(27) ومن عهد له عليه السلام كتبه لمحمد بن أبي بكر [رضي الله عنه] حين قلَّده مصر
(فاخفض لهم جناحك): هذه كناية حسنة دالة على الأمر بالتواضع، وأخذها من خفض الطائر جناحه إذا دنا للوقوع.
(وألن لهم جانبك): لين الجانب كناية عن البشاشة وحسن المودة.
(وابسط لهم وجهك): المراد ببسط الوجه لين العريكة، وسعة الخلق.
(وآس بينهم في اللحظة والنظرة): أراد أنهم يكونون بالإضافة إلى إنصافك على جهة الاستواء، لا تفضيل لأحد منهم على أحد، فيكونون أسوة في ذلك.
(حتى لا يطمع العظماء في حيفك): الحيف: الميل.
(ولا ييأس الضعفاء عن عدلك): العدل: الاستقامة على الحق، وأراد أنك إذا فعلت ما ذكرته من المؤاساة بينهم كان أقرب إلى بطلان طمع أهل العظمة والتكبر في أن تحيف وتميل عن الحق، وأبعد عن إياس أهل الفاقة والمسكنة عن عدلك واستقامتك على الحق.
(وإن الله يسائلكم معشر عباده): يباحثكم ويناقشكم.
(عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة): عما يكون صغيراً مكفراً، وعما يكون كبيراً محبطاً للثواب مهلكاً.
(والظاهرة): المكشوفة للناس.
(والمستورة): التي لا يعلمها إلا الله تعالى .
(فإن يعذب): على أفعالكم وعلى ما أنتم مصرون عليه من الأعمال السيئة.
(فأنتم أظلم): أعظم ظلماً وأكثر إثماً.
(وإن يعف): عما اجترحتموه من الأفعال القبيحة.
(فهو أكرم): من أن يستوفي له حقاً.
(واعلموا عباد الله): علماً لا شك فيه، وتحققاً لا ريب يخالطه.
(أن المتقين): لله تعالى والخائفين له في جميع أ حوالهم.
(ذهبوا بعاجل الدنيا): نعيمها ولذاتها.
(وآجل الآخرة): وما يكون في الآخرة من اللذة والنعمة أيضاً.

(فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم): بما كان بإعطاء الله لهم من راحة النفوس وقرار الخواطر، وتعجيل أرزاقهم الهنية، وطمأنينة أنفسهم إلى ذلك.
(ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم): فيما يستحقون من جهة الله تعالى من الثواب والدرجات العالية بصالح أعمالهم.
(سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت): من قرار الأنفس وطيب الخواطر، وثلج الصدور وراحة الأبدان.
(وأكلوها بأفضل ما أكلت): في مآكلهم ومشاربهم، ومناكحهم وجميع لذاتهم فيها.
(فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون): رجل حظي إذا كان ذا حظوة، ومكانة وشرف ومنزلة واستحقاق لما هو فيه، وأراد أنهم امتازوا فيها بما امتاز به أهل الترف والنعمة من أهل الدنيا.
(وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون): من التنعم بلذاتها، والتفكه بغضارتها، وإحراز رونقها.
(ثم انقلبوا عنها): يريد إلى الآخرة.
(بالزاد المبلغ): لهم إلى الجنة.
(والمتجر الرابح): بالفوز برضوان الله تعالى وكريم ثوابه.
(أصابوا لذة): ظفروا بها وأحرزوها.
(زهد الدنيا في دنياهم):أراد الرغبة عن الدنيا، والانقطاع عنها في عاجلتهم المتقدمة.
(وأيقنوا أنهم جيران الله) : قريبون من رحمته، ولا تعقل المجاورة في حق الله تعالى إلا القرب من الرحمة كما ذكرناه.
(في آخرتهم): في الدار الآخرة.
(لا ترد لهم دعوة): لقربهم إلى الله وعلو درجتهم عنده فلا يخالفهم في تنجيز مراداتهم.
(ولا ينقص لهم نصيب من لذة): جزاء على أعمالهم وتوفيراً عليهم ما يستحقونه.
(فاحذروا عباد الله الموت وقربه): هجومه على غفلة، وقرب نزوله على فجعة.

(وأعدوا له عدته): من الأعمال الصالحة والتوبة النصوح، وحسن الظن بالله تعالى ، وفي الحديث: (([لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو محسن للظنِّ بالله، فإنَّ الله يقول] : أنا حيث ظنَّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء)) .
(فإنه يأتي بأمر عظيم): هول لا أعظم منه، ومصيبة لا أطم منها من استلاب الروح ودخول القبر، وملاقاة أهوال الآخرة
(وخطب جليل): جل الخطب إذا عظم واتسع.
(بخير لا يكون معه شر أبداً): بخير في موضع البيان، لقوله: يأتي بأمر عظيم، إما على البدلية وإما على عطف البيان، وأراد بالخير لأهل ولاية الله وأهل العمل بطاعته.
(و شر لايكون معه خير أبدا‍ً): لأهل عداوة الله وأهل العمل بمعصيته.
اللَّهُمَّ، اجعلنا من أهل طاعتك والولاية لك يا أكرم مسئول.
(فمن أقرب إلى الجنة من عاملها!): استفهام على جهة التقرير، وغرضه أن أقرب الناس من الجنة هم العاملون لها الأعمال المبرورة والقربات المتقبلة.
(ومن أقرب إلى النار من عاملها!): أراد أنه لا أقرب إلى النار من أهل العمل لها، بأعمالها من ارتكاب المناهي وفعل المحظورات.
(وأنتم طرداء الموت): جمع طريد وهو: الذي يساق بالعنف والشدة فيذهب كل مذهب.
(إن أقمتم له): على طريقه.
(أخذكم): تناولكم.
(وإن فررتم منه): هربتم من أجله خوفاً منه.
(أدرككم): لحقكم ولم تفوتوه.
(وهو ألزم لكم من ظلكم): لأن الظل لا ينفك عن الإنسان بحال؛ لأنه حاصل على جهة الوجوب عن الشبح.
(الموت معقود بنواصيكم): لا يحل أبداً.
(والدنيا تطوي خلفكم): أراد أن الأيام والليالي تمضي مستمرة كل ما مضى منها لا يعود البتة، فكأن طاوياً يطوي كل ساعة من خلفنا.

(فاحذروا ناراً): إنما نكرها لعظم شأنها، كأنه قال: نار وأي نار، لا يمكن وصفها.
(قعرها بعيد):لا ينال ولا يوقف له على غاية في البعد، منتهاه حيث أراد الله وعلمه.
(وحرها شديد): عظيم بالغ في الشدة كل مبلغ.
(وعذابها جديد):لا يندرس أبداً أو لا يفنى.
(ليس فيها رحمة): لأحد ممن هو كائن فيها.
(ولا تسمع فيها دعوة): لمن يدعو منهم أبداً.
(ولا تفرِّ ج فيها كربة): لا يزول ما هم فيه من الغصص، والكرب اللاحقة بهم والغموم، وقد وصف الله تعالى ماهم فيه من الويل والعذاب فيها على أوجه مختلفة، وضروب متفاوته.
(وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله): من أجل جلاله وعظم سلطانه، واقتحامكم على مناهيه، وتضييعكم لأوامره.
(وأن يحسن ظنكم به): لرحمته الواسعة، وعفوه الكثير.
(فاجمعوا بينهما): لما في ذلك من المصلحة، فالخوف يحمل على الانكفاف عن المعاصي، والرجاء يحمل على الاتكال على رحمة الله وسعة عفوه، وعن عمر: الرجاء والخوف بعيران لا أبالي أيهما ركبت.
(فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه): اعلم أن الرجاء والخوف إنما يكونان في الأمور المنتظرة، فإن كان مما يتألم به القلب فهو الخوف، وإن كان ممن يفرح به القلب فهو الرجاء، وهما كلاهما ينشأن عن المعرفة بجلال الله تعالى ، وتكون سبباً فيهما، فمن عرف الله تعالى كان على قدر حاله في المعرفة يكون خوفه منه ورجاؤه له، وهما من المقامات العظيمة لأولياء الله، وفي الحديث: ((دخل الرسول عليه السلام على رجل وهو في النزع))، فقال: ((كيف تجدك))؟
قال: أجدني أخاف ذنوبي، وأ رجو رحمة ربي.
فقال: ((ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجا ، وآمنه مما يخاف)) .

(وإن أحسن الناس ظناً بالله أشدهم خوفاً لله): لأن المرء إذا اشتد خوفه من الله بعثه ذلك على الاضطرار إلى الله وحسن الرجاء له.
وروت عائشة: ((أنه عليه السلام كان إذا اشتدَّ عصف الريح تغيَّر وجهه فيقوم ويتردد في الحجرة، ويدخل ويخرج، كل ذلك خوف من عذاب الله)) .
(واعلم يا محمد بن أبي بكر، أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي): أحبهم إليَّ وأعظمهم موقعاً عندي، وأقواهم حالة وأشدهم أمراً.
(أهل مصر): فإني قد جعلتك عليهم والياً، واخترتك لمصالحهم أميراً.
(فأنت محقوق أن تخاف على نفسك): أراد إما أنه يحق عليك لله تعالى أن تخاف على نفسك من عذابه، وإما أن يريد أنت جدير وقمين بأن تكون خائفاً منه.
(وأن تنافح على دينك): المنافحة: المخاصمة، والمنافحة أيضاً مثل المكافحة، وغرضه من هذا كله الاجتهاد في الدين، والمنابذة عنه عما يسوؤه ويثلمه في هذه الأعمال والولايات.
(ولو لم يكن لك إلا ساعة واحدة من الدهر): فيه وجوه ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يريد لو لم يكن لك إلا ساعة واحدة لا فتقرت فيها إلى رضوان الله، والخوف من عذابه.
وأما ثانياً: فبأن يكون غرضه لو لم يكن لك إلا ساعة واحدة في الولاية لافتقرت إلى مراعاة أحوالها، وإصلاح حالك فيها.
وأما ثالثاً: فبأن يكون مراده لو لم يكن إلا ساعة واحدة لا فتقرت إلى معاملة الناس، وإصلاح حالك معهم.
(فلا تسخط الله برضى أحد من خلقه): فإن من هذه حاله فهو أخسر الناس صفقة؛ لأنه في غنى عن الخلق بالله، وليس له عن الله غنى.
وأيضاً:
(فإن في الله خلفاً من غيره): عوضاً عنه.
(وليس من الله خلف في غيره): أحد يسد مسده، ويقوم مقامه في الأمور كلها.

(صلِّ الصلاة لوقتها المؤقت لها): المضروب المحدود لها المقدر، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً }[النساء:103]، أي مؤقتاً مقدراً لا زيادة عليه ولا نقصان منه.
(ولا تعجِّل وقتها لفراغ): أراد أنك لا تعجلها في أول وقتها، لأن تفرغ للاشتغال بغيرها، فتكون قد استعجلت بأدائها وتأنَّيت في تأدية غيرها، وهي أحق بالأناة والتؤدة.
(ولا تؤخرها عن وقتها بشغل ): يريد ولا يكون سبب تأخيرها انشغالك بغيرها فتكون قد قدَّمت عليها غيرها اهتماماً به وتركاً لها.
(واعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك):يريد أن جميع الأعمال كلها متوقفة على الصلاة، فإن قبلت فهي مقبولة، وإن ردت فهي أحق بالرد، وفي الحديث: ((خير أعمالكم الصلاة )) ، فإذا كان الأفضل مردوداً فكيف حال الأدنى يكون لا محالة أخلق بالرد.
(فإنه لا سواء، إمام الهدى وإمام الردى): أراد بذلك تهييجاً له إلى فعل الخير، وأنه لا يستوي الحال فيمن يكون داعياً إلى الله تعالى ودليلاً على الخير، ومن يكون داعياً إلى الشر، وعاملاً في الخلق بغير رضاء الله وتقواه.
(وولي النب‍ي وعدو النب‍ي): أراد ومن يكون موالياً للنبي في العمل بمراده، ومن يكون مضاداً مخالفاً لهواه على جهة المعاداة، فهذان لا يستوي حالهما، وبينهما لا محالة بعد متفاوت.
(ولقد قال لي رسول الله [صلى الله عليه وآله] : ((إني لا أخاف على أمت‍ي مؤمناً ولا مشركاً ))): يشير بهذا لمحمد بن أبي بكر، إما على جهة العموم وهو تعريفه بضرر من هذه حاله، وإما على جهة الخصوص وهو تحذيره من حال معاوية؛ لأن من كان حاله على جهة واحدة فعلاجه يكون سهلاً وأمره يكون أيسر.

(((أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه))): عن الإقدام على ما ليس له فعله، ويبعثه إيمانه على فعل كل خير من ذلك.
(((وأما المشرك فيقمعه الله بشركه))): قمعه إذا كفه، وأراد أن الله تعالى يكفه عما يريد وعما يخطر على باله من الأعمال المكروهة، فهذان علاجهما لامحالة أسهل لكونهما على حالة واحدة.
(((ولكن‍ي أخاف عليكم كل منافق الجَنَان))): أراد كل من كان نفاقه في جنانه وهو القلب يظهر الإيمان ويبطن خلافه من الكفر.
(((عالم اللسان))): يصف الإيمان بلسانه ولا يعمل به.
(((يقول ما تعرفون))): من الأمر بالحق والوصف له.
(((ويفعل ما تنكرون))) : من أعمال السوء، فمن هذه حاله فهو لا محالة مخوف على الدين وإفساده.

(28) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية [جواباً] وهو من محاسن الكتب
(أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكر اصطفاء الله محمداً [صلى الله عليه وآله] لدينه): صدَّر معاوية كتابه بذكر اختيار الله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، من أجل إحياء دينه وتقرير معالمه.
(وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه): ومن جملة ما ذكره معاوية أن الله تعالى أيده بأصحاب وأعوان.
(فلقد خبَّأ لنا منك الدهر عجباً): ستره وكتمه ولم يظهره، والعجب: ما يعجب منه.
(إذ طفقت): إذ هذه معمولة لما قبلها وهي معمولة لخبأ، وطفق من أفعال المقاربة طفق يفعل كذا إذا أخذ في فعله.
(تخبرنا ببلاء الله عندنا):البلاء هو: الا ختبار والامتحان.
(ونعمته علينا في نبينا): وتذكر ما منَّ الله به علينا من بعثة هذا النبي فينا وبيننا.
(فكنت في ذلك): أي في كلامك هذا.
(كناقل التمر إلى هجر): هذا مثل يضرب لمن يجلب الشيء إلى موضعه ومكانه ليبيعه فيه، هجر: بلد يذكر ويؤنث .
(وداعي مسدده إلى النضال): وهذا أيضاً مثل لمن يعلم غيره صنعة من الصناعات، أو أدباً من الآداب، فلما تمَّ تعليمه له طفق يباريه في ذلك ويعترض عليه، والمسدد هو: المعلم لتسديد السهم نحو الغرض، والنضال هو: المناضلة، وهي: الرمي على خطر وسبق، وعن هذا قال بعضهم:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما شد ساعده رماني
(وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام): أعلاهم درجة، وأكثرهم عند الله ثواباً وأرفعهم عند الله مكانة ومنزلة.
(فلان وفلان): يريد معاوية أبابكر وعمر، ولكن أمير المؤمنين كنى عنهم بهذه الكناية.
(فذكرت أمراً): ليس لك ذكره، ولا أنت أهلاً لأن تكون خائضاً فيه لأمور ثلاثة:

أما أولاً: فلأن درجات الفضل بين الفضلاء إنما تكون بعلم من جهة الله ومن جهة ر سوله؛ لأن ذلك كله بالإضافة إلى كثرة الثواب وزيادته، وهذا أمر غيبي لا يطلع عليه إلا الله أو من أطلعه عليه.
وأما ثانياً: فلأن الخوض في درجات الفضل بين الفضلاء إنما يكون من جهة من يكون في مراتبهم، وعارفاً لمقاديرهم، وأنت خارج عن هذا.
وأما ثالثاً: فلأن هذا أمر:
(إن تمَّ اعتزلك كله): أي لم تكن منه في ورد ولا صدر، ولا له تعلق بك بحال.
(وإن نقص لم يلحقك ثلمه): أراد وإن لم يتم فلا يلحقك فيه نقص لا نفصالك عنه.
(وما أنت والفاضل والمفضول): أي وما أنت وذكر من هو فاضل وذكر من هو مفضول.
(والسائس والمسوس!): أراد وذكر من هو حسن السياسة للأمة ممن ليس حاله كذلك، لأن كتاب معاوية فيه ذكر ذلك.
(وما للطلقاء): يريد أبا سفيان بن حرب.
(وأبناء الطلقاء): يريد معاوية؛ لأنهما أطلقا يوم الفتح عن الأسر والقتل والاسترقاق.
(والتمييز بين المهاجرين الأولين): في المهاجرة مع الرسول، والمتقدمين فيها.
(وترتيب درجاتهم): وأن هذا أفضل من ذاك، وأن ذاك أفضل من هذا كما فعلت.
(وتعريف طبقاتهم!): في العلو والرفعة.
(هيهات): بَعُدَ ما قاله عن الصحة.
(لقد حنَّ قدح ليس منها ):الضمير في منها للقداح التي يستقسم بها، وحنَّ أي ظهر له صوت يخالف أصواتها، فلما كان الأمر كذلك عرف المفيض بها والمجلجل لقداحها أنه خارج عنها وليس من جملتها.
(وطفق يحكم فيها): الضمير في فيها إما لهذه القضية، وإما للطبقات لما تقدم ذكرها، وأراد يحكم فيها بالفضل لبعضهم على البعض.

(من عليه الحكم لها!): الذي كانوا أحق بالحكم عليه في ذلك، والمعنى في هذا هو أن معاوية لم يكن أهلاً لما ذكر من التمييز بين من ذكر حاله، وأنهم كانوا هم الأهل لأن يميزوا بينه وبين غيره.
(ألا تَرْبعُ أيها الإنسان على ظلعك): هذا مثل يضرب لمن يقدم على أمر لا يطيقه، ومعناه ارفق بنفسك، ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق.
(وتعرف قصور ذرعك): القصور هو: العجز عن تحمل الشيء والنهوض به، وأراد أن ذرعه قاصر عما يحمله من هذه الأعباء ، يقال: ضقت بالأمر ذرعاً إذا لم يطقه، وقال آخر يصف ذئباً:
وإن بات وحشاً ليلة لم يضق بها
ذراعاً ولم يصبح لها وهو خاشع
(وتتأخر حيث أخرك القدر!): أراد حيث وضعك الله تعالى، ولاتكن متطلعاً إلى مراتب الأفاضل ممن هو فوقك في الدين والفضل وعلو الرتبة.
(فما عليك غلبة المغلوب): أراد أن كل من كان مغلوباً مقهوراً بفضل غيره فما يلحقك نقصه، ولا ينالك ما لحقه منه.
(ولا لك ظفر الظافر): وأن كل من ظفر بالفضل وعلابه فما ينالك منه فائدة ولا تحصل لك منفعة، وإن هذا الكلام مع اشتماله على الحق الواضح ففيه غاية الإنصاف لمن كان له قلب.
(وإنك لذهاب في التيه): تاه إذا تحيّر، وأراد أنك لذاهب في أودية الحيرة.
(رواغ عن القصد): الروغان هو: الميل، والقصد هو: الطريق، وغرضه أنه مائل عن مسالك الحق في كل أحواله.
(ألا ترى): إلى ما أقول لك وأحدثك به.
(غير مخبر لك): أراد إما أني أذكره لك ليس على جهة الإخبار لأنك عارف به فلا فائدة في إخبارك به، وإما أن يريد غير مخبر لك على جهة الافتخار.

142 / 194
ع
En
A+
A-