(5) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى الأشعث بن قيس [وهو] عامل أذربيجان
(وإن عملك ليس بطعمة لك): يعني أنه ليس أمراً سهلاً ولا تبعة عليك فيه، فلا تظننَّ أنه بمنزلة الطعمة الهنية.
(ولكنه في عنقك أمانة): يريد فيه تكليف عليك وأمانة في عنقك حتى تؤديها إلى من ائتمنك عليها.
(وأنت مسترعى لمن فوقك): يريد جعلك راعياً من هو فوقك في الأمر ووجوب الطاعة.
(ليس لك أن تفتات في رعية): الافتيات : افتعال من الفوت، وهو السبق إلى الشيء من دون أمر من له الأمر فيه، يقال: فلان لا يفتات عليه أي لا يعمل شيء دون أمره، وفي الحديث: ((أمثلي يفتات عليه في أمر بناته )).
(ولا تخاطر إلا بوثيقه): أي ولا تركب خطراً من الأمور تكون مغروراً فيه من دون أن تستوثق، وأراد أن هذه الأمور كلها واجبة على المتولي فيما ولي عليه.
(وفي يدك مال من مال الله عز وجل): إنما نكَّر المال، إما لجلالته وكثرته كأنه قال: مال وأي مال، وإما لقلته كأنه قال: ما يقع عليه اسم المال.
(وأنت من خزاني ): ممن جعلته خازناً له، والواجب عليه حفظه ورعايته.
(حتى تسلمه إليَّ):وعند هذا قد أدَّيت أمانتك، والفرض الواجب عليك لله فيه.
(ولعليَّ ألاَّ أكون شر ولاتك لك ): وأرجو من الله تعالى أن أكون خير من تولى عليك بحفظ ما أديت من المال وصرفه في أهله، وإنما قال: ولعليَّ، جرياً على عادته في الأدب عند الدعاء، كما قال الرسول عليه السلام: ((وأرجو أن أكون أخوفكم بالله، وأعرف بما آتي وأذر )) .

(6) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(إنه بايعن‍ي القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان): الضمير للشأن والقصة، والجملة بعده مفسرة له، وأراد أمير المؤمنين الملاطفة له في الخطاب والنزول معه، وإفحامه بالإلزام على قرب، وتقريره أن يقول: هب أن إمامتي ليس منصوصاً عليها بالبراهين الواضحة، والنصوص الواردة، فالذين كانوا قبلي هم أئمة على زعمك، وما كانوا أئمة إلا من أجل من عقد لهم من المهاجرين والأنصار، والذين عقدوا لهم ورضوهم قد عقدوا لي ورضوا بي إماماً لهم وبايعوني:
(على ما بايعوهم عليه): من امتثال أمرالله، وأمر رسوله، والقيام بالواجبات كلها، وليس الغرض اجتماع الناس بأجمعهم، وإنما انعقاد الإمامة بالعدد المعتبر من الأعيان والجماهير.
(فلم يكن للشاهد أن يختار): أمراً خلاف ما أجمعوا عليه واختاروه، ولكن الواجب الانقياد لهم والمتابعة لما فعلوه.
(ولا للغائب أن يرد): ما قد فعلوه من ذلك ويزعم أني لم أحضر.
(وإنما الشورى): المشاورة في الأمر، وهي فُعلى بضم الشين.
(للمهاجرين والأنصار): تعريض بحال معاوية، يريد أن المشاورة في هذا الأمر، وعقد الإمامة إنما يكون لرجال أهل الدين من المهاجرين والأنصار الذي تبوأوا الدار والإيمان دونك، فليس لك فيها ورد ولا صدر، ولا أنت ممن يستشار في هذا الأمر، وإنما الحكم والأمر لهم.
(فإن اجتمعوا على رجل): ورأوه صالحاً لهذا الشأن وعقدوا له ورضوه.
(وسموه إماماً): وقالوا: هذا إمام المسلمين وأميرهم.
(كان ذلك لله رضاً): لأن ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن))، وبعد إجماعهم عليه فهو الحق الذي لا يُعْدَلُ عنه، إذ لا يجتمعون على ضلالة.

(فإن خرج من أمرهم خارج): يريد مما أجمعوا عليه هاهنا.
(بطعن): في الإمام على غير بصيرة وحق.
(أو بدعة): فسق وتمرد.
(ردوه): بالمراجعة والمناظرة و إيضاح الخطأ لماهو عليه.
(إلى ما خرج منه): وهو إمامة الإمام المجمع على إمامته.
(فإن أبى): إلا الفسق والتمرد والطعن
(قاتلوه): حاربوه.
(على اتباع غير سبيل المؤمنين):على فسقه وخرقه للإجماع، وخروجه عمَّا عليه المسلمون.
(وولاَّه الله ما تولَّى): من عذابه ونكاله في الآخرة لأجل فسقه، وهذا كله تعريض بحال معاوية، وتحذير له عن البغي والتمرد والمخالفة للحق، وإيضاح للأمر له.
(ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك): العمر قسم قد مرَّ تفسيره، لئن كان نظرك عن عقل وبصيرة وتروي في الحق واتباع له وانقياد لأمره.
(دون هواك): يريد ولم تحكِّم هواك ولم تكن سِيْقَةً له.
(لتجدنَّي أبرأ الناس من دم عثمان): لأنه لم يكن تعويلة ولا ديدنه الذي يصول به إلا أنه ثائر بدم عثمان، فلهذا كان سبباً للخروج والبغي على أمير المؤمنين.
(ولتعلمن أني كنت في عزلة منه ): جانب ومعزل لا علقة لي به، وكيف يظن بمثلي أن يكون من جهتي أمر يكون فيه إهدار دم رجل من أفناء المسلمين فضلاً عن دم عثمان كلا وحاشى!.
(إلا أن تتجنى): تتجرَّم عليَّ بجرم لم أجترمه، وهذا الاستثناء يكون منقطعاً لعدم اتصاله بما قبله، وفي المثل: أجناؤها أبناؤها ، أي الذين جنوا على هذه الدار بالخراب والهدم هم الذين كانوا بنوها، وهذا المثل خارج عن القياس لأن فاعل لا يجمع على أفعال، ولعل المثل: جناتها بُناتُها، فإن كان هذا فالمثل مستقيم، وإن كان على الرواية الأولى فقد يغتفر في الأمثال ما لا يغتفر في غيرها من الخروج عن القياس.

(فتجنَّ ما بدا لك!): ما هذه يحتمل أن تكون موصولة، أي فتجرَّم الذي تحبّ وتريده، ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة، وتقديره: فتجرَّم شيئاً ظهر لك.

(7) ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاً
(أما بعد، فقد أتتن‍ي منك موعظة موصَّلة): يريد موعظة طويلة يتصل بعضها ببعض لطولها.
(ورسالة مُحَبَّرة): تحبير الكلام: تزيينه وتحسينه.
(نَمَّقتها بضلالك): التنميق: التزيين أيضاً، قال النابغة:
كأن مجر الرامسات ذيولها
عليه قضيم نَمَّقَته الصوانع
وأراد زينتها بما أودعتها من المكر والخديعة بزعمك.
(وأمضيتها بسوء رأيك): وجعلتها ماضية فيما دلت عليه من المخالفة، والخروج عن الحق بالرأي السوء، المخالف للدين،والناكب عن طريقه.
(وكتاب امرئ): أي وكتابك كتاب امرئٍ.
(ليس له بصر يهديه): بصيرة ترشده إلى الحق.
(ولا قائد يرشده): يأخذه بزمامه إلى طريق الرشاد.
(قد دعاه الهوى فأجابه): أراد أن هواه صار مالكاً له، يصرِّفه كيف شاء فلا حيلة له معه.
(وقاده الضلال فاتَّبعه): يريد وضلاله عن الحق هو القائد له، ومن كان مقوداً بزمامه في يد غيره فلا ملك له في نفسه، ومن كانت هذه حالته ملكه الشيطان واستولى عليه.
(فهجر لاغطاً): الهجر: الهذيان، واللغط: الأصوات الكثيرة واللجبة .
(وضلَّ خابطاً): وضلَّ عن الطريق يخبط على غير جهة مستقيمة، كمن تخبط من غير هداية ولا إرشاد، وانتصاب لاغطاً وخابطاً على الحال من الضميرفي الجملة قبلها، وهي حال مؤكدة؛ لأنها معطية فائدة الجملة قبلها، كهي في مثل قوله تعالى: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا }[البقرة:91].
ثم خرج إلى ذكرالبيعة بقوله:
(لأنها بيعة): أراد ليست من عقود المعاوضات، وإنما نكَّرها مبالغة في عظم شأنها، أي بيعة وأي بيعة لما ينشأ عنها من الأمور المهمة، ويتفرع عليها من الفوائد الدينية.
(واحدة): لا يكون فيها تكرير.

سؤال؛ التاء في بيعة دالة على الوحدة، فلِمَ أردفه بقوله: واحدة؟
وجوابه؛ هو أن دلالة التاء على الوحدة ليس أمراً قاطعاً، ولهذا فإنها قد ترد والغرض فيها الجنس لا الوحدة كالزلزلة، فلهذا وصفها بالوحدة رفعاً لهذا الوهم، وإزالة له، كما قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ }[الحاقة:13].
(لا يُثنّى فيها النظر): يرجع إليه مرة بعد مرة.
(ولا يستأنف فيها الخيار): ولا يبتدأ فيها خيار لمن بلغته.
(الخارج عنها ): بالرد لها، والتكذيب.
(طاعن): أي ذو طعن على المسلمين، ومريد لتفريق كلمتهم، وتبديد شملهم.
(والمروِّي فيها): والمتفكر فيها بعد جريان العقد لصاحبها، وانبرام الأمر له من جهة أهل الدين.
(مداهن): المداهنة: المصانعة.
وأقول: إن هذا هو غاية النصح والرشد لمعاوية لو قَبِلَهُ.

(8) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إل‍ى معاوية
(أما بعد، فإن أتاك كتابي): بلغك وقرأته.
(فاحمل معاوية على الفصل): بالصاد المهملة أي على القطع والحتم فيما هو فيه، واالجد الذي لا هوادة له ولا مهازلة فيه.
(وخذه): عامله، من قولهم: فلان يأخذ اليهود بالصَّغار أي يعاملهم.
(بالأمر الجزم ): فيما يجري بينكما من المحاورة بالأمر بالجزم، يروى بالجيم، أي بالأمر المقطوع به، ويروى بالحاء أي ضبط الأمر وشده ، وأراد أنه إذا فعل ذلك فلعله يَسْلَمُ من مكر معاوية وخدعه، ولعل أمير المؤمنين أراد ذلك؛ لأنه إذا عامله معاملة الجد لم يجد سبيلاً إلى الخديعة.
(ثم خيِّره): بعد فعلك ما أمرتك به من الجزم .
(بين حرب مجليَّة): أراد إما أنها تجلي القوم عن أوطانهم أي تخرجهم عنها، وإما ينفرجون بسببها أي يتفرقون، من قولهم: أجلوا عن القتيل إذا تفرقوا عنه .
(أو سلم مخزية): أو وضع الحرب على الخِزي والذلة.
سؤال؛ قد فهمنا أن الحرب يصاحبها الجلاء والتفرق، فكيف قال: أو سلم مخزية، والسلم مسالمة، ومصالحة فمن أين يلزمها الخزي؟
وجوابه؛ هو أن أمير المؤمنين لو سالمه ووضع الحرب عنه، لم يكن ذلك إلا على ما يُهينه ويُذِلُّه ويسقط حاله وقدره، وهو ألاّ يكون له أمر ولا حلٌّ ولا عقد، ولهذا قال: أو سلم مخزية، يشير إلى ما ذكرناه.
(فإن اختار الحرب فانبذ إليه): العهد الذي جرى بيننا وبينه، وأظهر أنه لا مصالحة واقعة الآن.
(وإن اختار السلم): وضع الحرب بيننا وبينه.
(فخذ بيعته): على السمع والطاعة والانقياد لأمر الله، والاحتكام لي من غير مخالفة منه.

(والسلام): أراد والسلام على من اتبع الهدى، أو والسلام منَّا على أهله، والسلام هو تحية من عند الله، ومعناه السلامة جارية عليك أيها المخاطب، ولم يفعل ذلك في أوائل كتبه إلى معاوية وغيره ممن يخالفه ويضاد أمره؛ لأن من هذه حاله فليس أهلاً للسلامة من الله تعالى.

(9) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(فأراد قومنا): سائر بطون قريش ما خلا بني هاشم.
(قتل نبينا): إهدار دمه بغياً وحسداً.
واعلم: أن الرسول عليه السلام قد هُمَّ بالفتك في روحه في مواطن أربعة من قريش وغيرهم:
أولها: ما كان من قريش حين اقتعدوا له يريدون قتله على بابه، فجاءه جبريل فأخبره بمقامهم، وأنزل عليه صدر سورة يس، فخرج يقرؤها وحثا التراب على رؤوسهم .
وثانيها: ما كان من اشتوارهم في أمره في دارالندوة، وإجماعهم على الرأي الذي جاء به إبليس، وهو أن يجتمع فتيان من قريش، من كل قبيلة واحد فيضربونه ضربة ضربة فيتفرق دمه في قبائل قريش، فلا يطالب به أحد .
وثالثها: ما كان من عمرو بن جحاش وقد قعد رسول الله تحت جدار، فأراد أن يلقي عليه صخرة من فوق ، فجاءه جبريل فأقامه من تحت ذلك الجدار .
ورابعها: هو أن رجلاً استلَّ سيف الرسول فلما صار في يده هَمَّ بقتله، وقال: من يمنعني منك؟ فقال: ((الله)) ثم نزلت الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا...}الآية[المائدة:11] .
(واجتياح أصلنا): اجتاحه إذا استأصله، يريد بني هاشم، فإن سائر بطون قريش وأحلافها نصبوا لهم العداوة العظيمة بسبب الرسول عليه السلام.
(وهموا بنا): أي قصدوا.
(الهموم): أراد إما إنزال الهموم بنا والغموم من جهتهم، وإما يريد وقصدوا بنا فعل كل ما يهم في نفوسهم، ويخطر على قلوبهم من الأفعال الرديَّة.
(وفعلوا بنا الأفاعيل): أراد إما الأفاعيل القبيحة، وإما الأفاعيل ذات الألوان في القبح والشناعة.

(ومنعونا العِذَاب ): أراد العيش الطيب، يشير بهذا إلى ما كان من حديث الصحيفة، وهو أن قريشاً تعاقدوا حلفاً على إخراج بني هاشم إلى الشعب، وهو مكان من أودية مكة، فاحتلفوا أن لا يصلهم أحد بطعام ولا شراب، وكتبوا بينهم صحيفة متضمنة لما ذكرناه، ثم وضعوها في الكعبة، والكاتب لها منصور بن عكرمة، ثم استمر الأمر في ذلك حتى قام في نقضها جماعة من قريش، فجاءوا وإذا الصحيفة قد أكلتها الأرضة، ومنصور هذا شلت أنامله .
(وأجلسونا الخوف): أي مجالس الخوف، وهذا من باب الإسناد المجازي كقولك: فلان بحر، وتعليقها الأسراج والألجام.
(واضطرونا إلى جبل وعر): أراد إما الحقيقة وهو ما كان من حديث الشعب، وإما أن يريد المجاز أي إلى الأمر الصعب الشديد.
(وأوقدوا لنا نار الحرب): أي ورمونا عن قوس واحدة بالحرب، واجتمعت آرائهم عليه حتى مابقي منهم بطن واحد إلا وهو محارب لنا، وناصب للعداوة من أجلنا.
(فعزم الله لنا): أي أراد لنا وقطع على ذلك، من قولهم: عزمت على الشيء إذا قطعت عليه، قال الله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }[طه:115] أي قطعاًعلى ذلك.
(على الذب عن حوزته): المنع عن حوزة الإسلام، وهي: بيضته.
(والرمي من وراء حرمته ): الحرمة: ما يمنعه ويكون العار عليه باجتياحه وأخذه من مال أو حريم أو غيرذلك، وأراد بالرمي إما حقيقته وهي المحاماة بالنبال، وإما أن يريد بالرمي الدفع، والضميران في الحوزة والحرمة إما لله تعالى، وإما لرسوله.
(مؤمننا يبتغي بذلك الأجر): يشير إلى نفسه، وإلى من آمن في ذلك اليوم من بني هاشم، فإن دفاعه إنما كان من أجل الله تعالى، وطلباً لما عنده من مذخور الأجر.

135 / 194
ع
En
A+
A-