجوت): إذا فعلت لك ذلك.
(أن يوفقك الله فيه): يريد الأمر الذي تخوض فيه.
(لرشدك): لما قضاه لك من الرشد من جهته.
(وأن يهديك): يدلك.
(لقصدك): للطريق المستقيمة التي تقصدها.
(فعهدت إليك وصيتي هذه): لتكون إماماً لك في أمورك، وعوناً لك على مصالحك الدينية.
(واعلم أي بني أن أحب ما أنت آخذ به من وصيتي هذه): أعظم ما أحبه وأريد لك أخذه منها.
(تقوى الله): اتقاه ومراقبته في الأمور كلها.
(والاقتصار على ما فرضه الله عليك): تأدية هذه الأمور المفترضة من جهة الله تعالى، فإن هذه الفروض مصالح عظيمة، وحالها عند الله عظيم، ولهذا وعد على فعلها الجنة، وأوعد على تركها النار.
(والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك): يريد بهذا من كان من ولد إسماعيل من الأنبياء وأهل الصلاح منهم، فإن الأخذ بطرائقهم فيه النجاة لا محالة.
(والصالحون من أهل بيتك): ممن كان سالكاً لطريق الصلاح من أولاد هاشم، ويحتمل أن يريد بذلك نفسه عليه السلام، فإن الاقتداء به والاهتداء بهديه هي الطريقة الحسنى، والمنقبة المثلى.
(فإنهم لم يَدَعُوا): لم يتركوا أنفسهم.
(أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر): في خواص دينهم وما يتعلق بتكاليفهم.
(وفكروا كما أنت مفكر): فيما يعنيهم أمره من ذلك.
(فردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا): أراد فرجع الأمر في عاقبة أمرهم إلى الأخذ بما تحققوه وعقلوه.
(والإمساك عما لم يكلفوا): أراد وترك الخوض فيما لا حاجة لهم فيه، ولا غرض لهم فيه.
(فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك): الإباء هو: الكراهة، وأراد فإن كرهت نفسك قبول ترك الخوض في مذاهب الناس، والاطلاع على ما هم عليه في هذه الاعتقادات، والدرية بأحوالهم فيها ولم تقف على غرضك.
(دون أن تعلم كما علموا): تحيط بما أحاطوا به، وتدرك غوره.
(فليكن طلبك ذلك بتفهّم): إدراكك له بعلم ودراية.
(وتعلُّم): ومعرفته شيئاً فشيئاً، وافعل ما قلته لك، وأشرت إليك به.
(لا بتورط الشبهات): الورطة: الهلكة، وأراد من غير أن تكون هالكاً في اتباع الشبهات واقتفاء آثارها وسلوك مناهجها.
(وعلو الخصومات): ارتفاعها وكثرتها، والمعنى في هذا هو أنك إذا أردت الخوض في مذاهب الناس فاحبس نفسك على تقوى الله والورع، ولا ترسلها في هواها فتهلك، وتقع في المتالف.
(وابدأ قبل نظرك في ذلك): الإشارة إلى خلاف الناس.
(بالاستعانة بإلهك): بطلب الإعانة منه في كل أحوالك، وأمورك.
(والرغبة إليه في توفيقك): وأن تكون راغباً إليه في تحصيل اللطف لك بموافقة الحق من ذلك، ومطابقته.
(وترك كل شائبة): واسأل منه أن يوفقك لترك ما يشوب دينك، أو ترك كل خصلة شائبة له أيضاً.
(أولجتك في شبهة): أدخلتك في الشبهات، وأورطتك في كل عظيمة وهلكة.
(أو أسلمتك إلى ضلالة): أو كانت مسلمة لك إلى ضلالة عن الحق ومخالفة له إلى الباطل.
(فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك): عن كدورة التعصب، ومال عن اتباع الهوى.
(فخشع): وكان خاشعاً لله متواضعاً لقبول الحق وإعطائه.
(وتمَّ رأيك): في تقوى الله.
(واجتمع): على فعلها والاحتكام لها.
(وكان همك في ذلك هماً واحداً): ليس متفرقاً إلى جهات مختلفة وشعوب متشتتة.
(فانظر فيما فسرت لك): يريد أنك تأخذ بما عرفت من الأمور كلها، وتمسك القول عما لا تعرفه، ففي هذا سلامة عن كل محذور في الدين، وأمن من الوقوع في المهالك.
(وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك): ولم تملكها عند الخوض، ولم تكن آمناً عليها في ذلك.
(وفراغ فكرك ونظرك): فما أديا إليه فاعمل به من غير مخالفة.
(واعلم أنك إنما تخبط العشواء): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أنك بمخالفتي فيما أمرتك به، ونهيتك عنه.
وثانيهما: أن يكون مراده أنك إن نظرت في مذاهب الناس وما هم عليه من الخلاف من غير تثبت وتسديد من الله، فإنما تخبط العشواء، وهو مثل فيمن لا يكون من أمره على بصيرة، وأصله من سير الناقة التي لا تبصر، وانتصابه على المصدرية.
(وتتورط الظلماء): الورطة: الهلاك، وغرضه أن تقع في الظلمات وهي الأمور الملتبسة.
(وليس طالب الدين من خبط): يريد وليس يطلب الدين من كان خابطاً في أموره على غير بصيرة فيها.
(أو خلط): فيه ما ليس فيه من الضلالات والوقوع في العمايات.
(والإمساك عن ذلك أمثل): في الطريقة وأقوم للدين لا محالة.
(فتفهم يا بني وصيتي): أحط بها حقيقة، وكن عارفاً بها.
(واعلم أي بني أن مالك الموت هو مالك الحياة): أنه إله واحد، كما أشار إليه تعالى بقوله: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ }[الملك:2].
(وأن الخالق هو المميت): الموجد للأجسام وجميع العالم هو القابض لأرواحها، والمتولي لذلك.
(وأن المفني): لها والمعدم لتأليفاتها ، والمبطل لنظامها.
(هو المعيد): لها على حقائقها وتفاصيل أحوالها.