(والذل): بأخذ العصا في أيديهما التي لا يأخذها إلا أهل الذل والمسكنة ومن ضعفت حاله، فمن هذه حاله كيف تصدر عنه هذه المقالة، أو كيف تحمله نفسه على التصريح بذلك، فإذا كان لابد من هذه الدعوى لهما:
(فهلاَّ ألقي عليهما أساورة من ذهب): الأساورة أصله أساوير جمع أسوار لكنها حذفت ياؤه وعوض عنها الهاء، وأسوار جمع سوار، وأراد بإلقاء الأسورة إلقاء مقاليد الملك، لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل وتمليكه سوَّروه بسوار في يده وطوَّقوه بطوق من ذهب في عنقه، والمعنى فهلا إذا كان صادقاً ملَّكه ربُّه وسوَّده، وجعل الذهب حاصلاً له.
(إعظاماً للذهب وجمعه): حيث جعله دلالة وأمارة على الملك والعظمة.
(واحتقاراً للصوف ولبسه): استضعافاً بحالة الصوف، وإهانة لمن يلبسه.
(ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حين بعثهم): أن يكرمهم بما ذكر من أنواع الحلي.
(أن يفتح لهم كنوز الذهبان): الذهبان جمع الذهب، وإنما جمع مع كونه جنساً لاختلاف أنواعه.
(ومعادن العقيان): العقيان: الذهب الخالص الذي لا يحتاج إلى إخلاص بالكير.
(ومفارش الجنان): جمع مفرش، وهي: الْبُسُطُ والطنافس.
(وأن يحشر معهم طير السماء): جميع ما يطير في جوِّها.
(ووحوش الأرض):و ما فيها من الوحوش إكراماً لهم وإعظاماً لأحوالهم.
(لفعل): اللام جواب لو؛ لأنه قادر عليه ومتمكن من فعله لقدرته على كل المقدورات وأجناسها وأنواعها
(ولو فعل لسقط البلاء): لبطل الامتحان والاختبار.
(وبطل الجزاء): على ذلك الامتحان والاختبار لعدمهما.
(واضمحل الابتلاء ): بطل الاختبار وتلاشى.
وفي نسخة أخرى: (واضمحلت الأنباء): والمراد بطلت الأخبار، ما ورد من الوعد والوعيد، وأخبار الجنة والنار.

(ولما وجب للقابلين): للبلوى.
(أجور المبتلين): الممتحنين.
(ولا استحق المؤمنون): الذين ليسوا بمحسنين.
(ثواب المحسنين): الذين صدر من جهتهم الإحسان.
(ولا لزمت الأسماء معانيها): يريد ولزالت عن مسمياتها فلا يسمى الكافر كافراً ولا المؤمن مؤمناً، وهكذا القول في المتقي والعاصي والمطيع والبر والفاجر إلى غير ذلك من الأسماء، والمعنى في هذا كله أن الله تعالى لو أرسل الرسل والأنبياء على وجه، لا يشك كل من رآهم في أول الأمر بالاضطرار والإلجاء، أنهم صادقون فيما جاءوا به من أمر الرسالة والنبوة، وهو أن يبعث الله معهم الملائكة والطيور والوحوش ، ويبعث معهم كنوز الدنيا ومعادن الذهب والفضة، والياقوت والزمرد لارتفع الابتلاء والاختبار والتعبد، وزالت التكاليف كلها لأنها تكون ضرورية لا محالة، وفي ذلك بطلان التكاليف.
(ولكن الله): استدراك لجميع ما ذكره أولاً من وجوه الفساد والبطلان.
(جعل رسله أولي قوة في عزائمهم): فيمضون فيما أمروا به من غير مخالفة سواء كان ذلك سهلاً سلساً أو صعباً جرزاً، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ }[الأحقاف:35].

ويحكى أن نبياً من الأنبياء أوحى الله تعالى إليه، فقال له : ((أول ما يلقاك فكله )) فعزم على امتثال الأمر وتهيَّأ له، فإذا الذي لقيه جبل أسود فلم يتمالك في تشمير الهمة، وتجدد العزيمة على أكله وتقرير في النفس أن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، فلما سار إلى الجبل الأسود كان كلما دنا منه خطوة صغر وتلاشى حتى صار لقمة أحلى من العسل، فقال: ((يا رب، بيَّن لي))، فقال له: ((إن ذلك الجبل هو الغيظ، فإذا كفه الإنسان وَحَلُمَ وجده بعد ذلك لقمة أحلى من العسل؛ لما يكون من لذيذ عاقبة الصبر فيه)).
(وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم): من البذاذة واللباس الذي تعافه النفوس وتكرهه.
(مع قناعة تملأالقلوب والعيون غنى): يريد ومع ماوصفناه من ركِّة المنظر، فإن الله تعالى خصَّهم بقناعة غناؤها يملأ القلوب والأعين، حتى يوهمون أنهم ملوك الدنيا لا ستغنائهم عن أهلها.
(وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذىً): يريد وفقراً تكاد الأسماع والأبصار تكون مملتئة منه لكثرة أذائه، وعظم مشقته وبلائه، ولقد كانت حالة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على قرب المكانة وعظيم الزلفة عند الله تعالى، لا تخفى على أحد في شدة الحاجة إلى الطعام، وصبره على مشقة الجوع .
(ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام): لا يبلغ كنهها ولا يطاق على وصف حالها.
(وعزة لا تضام): الضيم هو: الظلم، وأراد أنهم معتزون لا يظلمون.
(وملك تمتد نحوه أعناق الرجال): لطلبه والتواضع لتحصيله واكتسابه.
(وتشد إليه عقد الرحال): يريد أنه يوصل إليه من البلدان القاصية والمواضع البعيدة.
(لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار): أسهل لا محالة عند النظر في الحقيقة، وعند العبرة والتفكر .

(وأبعد لهم عن الاستكبار): عن أن يلحقهم التكبر، لأن مع هذه الحالة فلا وجه للتكبر والترفع؛ لأنهم أعظم حالاً، وأكبر أُبْهَة وعظمة، ممن بعثوا إليه، إذا كانوا على الصفة التي ذكرناها.
(ولآمنوا): أي ولكان إيمانهم وإقرارهم بجميع الأمور الإلهية.
(عن رهبة قاهرة ): من شدة بأسهم وبطشهم.
(أو رغبة): في إنعامهم وإحسانهم إلىالخلق.
(مائلة ): تميل إليها أعناقهم، وتخشع لها أفئدتهم.
(ولكانت النيات مشتركة): أراد أن الأنبياء لو كانوا على الحال التي وصفناها من العظمة والملك؛ لكان جميع الأعمال المفتقرة إلى النيات مشتركة، بين الله تعالى وبين الأنبياء؛ لأن الرغبة والرهبة كما هي حاصلة من جهة الله تعالى فهي أيضاً حاصلة من جهة الأنبياء.
(والحسنات مقتسمة): أي وما يفعل من الأعمال الصالحة مقتسمة بين الله وبين أنبيائه.
(ولكن الله أراد أن يكون الاتِّباع لرسله): بما أظهر عليهم من المعجزات الظاهرة والحجج النيرة.
(والتصديق لكتبه): التي جاءوا بها من أجل الشرائع واتباع الأحكام.
(والخشوع لوجهه): من أجل وجهه في جميع العبادات كلها.
(والاستكانة لأمره): الذلة والصّغار من أجل امتثال أمره.
(والاستسلام لطاعته): الانقياد لها والاحتكام بسببها.
(أموراً خاصة ): لوجهه منفرداً بها عن غيره، لا يشاركه فيها مشارك.
(ولا يشوبها من غيرها شائبة): ولا يخالطها من أمور أخر غيرها مخالط فيغيِّرها عن مجراها، ويزيلها عن وجهتها.
(وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم): يعني في صدق الأنبياء ومعرفة أحوالهم بالنظر والتفكر.
(كانت المثوبة والجزاء أجزل): أكثر ثواباً، وأجزل إعطاءً منه إذا لم يكن الأمر كذلك.

(ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين [من لدن آدم صلوات الله عليه] ): يريد من لدن آدم إلى يومنا هذا امتحنهم.
(إلى الآخرين): إلى أن يطوي الله أيام الدنيا ويفنيها.
(من هذا العالم): من هذه لبيان الجنس، أي الذين هم من جنس هذ العالم.
(بأحجار): بتعظيمها والطيافة حولها تبركاً بها.
(لا تضر): لا يحصل من جهتها ضرر لأحد.
(ولا تنفع): ولا تكون نافعة له بنفع.
(ولا تبصر): تدرك بأعيان.
(ولا تسمع): بآذان تكون لها، يشير بذلك إلى أنها لا فضل لها من أي نوع من الفضائل المحمودة، ويعرِّض بعبادة الأوثان والأصنام في عبادة مثل هذه الأحجار على ما وصف من حالها.
(فجعلها بيته الحرام): الذي حرَّمه أن يدخل إلا بإحرام، وجعل له شرفاً على غيره بخصال وأمور.
(الذي جعله للناس قياماً): عماداً لأمورهم، ومِلاَكاً لأحوالهم ونظاماً لشملهم.
(ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً): الوعر: نقيض السهل، وانتصاب حجراً على التمييز، أراد أن وعورته من جهة خشن أحجاره وصلابتها وجرزها.
(وأقل نتائق الدنيا مدراً): النتائق: جمع نتيقة، وهي بمعنى منتوقة أي مخرجة، تقول: نتقت الحجر إذا قلعتها، وأراد أن غيره من البلاد إذا قلعت عنها الأحجار حصل عند القلع تراب جيد ناعم كثير يصلح للزرع، بخلاف حال مكة فإنها إذا قلعت عنها حجر فلا تراب هناك يلحقها، وإن لحقها فعلى القلة مع ما فيه من الدماثة والحال التي لا تصلح أن تكون منبته.
(وأضيق بطون الأودية): أدخلها في الضيق وأعظمها حالاً فيه.
(قطراً): يريد مطراً، فإنه لا أقلَّ من مطر مكة ونواحيها.
(بين جبال خشنة): يريد جرزة متخشنة لا سلاسة فيها كسائر الأحجار.
(ورمال دمثة): رخوة.

(وعيون وشلة): قليلة الماء ونزرة المنبع.
(وقرى منقطعة): يريد أنها عن القرى على مسافات كبيرة لا يتصل بها إلا على صعوبة، وقطع مفاوز وخبوت .
(لا يزكو فيها خف ولا حافر): أراد أنه لا ينمو ولا تكثر بركته من الإبل والخيل، والبغال والحمير، وغير ذلك من ذوات الحافر، وإن أقام فيها فعلى حالة ضعيفة، وأمور غير مستقيمة.
(ولا ظلف): من البقر والغنم، فهي على هذه الحال التي وصفها من ضيق عيشها،وصعوبة أمرها.
(ثم أمر آدم وولده): الآمر هو الله، فإنه أمر آدم عليه السلام بحجه، فحج من أرض الهند، من أرض يقال لها: سر نديب حيث قبره الآن مشهور، أربعين حجة على رجليه، فتلقته الملائكة وقالت له: (يا آدم، برَّ حجُّك، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام) ، فاستمر على هذه الحالة حتى رفعه الله في أيام الطوفان، وقيل: كان من ياقوتة من يواقيت الجنة، له بابان من زمرد شرقي وغربي ، فلما رُفِعَ أمر الله جبريل أن يُرِيَ إبراهيم موضعه، فأراه ذلك فأسس القواعد عليه.
(أن يثنوا أعطافهم): يقال: ثنى عطفه إذا توجه إليه وقابله.
(نحوه): جهته وقبالته.
(فصار مثابة): مرجعاً، من قولهم: ثاب إلى كذا إذارجع إليه، يتفرَّق عنه الحجاج والمعتمرون ثم يرجعون إليه.
(لمنتجع أسفارهم): المنتجع هو: الموضع الذي يطلب فيه الكلأ، ويجوز أن يكون مصدراً أي لا نتجاع أسفارهم وهوبعدها.
(وغاية لملقى رحالهم):تنتهي إليه رحالهم فيلقونها عنده؛ لما كان هو البغية والمقصد إذ لا مقصد وراءه.
(تهوي إليه ثمار الأفئدة): هوى الشيء إذا سقط، وثمرة الشيء هي: أعلاه وأنفسه، يقال: ثمرة الفؤاد وثمرة القلب، وأراد تسقط عنده أغلى الأشياء وهي الأفئدة.

(من مفاوز قفار سحيقة): المفاوز جمع مفازة، وهي: الأرض الخالية، والقفار: المواضع التي لا أنيس بها، والسحيقة: البعيدة.
(ومهاوي فجاج): ومساقط طرق، والفجُّ: الطريق الواسع بين جبلين.
(عميقة): بعيدة الغور.
(وجزائر بحار): وأقطار وأقاليم بحرية، إما محيط بها البحر من جميع جوانبها، وإما لايمكن الوصول إليها إلا بركوب البحر.
(منقطعة): عن مواضع العمارة.
(حتى يهزوا مناكبهم): المنكب مضى تفسيره، وأراد بهزِّها تحريكها عند السير، وحتى هذه تصلح أن تكون بمعنىكي تعليل للأمر أي أمرهم من أجل أن يهزوا، وبمعنى إلى أن وتكون غاية له، والتعليل فيه أدق.
(ذللاً ): أذلاء خاشعين، وانتصابه على الحال من الواو في يهزوا.
(ويرملون على أقدامهم): الرَّمل: فوق المشي وهو دون السعي.
سؤال؛ أراه خصَّ الرَّمَل من الطواف، وخصَّ الأقدام مع أنه يجزي وإن كان راكباً؟
وجوابه؛ هو أنه ها هنا بصدد ذكر التواضع والخشوع والتذلل، فذكر الرَّمل لما فيه من مزيد الاعتناء على السير، وذكر تأديته على الأقدام لما فيه من زيادة الخضوع والتصاغر لعظمة الله وجلاله.
(شعثاً): موفرين للشعور ، لا ينقصونها للزينة.
(غبراً): ألوانهم مغبرَّة، لما يلحقهم من مشقة السفر، وتجنّب الزينة، وما يكون سبباً في تطرية الأجسام وتحسينها.
(قد نبذوا السرابيل): نبذه إذا طرحه عن يده وظهره، والسرابيل: جمع سربال، وهو: عبارة عن القميص والسروايل وسائر أنواع ثياب الزينة واللباسات الفاخرة.
(وراء ظهورهم): كناية عن عدم الالتفات إليها لمكان التحريم، يقال: نبذ هذا وراء ظهره إذا كان لا يحتفل به ولا يرعيه طرفاً.

(وشوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم): أراد أنها ازدادت قبحاً في المنظر والصورة بإعفاء الشارب عن قصه، وترك نتف الإبط، وحلق العانة، والمره في الأعين، وكل ما ذكرناه يزيد الخلقة تشوهاً، ولهذا ورد الشرع بهذه الآداب في غير هذه الحال؛ لما فيها من مزيد النظافة وحسن المنظرفي الخلقة، وفي الحديث: ((عشر من سنن المرسلين ، خمس في الرأس، وهي: الكحل، والمفرق، والسواك، وقصُّ الشارب، والمضمضة، وخمس في الجسد، وهي: حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، والغسل، والختان)) .
(ابتلاءً عظيماً): اختباراً من الله تعالى لخلقه؛ ليعلم سرَّ أحوالهم وكُنْهَ حقائق أمورهم، في طاعة من ينقاد لما أمر به، وإعراض من يعرض عن ذلك.
(وامتحاناً شديداً): في صعوبة التكليف وعظم حاله.
(واختباراً مبيناً): ظاهراً مكشوفاً لا لبس فيه على أحد؛ لما فيه من الوضوح بالغرض المقصود.
(وتمحيصاً بليغاً): لما فيه من المبالغة في المشقة بتأدية هذه الأمور الشديدة الصعبة.
(جعله الله): الضمير إما للبيت، وإما للحج.
(سبباً لرحمته ): إما وصلة إلى ثوابه لما وعد عليه من عظيم الأجر، وإما جعله لطفاً إلى نيل الغرض بتأدية أمور واجبة يكون مقرِّباً إليها وداعياً إليها لما فيه من مزيد الحث عليها، والحض على أدائها.
(ووصلة إلى جنته): لأنه وعد على تأديته بالجنة جزاءً عليه، وعوضاً عنه إذ لا جزاء إلا بها.
(ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام):يعني أنه لو شاء أن يجعله على غير الحال التي هو عليها، وعلى غير الصفة التي اختارها له.

(ومشاعره العظام): وأن يجعل المشاعر على غيرحالها، والمشاعر هي: المناسك، والمشعرالحرام هو أحدها، وسميت مشاعر لما جعل فيها من شدة التحفظ على أدائها والمواظبة على فعلها، والتحقق لذلك، أخذاً لذلك من شعور الإنسان وهو علمه، أو من مشاعر الإنسان وهي حواسه.
(بين جنات وأنهار): أشجار ملتف شجرها وأنهار مطردة مياهها.
(وسهل وقرار): لاحزونة ولا جرز في مسالكه.
(جم الأشجار): كثيرها.
(داني الثمار): قريبة المجتنى، لا يحتاج في تناولها إلى تكلف.
(ملتف البنى): متلاصق البنيان، لا تفريق بين الأبنية لتزاحمها.
(متصل القرى): لا حائل بينها عكس ما ذكره من صفته الأولى.
(بين بُرَّة سمراء): وهو لون الأسمر، وهو بياض فيه حمرة.
(وروضة خضراء): الروضة: الشجر المجموع.
(وأرياف محدقة): الريف: كثرة الكلأ، وأحدق به إذا أحاط.
(وعراص مغدقة): أي كثيرة الماء ، وأغدق الماء إذا كثر وكان غزيراً.
(وزروع ناضرة): أي حسنة من النضارة وهو: الحسن.
(وطرق عامرة): بالسالك لها لما فيها من كثرة الاختلاف، وعمارة الطريق كثرة المارة فيه، أو يريد أنها سهلة للماضين فيها، والسالكين لها لا خراب فيها.
(لكان): اللام هذه هي جواب لو.
(قد صغر قدر الجزاء): أراد نقص الثواب عمَّا كان عليه لو لم يكن على هذه الحالة.
(على حسب ضعف البلاء): يريد على ضعف التكليف وهونه؛ لأن الجزاء إنما يكون على قدرالمشقة وصعوبتها فيضاعف الله الأجر من أجل ذلك.
(ولو كانت الأساسات المحمول عليها): يعني القواعد التي وضع عليها البيت.
(والأحجار المرفوع بها): التي شيدت فوق الأساسات.
(بين زُمُرُّدة خضراء): نوع من الأحجار النفيسة له خضرة عالية.

(وياقوتة حمراء): إنما ذكر هذين الحجرين لتفاوت لونهما، ولأنهما أرفع هذه الأحجار النفيسة قدراً وأعزها ثمناً، ولهذا لا يكاد يوجد منهما إلا الفصوص القليلة.
(ونور وضياء): عوضاً عن الظلمة والسواد.
(لخفف ذلك مصارعة الشك): يريد نوازع القلوب، وتردد الشك.
(في الصدور): فيما يقع في القلب ويهمس في الخاطر من ذلك.
(ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب): إذ لايبقى له مدخل مع زوال تلك الصفات، وحصول هذه الصفات.
(ولنفى): النافي إما الله تعالى لما فعل ما فعل، وإما أن يكون جعل البيت على هذه الصفات التي ذكرها.
(معتلج الريب من الناس): ما يقع في نفوسهم ويعتلج بها من وساوس الصدور والظنون المتوهمة، والمعنى في هذا كله أن الله تعالى لو وضع بيته في أطيب البقاع وأحسنها وأعظمها حالة في النضارة والإعجاب، وزيَّنه بالجواهر واليواقيت واللآلئ، والذهب والفضة لكان توجه الناس إليه راغبين إلى حالته هذه من غير أن يكون ذلك لوجه الله تعالى.ولقلَّ الشكُّ الذي يَعْرُضُ للإنسان في تكليفه بالمسير إلى بلد لا ماء فيه ولا نبات ولا زرع، وتحمل المشاقِّ العظيمة، وارتكاب الأخطار الجسيمة؛ لأن الشكوك إنما تنشأ في النفوس إذا كُلِّفُوا ما يخالف أهواءهم ويشق عليهم فعله، فهم يطلبون لذلك علة تكون فيها رخصة لترك ما هم بصدده من التكليف، وأراد باعتلاج الريب منازعة النفس لليقين، ودفعه بالشك، يقال: اعتلجت الأمواج إذا التطمت، واعتلجت الريح إذا اختلفت مهابُّها.
(ولكن الله ): استدراك عمَّا ذكره أولاً.
(يختبر عباده بأنواع الشدائد): يمتحنهم بضروب الأمور الشديدة .
(ويتعبدهم بألوان المجاهد): الجهد: المشقة، وأراد بأنواع المشاقِّ العظيمة.

128 / 194
ع
En
A+
A-