(ويبتليهم بضروب المكاره): بما يكرهون من الأفعال والتروك.
(إخراجاً للتكبر عن قلوبهم): انتصاب إخراج على المفعول له أي فعل ذلك من أجل إخراج ما يقع من الكبر والعظمة من قلوبهم، ويعتقدونه ويفعلون به.
(وإسكاناً للتذلل في نفوسهم): أي وليكون الذلة والصغار لجلاله ساكناً في نفوسهم، لا زوال له ولا انقضاء لحاله ودوامه.
(وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله): وكما فيه تلك الفائدة التي أشار إليها، ففيه فائدة أخرى وهو كونه باباً وذريعة إلى الا زدياد من فضله وخيره، والفتح بضمتين هي: الأبواب المفتوحة كالذُّلُل أي المذللة.
(وأسباباً دللاً لعفوه): أي وتكون أسباباً دليلة لمن يسلكها ويريد فعلها من أجل تحصيل عفوه.
(فالله الله في عاجل البغي): أراد التحذير عنه وأنهم لايقربوه، لما فيه من المعاجلة بالعقوبة والإسراع فيها.
(وآجل وخامة الظلم): والتحذير أيضاً عما يكون في الآجل، وما يدخر ليوم القيامة من وخيم الظلم، والوخامة والوخومة: ما يستكرهه الإنسان من الأشياء، ولا يستطيبها.
(وسوء عاقبة الكبر): في الآخرة من الخزي من الله تعالى والنكال عليها.
(فإنها): يريد الكبر، والظلم، والبغي.
(مصيدة إبليس العظمى ): القياس فيه الإعلال وأن يقال: المصادة كا لمقالة والمقامة، ولكنه شذَّ كما شذَّ قولهم: استحوذ، واستصوب، وأراد أنها أعظم الخصال التي يصيد بها الرجال.
(ومكيدته الكبرى): وأكبر ما يخدع به من المكائد التي أعدَّها وهيّأها.
(الت‍ي تساور قلوب الرجال): تواثبها وتغالبها.
(مساورة السموم القاتلة): مواثبتها، فإن من شربها فإنه لا محالة هالك لا برء له ولاخلاص عنها.

(فما تكدي أبداً): أكدى الحافر إذا بلغ موضعاً لا يمكنه حفره لصلابته، وأراد لا يصعب عليها علاج أحد ولا إهلاكه.
(ولا تشوي أحداً): يقال: رماه فأ شواه إذا لم يصب المقتل، وغرضه أن رميها لا ينفك عن إصابة المقاتل.
(لا عالماً لعلمه): أي لا يترك عالماً فيهابه من أجل علمه.
(ولا مقلاً في طمرة): أي ولا يزدري مقلاً متلفعاً في طمرة لا يملك سواه، وغرضه أن مكيدته لاتبقي أحداً ولا خلاص لأحد عنهاإلا بتوفيق الله ولطفه.
(وعن هذا ): يشير إلى المذكور أولاً.
(ما حرس الله عباده المؤمنين): الذين أخلصوا إيمانهم لوجهه.
(بالصلوات والزكوات): بافتراض هذه العبادة، وإخراج هذه القطعة من المال المخصوصة.
(ومجاهدة الصيام): بالتحفظ عليه وترك الطعام والشراب.
(في الأيام المفروضات): وهو صيام شهر رمضان وما شاكله من الصيامات الواجبة، فجعل الله هذه العبادات أمارة للخضوع والتذلل والتسكين.
ثم شرع في تفاصيلها ، بقوله:
(تسكيناً لأطرافهم): لليد والرجل عن البطش، وإسكان جميع الجوارح كلها.
(وتخشيعاً لأبصارهم): فلا ترتفع إلى خلاف ما هو لها النظر إليه.
(وتذليلاً لنفوسهم): فلا تكون مشتاقة إلى ما أباح الله لها.
(وتخفيضاً لقلوبهم): فلا تسرع إلى غير ذلك.
(وإذهاباً للخيلاء عنهم): يريد الكبر.
ثم بيَّن تصديق ما ذكره من هذه العبادات، بقوله:
(لما في ذلك): واللام متعلقة بقوله: حرس الله، من أجل ما فيه من المصالح العظيمة.
(من تعفير عتائق الوجوه بالتراب): عند الصلاة وعند التيمم إذا عدم الماء، والعتاقة هي: الرشاقة والحسن.
(تواضعاً): أي من أجل التواضع لله والخضوع لجلاله.
(وإلصاق كرائم الجوارح بالأرض): وهي الوجوه عند السجود.

(تصاغراً): أي من أجل التصاغر.
(ولحوق البطون بالظهور من الصيام): أراد أن الإنسان إذا جاع صار بطنه كظهره في الاجتماع والاستواء من شدة الجوع بالصيام والذبول.
(تذللاً): أي من أجل التذلل.
(مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض، وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر): يريد أن الزكاة مع ما فيها من التواضع وتزكية النفس، وفيها فائدة جزيلة وهي مواساة الفقراء وأهل المسكنة، من أهل الإيمان والصلاح وأهل التقوى، فهذه التكاليف كلها مشتملة على ما ذكره من هذه المصالح العظيمة، والتوقي بها من هذه المكاره الوخيمة.
ثم أخذ في أسلوب آخر، بقوله:
(انظروا إلى ما في هذه الأفعال): التي أوجبها الله عليكم من المصالح التي قصصتها، وثبت حالها وأمرها.
(من قمع نواجم الفخر): قمع رأسه إذا ضربه بالمقمعة، والنواجم جمع ناجمة، وهو: ما يظهر من هذه الأمور وأعظمها التفاخر.
(وقدع طوالع الكبر): القدع بالقاف والدال بنقطة من أسفلها هو: الكفُّ، يقال: قدع نفسه إذا كفَّها عن هواها، والطوالع: جمع طالعة، وهو ما يكون من تعاظم النفس بتكبرها.
(ولقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين): خبرت الأشياء ومارستها، فما وجدت أحداً يدعي من أهل العلم والشعور بحاله.
(يتعصب لشيء من الأشياء إلا عن علة): يظهر العصبية من نفسه لشيء من الأشياء إلا عن داعٍ يدعوه إلى ذلك، وإرادة له لغرض من الأغراض.
(تحتمل تمويه الجهلاء): تتضمن وتشتمل على زخرفة الْجُهَّال ، وسمي الباطل تمويهاً؛ لأنه عن قريب وقد تلاشى وبطل كأنه شبيه بالماء.
(وحجة تليط بعقول السفهاء): لاط بكذا إذا لزق به، فهذه أنواع الدواعي يتعلق بها كل أحد ممن له غرض.
(غيركم): إلا إياكم.

(فأنتم تغضبون لأمر لايعرف له سبب): فيكون ذلك السبب هو الداعي إليه، والحامل في الفعل عليه.
(ولامس يد علة): يريد ولا لابس يد علة فلمسها، ومس اليد للعلة من غريب الكلام ولطيفه، ويبيِّن ما قلته في حالكم ويوضحه:
(أما إبليس فتعصب على آدم): فكانت عصبيته وحميته ، استظهاراً على آدم:
(لأصله): أي من أجل ما رُكِّب منه وخلق.
(وطعن عليه في خلقته): فرأى الفضل لنفسه على آدم من هذه الأوجه.
(فقال: أنا ناري): أي مخلوق من النار.
(وأنت طين‍ي): مخلوق من الطين.
(وأما الأغنياء من مترفة الأمم): الذين طغى بهم الغنى، وبلغ بهم الإتراف في النعم إلى الإعجاب والتفاخر.
(فتعصبوا [لآثار مواقع النعم] ): فكان السبب في تعصبهم لما هم عليه من كثرة الأموال وجمعها، ثم تلا هذه الآية:
(فقالوا: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}[سبأ:35]): وأنتم عادمون لهذه الخصال التي وقع فيها التعصب ليس فيكم واحدة منها.
(فإن كان لابد من العصبية): وأنتم عازمون عليها موطنون لنفوسكم على إتيانها.
(فليكن تعصبكم): فأخص المواقع به وأعظمها اختصاصاً به تعصبكم:
(لمكارم الخصال): من الكرم والبذل، وإغاثة المضطر، وَقِرَى الضيف، وصلة الأقارب.
(ومحامد الأفعال): أي والمواظبة على الأفعال المحمودة من البر والإحسان وأنوع القرب.
(ومحاسن الأمور): أحسن الأمور وأعلاها في المنقبة.
(الت‍ي تفاضلت فيها المجداء والنجداء): تنافس فيها أهل المجد والفضل، وأهل النجدة والرئاسة، وأراد بالمجداء الكرماء، والنجداء الشجعان.
(من بيوتات العرب): أهل الرفعة والكرم، وجعل البيوتات عبارة عن بطون العرب.

(ويعاسيب القبائل): واحدها يعسوب وهو: أمير النحل وكبيرها، وقد استعير لسيد القوم ورئيسهم.
(بالأخلاق الرغيبة): الباء ها هنا متعلقة بتفاضلت بهذه الأشياء من الأخلاق التي يرغب فيها من سمع بها ورآها.
(والأحلام العظيمة): التي بلغت كل نهاية في الصفح والتجاوز والاغتفار لكل سيئة.
(والأخطار الجليلة): في موارد الأمور ومصادرها.
(والآثار المحمودة): التي تكون في حياة الإنسان وبعد وفاته من المكارم العظيمة.
(فتعصبوا): إذا كان لابد لكم من ذلك وأنتم فاعلوه:
(بخلال الحمد): جمع خلة وهي: الخصلة الواحدة.
(من الحفظ للجوار): مراقبة حاله ومراعاة جانبه.
(والوفاء بالذمام): يريد أن من جملة الخصال العالية، والمناقب الشريفة هو الوفاء بما عقد به الإنسان من العقود التي تشتمل على الذمة، والعقد أي عقد كان، ويصدق ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }[المائدة:1] وهي عبارة عما كانوا يتعاقدون فيه من عقود الأمانات والمبايعات.
قال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا [عقداً] لجارهم
شدوا العِناجَ وشدّوا فوقه الكرَبَا
والعناج: حبل يشدُّ من أسفل الدلو إلى أعلاها، والكَرَبُ: الحبل الذي يكون في عراقيِّ الدلاء، وغرضه في هذا المبالغة في شدة ما عقدوا ووثاقه، وأنه لا ينتقض أبداً.
(والطاعة للبر): أراد وتكونون منقادين للبر كأنه آمر لهم فيطيعونه.
(والمعصية للكبر): كأنه ناهي لهم فلا يخالفونه ولا يعصونه، وهذا من غريب الكلام وعجيبه حيث جعلهم مطيعين للبر كأنه آمر ، والمعصية للكبر فلا ينقادون له.
(والأخذ بالفضل): في جميع الأمور كلها فلا تكون جميع تصرفاتهم مستعملة إلا بالتفضل والإحسان.

(والكف عن البغي): فلا يتلبسون به في حالة من الحالات لتعجيل عقوبته، وسخف طبيعة من يتعلق به.
(والإعظام للقتل): يريد أنه إذا كان عظيماً عندهم لم يتجاسروا عليه لما فيه من المفسدة العظيمة، وهلاك الدين وفساده.
(والإنصاف للخلق): إما بإعطائهم ما يستحقونه، وإما بترك أخذ ما لايكون مستحقاً عليهم فهذا كله إنصاف.
(وكظم الغيظ ): عن التشفي، وفي الحديث: ((من كتم غيظه وهو يقدر على إنفاذه، ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة)) .
(واجتناب الفساد في الأرض): بقتل الخلق ونهب أموالهم، وإخافة السبل، وغيرذلك مما يكون ضرره عائداً إلى جملة المسلمين.
(واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات): العقوبات العظيمة المهلكة.
(بسوء الأفعال): أسوأها وأعظمها دخولاً في المفسدة من تكذيب الرسل، وسائر أنواع المعاصي التي حكاها الله تعالى في كتابه الكريم.
(وذميم الأعمال ): يريد الأعمال التي يُذَمُّ صاحبها على فعلها.
(فتذكروا في الخير والشر أعمالهم ): فإنكم إذا ذكرتموها في النعمة كان ذلك لطفاً في الازدياد من شكر الله على نعمه، وإفضاله عليكم، وإن ذكرتموها في الشر كان ذلك داعياً إلى العياذة بالله أن يكفيكم شر ما أصابهم، ولصق بهم من أنوع العقوبات، وضروب النقمات.
اللَّهُمَّ، إنا نستجير بك من غضبك، وشر انتقامك ياخير مجير، وأكرم مستجار به.
(واحذروا أن تكونوا أمثالهم): حذرهم من أن تصدر من جهتهم المعاصي فيكونون أمثالاً لهم في العقوبة.
(فإذا تفكرتم في تفاوت حالتهم) : في دوام النعمة عليهم، وحلول النقمة به.

(فالزموا كل أمر لزمت العزة به حالتهم):انظروا في أحوالهم، فكل أمر تجدون العزة والهيبة والجلالة لازمة لهم من أجله فالزموه، وحثوا عليه، وواظبوا على فعله.
(وزاحت الأعداء له عنهم): ومالت أعداؤهم بسببه ومن أجله.
(ومدت العافية فيه بهم): أي وصارت العافية ممدوداً عليهم ظلالها في تلبسهم به.
(وانقادت النعمة له معهم): وصارت النعمة منقادة لهم، ومصاحبة لحالهم من أجله.
(ووصلت الكرامة عليه حبلهم): وصارت الكرامة والعيش الهنيء الطيب واصلة حبلهم على سببه وأمره.
(من الاجتناب للفرقة): من هذه لابتداء الغاية، وتعلقها يكون بفعل محذوف تقديره: واحذروا من الوقوع في الفرقة وجانبوها، أو تكون من خبر مبتدأ محذوف تقديره: أي وذلك كله حاصل، أعني جميع ما عدده من اجتناب الفرقة.
(واللزوم للألفة): المصاحبة، وأن كل واحد منكم يألف صاحبه.
(والتحاضَّ عليها): التحاض تفاعل من حضه إذا حثه على الفعل، وأراد أن كل واحد منكم يحض صاحبه على التوالف والترافق والتعاون.
(والتواصي بها): يوصي كل واحد منكم صاحبه بها.
(واجتنبوا كل أمر كسر فِقْرَتَهُمْ): الفِقْرَةُ: واحدة فقرات الظهر وهو منتظم الظهر، يقال: هذا أمريكسر فِقَرَ الظهر وفِقَارَهُ، إذا كان عظيماً لا يقدر عليه.
(وأوهن مُنَّتَهُمْ): الْمُنَّةُ: القوة.
(من تضاغن القلوب): أوحارها وشدائدها التي تتضمنها.
(وتشاحن الصدور): التشاحن: التحاسد.
(وتدابر النفوس): إدبارها عن بعضها بعض بالنصرة والموالاة، والبغضاء.
(وتخاذل الأيدي): كفَّها عن النصرة عند الشدائد، والاضطهاد.
ثم لما فرغ من خطاب من يخاطب من أصحابه ذكر أحوال الماضين، بقوله:

(وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم): ممن آمن من القرون الماضية، والأمم الخالية من المؤمنين الذين صدَّقوا بالله، واعترفوا بحقه وحق رسله.
(كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء):يريد الابتلاء والاختبار والامتحان.
(ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء): الأعباء هي: الأحمال والأثقال.
(وأجهد العباد بلاء): أي وأكثرهم مجاهدة للبلاء، وانتصاب أعباء وبلاء على التمييز.
(وأضيق أهل الدنيا حالاً): في معائشهم وأمورهم.
(اتخذتهم الفراعنة عبيداً): الفراعنة: عبارة عن كل من تشيطن وشوش الدين، وحادَّ الله تعالى، ومعنى اتخاذهم عبيداً عبارة عن الامتهان والاستصغار.
(فساموهم سوء العذاب): أي أولوهم أشد العذاب وأعظمه.
(وجرَّعوهم المُرار): المُرار: نبت من الشجر شديد المرارة، وهو بضم الميم مخففاً إذا أكلته الإبل ارتفعت مشافرها لما فيه من العفوصة والقبض، والتجريع: شرب الشيء جرعة بعد جرعة.
(فلم تبرح الحال بهم): أي لم تزل دائمة.
(في ذل الملكة ): الملك وخضوع الرق.
(وقهر الغلبة): والغلبة القاهرة لهم.
(لا يجدون حيلة في امتناع): يعدمون الحيلة يمتنعون بها عما يصيبهم.
(ولا سبيلاً إلى دفاع): ولا يهتدون طريقاً إلى دفع ما هم فيه.
(حتى إذا رأى الله منهم جد الصبر): حتى هذه متعلقة بمحذوف تقديره: فصبروا على ما هم فيه عليه من البلاء حتى إذا رأى الله، علم من أحوالهم، أو شاهدهم في تقلباتهم، (حد الصبر): يُروى بالحاء المهملة أي منتهاه وغايته، ويُروى بالجيم، أي صريحه لا هزله.
(على الأذي في محبته): على المكروه من الأذية في فعل ما يحبه ويريده منهم.
(والاحتمال للمكروه): ويحتملون ما يكرههم ويشق فعله عليهم.

(من خوفه): خوفاً على أنفسهم من عقابه.
(جعل لهم من مضايق البلاء فرجاً): جعل ها هنا جواب لإذا، وأراد أنه جعل لهم من مواضع الضيق، وعوَّضهم عنها إفراجاً من جهته بتفريج الغصص عنهم.
(فأبدلهم العز مكان الذل): فأزال عنهم الذل بلطفه، وجعل عوضه العز.
(والأمن مكان الخوف): وأزال الخوف عنهم، وجعل مكانه الأمن.
(فصاروا لما فعل بهم): ما فعل من رحمته ولطفه بهم.
(ملوكاً): مقتدرين على الخلق، مالكين لهم.
(حكاماً):حاكمين على الناس في أمورهم، لا يوردون ولا يصدرون إلا عن أمر منهم وَأُذْنٍ.
(وأئمة): يقتدون بهم في الدين.
(أعلاماً): يهتدى بهم في المحارات العظيمة، وتُحَلُّ بهم الشبهات المبهمة.
(وبلغت الكرامة من الله لهم): مبلغاً لا يمكن وصفه ولا تدرك غايته.
(ما لم تذهب الآمال به إليهم ): ما لا يؤمل حصره ولا يبلغه الأمل فيكون مدركاً له.
(فانظروا كيف كانوا): تفكروا في حالتهم.
(حيث كانت الأملاء مجتمعة): الأملاء: جمع ملأ وهم: جماعة الرءوساء من الناس، واجتماعهم اتفاق آرائهم وأهوائهم.
(والأهواء مؤتلفة): غير مفترقة.
(والقلوب معتدلة): على الحق غير مائلة إلى الباطل والمخالفة.
(والأيدي مترافدة): الترافد هو: التعاون.
(والسيوف متناصرة): ينصر بعضها بعضاً .
(والبصائر نافذة):في كل إقدام وإحجام، لا يقدمون عن شك ، ولا يكون تأخرهم عن تردد.
(والعزائم واحدة): كل ما عزموا فيه فهو عن اجتماع واتفاق من غير افتراق.
(ألم يكونوا): مع حصول ما ذكرناه من المرافدة والمعاونة والمعاضدة.
(أرباباً): مالكين سادة مقتدرين.
(في أقطار الأرضين): في الجهات المتباعدة والأقاليم النائية.
(وملوكاً): كلمتهم غالبة نافذة.

(على رقاب العالمين): لهم الحكمة كيف شاءوا من أخذ وترك.
(فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم): في منتهاها وغايتها وقصاراها.
(حين وقعت الفرقة): الاختلاف في الأهواء والنفوس.
(وتشتت الألفة): تباينها وتزايلها وانقطاعها .
(واختلفت الكلمة): إما بأن يأمر هذا بشيء فلا يطاع ولا يلتفت إلى أمره، وإما يأمر هذا بشيء ثم ينهى عنه الآخر، فهذا هو الاختلاف والتفرق.
(والأفئدة): بما أوقع فيها من العداوة والبغضاء.
(وتشعبوا مختلفين): صار كل واحد منهم في جهة، على سبيل الاختلاف والتنازع لا يجمعهم جامع.
(وتفرقوا): في البلدان والأقاليم.
(متحاربين): كل واحد منهم يريد قتل صاحبه وإهدار دمه.
(قد خلع الله عنهم لباس كرامته): بما علم من حالهم من البغي والفسوق وأنواع المعاصي كلها، فلأجل هذا خلع عنهم ما ألبسهم من العز والمهابة.
(وسلبهم غضارة نعمته): وأزال عنهم أحسن النعمة وأعجبها، وألذَّها وأطيبها، والغضارة من كل شيء: خلاصته وأطيبه، ومنه غضارة الشباب.
(وبقي قصص أخبارهم): القصص جمع قصة، وغرضه أن ما بقي من ذلك كله إلا ما يقتصه القصَّاص من سيرهم الماضية.
(فيكم): تسمعونها.
(عبراً للمعتبرين ): مواعظ لمن اتعظ بها وانتفع، وكان ذلك مزجراً له عن أمثالها.
(فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبن‍ي إسحاق وبن‍ي إسرائيل["] ): هؤلاء كلهم أنبياء صلوات الله عليهم وسلامه على أرواحهم الطيبة، وهم أولاد إبراهيم، فإسماعيل وإسحاق هما ولدان لإبراهيم مشهوران، فإسماعيل هو أبو العرب، كما يزعمه نسَّاب اليمن، وأما إسرائيل فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
(فما أشد اعتدال الأحوال): تعجب من شدة اعتدالها عند تلاومها وتقاربها.

129 / 194
ع
En
A+
A-