واعلم: أنهم ما كان مرادهم بهذه الاقتراحات إلا العناد واللجاج، كما قال تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا } [الأنعام:25] وقوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ }[الحجر:14] وقوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ }[الأنعام:7] إلى غير ذلك من الآيات، ولهذا قال عبد الله بن أمية لرسول الله صلى الله عليه وآله: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصكٍّ منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول .
(فقلت أنا): لما رأيت ما هالني من هذه المعجزة.
(لا إله إلا الله): شهادة له بالوحدانية، ولو كان معه إله غيره لم يكن الأمر هكذا.
(أنا أول مؤمن بك يارسول الله): لما ظهر من المعجزة الباهرة على صدق نبوتك.
(وأول من أقرّ بأن الشجرة فعلت ما فعلت): من الامتثال لأمر الله في مجيئها وذهابها، وانقسامها بنصفين، إلى غير ذلك من أحوالها العجيبة التي شاهدت.
(بأمر الله تعالى ): لا بسحر من جهة أحد، ولا بعمل من جهة الشياطين والكهَّان؛ لأن مثل هذا لا يمكنهم فعله على هذه الحالة، مع أنه لم يحضر واحد منهم.
(تصديقاً لنبوتك ): من جهة الله تعالى.
(وإجلالاً لكلمتك): عن المخالفة والرد.
(فقال القوم كلهم): لما رأوا ما رأوا من ذلك، وبهرهم الحال وأعجزهم ذلك، وما وجدوا وجهاً في ردّه وإبطاله.
(بل): إضراب عمَّا تضمنه الكلام، والتقدير فيه: ليس بنبي بل:
(ساحر): من جملة السحرة.
(كذاب): على الله في دعوى الرسالة من جهته له.

(عجيب السحر): دقيق السحر داخل في الإعجاب كل مدخل، أو يعجب من رآه وسمعه.
(خفيف فيه): قد صار ماهراً، فيده خفيفة في ذلك.
(وهل يصدقك في أمرك): هذا الذي ادَّعيته وهو النبوة من عند الله تعالى .
(إلا مثل هذا يعنونن‍ي ): يشيرون بذلك إلى ضعف عقله حيث كان صغيراً في تلك الحالة، أويريدون من كان من أهلك لا يحب جري النقص عليك في التكذيب.
(وإني لمن قوم لاتأخذهم في الله لومة لائم): يشير بذلك إلى كونه من أفاضل الصحابة، وأعظمهم حالاً وأشرفهم منزلة، وأخوفهم بالله ، وأعرفهم بحقه.
(سيماهم سيما الصديقين): علامتهم علامة الصدق والوفاء.
(وكلامهم كلام الأبرار): لا ينطقون إلا فيما يكون صلاحاً في الدين والدنيا كما يفعله أهل الصلاح والبر.
(عُمَّارالليل): بالركوع والسجود، والتلاوة وأنواع الخضوعات والتذللات.
(ومنار النهار): يستضيء بهم الخلق في نهارهم عن الشُّبه، ويهتدون بهم عن ظلمات الجهل.
(متمسكون بحبل القرآن): لا يخالفون أحكامه في تحليل ولا تحريم، ويطابقونه في جميع أحواله.
(يحيون سنن الله): يظهرونها، ويحثون الخلق على فعلها.
(وسنن رسوله): وما كان من جهة الرسول من السنن.

واعلم: أن أحكام الشريعة التي فرضها الله تعالى، وأنزلها على الخلق منقسمة إلى ما يكون واجباً، وتعريف وجوبه من جهة الله في كتابه، وهكذا القول في التحريم والندب، يكون طريقه من جهة الكتاب، وربما كانت هذه الأحكام من جهة السنة على لسان الرسول عليه السلام، فالكتاب حاكم على السنة، والسنة حاكمة على الكتاب، وكله موكول إلى لسان الرسول عليه السلام، فلهذا قال: (سنن الله)، يريد ما كان معلوماً من جهة الكتاب، (وسنن رسوله)، يريد ما كان معلوماً من جهة السنة كماقررناه.
(لا يستكبرون): عن أخذ الحق وإعطاءه من جهة أنفسهم.
(ولا يعلون): بالعين المهملة أي لا يترفعون على أحد، وبالغين المنقوطة أي لا يصيبهم غلو فيما هم فيه؛ لأن الغلو هو: إفراط عن الحق وتجاوز له.
(ولا يفسدون ): بما يعرض من الفسادات كالحسد والبغض وغير ذلك من الخصال المفسدة للقلوب، ولا يفسدون في الأرض بالبغي والقتل والقتال، وإهلاك الحرث والنسل.
(قلوبهم في الجنان): ترتاح بذكر الله، وتشتاق إلى ثوابه، وعظيم ما أعدَّ لأوليائه.
(وأجسادهم في العمل): دائبة في عمل الطاعات، وأنواع العبادات كلها.
وليس يخفى على من له أدنى فطانة ما اشتملت عليه هذه الخطبة من الأنواع الوعظية، وتعليم الحكم الدينية، والإشارة إلى تعريف الآداب الدنيوية بحيث لا يوجد مجتمعاً في كتاب، ولا يحيط به ويستولي على أسراره رمز ولا خطاب.

(225) ومن كلامه عليه السلام لعبد الله بن العباس
وقد جاءه برسالة من عثمان بن عفان، وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، ليقل هتف الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل:
ينبع هذه: قرية من قرى الحجاز على ثمان مراحل من مكة، وعلى ثلاث مراحل من المدينة ، والحصر هو: المنع.
واعلم: أنا قد ذكرنا من قبل عند عروض ذكر عثمان طرفاً مما طعن الناس عليه في خلافته في مواضع متفرقة من الكتاب ، ونزهنا أمير المؤمنين عن الرضا بقتله، ولهذا لعن قاتليه، وأنهم لما قالوا له: قتلوه قال:
(تباً لهم آخر الدهر) ولم يتصد لقتله وحصره إلا أسافل الخلق وأراذلهم. وما أقدم على قتله إلا نفسان أو ثلاثة من الغوغاء، والأوباش، والموالي، وقد كان حصروه في داره ومنعوه عن الشراب والطعام، فأراد الاستعانة بأمير المؤمنين ليخرج إلى ينبع ليسكن الدهماء، ويقلَّ كلام الناس عليه وطعنهم عليه في الخلافة، وقد كان قبل ذلك سأل أمير المؤمنين مثل ذلك ولم يَجِدْ عليه فيه.
فقال أمير المؤمنين:
(يا ابن عباس ، ما يريد عثمان): في مقالته هذه لي، وهو أن يسألني أن أحول بينه وبين الناس، ثم أمرني بترك ذلك.
(أن يجعلن‍ي الا جملا ناضحاً بالغرب): الناضح: هو البعير الذي يسنى به، والغرب هو: الدلو العظيمة.
(أقْبِلْ وأَدْبِرْ): أراد أقبل عن رأيه وأدبر عن رأيه، ما أملك من التصرف في نفسي شيئاً.
(بعث إليَّ أن أخرج): إلى ينبع لإصلاح الحال في ذلك.
(ثم): لما خرجت من أجل ذلك.
(بعث إليَّ أن أقدم): واترك الخروج.
(ثم هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج!): كلام من لايملك رأيه، ولا يثبت في أمره، ولا يدري ما يورد ويصدر من الأمور كلها.

(والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً): أراد أنه جادل عنه غاية المجادلة، وخشية الإثم التي ذكرها أمير المؤمنين إنما هو من جهة أن الناس نقموا عليه مظالم أخذها عليهم فدافع عنه حتى خشي أن يكون دفاعه منعاً للناس عن أخذ مظالمهم منه، فلهذا قال: خشيت أن أكون آثماً، يريد من هذه الجهة.
واعلم: أن إهراق دمه لاشك في كونه خطأ، ويدل على خطأهم في قتله، أوجه ثلاثة.
أما أولاً: فلأن ما عرض من هذه الحوداث إنما توجب عزله ولا توجب قتله، فإقدامهم على قتله يكون خطأً لا محالة.
وأما ثانياً: فلأنه لو قدَّرنا وجوب القتل عليه، فلأي شيء كان منعه من الطعام والشراب في داره وحصره.
وأما ثالثاً: فلأنه لو استحق القتل، فالمتولي لذلك لا يكون هم سفلة الناس وأوباشهم، وإنما يكون من جهة أهل الدين والمسلمين إذا رأوا لذلك صلاحاً، فبان أن قتله خطأ لا محالة.

(226) ومن كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهاد
(والله مستأديكم شكره): أي طالب منكم تأدية شكر أياديه ونعمه عليكم.
(ومورثكم أمره): يريد الأمر والنهي، والإيراد والإصدار، والحل والعقد، والتصرف في الناس بالحق، والسيرة فيهم بالمصلحة العامة، والأمر الذي يرضيه، كما أشار إليه بقوله تعالى: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ }[النمل:62].
(وممهلكم في مضمار ممدود): الإمهال هو: التوقف والتلبث، والمضمار هي: المدة تجعل لسباق الخيل، والغرض بمدة تطويله، وغرضه المدة المضروبة في الدنيا.
(لتتنازعوا سبقه): السبق بالتحريك: ما يوضع بين أهل السباق من الأخطار، والتنازع هو: التخاصم، أي كل واحد يدعي أنه السابق فيأخذ السبق.
(فشدوا عقد المآزر): الغرض الجد والتشمير في أمر الجهاد، من جهة أن الواحد إذا أراد استنهاض أمر من الأمور ، شدَّ عُقْدَة إزاره كيلا ينحلَّ فيشغله عن المقصود.
(وأطروا فضول الخواصر): أراد اقطعوا التنعم بالمآكل الطيبة والتلذذ بها، ولا يشغلكم عن الجهاد، والاطرار هاهنا: القطع، من قولهم: ضربه فأطرَّ يده أي قطعها، وهو بالطاء بنقطة من أسفلها.
(لا تجتمع عزيمة ووليمة): العزيمة هو: القطع وتوطين النفس على إمضاء الفعل، وترك التردد فيه، والوليمة: طعام العرس، والغرض من هذا هو أن الجد في الأمور والترفه والتنعم بالطيبات لا يجتمعان، فكنى بهذا الكلام عما ذكرناه.
(ما أنقض، النوم لعزائم اليوم!): أراد أن الإنسان إذا كان عازماً على أمر يفعله في الغد ثم نام واستراح في تلك الليلة، فإنه ينقض لا محالة النوم ما كان قد قطع على فعله في الغد، والغرض من هذا هو أن الراحة وتذكرها تفتر عن تحمل المشاق العظيمة.

(وأمحى الظُّلَمَ، لتذاكير الهمم!): يعني أن ظلمة الليل تدعو إلى النوم والاستراحة، وتمحو ما تذكره الهمم من تحمل المشاق في طلب معظمات الأمور وكفاية المهمات.

(227) ومن كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد الهجرة ويذكر لحاقه به
(فجعلت أتبع مأخذ رسول الله[صلى الله عليه وآله] ): يريد أني خرجت من مكة أقتص أثره وأسلك طريقه التي سلكها.
(فأطأ ذكره): أراد بوطئ الذكر هو أنني كنت أُغطِّي خبره وأعلم به من بدء خروجي من مكة إلى أن انتهيت إلى هذه الغاية، فكنى بقوله: (أطأ ذكره) عن هذا المعنى، وهو من لطيف الكناية وغريبها، وأبلغها في الفصاحة وعجيبها.
(حتى انتهيت إلى العرج): وهو قرية بين مكة والمدينة، وإليه ينسب الشاعر العرجي ، وهو من أولاد عثمان بن عفان، والسبب في ذلك هو أن الرسول عليه السلام لما أذن الله له في الهجرة أمر أمير المؤمنين بالإقامة بعده لردِّ الودائع، وقضاء الديون التي عليه بعده، فلما فرغ من ذلك تبعه يقتصُّ أثره ، فكنى بهذه الكناية العجيبة عن ذلك.
وزعم الشريف علي بن ناصر الحسيني أن مراده بقوله: (أطأ ذكره): أي أني أذكر ما وصاني به من أني لا أسلك الجادة خوفاً من قريش ، وهذا من تعسفاته، فإن هذه الكناية لا تستعمل فيما ذكره، والأحق في معناها ما ذكرناه، والله أعلم.

(228) ومن خطبة له عليه السلام
(فاعملوا وأنتم في نَفَسِ البقاء): يريد سعة الحياة ومتنفسها، ومدة الآجال المضروبة.
(والصحف منشورة): لأن الإنسان ما دام حياً تكون صحيفة أعماله منشورة في يد الملك الموكل بها، يكتب فيها كل مافعل وإذا مات طويت.
(والتوبة مبسوطة): لا يزال من لطف الله ورحمته على هذه الحالة حتى يغرغر بالموت ويزول الاختيار، فعندها ينسدُّ بابها، ويطوى بساطها.
(والمدبر يُدْعَى): والمتولي عن الله تعالى، وعن الإقبال إلى طاعته يدعى بالرجز والوعيد، والتخويف الشديد.
(والمسيء يرجى): له العودة والإسراع إلى التوبة.
(قبل أن يجمد العمل): يروى بالجيم، وأراد بجمود العمل انقطاعه، وذهابه بالموت، كالماء إذا جمد فإنه ينقطع عن الجريان، ويروى بالخاء بنقطة ، وهو السكون من خمدت النار إذا سكن لهبها، والمعنى فيهما قريب.
(وينقطع المهل): المهل التؤدة والإرواد، وهوالاسم من الإمهال والاستمهال.
(وتنقضي المدة): مدة الأعمار المضروبة لها.
(ويُسَدُّ باب التوبة): بحضور أمارات الساعة، وزوال الاختيار بالإلجاء.
(وتصعد الملائكة): عن الكتابة والحفظ للأعمال، وتطوي الأعمال كلها.
(فأخذ امرؤ من نفسه): هذا خبر في معنى الأمر، وأراد فليأخذ امرؤ من نفسه، أراد أنه إذا أخذ في طاعة الله تعالى ورضاه، ومنعها عن اتباع الشهوات واستيفاء اللذات في حياته فإنه يكون آخذاً من نفسه ما ينفعها في الآخرة.
(لنفسه): أي من أجل نفسه وهو تمهيد حالها عند الله تعالى، واستحقاق الثواب العظيم من جهة الله تعالى فيحصل له الفوز به.
(وأخذ من حي لميت): أراد وأخذ من حياته بالاجتهاد في الأعمال الصالحة وهو حي لما يكون بعد الموت.

(ومن فاني ): أراد إما من الدنيا فإنها فانية منقطعة، وإما مِمَّا في يده من الأموال فإنها فانية منقطعة.
(لباقي): أراد إما الآخرة فإنها باقية لا نهاية لها، وإما الثواب فإنه أيضاً لا انقطاع له.
(ومن ذاهب): ومما يذهب عن يديه ويزول بالموت، والتفرق والانقطاع.
(لدائم): وهي الآخرة أو الجنة.
(امرؤ خاف الله): أراد ليخف الله امرؤ.
(وهو معمَّر إلى أجله): يعني والعمر حاصل إلى الأجل الذي قدَّره الله تعالى وحتمه.
(ومنظور إلى عمله): لابد من عرضه على الله تعالى وتحققه وانتقاده، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ }[الحاقة:18].
(امرؤ ألجم نفسه بلجامها): يعني ليلجم امرؤ نفسه بلجامها، وهو كناية عن زجرها بالوعيد وكفَّها بالتخويف.
(وزمَّها بزمامها): أخذاً لذلك من زمام البعير، وهو عبارة عن الخيط الذي تشد بها البُرَة في أنف البعير.
(فأمسكها بلجامها): يريدقبضه إليه.
(عن معاصي الله): مناهيه التي نهى عنها، وقبحها من جهة العقل، وعلى لسان نبيه [ صلى الله عليه وآله وسلم] .
(وقادها بزمامها): كما يقاد الجمل المخشوش بزمامه.
(إلى طاعة الله تعالى ):
سؤال؛ أراه جعل اللجام في حق المعاصي، وجعل الزمام في حق الطاعات، وكل واحد منهما يحتاج إلى إكراه النفس على فعل الطاعة، والكفُّ عن المعصية؟
وجوابه؛ هو أن اللجام لامحالة أملك لرأس الفرس من الزمام لرأس الجمل، فلهذا خصَّ المعاصي باللجام لما في النفوس من محبتها والتقحم عليها، وإيثار الشهوات العاجلة من أجلها، فلا بد من أن يكون في مقابلها زاجر قوي.

132 / 194
ع
En
A+
A-