(وأقرب اشتباه الأمثال): لأن كل واحد منها يماثل صاحبه ولهذا يقع بينهما التشابه، ألا تراك تأخذ تمرتين متماثلتين ثم تعطي أخاك واحدة منهما ثم إذا جمعت بينهما ثم أردت أن تعطيه ما كان حقاً له اشتبه عليك الحال، إلا أن يكون فيها علامة تميزها من صاحبتها.
(تأملوا أمرهم في حال تفرقهم وتشتتهم): يريد أولادهم ومن كان بعدهم من خلفهم، فأما زمان آبائهم فكان جارياً على نعت الصلاح والاستقامة، من جهة الله تعالى بالتأييد بالوحي، والتشريف بكرامة النبوة.
(ليالي كانت الأكاسرة والأقاصرة ): الأكاسرة: من كان من ملوك الفرس، والأقاصرة: من كان من ملوك الروم.
(أرباباً لهم): مالكين لرقابهم بتسليط الله لهم عليهم.
(يحتازونهم عن ريف الآفاق): أراد أنهم يجمعونهم ويخرجونهم عن الريف والخصب إلى المواضع المجدبة.
(وبحر العراق): يريد ما يسقيه دجلة والفرات، أو سيحون وجيحون، فكل هذه أنهار، وهي بحار الدنيا؛ لأنها تعبر بالسفن وتحاز عنها بالقناطر لعظمها وفخامة شأنها، وهي مياه عذبة حلوة.
(وخضرة الدنيا): عجائبها ونضارتها .
(إلى منابت الشيح): وهو نبت طيب الرائحة.
(ومهافي الريح): مذاهبها ومهابّها المختلفة.
(ونكد المعاش): مواضع العيش المنكد التي لا راحة فيه ولا طيب في أكله، وأراد أنهم ألجأوهم إلى المواضع النكدة، والمعايش الخشنة الضيقة الضنكة.
(فتركوهم): على هذه الحالة.
(عالة): فقراء جمع عائل مثل كافر وكفرة، وفاسق وفسقة.
(مساكين): قد غشيتهم الاستكانة، وركبتهم الذلة.
(إخوان دبر ووَبَر): الدبر بالتحريك: جمع دبرة وجمعه أدبار، وهو الجرح من القتب ، والوبر بالتحريك للبعير، وأراد أنهم صاروا بدواً يعالجون جروح الإبل وأوبارها، وزالوا عن الثروة والملك والرئاسة.
(وأذل الأمم داراً ): إذ لا منعة لهم فيها، ولا يقدرون على منعها عن الضيم لمن يريدها به.
(وأجدبهم قراراً): والمواضع التي يسكنونها جديبة لا رخاء فيها.
(لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها): أي ليس لهم ملجأ فيدعوهم ليحميهم في ظل جناحه.
(ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها): يعني ولا قلوبهم مؤتلفة فيتفيئون في ظلها، ويلجأون بأمورهم ويعتزُّون بها.
(فالأحوال): مع ما ذكرناه منهم.
(مضطربة): لا تستقر على قاعدة ولا تؤول إلى حالة مستقيمة.
(والأيدي مختلفة): كل واحد منهم في جانب غير جانب الآخر.
(والكثرة متفرقة): فهي غير نافعة مع التفرق.
(في بلاء نازل ): من الله عليهم لأجل مافعلوه، وارتكبوه من المعاصي.
(وأطباق جهل): وجهل مطبق عليهم لا يفيقون من سكرته.
(من بنات موؤدة): تفسير للجهل، ومن هذه للبيان، والمراد أنهم يوؤدون البنات، وهو دفنهنَّ وهنَّ أحياء خيفة عن العار، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}[التكوير:8-9].
(وأصنام معبودة): يعبدونها من غير بصيرة، ولا ثبات قدم ، وإنما هو جهل ابتدعوه، وغرور ارتكبوه.
(وأرحام مقطوعة): لا يبالون بها ولا يلتفتون إلى صلتها، ولا يراقبون أحوالها.
(وغارات مشنونة): من كل ناحية ملاحظة للكبر، ومراعاة لجانب الفخر لا يقاتلون لله، ولا يجاهدون أحداً من أعداء الله.
(فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم): يعني أولاد إسماعيل بعد تفرقهم في البلاد، وتشتتهم فيها كيف لحظهم الله تعالى بعين الرحمة ، ورعاهم بأحسن الرعاية.
ثم أردف ما ذكره بالمنة ببعثه الرسول عليه السلام فيهم وجعله فيهم، بقوله:
(حين بعث إليهم رسولاً): خصَّهم ببعثته، وشرَّفهم بأن جعله من صلب أبيهم إسماعيل ووشيجته .
(فعقد بملته طاعتهم): أراد فجعل من جملة ما بعث به الانقياد لأمرهم، والاحتكام لطاعتهم.
(وجمع على دعوته ألفتهم): يعني حصل ائتلافهم واجتماعهم ببركته، فاجتمعوا على إجابة دعوته، والإشارة بهذا الكلام إلى بني هاشم، وأمير المؤمنين وأولاده، فإن الله تعالى عز سلطانه أوجب طاعتهم على غيرهم بما فعل لهم من الولاية، وجمع الله شملهم بدعوة الرسول عليه السلام.
(كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها): لا جناح هناك ولانشر، وإنما الغرض الاستعارة وهو عبارة عن التمكين والبسط في الرزق، وقرار الخاطر.
(وأسالت لهم جداول نعمتها): الجدول هو: النهر الصغير، والضمير في قوله: نعمتها راجع إلى الكرامة.
(والتفت الملة بهم في عوائد بركتها): أراد أن اجتماعهم على ملة الرسول وشريعته هي العائدة عليهم بالبركة، والجامعة لشملهم.
(فأصبحوا في نعمتها غرقين): الضمير للملة، وأراد أنهم أصبحوا في غزارتها وعظيم أُبَّهتها، وعبَّر بالغرق عن ذلك.
(وعن خضرة عيشها فكهين): الفكه: طيب النفس، ولذتها بما هي فيه، وهكذا خضرة العيش كناية عن طيبه ولذاذته وهنائه.
(قد تربعت بهم الأمور): استحكمت وتمكَّنت، استعارة من تربع الإنسان وهو استحكامه في جلوسه.
(في ظل سلطان قاهر): وهو ما أعطاهم الله من الولاية على الخلق والرئاسة عليهم، واستحكام الملك لهم من جهة الله تعالى.
(وآوتهم الحال): رجعت بهم الأحوال.
(إلى كنف عز غالب) : لمن غالبه ومذلٌّ لمن ناواه.
(وتعطفت عليهم الأمور ): التعطف هو: الرقة والحنو، وهو مأخوذ من تعطف الوالدة على ولدها.
(في ذرى ملك ثابت): الذروة: أعلا الشيء، والثابت: المستقر الثابت القواعد.
(فهم حكام العالمين ): لا يصدرون إلا عن حكمهم وقضائهم.
(وملوك في أطراف الأرضين): أقاصيها، والمواضع البعيدة منها.
(يملكون الأمور): حلّها وعقدها وقبضها، ومدَّها وبسطها.
(على من كان يملكها عليهم): يشير بهذا إلى ما حكاه من قبل من كونهم كانوا مملوكين، فردَّ الله عليهم ما فات من ملكهم، ومكَّن بسطتهم.
(ويمضون الأحكام): يلزمونها فتكون ماضية.
(فيمن كان يمضيها فيهم): فصاروا قادرين عليه محتكمين فيه، يفعلون فيه مثلما كان يفعل فيه، وأبلغ من ذلك:
(لا تغمز لهم قناة) الغمز هو: مسُّ الشيء والدرية بِكُنْهِ حاله في الرخاوة والصلابة.
(ولا تقرع لهم صفاة): هذا جار مجرى الكناية عن شدة الجانب وقوة الشوكة، وشهامة الأنفس وعزتها.
(ألا وإنكم قد نقضتم أيديكم عن حبل الطاعة): يخاطب أصحابه بذلك كأن أيديهم كانت مربوطة بحبل الطاعة لله تعالى، وبالاستمساك بعروته، فنقضوها بما كان منهم من الخروج عن الطاعة، والتهالك في المخالفة للدين وأحكامه.
(وثلمتم حصن الله المضروب عليكم): الحصن هو: الإسلام، والمراد بثلمه هو نقصه برفض أحكامه، وإحياء ما اندرس من أحكام الجاهلية.
(وإن الله سبحانه قد امتنَّ على جماعة هذه الأمة): تفضل عليهم وجعل من أعظم المنن عليهم.
(فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة): فجعل الإسلام جامعاً لألفتهم، والإيمان حافظاً لجماعتهم، فهم في ظل هذه الألفة.
(التى ينتقلون في ظلها): من جهة إلى جهة، ومن مكان إلى مكان آخر.
(ويأوون إلى كنفها): يرجعون، والكنف: الجانب، وكنفا الطائر جناحاه؛ لأنهما يكتنفان جسمه من عن يمين وشمال.
(بنعمة): الباء متعلقة بقوله: امتنَّ.
(لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة): لا يقع في نفسه مقدار قيمتها وإن جد في ذلك غاية الجد، وكيف يقوم ما لاقيمة له، أو كيف يوزن ما لا يتزن بحال.
(لأنها أرجح من كل ثمن): يوازنها ويقوم مقامها.
(وأجل من كل خطر): الخطر: السبق الذي يكون بين المتراهنين، وأراد أنه لاأجل من خطرها ولاأعظم.
(واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعراباً): يريد أنكم هاجرتم بزعمكم، وأقمتم في دار الحرب وموضع الحرب فصرتم أعراباً جفاة لا تمييز لكم.
(وبعد الموالاة أحزاباً): وبعد موالاة أهل الإسلام تحزبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتألبتم عليه يوم الخندق وغيره.
(ما تعلقون من الإسلام إلا باسمه): أي مالكم من الدين شيء من الأحكام الدينية، ولا يلحقكم شيء من الأحكام الشرعية، إلا أن يقال لكم: إنكم مسلمون بإطلاق هذا القول لا غير.
(ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه): علامته، وما حظكم منه إلا أن تقولوا: من حق المؤمن كذا، وله حكم كذا من غير تخلّق بأخلاق المؤمنين، ولا تلبس بأفعال الصالحين.
(تقولون: النار ولاالعار): أي الزموا النار ولا تقبلوا العار، والغرض ها هنا هو المبالغة في دفع العار بالتزام النار والدخول فيها، فلاأنتم دفعتم العار كما ينبغي الدفع منكم، ولا أنتم سَلِمْتُم من النار.
(تريدون ): بما قلتموه من هذا الكلام.
(أن تكفئوا الإسلام على وجهه): كفأت الإناء إذا قلبته وكببته على وجهه، يريد بترك النصرة له ، والتخاذل عن القيام بحقه.
(انتهاكاً لحرمته): نهكته الحمى إذا أتعبته وأضعفته، وأراد إضعافاً لحرمته، وإسقاطاً لما رفع الله من مكانه ومنزلته.
(ونقضاً لميثاقه): حيث أخذ الله ميثاقهم في نصرة دينه، حيث قال: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ }[البقرة:218] وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ }[التوبة:123] وغير ذلك.
(الذي وضع الله لكم حرماً في أرضه): تعتزون به وتلجأون إليه.
(وأمناً بين خلقه): من تلبس به فهو آمن على نفسه، وأهله وولده.
(وإنكم إن لجأتم إلى غيره): في الانتصار وأسندتم أموركم في الاعتضاد.
(حاربكم أهل الكفر): رموكم عن قوس واحدة، واستظهروا عليكم من أجل خذلانكم الدين، وإعراضكم عن الإسلام .
(ثم لا جبريل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار): يريد كما كان في أيام الرسول، فإن هؤلاء كانوا أعواناً له على أعدائه، وهم الناصرون له على من خالفه، وأما الآن فلا شيء من ذلك بموجود، فلهذا يستحكم أمر الكفر عند ذلك وتستقوي حالته، ويظهر أمره.
(ينصرونكم ): ويكونون ردأً لكم عند المقاتلة والمصافة.
(إلا المقارعة بالسيف ): إلا الضرب والقتال الشحيح.
(حتى يحكم الله بينكم): بما كان عنده من الصواب.
(وإن عندكم الأمثال من بأس الله): يريد إن بين أظهركم أخبار الأمم الماضية وما صنع الله بهم بإنزال البأس، وهو: العذاب.
(وقوارعه): وعقوباته التي تقرع.
(وأيامه): كما قال تعالى: {وَذَكّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ }[إبراهيم:5].
(ووقائعه): في القرون الماضية كعاد وثمود، وَمَدْيَن وغيرهم ممن طغى وكذَّب وأبى.
(فلا تستبطئوا وعيده): تراخيه، فإن التعجيل إنما يكون في حق من يخشى الفوت ، فأما من هو قادر في كل حالة على ما يشاء ويريد، فلاوجه للاستبطاء.
(جهلاً بأخذه): نصبه إما على المفعولية أي من أجل الجهل بأخذه، وإما مصدراً في موضع الحال أي متجاهلين.
(وتهاوناً ببطشه): البطش هو الأخذ بالعنف والاستئصال.
(ويأساً من بأسه): وأياساً من مجيء عذابه ووقوعه.
(فإن الله لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم): في الكتاب الذي يتلى بين أظهركم، كما قال تعالى: {لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً }[المائدة:13]، وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ }[المائدة:78] وغير ذلك مما ورد في لعن اليهود وغيرهم.
(إلا لتركهم الأمر بالمعروف): وهو الإتيان بالواجبات على وجوهها.
(والنهي عن المنكر): والكف عن المحرمات.
(فلعن السفهاء): وبخهم وأكثر من الوعيد عليهم.
(لركوب المعاصي): إتيانها وفعلها، والتلبس بها.
(والحلماء ): ولعن الحلماء وأهل العقل.
(لترك التناهي): يعني من أجل أنهم لم ينهوهم عن ارتكاب القبائح، وإتيان المنكرات.
(ألا وقد قطعتم قيد الإسلام): واسترسلتم في إتيان القبائح، وألقيتم حبالكم على الغوارب، فما يمنعكم منها مانع، وإنما قال: قطعتم قيد الإسلام؛ لأنه هو المانع عن أكثر المحرمات، وعن ارتكابها وفعلها، وفي الحديث الشريف: ((الإيمان قيد الفتك )) أي أنه يمنع عن الفتك والغدر، وعن كل مكروه يحذر وقوعه.
(وعطّلتم حدوده وأمتم أحكامه): فلا يرى منها حكم قائم على وجهه.
ثم لما فرغ من هذا ذكر حال نفسه، بقوله:
(ألا وإني قد أمرني الله): حيث قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ }[الحج:78] وغير ذلك من الآيات الدالة على الأمر بالجهاد والمواظبة عليه، ثم هو أحق الناس بالجهاد، وأحقهم بالدعاء لما خصَّه الله من الولاية التي ليست لغيره، والإمامة التي لم يختلف فيها اثنان، والفضائل التي لم يشاركه فيها أحد، فلهذا كان أحق الناس بالأمر لما ذكرناه.
(بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض): فهذه الأمور الثلاثة أعظم ما تكون خللاً في الدين، وأحق من قام بها وعنى في تغييرها هم الأئمة.
(فأما الناكثون فقد قاتلت): نكث بيعته إذا طرحها، وعنى بذلك طلحة والزبير ومروان بن الحكم، فإنهم بايعوا أمير المؤمنين في أول خلافته، ثم نكثوا العهد، وخرجوا إلى البصرة وهيجوا الفتن والحروب ، ومالوا لعائشة، وأوقعوا الجمل، فقاتلهم أمير المؤمنين حتى كان ما كان من أمرهم.
(وأما القاسطون فقد جاهدت): القاسط هو: العادل عن الحق، وهؤلاء هم معاوية وأتباعه، جاهدهم أمير المؤمنين ، وأبلى معهم في صفين.
(وأما المارقة فقد دوخت): يريد بالمارقة الخوارج، قتلهم أمير المؤمنين بالنهروان وغيره من مواضعهم التي كانوا فيها، وإنما سموا مارقة، لقول الرسول: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية )) ، ومروق السهم من الرمية: خروجه من الجانب الآخر، دوَّخت إما أهلكت من قولهم: دوَّخت الرجل إذا أهلكته ، وإما دوَّخت أي أذللت، يقال: داخ الرجل إذا ذلَّ وتصاغر.
سؤال؛ أراه قال في الناكثين: قاتلت، وفي حق القاسطين: جاهدت، وفي حق المارقين: دوَّخت، فخالف بين هذه العبارات، وهم كلهم مستوون في إتيانهم بالباطل ومخالفتهم للحق؟
وجوابه؛ هو أن الأمر وإن كان كما ذكرت لكن الأمر في شأن طلحة والزبير، ومن تابعهما من عائشة وغيرها أخف حكماً من أجل التباس الحق عليهم، ولهذا تداركهم الله بالتوبة كما قررناه من قبل، فلهذا قال في حقهم: قاتلت؛ حتى رجعوا إلى الحق واستبانوا الباطل.
وأما معاوية فما كان حربه إلا فسقاً وتمرداً ، ونكوصاً عن الحق بعد ظهوره، ولكنه أبى إلا الفسق والمخالفة، والبغي على أمير المؤمنين، مع معرفته بالحق أين هو ومعرفته بحال نفسه وفسقه، فلهذا قال في حقه: جاهدت، لما علم من حاله التمرد والفسق.
وأما الخوارج فلمكان تهالكهم في الفتنة، وضلالهم عن الحق، ومكابرتهم له في المتابعة، والنصيحة لهم في كل موطن، فلما أبوا غاية الإباء أنفذ أمر الله فيهم، ولم يأل جهداً في ذلك كما قال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ }[الزخرف:55].
(وأما شيطان الردهة): الردهة: حفرة في صخرة يستنقع فيها الماء، واختلف في شيطان الردهة، فقيل: هو ذو الثُّديّة من الخوارج، وقيل: هو شيطان من الجن الكفار .
(فقد كُفِيْتُهُ بصعقة): يريد كفاه في القتل، وقطع الدابر بصعقة، إما من الله بسبب أمير المؤمنين، وإما من جهة أمير المؤمنين.
(سمعت لها وجبة قلبه): أي حركته واضطرابه.
(ورجة صدره): زلزلته وقلقلته.
(وبقيت بقية من أهل البغي): جماعة قليلة.
(ولئن أذن الله لي): أذن بمعنى علم، قال الله تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ }[البقرة:279] وأذن له إذناً أي استمع، قال الشاعر:
صمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرت به
وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
أي سمعوا، وفي الحديث: ((ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن )) .
(في الكرة عليهم): العودة عليهم بالحرب، وقطع الدابر والاستئصال.
(لأديلنَّ منهم): يعني لأنصرنَّ المؤمنين من بغيهم وباطلهم، يقال: أدالنا الله من عدونا أي نصرنا عليه.
(إلا ما يتشذَّر في أطراف الأرض تشذراً): هذا استثناء منقطع، والتشذُّر هو: التفرُّق والتبديد، يقال: تفرقوا شذر مذر أي ذهبوا في كل جهة.
(أنا وضعت بكلاكل العرب): الكلكل: الصدر، وأراد بوضع الكلاكل هو قتل الرءوساء من العرب قريشاً وغيرهم، يشير إلى ما كان منه في بدر من قتل الصناديد من قريش، وما كان في حنين وغيره من المشاهد التي أبلي فيها، وخصَّه الله بما خصَّ من قَتْلِ من قَتَلَ من الأعزة وأهل الشهامة.
(وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر): النواجم: جمع ناجم وهو: الظاهر الطالع، وأراد بقرون ربيعة ومضر عبارة عن الرءوساء والأرحاء الذين عليهم مدار الأمر في كل الأحوال، يقال: نجم القرن إذا ظهر وبدا، وكنَّى عن ذلك بالقرون؛ لأن القرن هو سلاح الحيوان وبه يصول ويستظهر.
(وقد علمتم موضعي من رسول الله [صلى الله عليه وآله] ): مكاني من نسبه وموضعي من شجرته وأرومته ، فإني أخصُّ به من بين سائر الناس:
(بالقرابة القريبة): التي لا شيء أقرب منها، لأن أبا طالب أب أمير المؤمنين، وعبد الله أب رسول الله كانا أخوين من الأم .
(والمنزلة الخصيصة): المختصة التي لامنزلة لأحد أخص منها.