فأما الطاعات فانجذاب النفس إليها يكون بداعي الترغيب، فلهذا خصَّها بالزمام لكونها دون ذلك، فالتكليف تارة يكفُّها عن التوثب عن المعصية، وتارة يكون بإكراهها على عمل الطاعة.

(229) ومن خطبة له عليه السلام في شأن الحكمين، وذم أهل الشام
(جفاة): يشير بذلك إلى قسوة قلوبهم وغلظتها وفظاظتها .
(طغام): أسافل الناس وأراذلهم، وأنشد المبرد:
إذا كان اللبيب كذا جهولاً ... فما فضل اللبيب على الطغام
وهم أوغاد الناس.
(عبيد): ليس الغرض أنه جرى عليهم الرق، فإن المعلوم خلافه من حالهم، لكن العرب تكني عن شرار الناس بالعبيد إذ لا حسب لهم، ولا خُلُق يردهم عن اللؤم والقبيح.
(أقزام): جمع قَزَم بالتحريك، وهم: حثالة الناس، قال الشاعر:
وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها
فوارس الخيل لا ميل ولا قَزَمُ
(جمعوا من كل أوب): أي من كل ناحية.
(وتلقطوا من كل شوب): أي من كل مكان ذي شوب، وأراد أنهم مشوبون في أنسابهم لا يرجعون إلى حسب صميم .
(ممن ينبغي أن يفقَّه ويؤدَّب): يشير إلى جلافتهم فيحتاجون إلى الأدب، وإلى جهلهم بأحكام الله فيحتاجون إلى التفقه في دينه.
(ويعلَّم): الآداب الحسنة، أو معالم الدين إذ هو جاهل بها.
(ويدرَّب): يروى بالدال بنقطة من أسفلها، من الدربة بالشيء وهو اعتياده وتكريره مرة بعد مرة للحكمة، قال الشاعر:
وفي الحلم إدهان وفي العفو دربة
وفي الصدق منجاة من الشر فا صدق
ويروى بالذال بنقطة من أعلاها، واشتقاقه من الذربة، وهي حدة اللسان، والأول أقوى.
(ويولَّى عليه): جعل هذا كناية عن نقصان عقله، كما يولَّى على الصبي والعبد والسفيه.
(ويؤخذ على يديه):كما يؤخذ على أيدي السفهاء عن عمل القبيح، لفقد تمييزهم وتوخيهم للمصالح .
(ليسوا من المهاجرين والأنصار): أهل التقوى والورع، والأحساب العالية، الذين علموا عن الله وفهموا عن رسوله، وفازوا بالخير كله، وأحرزوا الفلاح بحذافيره.

(ولا من الذين تبوءوا الدار): توطَّنوا دار الإيمان والهجرة.
(والإيمان): واتخذوا الإيمان مباءة يسكنون فيها فلا يرتحلون عنها.
(ألا وإن القوم اختاروا): من الرجال في التحكيم.
(لأنفسهم): من أجل ما يتعلق بخاصتهم في ذلك.
(أقرب القوم مما يحبون): يعني أن أهل الشام معاوية وأصحابه اختاروا للتحكيم عمرو بن العاص، وهو يدير الحيلة لهم فيما يحبونه ويكون مصلحاً لحالهم.
(وإنكم اخترتم لأنفسكم): من أجل إصلاحها.
(أقرب القوم مما تكرهون): يعني وأنتم اخترتم أبا موسىالأشعري وليس هذا بسديد الرأي، لأن أبا موسى شاكٌّ أو متهم في صلاح أحوالكم، ومن أجل هذا كان منه من الخدع والمكر في التحكيم ما كان.
(إنما عهدكم بعبد الله بن قيس): يشير إلى تحقيق الشك والتهمة في حقه.
(بالأمس): يعني أبا موسى، فإنه:
(قال ): بالأمس.
(إنها فتنة): يشير إلى أنهم ليسوا على بصيرة في قتالهم مع أمير المؤمنين.
(فقطِّعوا أوتاركم، وشيموا سيوفكم): شام السيف إذا رفعه وغمده في قِرَابِه ، يقول: فمن هذه حاله لا يستنصح، ولا يكون حكماً فيما يتعلق بالأمور الدينية، فقد وقع منكم الخطأ أولاً بتحكيمه، وهو على خلاف رأيي ومشورتي.
(فإن كان صادقاً): فيما قال من قطع الأوتار، وإغماد السيوف.
(فقد أخطأ بمسيره غير مستكره): أراد فإذا كان شاكاً في قتالهم فَلِمَ سار ولا أحد هناك يكرهه.
(وإن كان كاذباً): فيما قاله من ذلك.
(فقد لزمته التهمة): كيف يأمرهم بتقطيع أوتارهم، وإغماد سيوفهم وهم على الحق وبصيرة الجهاد، فمن ها هنا صار متهماً في دينه، فإذا كان ولا بد من التحكيم وأنتم على عزمه:
(فادفعوا في صدر عمرو بن العاص): الدفع في الصدر كناية عن الخصام والمحاجّة.

(بعبد الله بن العباس):فإنه يقاومه ويصاوله، ولا يغدره ولا يخدعه، فإن عبد الله بن العباس كان في غاية الذكاء والكياسة، فلا يجوز عليه مكر عمرو ولا خديعته.
(وخذوا مهل الأيام): سكونها، وإروادها بكم.
(وحوطوا قواصي الإسلام): أراد احفظوا من كان بعيداً منكم من أهل الدين.
(ألا ترون إلى بلادكم تغزى): يشير إلى ما اختصوا به من الذل؛ لأنه لو كانت لهم هيبة لم يغزوا إلى عقر دارهم، وربما قيل: ما غزي قوم إلى عقر دارهم إلا ذلوا.
(وإلى صَفَاتِكُمْ ترمى): الصفاة: الحجر الأملس الصلب، يشير بذلك إما إلى نفسه؛ لأنه هو عمدة أمرهم، وإما إلى أفنية الدور أي ترمى بالحجارة.

(230) ومن خطبة له عليه السلام، وهي آخرخطبة يذكر فيها آل محمد، صلوات الله [عليه و] عليهم أجمعين
(هم عيش العلم): استعارة بالغة، نزَّلهم فيها منزلة العيش، فكما أن الحيوان لا يمكن قوام حياته إلا بالعيش،فهكذا لا يمكن قوام العلم إلا بهم.
(وموت الجهل): لأن من كان حياته في شيء، فموته يكون في نقيض ذلك الشيء.
(يخبركم حلمهم): ما هم عليه من الصفح والتغاظي، وكظم الغيظ.
(عن علمهم ): الواسع؛ لأن هذه الأمور إنما تكون حاصلة في حق من علم حقيقة الحال، وأحاط بعلوم الآخرة، أو يريد عن علمهم بما في الحلم من الخصال العظيمة، والآراء المحمودة.
(وصمتهم عن حكم منطقهم): لما كان صمتهم لا يكون إلا عن حكمة وصواب، فإذا انتقلوا عن الصمت كان أدخل في الحكمة أيضاً وأوقع؛ لأنهم ينتقلون من الصواب إلى الأصوب، ومن الحق إلى الأحق.
سؤال؛ النطق أدل على الصواب من السكوت والصمت، فأراه ها هنا جعل الصمت هو الدليل، ومن حق النطق أن يكو ن أحق بالدلالة؛ لكونه أظهر وأقوى، وأدل على المقصود؟
وجوابه؛ هو أنه أراد المبالغة بما ذكره، فإن الصمت إذا كان دليلاً على صوابهم، وأنهم لا يصمتون إلا عن حكمة، وعصمة من الله تعالى، فكيف حال النطق فهو لا محالة بالدلالة على الصواب أحق، وبه أولى وأخلق.
(لا يخالفون الحق): فيعدلون عنه إلى غيره.
(ولا يختلفون فيه): فيقول بعضهم: هذا حق، ويقول الآخر عكسه وخلافه.
(هم دعائم الإسلام): أساطينه التي يرتفع عليها أساسه وأبنيته، وعليها يظهر مناره.
(وولائج الاعتصام): دخائله الحسنة التي يعتصم بها كل أحد، ويلجأ إليها وتكون عمدة له في إسلامه وديانته.

(بهم عاد الحق في نصابه): يشير إلى نفسه، بعد اضطراب الأمر في خلافة عثمان، وظهور الفتنة بقتله، واضطراب أمر المسلمين في ذلك.
(وانزاح الباطل عن مقامه): ذهب وزال ما كان من الأحاديث الباطلة، أو يشير بذلك إلى حرب معاوية والخوارج، وما كان من الفتنة، بسبب حربهم وحرب أهل الجمل؛ فإن الفتنة هناك كانت عظيمة، ولكنها صغرت بالإضافة إلى ما كان من عنايته في الدين بحربهم، وتحصيل البصيرة في أحكامهم، فزالت تلك الأمور كلها ببركته، وحميد سعايته، فلهذا قال: انزاح الباطل عن مقامه، يشير إلى تلك الحالات العظيمة، وارتباك الأمر وعظمه من أجل ذلك.
(وانقطع لسانه عن منبته): عن أصله الذي نبت منه، بما كان من اقتطاع الدابر لمن ذكرناه، واستئصال الشأفة.
(عقلوا الدين): فَهِمُوه وأحكموا المراد منه وأوضحوه.
(عقل وعاية ): فَهْمَ من وعى وتدبَّر الأمر في أوله وعاقبته، واستبان الرشد في بدايته ونهايته.
(لا عقل سماع ورواية): وليس الغرض مما فهموه هو روايتهم له، وسماعهم لألفاظه؛ فإن مثل هذا لايكون نافعاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ }[ق:37] وبقوله تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ }[الحاقة:12].
(وإن رواة العلم كثير): لا يُحْصَوْنَ، يريد قُصَّاص الآثار، ورواة الأخبار.
(ورعاته قليل): الرعاة: جمع راعي، وهو الذي يرعى العلم بالعمل به، ويحوطه بالتفقه فيه.
وبتمام ما ذكرناه وقع الانتهاء من شرح خطب أمير المؤمنين، وهو القطب الأول من أقطاب الكتاب المؤسس عليها كما ذكرناه في صدره.

وأقول: إنها قد اشتملت على الترغيب والترهيب، وبيان صفات الثواب والعقاب، وأحوال الجنة والنار، وأهوال القيامة، وذكر الموت، وغير ذلك من أمور الآخرة وأحوالها ما لا يوجد في كلام الخطباء، ولا تسمح به قريحة واحد من البلغاء، ومصداق هذه المقالة: إن أبلغ من وعظ من المتقدمين الحسن البصري، وأحسن من خطب منهم واصل بن عطاء .
وأعجب من خطب من المتأخرين يحيى بن نباتة ، وأبلغ من وعظ من المتأخرين أيضاً هو ابن الجوزي ، فهؤلاء الأربعة ممن تقدم وتأخر قد فاقوا أهل زمانهم في الخطب والوعظ، وأنت إذا أعملت الفكرة في ذلك، وحققت النظر وجدت كلاماتهم كلها لاتداني أقصر خطبة من خطب أمير المؤمنين، ولا أحقر موعظة من مواعظه الشافية، وما ذاك إلا لأنه سبق وقصروا، وتقدَّم وتأخروا، وآتاه الله من ذلك ما لم يؤت أحداً من العالمين.

القطب الثاني من كلام أمير المؤمنين في الكتب والرسائل والعهود والوصايا
ويدخل في ذلك رسائله إلى أعدائه، وأمراء بلاده، وما اختير من عهوده إلى عماله ووصاياه لأهله وأصحابه.
واعلم: أن الكتاب عبارة عن القرطاس المكتوب فيه، والكتاب: الفرض والحكم، قال الله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ }[النساء:24] أي فرضه، قال الشاعر:
يا ابنة عمي كتاب الله أخرجني
عنكم وهل أمنعنَّ الله ما فعلا
والعهد أيضاً عبارة عن الأمان والموثق، وهو ها هنا عبارة عمَّا يوصي به أمراءه، والذين يقلدهم أمر البلاد والخراجات.
وأما الرسالة فهي: عبارة عمَّا يرسل به من موضع إلى موضع، والرسول أيضاً الرسالة، قال:
ألا أبلغ أبا عمرو رسولاً ... بأني عن فتاحتكم غني
وأما الوصية فهي: عبارة عن الكلام الذي يعهده إلى الأمراء والعمال، والكل من هذه الأشياء معانيها متقاربة، والغرض هو التعويل على المعاني.
ونشرع الآن في شرح كتبه مستعينين بالله وهو خير معين.

(1) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إل‍ى البصرة
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة): هكذا كانت التعريفات في الكتب والرسائل والعهود، أن يذكر اسمه واسم من يكون إليه الكتاب من غير زيادة، وعلى هذا مضى الصدر الأول من الصحابة وخلفائها وجميع خلافة بني أمية، معاوية ومن بعده منهم على هذا، وما حدثت هذه الألقاب إلا من أيام أبي الدوانيق أبي جعفر، فإنه تسمى بالمنصور بعد أخيه عبد الله بن محمد بن علي، ثم جرى ذلك بعده في أولاده المهدي بن المنصور، ثم الهادي بن المهدي، ثم الرشيد هارون بن المهدي، ثم المأمون والأمين، إلى آخر خلفاء بني العباس، ما زالت هذه الألقاب فيهم إلا أن انقرضوا واقتلع الله جرثومتهم ، فبعداً لقوم لا يؤمنون، ثم هي الآن جارية، وليس ورائهاكثير فائدة، ولو كان فيها خير سبق إليها الصدر الأول.
(جبهة الأنصار): الجبهة يكنى بها عن أحسن الشيء وخياره وأعلاه؛ لأنه أوردها ها هنا مورد المدح والثناء على الأنصار، فلهذا وجب حملها على ما قلناه، وأراد أنهم أعظم الناصرين له وأكثرهم جهاداً في حقه.
(وسنام العرب): والسنام أيضاً: عبارة عن خيار الشيء ووسطه، ومنه سنام الناقة والجمل لكونه وارداً مورد المدح، ولا وجه بحمل السنام والجبهة على غير ذلك لفساد معناه.
(أما بعد): وهذه كلمة فصيحة تراد للقطع للكلام الأول عمَّا يأتي بعده.
(فإني أخبركم عن أمر عثمان): وما جرى فيه من الفتنة والخصومة العظيمة.
(حتى يكون سمعه كعيانه): حتى هذه متعلقة بكلام محذوف، تقديره: أخبركم خبراً عظيماً جامعاً للقول فيه واضحاً جلياً، السامع له بمنزلة المعاين.

(إن الناس طعنوا عليه): في سيرته مطاعن كثيرة، ونقموا عليه أشياء أحدثها.
(فكنت رجلاً من المهاجرين): أراد واحداً منهم، وغرضه تميزه عن المهاجرين في حقه.
(أكثر استعتابه): الاستعتاب: الاسترضاء، وأراد أنه يكثر من طلب الرضا له.
(وأُقِلُّ عتابه): والعتاب هو: ذكر الخطأ الذي أخطأه، وغرضه من هذا كله أنه يسترضيه، ولا يذكر له ما يكرهه.
(وكان طلحة والزبير): في حقه وبالإضافة إليه.
(أهون سيرهما الوجيف ): الوجيف: ضرب من سير الإبل والخيل كثير السرعة والعجلة، وغرضه من هذا أن سعيهما في قتل عثمان أبلغ من سعي غيرهما من أفناء الناس.
(وأرفق حدائِهِمَا العنيف): العنف: الشدة، وجعل هذا كناية عن مبالغتهما في قتله ومحبتهما لذلك وتأليب الناس عليه.
(وكان من عائشة فلتة غضب فيه): يقال: كان هذا الأمر فلتة إذا لم يكن عن تدبُّر وتحقق، وكان صدوره فجأة، فكانت تسبُّه وتؤذيه، وتحرض الناس على قتله، حتى أنها قالت يوماً: اقتلوا نعثلاً لعن الله نعثلاً، بالعين المهملة والثاء المثلثة ، والنعثل: ذكرالضباع، وقيل: اسم رجل كان طويل اللحية، وكان عثمان إذا نيل من عرضه شبه به، وهو مراد عائشة ها هنا.
(فأتيح له قوم فقتلوه): أي قُدِّر له أقوام قليلون قتلوه من غيربصيرة في قتله.
(وبايعن‍ي الناس): بعد قتله.
(غير مُسْتَكْرَهِيْنَ): لم يكن من أحد لهم إكراه ولا حمل.
(ولا مُجْبَرِيْنَ): مقهورين على البيعة، وإنما جاءوا من جهة أنفسهم بالطوع والاختيار دون الإكراه.
(بل طائعين مُخَيَّرِيْنَ): تأكيد ومبالغة في ذكر حال بيعته، وأن إمامته لا مغمز فيها لأحد، ولا فيها وجه من وجوه الاعتراض الحاصلة في إمامة غيره.

133 / 194
ع
En
A+
A-