(ورَجْلاً وفرساناً): يغالب بهم من ناواه، ويقهر بهم من عاداه، ويستظهر بهم على من خذله الله، وسلبه ألطافه فانقاد لدعائهم، وأوقع في أذنه وقلبه حسن ندائهم.
(ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه): يريد قابيل، فإن الله تعالى حكى قصتهما في كتابه الكريم، روي أنه أول قتيل قُتِلَ في الدنيا ، وما حمله على قتله إلا البغي والحسد، وقد نعى الله إليه فعله، وحكى وقوع ندامته.
(من غير ما فضل جعله الله فيه): أراد أن الله تعالى لم يزد هابيل فضلاً زائداً على ما أعطاه قابيل بل هما سواء في ذلك.
(سوى ما ألحقت العظمة بنفسه): أثارته الكبرياء والتعاظم، وكانا كامنين.
(من عداوة الحسد ): حيث رُفِعَ قُرْبَانُ أخيه ولم يُرْفَعَ قُرْبَانُهُ.
(وقدحت الحمية في قلبه من نار الغضب): قدح النار إذا أوراها، والحمية: الاحتماء، وأضاف القدح إلى الحمية؛ لأنها هي المؤثرة في ذلك والأصل فيه، ومن هذه للتبعيض، وغرضه أنها حرَّكتها.
(ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكير): النفخ والريح ها هنا استعارات حسنة، والغرض تحريك الداعية له على ما فعله بأخيه من القتل، ومن ها هنا للتبعيض.
(الذي أعقبه الله به الندامة): أي من أجله وبسببه.

(وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة): إذ كان أول من قتل، وأول من سنَّ هذه السنة القبيحة السيئة ، وفي الحديث: ((من سنَّ سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة))، فلهذا قال: (وألزمة آثام القاتلين إلى يوم القيامة) يشير إلى ما ذكرناه لا غير، ويؤيده قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}[يس:12] يريد ماكان من عمل صالح أو سيء.
اللَّهُمَّ، اجعل أعمالنا مرفوعة متقبلة عندك قبل المو ت وبعده، يا أكرم مسئول.
يحكى أنه لما قتله اسودَّ جسمه وكان أبيض، فسأله آدم [ عليه السلام] عن أخيه؟ فقال: ما كنت عليه وكيلاً، فقال: بل قتلته، ولهذا اسودَّ جسدك ، وقيل: إن آدم [ عليه السلام] مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك .
ثم لما فرغ من ذكر الكبر التفت إلى أصحابه الذين يقاتلهم من أهل البغي، بقوله:
(ألا وقد أمعنتم في البغي ): بالغتم فيه ووصلتم فيه إلى كل غاية، وغرضه ها هنا المبالغة في الإنكار عليهم وبغيهم عليه ، ولهذا أتى بحرف التنبيه في أول الجملة منبهة على ذلك.
(وأفسدتم في الأرض): بالقتل والقتال على غير الحق ووجهه.
(مصارحة لله): إظهاراً وتصريحاً.
(بالمناصبة): أي المعاداة.
(ومبارزة للمسلمين بالمحاربة): يريد إما خروجاً، من قولهم: برز الرجل إذا خرج، وإما أن يريد المنازلة في الحرب، وهو أن يبرز أحد الرجلين للآخر في القتال.
(فالله الله في كبر الحمية): تكريراسم الله تعالى يرد على وجهين:

أحدهما: أن يكون في الإغراء وهو أكثر وقوعاً كقولك: الله الله في تقوى الله وطاعته، يريد في الحث عليهما والإتيان بهما.
وثانيهما: أن يكون وارداً في التحذير عن المعصية، كقولك: الله الله في البغي والعدوان، وأراد الترك لهما ومجانبتهما، ومنه ما ذكره ها هنا كقوله: الله الله في الحمية أي الكبرة والعظمة، يريد اتركوهما ولا تعرِّجوا عليهما.
(وفخر الجاهلية): لا تقربوه وهو تعاظمهم على غيرهم بحسب أو بمال ، وهذا كان عادة في الجاهلية حتى وضعه الله بالإسلام.
ويحكى أن الرسول عليه السلام لما دخل يوم الفتح الكعبة وقريش حوله، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((إن الله تعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وافتخارها بالآباء، الناس كلهم من ولد آدم وآدم من تراب)) ثم تلا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ [مِنْ تُرَابٍ ] } إلى قوله: {... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13].
(فإنه): يريد المذكور أولاً من الكبر والفخر .
(ملاقح الشنآن): جمع مَلْقَح، والشنآن: البغض، قال الله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ }[المائدة:2] أي بغضهم.
(ومنافخ الشيطان): جمع منفخ، وهو الذي تنفخ فيه، وهو مجاز كما ذكرناه أولاً.
(اللاتي خدع بها الأمم الماضية): فأزلَّهم عن الحق ونكبهم عن طريقه.
(والقرون الخالية): ممن طغى وبغى وتمرد وعصى، مثل عاد وثمود، وقوم إبراهيم، والمؤتفكات وغيرهم.

(حتى أعنقوا في حنادس جهالته): حتى هذه متعلقة بكلام محذوف تقديره: فأصروا على ما فعلوه من الكفر والتمرد حتى أعنقوا، والعنق: ضرب من السير للإبل والخيل مسبطر تمدُّ فيه أعناقها ويزجيها ، والحنادس: الظلم، وقيل للحق: نور وضياء لما فيه من التحقق والقطع، وانشراح الصدر، وقيل للجهل: ظلم وحنادس لما فيه من الشك والتردد الذين يورثان الغمّ والضيق.
(ومهاوي ضلالته): المهاوي: جمع مهواة، وهي: الحفرة التي يتردى فيها الإنسان.
(ذللاً): متصاغرين مقهورين.
(عن سياقه): لما ساقهم وقهرهم فلا يخالفون أمره في ذلك.
(سُلسُاً في قياده): من غير مدافعة ولاممانعة ولا مجاذبة، يقال: فلان سلس القياد إذا كان يسير من غير استصعاب ومعاصاة في سيره.
(أمراً): أي احذروا أمراً.
(تشابهت القلوب فيه): أي تماثلت في قبوله فهذا يشبه هذا، وذاك يشبه هذا في كونه مفعولاً به لا ينكره منهم منكر .
(وتتابعت القرون عليه): في الاعتراف به والفعل له، يقال: تتابعوا على هذا إذا فعلوه عن آخرهم.
(وكبراً): أي واحذروا كبراً.
(تضايقت الصدور به): أي ضاقت عن كتمانه وإسراره فأظهرته ولم تكتمه.
(ألا فالحذر الحذر): هذا منصوب على الزموا الحذر، وأوجب النحاة فيه إضمار الفعل فلا يظهر بحال لأجل التكرير؛ لأن أحدهما عوض عن الفعل فلا يجمع بينهما أصلاً.
(من طاعة ساداتكم): في مخالفة أمر الله والترفع عن طاعته.
(وكبرائكم): الكبراء: جمع كبير كنذراء في جمع نذير، وأراد والكبار ذوو الأسنان فيكم والحنكة في أموركم.
(الذين تكبروا): تعاظموا وفخروا.
(عن حسبهم): أي ترفعوا عنه، وأرادوا الزيادة عليه تكبراً وفخراً.

(وترفعوا فوق نسبهم): خالفوه وأرادوا الزيادة عليه والمخالفة لماعليه أصلهم حقيقةً.
(وألقوا الهجينة على ربهم): العيب والنقص، وأراد أنهم يقولون: إن الله تعالى جعل فلاناً معيباً منقوصاً لكونه مستحقاً لذلك، فالله تعالى جعله مستوجباً لئلا يخالط لحقارته ويتكبر عليه، ويترفع عن مكالمته، فهذا معنى رد الهجينة على الله تعالى وهو الاستهجان والاستقباح كما أشرنا إليه.
(وجاحدوا الله على ما صنع بهم): أراد أن أحدهم إذا حصل له جاه عند الناس ومحمدة قالوا: إنما حصل له ذلك من جهة نفسه، وذلك إنما كان من أجل جوده وسماحته، وفخره بآبائه، وما كان لهم من المجد والرفعة، وهذا كله جهل، فإن ذلك حصوله إنما هو من جهة الله تعالى، فلهذا قال: (جاحدوا الله على ما صنع بهم) يشير به إلى ما قلناه.
(مكابرة لقضائه): حيث قضى بحصول النقص والعيب على بعضهم.
(وردّاً لآلائه): حيث أنعم عليهم بما فعله لهم من المجد والسناء والرفعة، وزعموا أن كل هذا من جهتهم.
(فإنهم قواعد آساس العصبية): أصولها التي هي مبنية عليها، والقرارات التي هي متفرعة عنها.
(ودعائم أركان الفتنة): التي شيدت عليها.
(وسيوف اعتزاء الجاهلية): الاعتزاء هو: الانتساب، وأراد أن اعتزاءهم إلى الجاهلية وانتسابهم إليها بمنزلة السيوف القواطع للحق المهلكة للدين.
(فاتقوا الله): في ترك المتابعة للرؤساء في مخالفة الحق وموافقة الهوى.
(ولا تكونوا لنعمه عليكم أضداداً): في غمصها وترك الاعتراف بحقها، والإقرار بشكرها؛ لأن من هذه حاله فهو مضادٌّ للنعمة غامص لها.

(ولا لفضله عندكم حسَّاداً): تحبون زواله عنكم، وتريدون ذلك بترك الشكر له، وهذه حقيقة الحاسد، ويحتمل أن يقال: إذا أنعم الله على بعضكم نعمة فلا يحل له أن يضادَّ من لا نعمة له، وإن من كان عنده فضل من الله فلايحل له أن يحسد من ليس عنده ذلك الفضل.
(ولا تطيعوا الأدعياء): الأدعياء جمع دعي وهو: الذي ينسب إلى غير أبيه، ويدعي ما ليس له فيه حق.
(الذين شربتم بصفوكم كدرهم): أراد أنكم خلطتم عقائدكم الصحيحة بعقائدهم الفاسدة، ومزجتموها بها، أو يريد أنكم خلطتم أعمالكم الصالحة بأعمالهم السيئة.
(وخلطتم بصحتكم مرضهم): المقصود من الصحة ها هنا هو الصلاح في الحال والاعتقاد، والمقصود من المرض هو الفساد في الحال والاعتقاد.
(وأدخلتم في حقكم باطلهم): شبتم الباطل بالحق وخلطتموه به، والمقصود من هذا الكلام النهي عن طاعة الذين يدَّعون الولاية من غير استحقاق لها، وعن مصاحبة الذين ينسبون إلى غيرآبائهم، وادّعاء ما ليس لهم أن يدَّعوه؛ لأن من كانت هذه حاله ودأبه وشأنه فلا يتقي شيئاً ولا يخا ف محذوراً يقع فيه، وللصحبة لامحالة أثر في تعدي الأخلاق، واكتسابها لا يمكن إنكاره.
(وهم أساس الفسوق): قاعدته ومهاده.
(وأحلاس العقوق): الحلس: كساء من صوف يكون تحت برذعة البعير لا تفارقه، وكنَّى بهذه الكلمة عن شدة ملازمتهم للعقوق الذي هو خلاف البر، لما كان الحلس لاينفك عن ظهر البعير.
(اتخذهم إبليس مطايا ضلال): إما يغير بها إلى حيث شاء من الإغواء، وإما يرحل عليها أنواع الشبه وضروب الجهالات.
(وجنداً بهم يصول على الناس): في أخذ الباطل والتوصل إلى الظلم.

(وتراجمة ينطق على ألسنتهم): أراد أنهم يترجمون عن إبليس ويظهرون مراده، وكأن ألسنتهم لسانه، ولهذا قال: ينطق هو على ألسنتهم، ويقول:
(استراقاً لعقولكم): نهباً لها واستلاباً وإفساداً عن قبول الحق.
(ودخولاً في عيونكم): بتغطيتها عن الحق وتعميتها عن سلوك طريقه، هذا على رواية النون، وأما على رواية الباء فالغرض بالدخول في العيوب هو إظهارها وبثَّها وإفشاؤها .
(ونثاءً في أسماعكم):النثآء ممدود هو: الإشاعة، من قولهم: نثا الخبر إذا أشاعه وشهره، وفي بعض نسخ الكتاب: (نثى) مقصور بالنون والثاء المثلثة وهو مثل الثناء، خلا أن الثناء بتقديم الثاء خاص في الخير، والنثاء بتقديم النون يكون في الخير والشر جميعاً، ويروى أيضاً: (بثًّا) و(نثًّا)، والبثُّ والنثُّ بالباء بنقطة من أسفلها ونون هو: الظهور.
(فجعلكم مرمى نبله): المرمى يصلح أن يكون مو ضعاً، وأراد الغرض الذي يصيبه بسهامه، ويصلح أن يكون نفس الرمي أي سهام الرمي الذي يكون من جهته فلا يخطئ من أصابه.
(ومَوطِئَ قدمه): أراد تحت رجله، يحتكم فيكم كيف شاء وأراد.
(ومأخذ يده): يتصرف فيكم كيف شاء فيأخذ ويترك ما أراد.
(فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين): الذين جعلوا الكبر لهم أساساً ومهاداً.
(من قبلكم من بأس الله وصولاته): من عذابه ونقماته، وقوله: من قبلكم، يريد ليكونوا لكم عبرة وأسوة وقدوة.
(ووقائعه): التي أوقعها بهم وأحلَّها بديارهم، وأنزلها بساحاتهم.
(ومَثُلاَته): عقوباته.
(واتعظوا بمثاوي خدودهم): واجعلوها موعظة فإنها من أكبر المواعظ، وأعظمها وأجلها وأفخمها، والمثوى: مكان الثوى والإقامة.

(ومصارع جنوبهم): والأماكن التي صرعهم الله فيها بعذابه لهم، كما قال تعالى: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }[الحاقة:7]، وقوله: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }[الأعراف:78].
(واستعيذوا بالله من ملاقح الكبر): أي مما يولده الكبر من المقت والبغض في قلوب الناس، وقيل للرياح: لواقح لأنها تبشر بالمطر، كما قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ }[الحجر:22] {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً } [الأعراف:57].
(كما تستعيذونه من طوارق الدهر): حوادثه التي تحدث ليلاً، فالكبر لا خير فيه لأحد، ولا مصلحة فيه في دين ولا دنيا.
(فلو رخص الله في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه): يريد أن الله لو أذن في شيء من التكبر والعظمة لغرض من الأغراض، ومقصد من المقاصد لكان ذلك لا ئقاً بالأنبياء؛ لكونهم أشرف خلق الله وأعلاهم منزلة عنده وأقربهم مكاناً إليه.
(ولكن الله كرَّه إليهم التكابر): بغَّضه إليهم ونفَّرهم عن قبوله، والتلبس به.
(ورضي لهم التواضع): فحبَّبه إليهم وكرَّه إليهم خلافه، وزيَّنه في قلوبهم، فهم يقولون به ويفعلون وينطقون.
(فألصقوا بالأرض خدودهم): خضوعاً لعظمة الله وانحطاطاً لكبريائه.
(وعفروا بالتراب وجوههم): التعفير: التمريغ، وأراد أنهم فعلوا ذلك تواضعاً لله تعالى.
(وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين): استعار هذا من خفض الطير لجناحه وهو كسره إذا همَّ بالانحطاط على الأرض، ومدَّه إذا أراد الارتفاع للطيران.
(وكانوا أقواماً): من جهات متفرقة.
(مستضعفين): طالبين للضعف والمسكنة.
(وقد اختبرهم الله): ابتلاهم.

(بالمخمصة): وهي المجاعة؛ لأنها تخمص البطن فلهذا سميت بذلك.
(وابتلاهم بالمجهدة): مكابدة الأمور الصعبة، واحتمالها، وبذل الجهد فيها.
(وامتحنهم بالمخاوف): جمع مخافة، وخوفهم بما كان من أجل من يبعثون إليه من أجل تغيرأحوالهم، واتباعهم فيتهددونهم بالقتل، والأخذ والحبس، وغير ذلك من أنواع البلاء، فلا يزالون أعمارهم خائفين.
(ومَحَّصهم بالمكاره): يروى بالحاء والصاد المهملتين، أراد اختبرهم وابتلاهم بما كانوا يكرهون، أو بما كانت النفوس تكرهه، فصبروا على إمضائه حتى أمضوه ، ويروى بالخاء المنقوطة والضاد المنقوطة من مخض اللبن إذا استخرج منه الزبد.
(ولا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد): فتظنون أن إعطاءهما رضا من الله تعالى، وأن منعهما سخط من عنده، فليس الأمر كذلك، فكم من مُعْطَى أموال وبنين والله تعالى ساخط عليه، وكم من محروم لهما والله راضٍ عنه، وإنما ذلك كله على قدر ما يعلم من حال المصلحة في الإعطاء والمنع، فذلك يكون منكم:
(جهلاً بمواقع الفتنة والاختبار): فيما يكون منها صلاحاً، وما يكون منها فساداً.
(في مواضع الغنى والإقتار): يريد الفقر، ثم تلا قوله تعالى : ({أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَ يَشْعُرُونَ})[المؤمنون:55-56]: يريد أن الأمر ليس على ما ظنُّوه، وإنما هوعلى حكمة منَّا في ذلك وعلم بحاله.
(فإن الله تعالى يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم): يريد المتعاظمين أهل الكبر والخيلاء والفخر فيما يكنونه في أنفسهم ويبطنونه في قلوبهم، فاختبرهم وامتحنهم:

(بأوليائه المستضعفين في أعينهم): الذين تزدريهم أعينهم وأنهم بزعمهم لا يَزِنُوْنَ في أعينهم قلامة ظفر، فجعلهم الله تعالى عبرة وامتحاناً لهم ليعلم كُنْهَ حالهم في التواضع.
(ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون [عليهما السلام] على فرعون): لما أرسلهما الله إليه، وأوجب عليهما ذلك حيث قال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى }[طه:43].
قوله: (ومعه أخوه هارون) جملة حالية من موسى، كقولك: جاء زيد وريحه ينفح من المسك.
(وعليهما مدارع الصوف): الْمِدْرَعَةُ: جُبَّة من صوف قصيرة الأكمام.
(وبأيديهما العِصيُّ): كل واحد منهما له عصاة من عود، فأخذ العَصِيّ أمارة للضعف والمسكنة، ولبس الصوف أمارة لكسر هوى الأنفس واستحقاراً لها.
(فشرطا له -إن أسلم- بقاء لملكه ودوام عزه): أراد فدعواه إلى الله تعالى وإلى التوحيد والإقرار بالربوبية له، فأنكر ذلك ولم يصغ إلى قبوله، فشرطا ما ذكره رحمة من الله تعالى ولطفاً به، وتقريباً لنفسه كيلا يظن أنه إذا أسلم سلب ما هو عليه من تلك الحال في الملك والقهر والعزة؛ قطعاً من الله لمعذرته وإبلاغاً في الحجة عليه، فاستهون أمرهما واستضعف حالهما.
(فقال: ألا تعجبون من هذين): نبَّههم على الاستغراق في الأعجوبة من هذين الضعيفة أحوالهما المستركة هممهما.
(يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك): إن أنا آمنت وأسلمت، واتبعتهما على أديانهما.
(وهما بما ترون): على ما تشاهدون.
(من حال الفقر): بلبس المدارع التي لا يلبسها إلا الفقراء.

127 / 194
ع
En
A+
A-