(وقادم على ما قدّم): قدم من سفره فهو قادم، وأراد أنه واصل إلى ما كان سبق منه من هذه الأعمال محمودها ومكروهها، وقوله: قادم على ما قدَّم، من باب الاشتقاق، وهو غرر في كلامه، وأوضاح في قلائد نظامه.
(22) ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس رضي الله عنه
وكان ابن عباس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بهذا الكلام:
(أما بعد، فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته): يريد أن الإنسان يسترُّ ويلحقه فرح وَجَذَل لإ دراك ما قدَّر الله له حصوله ووقوعه، وما ليس فائتاً عنه بحال.
(ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه): أي ويلحقه ألم وغم بفوت ما لم يقدِّر الله له إدراكه وتحصيله، وما ذاك إلا بقلة الثقة بالله، ومن أجل ذلك لحقه السرور، بما ضمنه الله تعالى وقدَّره من الأرزاق والأقوات، وكثرة الهلع في الدنيا، ولهذا لحقه الغم بفوات ما لم يقدر الله له نيله، ولا قسم شيئاً من حصوله.
(فليكن سرورك بما نلت من آخرتك): أراد فالسرور الحقيقي إنما يكون بإحراز الآخرة وأعمالها.
(وليكن أسفك على ما فاتك منها): الأسف: أشد الحزن، وأراد وليكن غمك على ما فاتك من أعمال الآخرة، فالسرور والغم إنما يكونان على الحقيقة فيما ذكرته من أعمال الآخرة، لا على ما كان منهما فيما ذكره أولاً مما ضمن وجوده للإنسان أو منع وجوده منه.
(وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً):لأنه على شرف الانقطاع والزوال، وما هذا حاله فلا يليق بعاقل الفرح به والسرور.
(وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعاً): التأسي: التعزي، وتآسوا أي آسى بعضهم بعضاً، والأسى: الحزن، وأراد ها هنا وما فاتك من الدنيا فلا تحزن عليه جزعاً أي جازعاً، وانتصابه على المصدرية في موضع الحال.
(وليكن همُّك فيما بعد الموت): أراد وما الهمُّ حقيقة إلا لما كان بعد الموت من الأهوال العظيمة والطامات.
ولله در ابن عباس أي أسد فرَّاس، لقد أنافت فراسته على فراسة إياس ، حيث أحاط بأسرار هذا الكلام ونهايته، واستولى على البغية من إحراز مقاصده وغايته، ولهذا قال فيه ما قال.
(23) ومن كلام له عليه السلام قبل موته على جهة الوصية
الوصايا: جارية مجرى الكتب، ولهذا أوردت الوصايا ها هنا من أجل ذلك.
(وصيتي لكم ألاّ تشركوا بالله شيئاً): في عبادته ولا تتخذوا إلهاً غيره، وانتصاب قوله: شيئاً على المصدرية أي لا تشركوا به إشراكاً.
سؤال؛ إذا كان نصبه على المصدرية، فأراه عدل عن لفظ الفعل وهو مشتق منه، ولِمَ لم يقل: ولا تشركوا به إشراكاً؟
وجوابه؛ أنه إنما عدل عنه إلى غير لفظه ليكون مندرجاً تحته غيره فيكون عاماً في النهي عن الإشراك نفسه وعن المشرك به، فيكون النهي متناولاً لهما جميعاً، وهذا كثير الورود في كتا ب الله تعالى كقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً }[الإسراء:74].
(ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا تضيعوا سنته): أراد والوصية بمحمد هو ألاَّ تهملوا ما سنّ لكم من معالم الهدى، وطرق الصلاح.
(أقيموا هذين العمودين ): يريد التوحيد والسنة؛ لأنه لم يسبق الذكر إلا فيهما، وقيل: أراد القرآن والعترة ، وليس شيئاً لأنه لم يجرلهما ذكر، ولا حاجة إلى التعسف.
(وخلاكم ذم): أراد زال عنكم الذم وبرئتم عنه،يقال: افعل هذا وخلاك ذم أي سقط عنك وأعذرت.
(أنا بالأمس صاحبكم):إمامكم والمتولي لأموركم والقائم بها.
(واليوم عبرة لكم): أراد موعظة تتعظون بها؛ لقرب أجلي وانقطاع مدتي.
(وغداً مفارقكم): بالموت وهو أبلغ ما يكون من الانقطاع.
(إن أبقَ): من جرحي هذا ويكون في أجلي بقية.
(فأنا ولي دمي): أفعل فيه ما أشاء من عفو أو غيره .
(وإن أَفنَ): أموت وينقطع أجلي.
(فالفناء ميعادي): أراد فالموت لا بد منه، وهو ميعاد لا خلف فيه ولا كذب.
(فإن أعف): عما أصابني وأدخره عند الله.
(فالعفو لي قربة): قد ندب الله إليها وحث على فعلها، وهو من أجل القرب وأعظمها عند الله تعالى، وفي الحديث: ((ينادي مناد يوم القيامة: يقوم من له أجر على الله، فيقوم العافون عن الناس)) .
(وهو لكم حسنة): تؤجرون عليها من عند الله.
(فاعفوا): يحتمل أن يكون عاماً أي اعفوا عن كل مذنب وتجاوزوا عن ذنبه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما هو فيه وهو أمر لهم بالعفو إذا صار مستحقاً لهم بموته، ثم تلا هذه الآية: ({أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ })[النور:22]: أراد بسبب العفو.
ونزولها في مسطح بن أثاثة وامتناع أبي بكر عن الانفاق عليه لأجل مقالته في الإفك، فقال تعالى : {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ }[النور:22]، ثم قال: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ }[النور:22] فعاد أبو بكر عليه بالإنفاق .
سؤال؛ أراه قال: العفو قربة لي، وهو لكم حسنة، ففرق بين حاله وحالهم بالإضافة إلى العفو، فهل له وجه في ذلك؟
وجوابه؛ هو أن القربة إنما تكون بفعل الإنسان خاصة ليصح أن يقصد بها وجه الله تعالى، وأما الحسنة فقد تكون جزاء على فعله، وقد تكون الحسنة تفضلاً من جهة الله تعالى كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }[الأنعام:160] والذي بالاستحقاق ليس إلا جزء واحد، وما عداه فضل، فلهذا سمى أمير المؤمنين العفو من جهته قربة لما كان الألم واصلاً إليه، وسمى عفوهم حسنة لما كان المستحق على الألم واصلاً إليهم من جهة الشرع إشارة إلى هذه التفرقة.
(والله ما فجأني من الموت وارد كرهته): فجئه الأمر فجأه فُجَاءة بكسر العين وفتحها، وغرضه هو الوارد الذي يأتي من غير شعور به، والمعنى فيه ما ورد عليَّ الموت وأنا أكرهه.
(ولا طالع أنكرته): الطالع هو: الذي يأتي القوم ويطلع عليهم، وفي الحديث: ((لا يهيدنكم الطالع المصعد )) وهو الفجر الكاذب، أي لا يمنعكم عن السحور، وأراد ولا جاءني الموت وأنا منكر له .
(وما كنت): بالإضافة إلى حالة الموت.
(إلا كقارب ورد): القارب هو: الذي لم يبق بينه وبين الماء إلا ليلة واحدة، وقيل: هو الذي يطلب الماء ليلاً دون من يطلبه نهاراً، وأراد ما أنا فيه إلا كطالب الماء ورده، ووجد بغيته.
(وطالب): لما يطلبه من الأمور.
(وجد): مطلوبه، وغرضه من هذا كله تشوقه إليه ومحبته للقائه، ثم تلا هذه الآية: ({وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ })[آل عمران:198]: يشير إلى أن ما عند الله خيرمما في الدنيا بأسرها، ولقد طابق بهذه الآية المجر، وأصاب بها المفصل.
(24) ومن وصية له عليه السلام بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين
(هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين): اعلم أن هذا اللقب أعني لقب أمير المؤمنين لا يصدق على أحد كصدقه عليه، لما خصه الله به من الفضائل الباهرة، وإحراز صفات الإمامة على أكمل حد، ولهذا فإن الرسول عليه السلام أمر الصحابة رضي الله عنهم بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين ، وما ذاك إلا لاستحقاقه لها وخلافته بها.
(في ماله): فيما يملك التصرف فيه من الأموال كلها.
(ابتغاء وجه الله): أي من أجل التقرب إلى الله وطلب ما عنده من مذخور الأجر ومزيد الثواب.
(ليولجني الله به الجنة): أي يدخلني فيها من أولجه في كذا إذا أدخله فيه.
(ويعطيني به الأمنية ): الأمنية: أفعولة من قولهم: تمنى كذا إذا أراد وصوله إليها، وغرضه أن يعطيه الله تعالى ما تمناه من رضاه، وإحراز ثوابه وأجره.
ويحكى أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وقف عامة أمواله بينبع وغيرها، وقال: (ليولجه الله الجنة، ويصرف وجهه عن النار في سبيل الله وذوي الرحم القريب والبعيد) .
وعن فاطمة عليها السلام أنها وقفت مالها على نساء رسول الله، وعلى فقراء بني هاشم وبني المطلب .
وعن عمر أنه وقف ماله للسائل والمحروم ولذوي القربى والضيف وفي سبيل الله وابن السبيل .
(وإنه يقوم بذلك الحسن بن علي): يصرفه في وجهه ويقوم على عمارته.
(يأكل منه بالمعروف): من غير إسراف ولا تقتير.
(وينفق منه بالمعروف): من غير تبذير ولا منع لحق فيه.
(فإن حدث بحسن حدث): هجم عليه الموت، وانقطع عن الدنيا.
(وحسين حي، قام بالأمر بعده): في هذه الوقوفات.
(وأصدر مصدره): فعل ما كان أخوه يفعل لو كان حياً، يقال: فلان يصدر الأمور في مصادرها إذا كان يأتي بها على أوجهها .
(وإن لابني فاطمة): يعني الحسن والحسبن.
(من صدقة علي): يريد هذه الوقوف التي جعلهاصدقة لوجه الله تعالى.
(مثل الذي لبني علي):أراد أن يكون لهما على انفرادهما من هذه الصدقة مثل الذي يستحقه الكل من أولاده، وعلى هذه تكون أصولها موقوفة وغلتها تقسم نصفين، فنصف يكون للحسنين، ونصف يكون مقسوماً على كل أولاده على الرؤوس بعد ذلك.
(و إنما جعلت القيام بذلك [إلى ابني فاطمة] ): حفظه وصرفه في مصرفه، والتولي لأحواله، وأعطيتهماأيضاً هذا القسم الذي ذكرت.
(ابتغاء وجه الله):طلباً لثوابه.
(وقربة إلى رسول الله [صلى الله عليه وآله] ): وصلة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث كانا ولديه ابني بنته، وفي الحديث: ((لكل نبي ذرية، وذريتي من صلبك يا علي )) .
(وتكريماً لحرمته): أراد إما تكريماً لبنته حيث كانت تحتي، وإما أن يريد تكريماً لما جعل الله له من الحرمة والجلالة والأبهة بالنبوة.
(وتشريفاً لوصلته): وإكراماً للوصلة التي بيني وبينه بالنسب القريب الملاصق، وبما كان من المصاهرة.
(وأشترط علي الذي جعلته إليه ): بتولي إنفاقه وإخراجه وهو الحسن بن علي وبعده الحسين كما ذكره.
(أن يترك المال على أصوله): من غير تفريط في بيع شيء منه أوإعطاء بعضه مزارعة أو مغارسة أو مساقاة أو غير ذلك من عقودالمعاوضة الموجبة لا نتقال أصله عن كونه موقوفاً.
(وينفق من ثمره حيث أمر به): يصرفها في مصارفها ولا سبيل له إلى الأصل بحالة من الحالات.
(فهذا له): الإشارة بقوله: هذا إلى النفقة التي ذكر، وصرفه في المصارف التي عينها.
(وألاَّ يبيع من نخيل هذه القرى وديَّة): الوديَّة هي: الواحدة من صغار النخل، وجمعها ودي من باب ثمرة وثمر، وأراد أنه لا يباع من ثمر نخيل هذه القرى؛ لأن الأراضي كلها موقوفة، فلا بد من حمله على ما ذكرناه كيما يصح ويستقيم.
(حتى تُشْكِلَ أرضها غراساً): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد به أن الأرض يكثر فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها.
وثانيهما: أن يكون غرضه حتى تطيب، قال الكسائي: يقال: أشكل النخل إذا طاب رطبه وأدرك، وغرضه أنه لا يباع حتى يكون يانعاً طيباً.
(ومن كان من إمائي اللاتي أطوف عليهن): كنى بالطواف ها هنا عن الوطئ وهو من غريب الكناية وبديعها، كما كنى الله تعالى عن ذلك بالملامسة حيث قال: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ }[النساء:43].
(لها ولد أوهي حامل): قد بان أثر حملها.
واعلم: أن الذي عليه أكابر أهل البيت وجماهيرالعلماء أن من استولد جارية فولدت ولداً تاماً أو ما يظهر فيه أثر الخلقة فإنها تعتق بموته، ولا يجوز بيعها قبل الموت، وهذا هو رأي أمير المؤمنين أولاً ورأي جلة الصحابة، ثم حكي عنه بعد ذلك جواز بيعها في حال حياة السيد وهو رأي بعض ولده، وقول قديم للشافعي، فهذا هو المذكور عن العلماء في الخلاف فيها، وظاهر كلامه ها هنا يخالف هذه الأقاويل؛ لأنه قال: إن كان لها ولد أوهي حامل ثم مات السيد عنها.
(فتمسك على ولدها وهي حظه ): فظاهر هذا يقضي بأنها تمسك عن البيع ويأخذها من حظه من ميراث أبيه.
(فإن مات ولدها وهي حية): أراد تأخر موتها عن موت ابنها.
(فهي عتيقة): لا سبيل لأحد إلى ملكها.
(فقد أفرج عنها الرق): زال وذهب بموته، من قولهم: فرجت عنه كربة إذا أزلتها عنه.
(وحررها العتق): قضى بحريتها العتق، وظاهر هذه المقالة يخالف آراء العلماء من أهل البيت، وغيرهم من أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأنه جوز بيعها في حال حياة سيدها.
وأما ثانياً: فلأنه قال: تمسك على ولدها بعد موت سيدها، وهي حظه من الميراث.
وأما ثالثاً: فلأنه قال: إذا مات ولدها فهي حرة، وظاهر كلامه أنه إذا لم يمت فهي باقية تحت الرق، وهو أمة وحده، لا يقول إلا عن دلالة، ولا يحكم إلا عن بصيرة، وهو رأس المجتهدين وإمامهم.