(واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد بدارالهجرة الكوفة، ومعنى قلعت بهم أي أخلتهم وطردتهم، وقلعوا بها أي أخلوا عنها وأهملوها فصارت خالية بعدهم.
وثانيهما: أن يكون المراد بدار الهجرة المدينة، وهو السابق إلى الأفهام من دار الهجرة؛ لأن ما عداها من المدائن والأمصار لا يقال فيه: دار الهجرة، وأراد أنهم أخلوها وخلوا عنها، وغرضه أيام الفتنة بقتل عثمان.
(وجاشت جيش المِرْجَل): جاش القدر إذا عظم غليانه، واشتدت حركته، وَالْمِرْجَلُ: القدر.
(وقامت الفتنة على القطب): أراد استقرت رحاها على قطبها؛ لأن كل ما يدور على القطب إذا لزم القطب وقام عليه، و استوسق واستقر.
(فأسرعوا): بالإقبال فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
(إلى أميركم): من جعله الله والياً عليكم، وسلطاناً قائماً على أموركم كلها.
(وبادروا جهاد عدوكم): أن يحال بينكم وبينه بعارض من العوارض.
(2) [ومن كتاب له عليه السلام إليهم بعد فتح البصرة]
ثم كتب إليهم بعد فتحه للبصرة:
(جزاكم الله من أهل مصر): يريد أهل الكوفة لما بالغوا في النصيحة، وأخذوا في امتثال أمره، ومن هذه لابتداء الغاية.
(عن أهل بيت نبيِّكم): يريد نفسه وأولاده إذ هم أهل البيت في ذلك الزمان لا شيء غيرهم.
(أحسن ما يجزي العاملين بطاعته): من الثواب العظيم ورفع الدرجات العالية.
(والشاكرين لنعمته): أي وأحسن ما يجزي الشاكرين على نعمته، كما قال تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [آل عمران:144] إشارة إلى عظم ما أعدَّ الله لهم من كرامته من جزيل ثوابه وحسن عطائه.
(فقد سمعتم): ما أقوله من المواعظ والآداب.
(وأطعتم): أمري بما أمرتكم به من أمر الجهاد.
(ودعيتم): إلى الطاعة أو إلى مقاتلة العدو وجهاده.
(فأجبتم): إلى ذلك مسرعين منقادين.
(3) ومن كتاب له [عليه السلام] كتبه لشريح بن الحارث قاضيه
روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً، فبلغه ذلك فاستدعاه وقال له :
(بلغني أنك ابتعت داراً بثمانين ديناراً، وأشهدت شهوداً، وكتبت كتاباً) .
فقال شريح: قد كان ذلك ياأمير المؤمنين.
قال: فنظر إليه [ عليه السلام] نظر مغضب ثم قال له:
(ياشريح، أما إنه سيأتيك): يصل إليك، ويحلُّ بفنائك.
(من لا ينظرفي كتابك): الذي كتبته تقريراً لملكك، وخوفاً عن دعوى من يدَّعيها.
(ولا يسألك عن بيتك ): إما عن بيتك الذي جعلت هذه العناية من أجله ، وإما عن بينتك التي تقيمها من عندك لو جحدها جاحد، فلا يزال بك:
(حتى يخرجك منها شاخصاً): شخص عن البلد إذا خرج عنها.
(ويسلمك إلى قبرك خالصاً): من قولهم: أسلمته إلى كذا أي خلَّيت بينه وبينه، وأراد بقوله: خالصاً عن العلائق كلها لا شيء معك من الدنيا، وأراد بما ذكره ملك الموت، فإنه يأتي إلى الإنسان، فيفعل به هذه الأفاعيل كلها.
(فانظر يا شريح): تفكَّر في أمرك وشأنك، وحقِّق النظر فيما أنت فيه.
(لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مَالِكٍ): أراد أن مالكها الذي أخذتها منه، لعله غصبها أو أخذها على غيره وباعها منك، فانظر في هذا.
(أو نقدت الثمن من غير حلالك): وكان نقدك للثمن من غير مال تملكه، بأن تكون قد أخذته من غير حله، فانظر فإن تطرق الشبهة يكون إما في المبيع، وإما في الثمن، وكل واحد منهما يكون محرماً للبيع، ويقع الخطأ والإثم بالوقوع في أحدهما لامحالة.
(فإذاً أنت): بالوقوع في أحد هذين الشبهتين أو كلاهما.
(قد خسرت دار الدنيا): بكونك شريت ما لا يحل لك شراؤه.
(ودارالآخرة): بالوقوع في معصية الله تعالى وإثمه، والمراد بالخسران هو فوات الدارين كلاهما، وذهابهما عن يده كما قررناه.
(أما إنك لو كنت أتيتني عند شرائك ما اشتريت):من هذه الدار بثمنها المعلوم.
(لكنت كتبت لك كتاباً) : حررت فيه ألفاظاً وعظية، وقوارع شافية مرغِّبة عن الدنيا.
(على هذه النسخة): التي سأذكرها بعد هذا بمعونة الله تعالى.
(فلم ترغب): عند معرفتك بها.
(في شراء هذه الدار بدرهم فما فوقه): لاشتماله على الزهد في الدنيا، والترغيب في الآخرة.
(والنسخة: هذا ما اشترى عبد ذليل): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد بذلك على جهة العموم، والغرض أن كل الخلق عباد الله ذليلون لأمره، خاضعون لجلاله.
وثانيهما: أن يكون مراده على جهة الخصوص، وأراد بالعبد شريحاً؛ لأنه كان عبداً، ولهذا فإنه يحكى أنه نقم عليه نَقْماً في بعض الأقضية التي قضاها، فقال: ائتوني بهذا العبد الأبظر والبظر بظاء منقوطة من أعلاها: لحمة ناتية في الشفة العليا، وكان شريح بهذه الصفة.
(من ميت قد أزعج بالرحيل ): ممن يموت ويستعجل الرحيل إلى الآخرة، والتولي عن الدنيا، فهذه حالة البائع والمشتري وأوصافهما.
(اشترى منه داراً من دار الغرور): الدار الأولى هي المشتراة، والدار الثانية هي الدنيا، فإنها دار المكر والخديعة بأهلها.
(من جانب الفانين [وخطة الهالكين] ): مِمَّا يجري عليه الفناء، والخطة: ما يُخْتَطُّ للعمارة، وأراد من مكان الهالكين، وأراد بذلك ذكر هذه الأوصاف مبالغة في تخليتها وإظهار أمرها، كما يقول أهل الشروط: من خطة بني فلان، وشارع بني فلان لئلا تكون ملتبسة بغيرها تهكماً لأمرها واستركاكاً لحالها.
(وتجمع هذه الدار): بحيث لاتلتبس بغيرها على مشتريها.
(حدود أربعة): مشتملة على أقطارها، ومستولية عليها من جميع نواحيها.
(الحد الأول ينتهي إلى دواعي الآفات): يريد أن هذه الدار لايخلو أمرها أصلاً عن طرو الآفات وعروض المتالف لها.
(والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات): وهكذا أيضاً فإن هذه الدار لا تخلو عن المصائب الجارية على الخلق، والذين هم بصددها، ولا خلاص عن ذلك.
(والحد الثالث ينتهي إلى الهوى المردي): في الهلاك فإنه لا ضرر على الإنسان أضر من اتباع الهوى، وإليه الإشارة بقوله:{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى }[النازعات:40].
(والحد الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي): للخلق عن مصالحهم الدينية، وعمَّا أراد الله بهم من مسالك الخير والصلاح.
(وفيه يشرع باب هذه الدار): أي يسلك.
سؤال؛ أراه جعل مشرع باب الدار من جهة حد الشيطان، دون غيره من سائر الحدود التي ذكرها، مع أنها كلها مستوية في الإهلاك للإنسان؟
وجوابه؛ هو أن باب الدار إنما شرع من أجل دخولها، ولما كان الشيطان له مداخل عظيمة في الإنسان، ويأتي له في الإغواء من أبواب متفرقة، وجهات مختلفة حتى يستولي عليه ويستحكم من أي باب وجده يهلك فيه، فلهذا جعل مشرع باب الدار من جهة الشيطان وإغواءه وزلله واستحواذه.
وعن إبليس أن الله لما لعنه، قال: يارب، قد جعلتني رجيماً، وأنظرتني إلى الوقت المعلوم فاجعل لي بيتاً.
قال: ((الحمام)).
قال: فاجعل لي مجلساً.
قال: ((الأسواق ومجامع الطرقات)).
قال: فاجعل لي حديثاً.
قال: ((الغنا )).
قال: فاجعل لي كتابة.
قال: ((الوشم )).
قال:فاجعل لي مؤذناً.
قال: ((النوائح)).
قال:فاجعل لي مصائد.
قال: ((النساء)).
(اشترى هذا المغتر بالأمل): حيث شرى منزلاً يطمأنَّ إلىالسكون إليه والمقام فيه، والاستقرار عليه ثقة بالدنيا واطمئناناً إليها، وفي الحديث: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر ما يرجع إليه)) .
(من هذا المزعج بالأجل): يريد البائع فإن الليالي والأيام تحثه لا محالة إلى الآخرة، وفي الحديث: ((الدنيا حلم، وأهلها مجازون ومعاقبون وهالكون )).
(هذه الدار): المخصوصة بهذه الصفات، والمحدودة بهذه الحدود التي ذكرناها.
(بالخروج من عز القناعة): كأنه جعل ثمنها الخروج من عز القناعة، يشير إلى أن هذا المشتري لو تقنَّع ما شراها ورضي بالحقير عنها؛ لأن فيه كفاية عن الجليل، وفي الحديث: ((من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته ،ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى)) .
(والدخول في ذلِّ الطلب والضراعة): الضراعة هي: الذلة والمسكنة، فقد دخل بشرائها في الذل، وخرج عن العزِّ بالتقنع .
(فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى من درك): الدرَك والدرْك بالفتح والسكون هو: التبعة، وأراد فما اتبع فيما اشتراه من هذه الدار.
(فعلى مبلبل أجسام الملوك): البلبلة: القطع والاستئصال، أخذاً من قولهم: تبلبلت الإبل الكلأ إذا قطعته فلم تُبْقِ منه شيئاً، وأراد فإنه موكول إلى الله تعالى الفاعل لهذه الأشياء، وذكرها إنما هو على جهة التهويل وإعظام الأمر وإكباره.
(وسالب نفوس الجبابرة): مزيلها عن أجسامهم.
(ومزيل ملك الفراعنة): من تشيطن في البلاد بإكثار الفساد في الإرض فهو فرعون، وقد أزال الله كل من تفرعن في الأرض وأهلكه.
(مثل كسرى): ملك الفرس.
(وقيصر): ملك الروم.
(وتبَّع): والتبابعة هم ملوك اليمن، وكانوا ثمانين تبعاً.
(وحمير): وملوك حمير، كانوا في اليمن.
(ومن جمع المال على المال فأكثر): من جمعه، وكنزه وادخاره.
(ومن بنى): القصور العظيمة.
(فشيَّد ): بناءها وزخرفها وزينها.
(وزخرف): نقش.
(ونجَّد): والتنجيد: التزيين، قال ذو الرمة:
حتى كأن رياضَ القفرِ ألبسها
من وشي عبقر تجليلٌ وتنجيدُ
(وادخر): الأموال النفيسة.
(واعتقد): أن ليس أحداً مثله، أو أنه لا جمع كجمعه.
(ونظر بزعمه للولد): أراد إما ونظر بزعمه فيما جمعه أنه مصلحة لولده، وإما كان منتظراً للولد فيسترُّ به كما يسترُّ بالمال إذا جمعه.
(إشخاصهم ): هذا على حذف مضاف تقديره: وقت إشخاصهم، والعامل فيه ما تعلق به على في قوله: فعلى مبلبل، أي فهو حاصل وقت إشخاصهم لكن حذف الوقت، وترك المصدر لما فيه من الدلالة على الوقت، كما قالوا: انتظرتك نحر جزور، ومنه قوله تعالى: {فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ }[الطور:49].
(جميعاً): مجتمعين بكليتهم.
(إلى موقف العرض والحساب): العرض على الله تعالى والمحاسبة على الأعمال.
(وموضع الثواب والعقاب): وفي هذا الوقت أيضاً، وأراد عند هذه الأحوال الهائلة، والأمور الخطرة.
(إذا وقع الأمر بفصل القضاء): إذا متعلقة أيضاً بما تعلق به الظرف المقدر، أو يكون هذا بدلاً من ذاك ؛ لأنهما مستويان.
({وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ })[غافر:78]: لأعمالهم بإحباطها بالسيئات، أو ذوو البطلانات والجحود في اعتقاداتهم.
(شهد على ذلك): الذي ذكرناه في هذه الأشياء كلها.
(العقل): وهو الذي ركَّبه الله في الإنسان قاضياً بصحة هذه الأمور كلها ومعترفاً بها، وأنها كلها حق وصواب، وهو إنما يشهد بها إذاكان باقياً على الخلقة الغريزية والفطرة الإلهية التي جعله الله عليها، وذلك إنما يكون:
(إذا خرج عن أسر الهوى): لأن الهوى إذا [كان] آسراً للعقل ، وصار موطؤاً بقدم الهوى فلا حيله له هناك ولا وقع لتصرفه، ولا يقدر على التخلص عن وثاق الهوى، وعند هذا لا نفع فيه لصاحبه.
(وسلم من علائق الدنيا): وكان أيضاً سالماً عن أطماع الدنيا وعوارضها، فمهما سلم عن هذين الأمرين فإنه قاضٍ بما ذكرناه، ومهما فسد بأحد هذين الأمرين فإنه يبطل أمره، ويخرج عن النظام الذي ركَّبه الله عليه.
اللَّهُمَّ، إنا نعوذبك من أسر الهوى، والانقياد لحكمه.
واعلم: أن هذا الكتاب حذا عليه كتَّاب الشروط في البياعات والإجارات والمزارعة وغير ذلك، وجعلوه إماماً لهم يحتذون عليه كتب شروطهم.
(4) ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض أمراء جيشه
(فإن عادوا إلى ظل الطاعة): استعار الظل للطاعة لما فيه من موافقة مراد الله تعالى، ورضوانه عليهم، فعاقبة ذلك راحة ولذة، فلهذا جعل عودتهم مما يلتذ به لما كان يؤول إلى ذلك.
(فذاك الذي نحب): الإشارة إلى العود إلى الطاعة، أي فهو الأمر المحبوب منهم، والمطلوب حصوله من جهتهم.
(وإن توافت الأمور بالقوم): أي تطابقت الأمور بالقوم بتمامها وكمالها.
(إلى الشقاق): المشاقة والعصيان لأمري والمخالفة عليَّ.
(والعصيان): لأمر الله وأمري.
(فانهد بمن أطاعك): نهد الرجل في الأمر إذا نهض إليه بجد وسرعة، وأراد فانهض مستصحباً بمن أطاعك.
(إلى من عصاك): إلى جهاد من خالفك وبغى عليك.
(واستعن بمن انقاد معك): اجعله عوناً لك وبصِّره واستصحبه، واجعله غنىً عن غيره لك.
(عمن تقاعس عنك): أي تأخر بتكبر وعتو.
(فإن المكره ): الآتي إلينا كرهاً لا عن خيرة من نفسه، ولا انجذاب منها خوفاً من ربه.
(مغيبه خير من شهوده ): لأنه ربما بكراهته أفسد غيره، وخذله عن النهوض، وفتَّ في عضده.
(وقعوده): في بيته عن الجهاد والقتال.
(أغنى): أكثر غناءً ونفعاً.
(من نهوضه): بزعمه مكرهاً للجهاد، لما في ذلك من الضررو حصول المفسدة، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى الذي ذكره أمير المؤمنين في كتابه، حيث قال في حق أهل النفاق: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ }[التوبة:47] يريد في تبوك {مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً }[التوبة:47] فساداً وشراً، {وَلاََوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ }[التوبة:47] بالمكر والخديعة، والسعي بها بينكم، وإفساد ذات البين، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ }[التوبة:47]: يطلبون فتنتكم، وإفساد نياتكم في مغازيكم هذه، ومن هذه حاله فقعوده خير من مسيره، كما أشار إليه ها هنا.