وثانيهما: أن يريد ما كان من معاوية من ادّعاء زياد أخاً له، فقوله: ولا الصريح كاللصيق، محتمل لما ذكرناه من هذين الوجهين، وسنذكر ما يدل على احتمال الوجهين في كلام لأمير المؤمنين كرم الله وجهه بعد هذا، كلَّم به معاوية وزياد بن أبيه، وليس هذا موضع ذكره.
(ولا المحق كالمبطل): أراد ولا من كان مستقيماً على الحق داعياً إليه؛ مثل من هو مكبٌّ على الباطل لا ينفك منه، يشير إلى نفسه ومعاوية.
(ولا المؤمن كالمُدْغِل): ولا من هو مصدِّق بالله تعالى كمن هو مُدْغِلُ في الدين، مُدْخِلٌ فيه ما يفسده ويبطله.
(ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً ): السلف: المتقدم، والخلف: الذين يتلونهم، وأراد بذلك بني أمية فإنه ما منهم إلا كافر مشرك عابد وثن، أو فاسق خارج عن الدين مارق.
(وفي أيدينا بعد): ما ذكرته، وأشرت إليه من الرئاسة والفخر بمن ذكرت من الآباء.
(فضل النبوة): التي تفضَّل الله بها على الخلق، وجعلها مصلحة لهم، أو يريد شرف النبوة التي جعلها الله شرفاً لنا على الخلق، وأعطانا بها فخراً وعلواً لم يسبق إليه أحد.
(الت‍ي أذللنا بها العزيز): أنزلنا بها مراتب الأعزة ممن خالفها، كما كان من الأعزة من قريش آبائك وغيرهم من أفناء الناس.
(ونعشنا بها الذليل): رفعنا منزلة من وافقها، وامتثل أمرها، وإن كان ذليلاً في نفسه لا شرف له، مثل ما كان من الضعفاء نحو صهيب وبلال وسلمان، وغيرهم من فقراء الصحابة ومساكينها، فإن الله تعالى أركس أبا لهب وغيره كالوليد والنضر بن الحرث لما ضادوها وخالفوها بالمكابرة، مع شرفهم وعلو مراتبهم عند قومهم، وأعزَّ بها هؤلاء مع ضعف حالهم ومسكنتهم.
(ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجاً): أي فريقاً بعد فريق.

(وأسلمت له): الضمير إما لله تعالى، وإما للرسول.
(هذه الأمة طوعاً وكرهاً): بالاختيار من جهة أنفسهم، وهداية الله لهم إلى ذلك، أو بالكراهة خوفاً من السيف، كما كان من أقوام كثيرين.
(كنتم): يريد بني أمية.
(ممن دخل في الدين إما رغبة): بالاختيار من جهة أنفسكم طمعاً في التألف.
(وإما رهبة): حذراً من السيف كما كان من أبي سفيان يوم الفتح.
(على حين فاز أهل السبق بسبقهم): يريد بعدما تقدم إسلام [من أسلم من] المهاجرين والأنصار، وحازوا الفضل بأسره، وأحرزوا الخير بحذافيره.
(وذهب المهاجرون والأنصار بفضلهم ): بتقدمهم في الإسلام، كما قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}[الحديد:10].
وأقول: إن معاوية كان غنياً عن هذا الافتخار على أمير المؤمنين، وما كان له غنى عن تعريف حاله وإعلامه بفخره من أين كان، وعلى أي وجه هو!
ويحكى أن معاوية يوماً افتخر والحسن بن علي عنده بقوله: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أغزرها جوداً، وأكرمها جدوداً، أنا ابن من ساد قريشاً فضلاً ناشئاً وكهلاً.
فقال الحسن: أعليَّ تفتخر يا معاوية، أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى ، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالفضل السابق، والجود الرائق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، هل لك أب كأبي تباهيني به، وقدم كقدمي تساميني به، قل: نعم أو لا!، قال معاوية: بل أقول: لا، وهي تصديق لك، فأقرَّ له معاوية، ثم تَمَثَّل الحسن بن علي عليهما السلام:

الحق أبلج ما تخيل سبيله ... والحق يعرفه ذوو الألباب
(فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا): بانقيادك له واتباعك لطريقه.
(ولا على نفسك سبيلاً): السبيل: الطريق، قال الله تعالى: {يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً }[الفرقان:27] وهو مما يذكر ويؤنث، وأراد لا تجعل للشيطان عليك طريقاً، يسلكها في نفسك فيغويها ويضلها.

(18) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى ابن عباس وهو عامله على البصرة
(اعلم أن البصرة مهبط إبليس): الْمَهْبِطُ بالكسر: موضع الهبوط، كما أن المنزل موضع النزول، والْمَهْبَطُ بالفتح هو: الهبوط، ومنه مهبَط جبريل وهو: نزوله، وغرضه أنها لكثرة نحوسها وشرورها كأنها منزل له، ومكان يستقر فيه.
(ومغرس الفتن): حيث تكون ناشئة عنها ومتفرعة منها.
(فجاذب أهلها بالإحسان إليهم): في جاذب روايتان:
أحدهما: بالجيم والباء بنقطة، ومعناه أجذبهم إليك بالمعروف وإسداء الإحسان، وعاملهم بالعطاء كيما تنجذب قلوبهم إليك.
وثانيهما: بالحاء المهملة، والثاء بثلاث، وأراد فاكههم بالأحاديث الحسنة بما يكون فيه تقرير لخواطرهم، وتسكين لأنفسهم.
(واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم): أسلس لهم القياد بالملاطفة ولين العريكة، وسهولة النفس.
(وقد بلغن‍ي تَنَمُّرك لبن‍ي تميم): تنمَّر إذا تغيَّر وتنكَّر له؛ لأن النمر لا تلقاه أبداً إلا وهو غضبان متنكراً، قال عمرو بن معدي كرب:
قوم إذا لبسوا الحديد
... تنمَّروا حَلَقاً وقدّا
أي تشبهوا بأخلاق النمر.
(وغلظتك عليهم): في أخلاقك ومعاملتك.
(وإن بن‍ي تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع آخر ): فيه معنيان:
أحدهما: أن يريد أن رجلاً منهم لايموت ممن يكون مخلصاً في مودتنا، وداعياً إلى محبتنا، إلا ويبدلنا الله به غيره ممن يكون أدخل في ذلك وأصدق موالاة.
وثانيهما: أن يكون مراده أنه لا تمضي منهم مكرمة في حقنا إلا ويجددونها بأخرى، وإنما أظهر اسمهم في موضع الإضمارمبالغة في ذكرهم، وهم بطن من بطون نزار.

(وإنهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام): الوغم: الحقد، والوغم بالغين المنقوطة: الغيظ، وأراد أنهم لم تكن لهم سابقة سوء قبل النبوة ولا بعدها.
(وإن لهم بنا رحماً ماسة): أي قرابة قريبة، وتلك القرابة من جهة الأجداد البعيدة، وذلك أن النضر بن كنانة هو قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، وكانت أم النضر هي أخت لتميم بن مر ، وتميم خاله، ولهذا قال جرير بن عطية أحد بني تميم يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان:
فما الأم التي ولدت قريشاً
بمقرفة النجار ولا عقيم
وما قَرْم بأنجب من أبيكم
ولا خال بأكرم من تميم
(وقرابة خاصة): مختصة بنا من الوجه الذي ذكرناه.
سؤال؛ كيف قال: رحماً ماسة، وقرابة خاصة، وأكَّد ذلك، وبينهم هذه الآباء الكثيرة، والقرون المتباعدة؟
وجوابه؛ هو أن الأخلاق الشريفة والشيم الكريمة قاضية بهذا، وهو رعاية حق الرحم، وإن كانت الوشيجة متباعدة، وعن هذا قيل: المعارف في أهل النُّهَى ذِمَمُ.
ويحكى عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه أنه قال: ((إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها، فإن لهم ذمة ورحماً)) .
وفي حديث آخر: ((الله الله في أهل المدرة السوداء، السحم الجعاد، فإن لي فيهم نسباً وصهراً)) .
فأما النسب فإن أم إسماعيل كانت منهم، وأما الصهر فإن مارية أم إبراهيم التي أهداها له المقوقس، كانت منهم أيضاً، فانظر كيف لاحظ هذا النسب على بُعْدِه، وهذه الصهارة على تباينها وانقطاعها، مواظبةً على أخلاق النبوة، واستمراراً على شرف الرسالة.
(نحن مأجورون على صلتها): نرجو الأجر من جهة الله تعالى على وصلها بالمعروف والخير.
(ومأزورون على قطيعتها): الوزر: الإثم، وأراد أنَّا آثمون عند قطعها.

(فَارْبَعْ أبا العباس): أي ارفق بنفسك وحالك، وكف عمَّا أنت فاعل له.
(رحمك الله): ملاطفة له بالدعاء والكنية، وتمجيد له ورفع لمنزلته، وتحريك لعزيمته في المواظبة على الخصال الشريفة، والأفعال المحمودة، وتعريض بالقول اللطيف في ذلك.
(فيما جرى على يدك): من قطع الإحسان، ومنع المعروف منهم.
(ولسانك): من بذل الإنصاف واستعمال المداراة والإتحاف.
(من خير): أي من منع الخير منك.
(وشر): أي ومن إيصال شر.
(فإنَّا شريكان في ذلك): الضمير في قوله: فإنَّا يصلح للواحد العظيم، وللاثنين والجماعة، وأراد ها هنا فإني وإياك شريكان في ثواب ما فعلته من خير، أو في إثم ما فعلته من شر، فيقسم لك من الثواب بقدر ما فعلته، وأردت فيه وجه الله تعالى، ويقسم لي من الثواب مثله؛ لأنك تُصْدِرُ عن رأيي وتقوم مقامي، وهكذا الحال في الإثم والمعصية، فإن الإمام هو سلطان الله في أرضه، وظله الممدود فيها، والولاة والعمال أعوان له.
(وكن عند صالح ظن‍ي بك): أي لا أظن صلاحاً إلا وأنت فاعله.
(ولا يفيلن رأيي فيك): أي ولا يضعفنَّ ما حدسته فيك من أعمال الصلاح.

(19) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى بعض عماله
(أما بعد، فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك): الدهقان: واحد الدهاقين، وهو فارسي معرب فيحتمل أن تكون نونه أصلية أو زائدة، وأراد بذلك التجَّار من اليهود والنصارى ممن يكون معك، وفي بلد ولايتك.
(غلظة): فظاظة في الطبع.
(وقسوة): شكساً في الخلائق .
(واحتقاراً): لأحوالهم، واستصغاراً لمقاديرهم.
(وجفوة): إعراضاً عن إنصافهم وإيحاراً لصدورهم.
(ونظرت ): تفكرت في الأمر في صنعك معهم، ونفار طباعهم عنه.
(فلم أرهم أهلاً لأن يُدْنَوْا): يستأهلون الإدناء والتقريب، ولين العريكة والإنصاف.
(لشركهم): من أجل كونهم كفاراً بالنبوة مشركين مع الله غيره، حيث قال تعالى حاكياً عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ }[التوبة:30].
(ولا أن يُقْصَوْا ): يُبْعَدُوا.
(وَيُجْفَوْا): يُفْعَلُ بهم أفعال الجفاء.
(لعهدهم): أي من أجل ما صنع الرسول معهم من المصالحة على الجزية والذمة من جهته لهم.
(فالبس لهم جلباباً): الجلباب: نوع من أنواع الثياب، وهو استعارة ها هنا.
(من اللين): إسلاس الطبيعة وتهوينها.
(تشوبه بطرف من الخشونة ): تخلطه بطرف من الشدة لهم في حالك.
(وداول لهم بين القسوة والرأفة): أراد استعملهم مرة ببسط الخلق ولينه، ومرة بقبضه وانزوائه، ومنه المداولة، وهي: المناوبة، والأيام دول أي مرة لهؤلاء ومرة لأولئك.
(وامزج لهم بين التقريب والإدناء): أي اخلط لهم في الأفعال والمعالجة بين ما يكون منها تقريباً لهم، وبين ما يكون منها تبعيداً.

(والإبعاد والإقصاء): وبين ما يكون فيه إبعاد وإقصاء وبين ما لايكون كذلك؛ فإن الأمور إذا فعلت على هذه الحالة كانت أقرب إلى الاعتدال والتوسط بين خطتي التفريط والإفراط، وأميل إلى جانب الرفق، كما قال عليه السلام: ((عليك بالرفق يا عائشة، فإنه ما نزع من شيء إلا شانه، ولا وضع في شيء إلا زانه)) .

(20) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى زياد بن أبيه
وهو خليفة عامله عبد الله بن العباس على البصرة، وعبد الله عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها وعلى كُوَر الأهواز ، وفارس، وكِرْمَان :
(وإني لأقسم بالله قسماً صادقاً): انتصاب قسماً على المصدرية المؤكدة للفعل، كقولك: ضربت ضرباً.
(لئن بلغن‍ي أنك خنت في فيء المسلمين): وهو ما أفاءه الله عليهم من هذه الغنائم، أو أراد من هذه الأموال التي تحت يدك والخراجات، فإنها كلها فيء من عند الله تعالى.
(شيئاً صغيراً أو كبيراً): شيئاً مما يصغر أمره، أو يكبر خطره وحاله.
(لأشدنّ عليك شَدةً): أثب عليك وثبة، أو أراد أحمل عليك حملة، كما قال:
سائل فوارس يربوع بشدتنا
أي بحملتنا عليهم.
(تدعك قليل الوفر): تتركك قليل المال.
(ثقيل الظهر): بتحمل الأوزار والمآثم.
(ضئيل الأمر ): ضعيف الأمر في كل حالة من الحالات؛ حتى لا أمر منك إلا وهو في غاية الضعف والهوان.
سؤال؛ إذا كان عاملاً لعبد الله بن العباس وخليفة له في عمالاته، فأمره في الجباية والاستقامة إليه، والعهدة في ذلك على من استخلفه، فكيف كالمه أمير المؤمنين هذه المكالمة، وأوعده بهذه الوعيدات العظيمة؟
وجوابه؛ هو أن الأمر وإن كان كما ذكرت، لكن يد أمير المؤمنين قاهرة على كل الأيدي، وهي مستولية عليها فهو يراقبهم بالأعين الكالية، ويحرسهم بالألحاظ الساهرة، سواء كان عاملاً له أو عامل عامله، وما فعل ذلك مع زياد بن أبيه إلا لعلمه بتهوره في أخذ لأموال وتساهله في حقها، فلأجل هذا أخشن له القول ليعرف ما عنده من ذلك وليكن في تصرفه على وَجَلٍ وحذر، لئلا يقع فيما أوعده به من هذه الوعيدات.

(21) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى زياد بن أبيه أيضاً
(فدع الإسراف مقتصداً): الإسراف: هو إنفاق الأموال في غير وجهها وعلى غير مستحقها، وهو نقيض التقتير، وهو: منعها عن أهلها، وحجرها عن مصرفها، وأراد فاترك إنفاق الأموال في غير وجهها، وكن مقتصداً في أمور ك كلها، أو في إنفاقها على وجهها.
(واذكر في اليوم غداً): أراد واذكر اليوم ما تستقبله من الشدائد والأهوال في الغد، أو يكون معناه واذكر في اليوم يوم القيامة، وما يكون فيه من المحاسبة على القليل والكثير.
(وأمسك من المال بقدر ضروراتك ): بقدر ما يضطرك الحال إلى إمساكه، من غير أن يكون هناك ادخار له وكنز.
(وقدِّم الفضل ليوم حاجتك): أراد وقدِّم ما يفضل منه بالصدقة، وإنفاقه في سبيل الله، وابتغاء ثوابه.
(أترجو أن يؤتيك الله أجر المتواضعين): بإعطاء الأموال وإنفاقها، وترك التلذذ بها مع وجدانها.
(وأنت عنده من المتكبرين!): المتفاخرين بجمع الأموال، والمتباهين بكثرتها وجمعها.
(وتطمع وأنت متمرغ في النعيم ): كنى بالتمرغ عن استعمال اللذات والترفه فيها، والتمرغ هو: التمعك في التراب.
(تمنعه الضعيف والأرملة): أراد أن ذلك التنعم ما كان سببه إلا من أجل منع الضعيف والأرملة حقهما مما قسم الله لهما من هذه الأموال، والأرملة التي لا زوج لها، والضعيف هو: الذي يضعف حاله عن التكسب، فتطمع وأنت على هذه الحالة.
(أن يوجب الله لك ثواب المتصدقين): وأنت مانع لهذه الأموال مدخر لها.
(وإنما المرء مجزي بما أسلف): أراد ليس الأمر كما تحسبه مما أنت فيه، وإنما الجزاء يكون على قدر ما سلف من الأعمال، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

139 / 194
ع
En
A+
A-