(ولكن بنعمة الله أحدث): يشير إلى قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }[الضحى:11]، وفي الحديث: ((التحدث بالنعمة شكر )) .
(أن قوماً استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين): يسرت لهم الشهادة في مجاهدة المشركين على إعزاز دين الله.
(ولكل منهم فضل): يستبد به ويحوزه دون غيره، وهو على حظ عند الله تعالى منه، على حد ما يعلم من الإخلاص والإبلاء.
(حتى إذا استشهد شهيدنا): من يختصنا ويتعلق بنا ومن هو منا تميز على غيره من الشهداء وعظم، وارتفعت درجته عند الله تعالى، حتى :
(قيل سيد الشهداء):يريد حمزة بن عبد المطلب، فإنه أعلم نفسه بريش نعامة يوم أحد، وقتله وحشي شهيداً ، وسيد كل شيء أعلاه وأعظمه، وفي الحديث: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر )) ، وفي حديث آخر: ((أنا سيد العالمين، وعلي سيد العرب )) ، وفي الحديث: ((سيد الكلام القرآن ، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الطعام الثريد)) .
(وخصه رسول الله [صلى الله عليه وآله] ): عند الصلاة عليه.
(بسبعين تكبيرة): لأنه يوم أحد صلى على الشهداء بأحد، ومن كملت عليه الصلاة رفعوه إلا حمزة، فإنه استوفى عليه هذه التكبيرات تشريفاً له ورفعاً لمكانه في الشهادة .
(عند صلاته عليه!): من بين سائر الشهداء .
(أولا ترى أن قوماً قطعت أيديهم في سبيل الله): صبراً واحتساباً لله تعالى.
(ولكل فضل): يعلمه الله، ويوفي عليه أجره.
(حتى إذا فعل بواحدنا):أراد إما عظيم الشأن فينا، كما يقال: فلان واحد زمانه، وإما أن يريد شخصاً من آحادنا وأفرادنا.
(كما يفعل بواحدهم): بالشخص الواحد منهم.

(قيل: الطيار في الجنة وذو الجناحين) : يريد جعفر بن أبي طالب فإنه قتل في مؤتة، اقتحم عن فرس له أشقر، ثم ضرب عراقيبه، ثم أخذ الراية بعد زيد بن حارثة فقاتل بها فقطعت يداه، فاحتضنها، ثم قطع بنصفين بعد ذلك يرحمه الله، ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل، فاستشهد الثلاثة يوم مؤتة ، وأكرمهم الله بما نالوا منها .
(ولولا ما نهى الله عن تزكية المرء نفسه ): حيث قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }[النجم:32].
(لذكر ذاكر فضائل جمة): يشير إلى نفسه، والجم: الكثير.
(تعرفها قلوب المؤمنين): يتحققها من حسن إيمانه، وصدق يقينه، ولم يكن غامصاً لفضل، ولا منكراً له.
(ولا تمجها آذان السامعين): مج الشراب من فِيْهِ إذا رمى به ودفعه، وأراد أنها مقبولة في أذن من سمعها لا يدفعها.
(فدع عنك من مالت به الرمَّية): الرمية: الصيدة ترمى فتصاب، وهذا تعريض بمعاوية، وأراد فدع عنك ذكر من أعمته الدنيا وأمالته إليها عن صراط الله، وطلب مرضاته، وخض في حديث آخر غيره، كما قال زهير:
فدع ذا وعد القول في هرم
واذكر ما خصنا به الله وكرَّمنا به.
(فإنَّا صنائع ربنا): أي إحساناته، واصطنعنا بنفسه، لا إحسان لأحد علينا سواه.
(والناس بعد): أي بعدنا وهو مقطوع عن الإضافة.
(صنائع لنا): إحساننا عليهم، وهم مصطنعون لنا، ومصداق هذه المقالة هو أنا:
(لم يمنعنا قديم عزنا): ما تقادم لنا من العز والفخر عليكم.
(وعادي طولنا ): وقديم كرمنا منسوب إلى عاد، يقال: مجد عادي إذا كان متقادماً.
(أن خلطناكم بأنفسنا): أن ها هنا في موضع نصب على المفعولية أي لم يمنعنا ما تقادم من العز المخالطة لكم.

(فنكحنا): يشير إلى نكاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان.
(وأنكحنا): يشير إلى ما كان من نكاح عثمان لرقية وأم كلثوم بنتي رسول الله .
(فعل الأكفاء): أراد فعلنا معكم فعل من يعتقد الكفاءة، وانتصابه على المصدرية.
(ولستم هنالك): هنا إشارة إلى الأمكنة، وأراد ولستم في ذلك المقام يعني مقام الكفاءة لما يظهر من شرف بني هاشم على غيرهم من سائر بطون قريش قديماً قبل النبوة بحيث لا يمكن جحوده، ومتأخراً بعد النبوة بما شرفهم الله تعالى وجعل فيهم النبوة.
(وأنى يكون ذلك[كذلك] ): أي ومن أي جهة تكون المماثلة والمساواة بيننا وبينكم.
(ومنا النب‍ي): الذي رفع الله قدره على مراتب الأنبياء، وأظهر شرفه في الأولين والآخرين.
(ومنكم المكذب): يعني عبد الله بن أمية ، وهو جد عبد الملك بن مروان، أمه عائشة بنت عبد الله، فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والله لو صعدت السماء وأنا أنظر إليك وأتيت بصكٍ والملائكة شهود فيه على أنك نبي ما صدقتك، فقد أغرق في التكذيب كما ترى،أو يريد بذلك الوليد بن المغيرة.
(ومنا أسد الله): يريد حمزة بن عبد المطلب، فإنه كان يقال له: أسد الله وأسد رسوله .
(ومنكم أسد الأحلاف): يريد عتبة أيضاً، فإنه لما قال حمزة: أنا أسد الله، قال: أنا أسد الأحلاف، وغرضه أسد الحلفاء .
(ومنا سيدا شباب أهل الجنة): يريد الحسن والحسين .
(ومنكم صبية النار): يريد أولاد مروان بن الحكم لصلبه ، ثم أولاد ابنه عبد الملك بن مروان: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، فهؤلاء وغيرهم من أولاده طغوا وبغوا في الأرض، ولقيت الأمة منهم موتاً أحمر، وقد سبق ذكرهم.

(ومنا خير نساء العالمين): يريد فاطمة بنت رسول الله، فإنها سيدة نساء عالمها .
(ومنكم حمالة الحطب): يريد عمة معاوية أم جميل أخت أبي سفيان، كانت تحمل حزم الشوك فتنثره في طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل: كانت تمشي بالنمائم بين الناس فتورث بينهم الشحناء والعداوة، أخزاها الله تعالى، وما نقص فعله عن الجميل من توسل إلى الله بسبِّ أم جميل .
(في كثير مما لنا): من المناقب العالية والمدائح الشريفة.
(وعليكم): من المساوئ والأذكار السيئة، وقوله: في كثير، خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلك الذي ذكرته في كثير.
(فإسلامنا ما قد سمع): به وظهر حاله واشتهرأمره بحيث لا ينكره أحد سبقنا إليه.
(وجاهليتنا لا تدفع): أي لا ينكر حالها من اصطناع المعروف وبذله بحيث لا يعد فيها عدوان، ولا تقصير على أحد، كما كان من غيرنا.
(وكتاب الله يجمع لنا): من المحامد والفضائل.
(ما شذ عنا ): ما غاب عني ولم أذكره، ثم تلا قوله تعالى: ({وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ }[الأنفال:75]، وقوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:68]).
(فنحن مرة أولى بالقرابة): أراد أن الأولوية لنا من جهة قرب النسب بالرسول، واختصاصنا به.
(وتارة أولى بالطاعة): فإنا أعظم الناس انقياداً لأمره، ومتابعة له في كل أحواله، فالأولوية حاصلة لنا من هذين الوجهين.

(ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله [صلى الله عليه وآله] فلجوا عليهم): يشير بما ذكره ها هنا إلى ما كان من حديث السقيفة، وهو أن المهاجرين والأنصار لما بكروا للاشتوار في الأمر إلى سقيفة بني ساعدة، فقالت الأنصار: منَّا أمير، ومنكم أمير، فقال المهاجرون: نحن أحق برسول الله، والبيضة التي تفقأت عنه، ففلجوا عليهم، أي غلبوهم بما قالوا، وسكت الأنصار عن مقالتهم هذه لما عرفوه من الحق ولم ينكروه .
(فإن يكن الفلج به): يريد بما ذكره المهاجرون من ذكر الاختصاص والقرابة.
(فالحق لنا دونكم): أراد فنحن أولى به وأحق منكم.
(وإن يكن بغيره): أراد وإن تكن الغلبة بغير ما ذكره المهاجرون من ذلك.
(فالأنصار على دعواهم): أراد فحجة الأنصار باقية لم تبطل على زعمك هذا.
(وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت): يشير إلى أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأن معاوية يزعم أنه كان حاسداً لهم الخلافة، وأنه يريد تحويلها إلى نفسه.
(وعلى كلهم بغيت): أردت خلاف الحق بأخذها منهم وهم أحق بها.
(فإن يكن ذلك كذلك): فإن يكن البغي مني كما ذكرت حاصلاً.
(فليس الجناية عليك): فيما ذكرته من البغي والحسد.
(فيكون العذر إليك): فأوجِّه العذر في ذلك إليك وتكون مختصاً به.
ثم تمثل ببيت أبي ذؤيب:
(وعيَّرها الواشون أني أحبها
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها):
ولنذكر إعرابه وموضع الشاهد منه.
أما إعرابه فهو ظاهر، وأني أحبُّها: في مو ضع نصب على نزع الجار أي بأني أحبها.
والشكاة: هي الشكاية، وظاهر عنك عارها أي زائل.
وأما موضع الشاهد منه فإنما أورده متمثلاً به بأن الجريمة التي ذكرتها هي بمعزل عنك فلا حاجة إلى توجيه العذر فيها إليك.

(وزعمت أني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش): خششت الجمل أخشه إذا جعلت في أنفه الخشاش، وهي: الخزامة، وأراد بذلك أن يجعله كناية عن بيعته وهو مُكْرَهٌ من غير اختيار من جهة نفسه.
(حتى أبايع): أعطي في الطاعة والانقياد لمن له الأمر في الخلافة.
(فلعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت): يريد أنك جعلت هذا القول منك وارد على جهة الذم لي، وهو حقيقة مدح ومنقبة، وزيادة في الفضل وعلو في المرتبة.
(وأن تفضح فافتضحت): وأن تجعله عاراً علي في المخالفة وذماً لي، فكانت الفضيحة عليك إما بنقصك من لا ينبغي نقصه، وإما بذمك لي من غير جناية ولا استحقاق، وإما لجهلك بحاله وعدم تمييزه، فكانت الفضيحة عليك حاصلة من هذه الأوجه.
ثم أخذ في بيان ما قاله من ذلك بقوله:
(وما على المسلم من غضاضة): أي مذلة ومنقصة.
(في أن يكون مظلوماً): أي عار يلحقه في كونه مظلوماً.
(ما لم يكن شاكاً في دينه): على شك وزلزال من عقيدته.
(ولا مرتاباً بيقينه!): ولا ريب يلحقه فيما هو متيقن له متحقق بحاله.
(وهذه حجت‍ي إلى غيرك قصدها): أراد وهذه الحجج التي ذكرتها هي في الحقيقة متوجهة إلى غيرك؛ لأن الحق هو له على زعمك.
(ولكن‍ي أطلقت لك منها): أظهرت وجه الحجة منها.
(بقدر ما سنح من ذكرها): سنح الشيء إذا عرض، وأراد بمقدار ما عرض من لسانك في ذكرها.
(ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان): في خذلانه ونصرته والنصيحة له والاجتهاد في حقه، وغير ذلك مما يكون شداً لعضده وقياماً في حقه.
(فلك أن تجاب عن هذه): أي فأنت مستحق للجواب فيما قلته فيه.
(لرحمك منه): أي لقرابتك منه واختصاصك به، فإذا كنت منصفاً فانظر في حالي وحالك معه نظر منصف،

(فأينا كان أعدى له): أعظم له في العداوة وأدخل فيها.
(وأهدى إلى مقاتله!): وأوضح طريقاً يهتدى بها ويسلكها من يريد مقاتله، والمقاتل: جمع مقتل، وهي أمكنة القتل.
(أمن بذل له نصرته): عرضها عليه.
(فاستقعده واستكفه): طلب قعوده وكفه عن النصرة، وذلك هو الذي وقع من أمير المؤمنين، فإنه أراد الخروج في نصرته والذب عنه، فأرسل إليه بترك الخروج وكفه عنه.
(أم من استنصره فتراخى عنه): طلب النصرة من جهته، وحثه عليها فلم يفعل شيئاً من ذلك، بل تراخى، أي تقاعد عنه بإهمال النصرة وتركها.
(وبثَّ المنون إليه): المنون هو: الموت، وبثه أي نشره ، ووجهه إليه فخذله وأعمل رأيه في خذلانه.
(حتى أتى قدره عليه): وهو الموت بالقتل الذي قدره الله له وحتمه عليه.
(كلا والله): ردع وزجر أي ليس الأمر كما قال معاوية وزعم من أنه ناصر وأني خاذل بل الأمر في ذلك كما حققته وأشرت إليه.
(لقد علم الله {الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ })[الأحزاب:18]: أورد هذه الآية إلى آخرها مثالاً بحاله وحال معاوية فيما نقم من أمر عثمان، وأراد لقد علم الله المثبطين عن رسول الله وهم المنافقون، ({وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ }[الأحزاب:18]): من أهل الكفر والنفاق ({هَلُمَّ إِلَيْنَا }[الأحزاب:18]): اقربوا إلينا، واقعدوا معنا عن الرسول ({وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ }[الأحزاب:18]): أي الحرب ({إِلاَّ}): إتياناً ({قَلِيلاً}): لقعودهم عن ذلك وتثبيطهم عنه، وما أحسن موقعها في حال أمير المؤمنين وحال معاوية ومطابقتها لما هما عليه.

(وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثاً): منها توليته لأمور المسلمين من لا يصلح أن يكون متولياً لها نحو استعماله للوليد بن عقبة وقد ظهر منه شرب الخمر، واستعماله سعيد بن العاص وعبد الله بن أبي سرح مع ما يظهر من هؤلاء من قلة الدين وأنواع الفسق.
ومنها إعطاؤه لمروان ألف ألف دينار على فتح أفريقيه، وهذا تبذير في مال الله وإعطائه من لا يستحقه.
ومنها إقدامه على أكابر الصحابة بالاستخفاف نحو ما كان منه إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، وغيرهم من فضلاء الصحابة، وغير ذلك من المطاعن ، فهذه أحداث قد نقمها أمير المؤمنين عليه.
(فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايت‍ي له): إلى الحق ونصيحتي له في الله.
(فرب ملوم لا ذنب له): فهذا مثل يضرب فيمن توجِّه إليه اللوم وهو عنه بريء.
ثم تمثل بالبيت:
(وكم سقت في آثاركم من نصيحة
وقد يستفيد الظنة المتنصحُ):
ولنذكر إعرابه وموضع الشاهد منه:
أما إعرابه فهو ظاهر، كم هذه هي الخبرية، وأراد كم يوم وكم سوق، ونصيحة تمييز، وقد هذه مفيدة للتقليل عند دخولها على الفعل المضارع، كقولهم: إن الكذوب قد يصدق، والظنة: التهمة، والمتنصح هو: الآتي بالنصيحة لغيره.
وأما موضع الشاهد فإنما أورده شاهداً على أني قد بذلت غاية النصح ولكني في ذلك متهم، فأشبه حالي فيما بذلته من النصح وجري التهمة حال هذا القائل من غير مخالفة، ثم تلا هذه الآية: (وما أردت {إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ}) : مبلغ جهدي وطاقتي.
({وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ })[هود:88]: فما أعجب موقعها في كلامه! وأحسن مكانها فيه! .

(وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف): يريد أن العتاب والمناصحة في جقهم لا ينفعان؛ وإنما النافع في حقهم هو السيف.
(فلقد أضحكت بعد استعبار): الاستعبار هو: ظهور العبرة والبكاء، وأراد أنك أضحكت بكلامك هذا كل من سمعه من جهتك، بعد بكائه على الدين لتصرفك فيه، وكونك أميراً عليه.
(متى أُلْفِيت بنو عبد المطلب عن الأعداء ناكلين): نكل عن عدوه إذا جبن عن لقائه، وأراد متى لقوا يوماً متأخرين عن لقاء الأعداء ومكافحتهم.
(وبالسيوف مخوفَّين): ومتى ألفوا مخوفين عن لقاء السيوف ومزاحمتها.
ثم تمثل عليه السلام بقوله:
(لبِّث قليلاً يلحق الهيجا حمل ... لا يأسَّ بالموت إذا حان الأجل)
ولنذكر إعراب هذا الرجز، وموضع الشاهد منه:
أما إعرابه فهو ظاهر، الهيجا: هي الحرب تمد وتقصر، ويوم الهياج : يوم القتال، وحمل فيه روايتان:
أحدهما بالحاء المهملة، وذلك أن مالك بن زهير توعد حمل بن بدر، فقال حمل هذا البيت .
وثانيهما: بالجيم وذلك أن جمل بن سعد أغير على إبله في الجاهلية، فاستنقذها ممن أخذها، وهو يقول:
لبث قليلاً... ... البيت
وأما موضع الشاهد منه فإنما أورده متمثلاً به كما كان حال من أنشأ البيت، وأراد أمير المؤمنين أرود بنفسك فكأنك ببني عبد المطلب، وقد وافوك عن قريب.
(فسيطلبك من تطلب): أراد أنك إذا اجتهدت في طلبهم ولقائهم فسيطلبونك أيضاً ويحبون لقاءك.
(ويقرب منك ما تستبعد): من وقوع الحرب، فأتى في الأول بمن لما كان مراده بني عبد المطلب، وأتى في الثاني بما لما كان مراده الحرب.
(وأنا مرقل نحوك): الإرقال: ضرب من الخبب يكون في الخيل والإبل.

(في جحفل من المهاجرين والأنصار): الجحفل هو: الجيش العظيم، وقوله: من المهاجرين والأنصار يشير إلى ما هو عليه من الحق باتباع أهل البصائرله ، ويعرِّض بحال أهل الشام من أهل الجلافة والغلظة والجهل بالحال.
(والتابعين لهم بإحسان): في صحة البصائر وصدق الأسرار والضمائر عند الله تعالى.
(شديد زحامهم): أراد أن ازدحامهم شديد لكثرتهم.
(ساطع قتامهم): مرتفع غبارهم.
(متسربلين سرابيل الموت): السربال هو: الملحفة الواسعة، واستعار ذلك ها هنا لما يكون في صدورهم من السعة والانشراح بالقتال.
(أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم): كنى بذلك عن شوقهم إلى الله تعالى وسماحتهم بمفارقة الدنيا.
(قد صحبتهم ذرية بدرية): أراد قد صحبهم أولاد آباؤهم من أهل بدر.
(وسيوف هاشمية):من بني هاشم أيضاً.
(قد عرفت مواقع نصالها): مواقع ضربها في هاماتهم ورءوسهم.
(في أخيك): حنظلة قتل يوم بدر.
(وخالك): الوليد بن عتبة.
(وجدك): عتبة بن ربيعة.
(وأهلك) من بني أمية بن عبد شمس ، ثم تلا قوله تعالى:
({وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ })[هود:83]: يشير بذلك إلى معاوية وأحزابه من أهل الشام، ولقد صدَّق الله قوله بما كان في صفين وغيره من المشاهد.

143 / 194
ع
En
A+
A-