(13) ومن كتاب له إلى أميرين من أمراء جيشه
(وقد أمَّرت عليكما): أي جعلت عليكما أميراً يكون أمركما موكولاً إليه، ورأيكما مفوضاً إلى رأيه، لا أمر لكما معه.
(وعلى من في حيزكما): خطتكما وناحيتكما.
(مالك بن الحارث الأشتر): الشتر: انقلاب في جفن العين، ورجل أشتر إذا كان بهذه الصفة، والأشتران: مالك، وابنه، وكان أميراً من أمرائه، وهو عنده بمكان عظيم، ومنزلة رفيعة وسيأتي ذكره.
(فاسمعا له وأطيعا): فيما أمركما به ونهاكما عنه من غير مخالفة.
(واجعلاه درعاً): تتحصنان به عن كل مكروه.
(وَمَجِنَّاً): المجن: الترس، أي واجعلاه سترة بينكما وبين الأمور العظائم.
(فإنه ممن لا يخاف وَهْنُه): ضعفه عمَّا إليه القيام به وعمَّا له تولّيه، والوَهْنُ: الضعف، قال تعالى: {إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي }[مريم:4].
(ولا سقطته): عثاره وزلله في أمره وحاله.
(ولا بُطْؤُه عمَّا الإسراع إليه أحزم): أي ولا يخشى منه التواني والتثاقل عما يكون الإسراع فيه أخذاً بالحزم وأبعد عن التساهل.
(ولا إسراعه عمَّا البُطء عنه أمثل): أي ولا يخشى إسراعه في أمر من الأمور يكون التثاقل فيه والتأني أحسن وأجود، يشير بما ذكره إلى عظم الخبرة، وكثرة الحنكة، وثبات الرأي والحزم.
(14) ومن وصية له عليه السلام لعسكره بصفين
(لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم): بالقتال ليتحقق فيهم أمر البغي، فإن ذلك يكون سبباً للاستظهار لكم والنصر من عند الله.
(فإنكم بحمد الله على حجة): بينة ظاهرة في قتالهم بما أتوه من المنكر، وركوب غارب البغي في مخالفة أمري، ومنعي عما أريده من القيام بأمر الدين وأهله.
(وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى): ثم حربهم لكم، وقتالهم إياكم عمداً حجة أخرى تُسْتَحَلُّ بها دماؤُهم لو لم تتقدم الحجة الأولى، فإذا اعتضدا كان ذلك أقوى في الأمر وأعظم عند الله حجة:
(لكم عليهم): بين يدي الله، فإذا سألكم الله تعالى عن قتالهم كان إدلاؤكم بهذين الأمرين أقوى عند الله، وأدخل في العذر، فأجهدوا نفوسكم في قتالهم لله تعالى، وإعزازاً لدينه.
(فإذا كانت الهزيمة): وقعت وحصلت.
(بإذن الله): عن علم من الله ومصلحة في ذلك، فإن لهم أحكاماً تخالف أحكام أهل الحرب، فلا تغفلوا عن علمها وتحفظها، فإن الله بلطفه قد جعل لكل جريمة عقوبة.
(فلا تقتلوا مدبراً): يريد من ولى مدبراً عند الهزيمة، فلا يتبع بالقتل؛ لأن توليته مدبراً فيه كفاية عن بغيه؛ ولأن توليه عن مقامه ذلك تركٌ للبغى ورجوع عنه، فلا يقتل من غير سبب يوجب قتله لما ذكرناه.
(ولا تصيبوا معوراً): المعور بالعين المهملة والراء، وله معنيان:
أحدهما: أن يريد بالمعور الربيئة للقوم، يعني ولا تقتلوا إلا من تعلمون أنه من جملة العدو، فأما الربيئة فلا قتال من جهتهم يوجد فيكفُّ عنهم.
وثانيهما: أن يكون مراده بالمعور الرَّكيّة أي لا تفسدوها بالإصابة فيزول ماؤها وينضب عنها .
(ولا تجهزوا على جريح): أجهز على الجريح إذا أسرع في قتله، ولا يقال فيه: أجاز، وغرضه أنه بعد جرحه لا يسارع في قتله؛ فإن في جرحه كفاية عن بغيه، وزوال عنه، وفعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا ذكر معه موصوفه، فيقال: هذا رجل جريح، وهذه امرأة جريح، فأما إذا طرح الموصوف جرى على قياسه، فيقال فيه: هذا جريح وهذه جريحة بني فلان.
(ولا تهيجوا النساء بأذىً): هاج الرجل إذا ثار غضبه، وأراد أنكم لا تحركوا غضبهن بذكر أذاهن.
(وإن شتمن أعراضكم): بالذم وذكر القبيح.
(وسببن أمراءكم): بإظهارالكلام السوء، ثم علل ذلك بقوله:
(فإنهن ضعيفات القوى): لا صبر لهن على الحرب؛ ولهذا رفع الله عنهن حكم الجهاد من أجل الضعف.
(والأنفس): ونفوسهن أيضاً ضعيفة عن احتمال المكاره، والضيم.
(والعقول): وعن هذا كانت شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد.
(وإن كنا لنؤمر بالكف عنهن): يعني القتل والضرب وهن بين أظهركم في المعركة.
(وإنهن لمشركات): فبين العلة التي لها أبيحت دماء الرجال فلا يقتلن ، وفي الحديث: ((نهيت عن قتل النساء )) .
ويحكى أن هند بن عتبة خرجت يوم أحد وغيرها من النسوان يسقين الرجال، ويضربن بالدفوف، قالت هند:
إن تقبلوا نوافق ... ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
ومع ذلك فإن أحداً ما اعترض لها أصلاً، مع ما في كلامها من التهييج للرجال، وحملهم على اقتحام موارد الموت.
(وإن كان الرجل): في الجاهلية في حروبها ووقائعها.
(ليتناول المرأة بالِفهْرِ): الحجر الطويل.
(والهراوة): العصا فضلاً عما وراء ذلك من الأسلحة.
(فيعيَّر بها): الضمير للفعلة هذه.
(وعقبه بعده ): ومن يأتي من أولاده ويكون سبة لهم، والعار: السبة والعيب، وفي أخبار أحد: وكان الرجل منَّا يدنو من هند، فإذا حمل عليها السيف والهراوة صاحت وولولت، فيكف عنها ذلك .
(15) وكان عليه السلام يقول إذا لقي العدو محارباً
(اللَّهُمَّ، إليك أفضت القلوب): أفضى إليه بسره إذا أباحه، وأراد أفضت القلوب بسرائرها وضمائرها التي لا تخفى عليك.
(ومُدَّت الأعناق): خضعت وذلت لعظمتك وجلالك.
(وشخصت الأبصار): شخص البصر إذا انفتح جفن العين وجعل لا يَطْرِفُ ، ومنه شخوص بصر الميت فإنه لا يطرف أبداً حتى يفارق الحياة.
(ونقلت الأقدام): طالبة لرضوانك، واتباع أمرك وموافقة مرادك.
(وأنضيت الأبدان): الإنضاء هو: الإتعاب؛ رجاءً لما وعدته من كريم ثوابك، ورفيع مآبك.
(اللَّهُمَّ، قد صرّح مكنون الشنآن): أي ظهر مستور العداوة والبغض.
وفي رواية أخرى: (مكتوم) وهما متقاربان في معناهما.
(وجاشت مراجل الأضغان): جاش القدر إذا غلا، والأضغان هي: الأحقاد، والْمِرْجَل: واحد المراجل، وهي: القدور، وهذه كلها استعارة لما هم عليه من إظهارالعداوة والأحقاد والضغائن الشنيئة لسبب الدين، وأراد بذلك فلا يخفى عليك حالهم وما يريدون من البغي، وإظهار خلاف أمرك، وهدم منار دينك، وتعطيل أحكامك.
(اللَّهُمَّ، إنا نشكو إليك غيبة نبينا): فقده عن الدنيا وزواله عنها.
(وكثرة عدونا): تألبهم علينا من كل جانب يريدون اجتياحنا، وقطع دابرنا.
(وتشتت أهوائنا): افتراقها، كل واحد منها في جانب، لا تجتمع على أمرك ولا تكون متفقة على نصرة دينك.
سؤال؛ هب أن قوله: (كثرة عدونا، وتشتت أهوائنا) له اتصال بما نحن فيه وتعلق، فما وجه اتصال قوله: (وغيبة نبينا) بما نحن فيه من قتال البغاة، وفقده عليه السلام عن الدين ثلمة لا تنسد؟
وجوابه من وجهين؛
أما أولاً: فلأن بحضوره لا ينبض من هذه العروق عرق ، ولا ينهض من رءوس هؤلاء الشياطين ناهض إجلالاً لهيبته، وامتثالاً لأمره ومقالته.
وأما ثانياً: فلما في حضوره من النصرو التأييد والظفر، كما كان في غير هذه المواطن؛ لما يعرفون من نصر الله له وتأييده له بالملائكة من عنده، وعلى الجملة فإن غيبته عن الدنيا وعن هذا العالم مصيبة لا تجبر، وحزن لا ينفك أبد الدهر.
ثم تلا هذه الآية عقيب كلامه: ({رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ })[الأعراف:89]: ولهذه الآية من الفخامة وحسن الموقع ها هنا، وجيد الملائمة لما نحن فيه ما يحلو في الألسنة مذاقه، ويروق في أعين النظار ترتيبه وسياقه.
(16) وكان عليه السلام يقول لأصحابه عند الحرب
(لا تشتدَّن عليكم فرَّةٌ بعدها كرَّةٍ): الفرُّ: الهرب، والكرُّ هو: الرجوع، وأراد أنه لا يكبرنّ في نفوسكم ذلك؛ فإن هذه تكفر هذه وتمحوها، فلا وقع لها معها.
(ولا جولة بعدها حملة): الجولة: واحدة الجولات، وتجاول الفرسان: رجوع بعضهم على بعض، والحملة هي: الكرة أيضاً، أي ولا تضركم جولاتهم لكم، وتأخرهم لكم عن مقاماتكم في الحرب إذا حملتم عليهم حملة فأزحتموهم عن مواضعهم.
(وأعطوا السيوف حقوقها): الضرب بها حتى تنحني، وفي الحديث أن الرسول عليه السلام أخذ سيفاً فقال: ((من يأخذ هذا السيف مني بحقه يوم أحد)) فجاءه رجال من الصحابة فأبى أن يعطيهم إياه، فجاء أبو دجانة فقال: يارسول الله، وما حقه؟
فقال : ((أن تضرب به حتى ينحني)) فأعطاه إياه.
[وقال: نعم] : وكان من شجعان الصحابة، وأهل البأس منهم.
(ووطنِّوا للجنوب مصارعها): فيه روايتان:
أحدهما: بالنون، والموطن: المشهد من مشاهد الحرب، قال الله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ }[التوبة:25] وأراد ها هنا اجعلوها للجنوب مواطن تصرع فيها.
وثانيهما: [بالياء] من التوطية أي مهدوا للجنوب أمكنة تصرع فيها، والغرض في هذا كله العزم وتصميم النفس على لقاء الله، ومفارقة الدنيا.
(واذمروا نفوسكم ): حثوها وازجروها.
(على الطعن الدَّعْسِيِّ): طريق دعس إذا كان بيِّن الآثار ظاهرها، وأراد على الطعن الذي تظهر آثاره وكلومه.
(والضرب الطِّلَحْفِيّ): ضرب طلحف إذا كان شديداً بالغاً.
وقوله : الدعسيّ فيه مبالغة من وجهين:
أما أولاً: فلأنه وصف بالمصدركما قالوا: رمي سَعْر، وضرب هبر .
وأما ثانياً: فإلحاق ياء النُّسْبَة به، كما قالوا: جزئي وجزء وكلي وكل، وكله دلالة على المبالغة وعلامة عليها.
(وأميتوا الأصوات): أراد لا تكثروها.
(فإنه): يعني موتها.
(أطرد للفشل): أذهب به فلا يبقى إلا الثبوت والاتئاد.
(والذي فلق الحبة): بنصفين.
(وبرأ النسمة): خلقها وأوجدها.
(ما أسلموا): عن طمأنينة وانشراح صدر بالدين وأحكامه، يشير بهذا إلى معاوية وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وغيرهم من أخدان الغي، وأعوان الظلم والبغي.
(ولكن استسلموا): انقادوا خوفاً من السيف.
(وأسروا الكفر): أبطنوه في أنفسهم، وكتموه في أفئدتهم.
(فلما وجدوا أعواناً عليه أظهروه): من أوباش أهل الشام وأجلافهم ومن لا معرفة له ، ولا ميز بين الحق والباطل.
والظاهر من كلامه هذا أنه تفطَّن بحال هؤلاء وتفرَّس في أمورهم، فلهذا أثبت لهم مزية على الفسق، وصار هذا هو الحكم بالكفر على هؤلاء، والمعلوم من حاله أنه لم يعاملهم بالأحكام الكفرية من السبي وغيره فلا بد من تأويل كلامه على مطابقة فعله فيهم وعلى ما قام الدليل الشرعي عليه وهو الفسق لا غير، فيمكن أن يكون في مراده من ذلك وجهان:
أحدهما: أشخاص معدودين قد علم كفرهم بإعلام الرسول له ذلك، وهذا لامانع منه.
وثانيهما: أن يكون غرضه أنه أخبر عن كفرهم عند الله تعالى دون ظاهر الشرع، فمن أجل هذا أخبر عنهم به.
(17) ومن كتاب له عليه السلام جواباً لمعاوية
(وأما طلبك إليَّ الشام): أي ولاية الشام؛ لأن معاوية كان طلب من أمير المؤمنين أن يوليه الشام، ويجعله أميراً عليه في جباية الأموال، وتأدية الخراجات كلها.
(فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك بالأمس): أراد أنك قد سألتني ذلك من قبل فمنعتك، وما كنت لأعطيك اليوم ما منعتك من قبل، والحال مستوية، فما تغير في حالك من المكر والخديعة ولا تغير حالي في وثاقة الدين والتصلب فيه.
(وأما قولك: إن الحرب قد أكلت العرب): أفنتهم با لقتل، وسحت الأموال.
(إلا حُشَاشَات أنفس قد بقيت): الحشاشة والحشاش: بقية الروح في الجسد، وأراد إلا أنفساً أُخِّرَتْ آجالها فبقيت.
(ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة): أراد أن من قُتِلَ مجاهداً في سبيل الله صابراً محتسباً فمصيره إلى الجنة.
(ومن أكله الباطل فإلى النار): أي ومن كان مقاتلاً على البغي والمخالفة لإمام الحق فمصيره إلى النار، وهذا كله تعريض بحال معاوية، وإصراره على البغي والفساد والتمرد، ويومئ بذلك إلى هلاكه وهلاك من قتل معه.
(وأما استواؤنا في الحرب والرجال): لأن معاوية قال: قد توافت بنا الحرب، والعساكر منَّا ومنكم متساوية، وغرضه بهذا أن أمير المؤمنين غير نايل غرضاً منه، ولا مدركٌ ثأراً.
(فلست بأمضى على الشك مني على اليقين): يريد أنا ولو استوينا كما زعمت، فأنا فيما أنا فيه على بصيرة، وأنت فيما أنت فيه على شك، وصاحب اليقين أشرح صدراً وأوثق قلباً من صاحب الشك؛ فإنه متردد قلق الأحشاء مضطرب الفؤاد، فإذا مضيت على ما أنت فيه من الغي وجريت عليه، فأنا أمضى منك على الحق، ونفوذ البصيرة.
(وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا): يريد معاوية ومن كان معه ما هو بأكثر حرصاً على الدنيا والتوطن فيها، والإخلاد إليها.
(من أهل العراق على الآخرة): يريد نفسه وأصحابه، وإذا كان الأمر هكذا فانظر أينا أشد صبراً على الحرب، وأكثر رجاءً لثواب الله، وأعظم حالةً عنده.
(وأما قولك: إنَّا بنو عبد مناف!): أراد معاوية أن عبد مناف يجمعنا؛ لأن له أولاداً أربعة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، فهؤلاء أولاد عبد مناف، ومعاوية من بني عبد شمس.
فقال أمير المؤمنين:
(فكذلك نحن): يريد إنَّا لا ننكر أن عبد مناف يجمعنا كما ذكرت، ولكن أين الغرب عن النبع! وأين الحصى عن المرجان!، وأين السنام عن المنسم! ، وشتان ما بين الآباء!، فهب أن عبد مناف قد جمعنا كما زعمت:
(ولكن ليس أمية كهاشم): في فخره ولا فضله ولا في كرمه وجلالة قدره.
(ولا حرب كعبد المطلب): أراد ولا جدك مثل جدي في الرئاسة، واجتماع أمر مكة إليه وسيادته للناس.
(ولا أبو سفيان كأبي طالب): أراد ولا أبوك مثل أبي؛ فإن أبا طالب شرفه لا يخفى، وأمره لا ينكر.
(ولا المهاجر كالطليق): أراد أنه ليس من هاجر إلى الله تعالى تطوعاً واختياراً من جهة نفسه، كمن يُمَنُّ عليه ثم يُطْلَقُ بعد ذلك، وكان معاوية وأبوه من الطلقاء، وقد تقدم حديث الطلقاء وسبب ذلك فيهم، فلا وجه لتكريره.
(ولا الصريح كاللصيق): أراد ولا من هو خالص النسب كمن هو دَعِيّ مؤتشب، يلصق نفسه بنسب قوم وليس منهم، ولعله يشير بذلك إلى حديث كان لأبي سفيان في حق زياد، وعلى هذا يكون فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد ما كان من أبي سفيان من ادِّعاء زياد ابناً له.