({فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ })[ص:73: أذعنوا للأمر وأطاعوا بالسجود.
({كُلُّهُمْ}): ما تخلف منهم واحد انقياداً لله وامتثالاً لأمره .
({أَجْمَعُونَ}): تأكيداً بعد تأكيد، تعظيماً لحالهم، وتعريضاً بحال إبليس في تأخره مع سجود من هو أعز منه وأفضل وأشرف منزلة عند الله وأعظم تقدماً وهم الملائكة.
({إِلاَّ إِبْلِيسَ}): الأكثر على أنه استثناء منقطع؛ لأنه من غير جنس الملائكة، وإنماهو من الجن.
(اعترضته الحمية): الاحتماء على أصله، وإنما قال: (اعترضته) على أنه لعنه الله تعالى آثرها وحرَّك داعيها وأقبل إليها.
(فافتخر على آدم بخلقه): بأن قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }[ص:76].
(وتعصب عليه لأصله): بأن قال: أنا جوهر نوراني مشرق رقيق، ذو لهب عالي، وأنت من جوهر تربي لاصفاء له فيه مختصاً بعكس صفائي هذا، ويزعم بعد ذلك أنه لا تداني بين الفضلين، ولا تقارب بينهما.
(فعدو الله): العداوة في حق الله إنما تعقل على معنى إنزال الضرر بالغير والإهانة.
(إمام المتكبرين ): متقدمهم؛ لأنه هو الذي سنَّ هذه الخصلة، وأول من دعا إليها وتلبس بها.
(وسلف المستكبرين): السلف: من تقدم، وأراد أنه الغاية في ذلك.
(الذي وضع أساس العصبية): الأساس هو: أصل البناء، وهو مجاز هاهنا.
(ونازع الله رداء الجبرية): المنازعة: المخاصمة، والأصل هو منازعة رأس الفرس لراكبها والتصعب عليه، والجبرية هو: التجبُّر والعظمة، وأراد بالمنازعة هو أن الله تعالى أمره فأبى، وحكم عليه بالسجود فتمرد وعصى، فهذا هو وجه المنازعة.
(وادَّرع لباس التعزز): ادَّرعه إذا جعله له درعاً، والتعزز: العزة والتكبر.

(وخلع قناع التذلل): أزاله وطرحه عن جسمه، والخلع مع الادراع كلها من باب المجازات والاستعارات العالية، فكان ذلك سبباً في ذُلِّه وذريعة إلى حقارته وهونه.
(ألا ترون كيف صغَّره الله بتكبره): أعطاه الله الصَّغار من أجل ما احتمل من نفسه من الكبر واكتسبه.
(ووضعه بترفعه): وخصَّه بالضّعة وحقارة الرتبة، وخسة المنزلة من أجل ما فعل من الترفع بحاله والتعظيم لنفسه.
(فجعله في الدنيا مدحوراً): الدحر: الطرد والإبعاد، كما قال تعالى: {مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً }[الصافات:8-9] أي دفعاً.
(وأعدَّ له): هيَّأ ومكَّن.
(في الآخرة سعيراً): في القيامة ناراً متسعرة، وسعرت النار إذا أحميتها.
ثم شرع عليه السلام في النقض لشبهته والرد عليه فيما تعلق به، بقوله:
(ولو أراد الله): سبق في علمه، واقتضته حكمته.
(أن يخلق آدم من نور): أن تكون خلقة آدم أعظم خلقة من خلق إبليس، بأن يخلقه من نورعظيم.
(يخطف الأبصار ضياؤه): أي يزيل ضوءها من كثرة شعاعه ونوره، لأن كل ما عظم نوره فإنه يقال فيه: يخطف الأبصار، كما قال تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ }[البقرة:20] من كثرة ضوئه ونوره.
(ويبهرالعقول رُوَاؤُهُ): بهره إذا غلبه، وأراد يغلب العقول حسن منظره وبهائه.
(وطيب يأخذ الأنفاس عَرْفُه): العَرف: ما يشم من رائحة طيبة كانت أو خبيثة، وأراد ها هنا الطيبة التي يعظم وقعها في النفوس، ويعظم تأثيرها في الخياشيم من عَبْقَةِ ريحها ونفوذه.
(لفعل): اللام جواب لو، أي لكان ذلك، ووقع من جهة القدرة، فإن من كانت قدرته لذاته فلا يعجزه شيء، ولا يخرج عن قادريته شيء من المقدورات.
(ولو فعل ذلك): على جهة الفرض والتقدير؛ لكونه خلاف ما وقع.

(لظلت الأعناق خاضعة): خضع عنقه إذا ذلّ وخضع، وأراد قسراًوإلجاءً كما قال تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }[الشعراء:4].
(ولخفَّت البلوى فيه على الملائكة): وبعد حصوله على هذه الصفات ، إذ صار أعظم منهم حالاً، وأشرف خلقة.
(ولكن الله تعالى سبحانه): استدراكاً لما قدَّره من جهة خلقة آدم التي لم تكن أصلاً.
(يبتلي خلقه): يختبرهم ويمتحنهم بضروب الامتحانات والاختبارات.
(ببعض ما يجهلون أصله): ما الحكمة فيه؟ وما لله فيه من غرض؟
(تمييزاً بالاختبار لهم): في إطاعة من يطيع منهم، ومعصية من يعصي.
(ونفياً للاستكبار عنهم): وإزالة للتكبر ألاَّ يخالطهم ويستولي عليهم.
(وإبعاداً للخيلاء منهم): الخال والخُيَلاَء والمَخْيَلَة هي: التكبر والتعاظم والفخر، قال رؤبة:
والخال ثوب من ثياب الجهال
(فاعتبروا): في ترك الكبر والتعاظم والفخر، والتلبس بها والارتداء بأثوابها.
(بما كان من فعل الله بإبليس): لما فعل هذه الأشياء، ودعا إليها وتلبس بها.
(إذ أحبط الله عمله الطويل): إذ ها هنا ظرف، والعامل فيه (فاعتبروا)، وقت إحباط الله، والإحباط هو: الإزالة للثواب وإبطاله، بارتكاب المعاصي الكبائر.
(وجهده الجهيد): أي واجتهاده العظيم في عبادة الله تعالى وطاعته، وإرداف الجهد بالجهيد من باب الاشتقاق، كقوله تعالى: {يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ }[يوسف:84] وآية ذلك وعلامته أنه لبث مدة عظيمة في العبادة:
(وقد كان عبد الله ستة آلاف سنة): هذا أمر لايكون إلا توقيفاً من جهة الرسول عليه السلام؛ لأن هذه الأمور لا تعلم إلا من جهة الله تعالى أو من جهته.
(لا يُدْرَى من سن‍ي الدنيا أو من سن‍ي الآخرة) : شك أمير المؤمنين في تحقيق ذلك.

(على كبر ساعة): وهو أمره بالسجود فأبى عن ذلك.
(فمن بعد إبليس ): من الإنس والجن إذا فعل مثل هذه المعصية.
(يسلم على الله بمثل معصيته): أراد يكون سالماً عند الله تعالى بمثل معصيته من غير تفرقة بينهما من وجه واحد.
(كلا): ردع عن هذا وزجر، فإنه يستحيل في العقول، وفي الحكمة أن الله تعالى يعاقب مكلفاً على ذنب، ثم يصدر من جهة غيره مثل ذلك الذنب لا يعاقبه عليه ويعفو عنه، وهما على حالة واحدة.
(ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها مَلَكاً): يشير بكلامه هذا إلى أن الكبر والعزة والفخرو التخايل كلها قبيحة، ويستحيل في الحكمة أن الله تعالى يهلك إبليس بتكبر في حاله هلاكاً لايمكن وصفه، ولا ينال حده، ثم يصدر مثل ذلك التكبر بعينه من غير إبليس، فيغفره الله له، ويدخله الجنة مع فعله له، فمثل هذا محال في العقول وفي الحكم الإلهية، ولهذا أتى بالجحد في أول الجملة مبالغة في الأمر، وأن مثله غير كائن، كما قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ }[البقرة:143] {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ }[الأنفال:33]، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ }[آل عمران:179]، إلى غير ذلك من الجمل المؤكدة بالجحد.
واعلم: أن كلام أمير المؤمنين ها هنا يشير إلى أمرين:

أحدهما: أن بعض المعاصي الكفرية لا تصدر من جهة شخص وتكون كفراً، إلا وتكون إذا صدرت من شخص آخر على ذلك الوجه كفراً لا محالة من غير تفاوت، فلو أُمِرَ الآن بعض الشياطين بالسجود لبعض الأنبياء ثم تكبر عن ذلك، وردَّ الأمر لكان حاله مثل حال إبليس لا محالة، وهذا على ظاهره مسلَّم مع فرض المماثلة من جميع الوجوه كلها، فأما مع فرض المخالفة في بعض الوجوه فهذا غير مسلَّم وظاهره يقضي بالمماثلة.
وثانيهما: أن ظاهر كلامه يوهم أن إبليس من الملائكة، وهذا مخالف لما ورد به التنزيل، حيث قال تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ }[الكهف:50] فإن قوله: (كان من الجن) تصريح بأنه ليس من جملة الملائكة، وهي جملة واردة على جهة التعليل لتركه للسجود وإعراضه عنه ، وفيه تعريض بحال الجن في كثرة فسقهم وتمردهم، وهذه الرواية أيضاً محكية عن ابن عباس ، وأظن أن كلام أمير المؤمنين هو أصلها وقاعدتها، فإنه منه أخذ، وهو أستاذه وله تلمَّذ.
ويمكن تأويل كلام أمير المؤمنين بأن مراده بقوله: (ما كان الله ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً) أن ذلك وارد على جهة التمثيل دون التعيين في هذه القصة، فإن قدر أمير المؤمنين أشرف وأعلا أن يخفى عليه حال إبليس ومن أي جنس هو.
(إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد): يريد فلا تختلف حال المعاصي بحال من فَعَلَهَا إذا كانت الأوجه والمفاسد فيها واحدة.
(وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة): يريد أن المقرِّب إلى الله تعالى إنما هو الأعمال الصالحة، والمبعد عنه هو الأعمال السيئة من غير أمر وراءهما، والهوادة هي: المصالحة والميل، وهما مستيحلان على الله تعالى.

(في إباحة حمى حرَّمه الله): حظره ومنع منه وأوعد عليه العقوبات الأليمة.
(على أحد من العالمين): بل كلهم مستوون في تحريم ما حرَّم، وإباحة ما أباحه مع استواء وجه المصلحة في حقهم.
(فاحذروا عباد الله ): أمر لهم بالحذر وملك نفوسهم عن نفوذ مَكْرِهِ.
(أن يعديكم بدائه): أعدى فلان فلاناً بدائه وَخُلُقهُ إذا وصل ذلك إليه، وسرت إليه علته بسبب من الأسباب، وأراد التلبس بما هو عليه من المكر والخديعة، وإلا فا لإعداء لا وجه له، وفي الحديث: ((لا عدوى، ولا هامة، ولاصفر )) .
(وأن يستفزكم بخيله وَرَجْلِهِ): أراد يغير عليكم بالخيل والرجال، وهو تمثيل بحال من يغار عليهم فيستفزون وتضيق أحوالهم من أجل ذلك.
(فلعمري): مضى تفسيره غير مرة.
(لقد فوَّق إليكم سهام الوعيد): سدَّد إليكم سهام الوعيد، بقوله: {لاََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لاَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}[الأعراف:16-17]، وقال في آية أخرى: {لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }[الحجر:39].
(وأغرق لكم بالنزع الشديد): يقال: أغرق في نزع قوسه إذا بلغ الغاية من جذبها ، وكنى بذلك عن شدة العناية والاجتهاد في الإغواء.
(ورماكم): بأسهمه، ونصاله.
(من مكان قريب): أراد إما قرب من الأرض فإن إضلاله حاصل فيها، وإما القرب المجازي وهو الإيحاء بالوسوسة، والنفث في الخاطر بالإغواء:
(وقال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي })[الحجر:39]: خذلتني حتى صرت غاوياً.
({لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ })[الحجر:39]: أعمالهم القبيحة.

({وَلأُغْوِيَنَّهُمْ })[الحجر:39]: آتيهم من طرق كثيرة ليغووا.
({أَجْمَعِينَ }): بأجمعهم لا يبقى منهم أحد.
(قذفاً بغيب بعيد): قذفه بالحجر إذا رماه بها، والغيب البعيد هو قوله: (لأغوينَّهم) ، (ولأزيننَّ)، (ولآتينَّهم)، وغير ذلك، وانتصابه على المصدرية أي يقذفهم بما ذكره قذفاً بأمور مغيَّبة لا يُدرى حالها، بعيدة الوقوع لا يُظَنُّ حصولها.
(ورجماً بظنٍ غير مصيب): أي ويرجمهم رجماً بالظنونات الكاذبة المتوهمة التي لا إصابة له بحال، ها هنا كلام محذوف تقديره: فمن عصمه الله بلطفه، وتداركه بألطافه الخفية حماه عن كيد إبليس وإغوائه، ولم يصدِّق عليه ظنه، فأما من خذله الله تعالى فإنه يصدِّق عليه ظنه، والغرض بصدق الظن ها هنا هو أن كل ما حدسه وسبق إلى وهمه من فعل الموبقات من جهتهم فهو واقع لا محالة، وقد:
(صدَّقه أبناء الحمية): أهل الكبر والفخر من الجاهلية.
(وإخوان العصبية): وأهل التعصب لأحسابهم وفخرهم.
(وفرسان الكبر والجاهلية): من استحكم أمره في شيء قيل: هو فارس فيه، وأراد من عظم أمره في التكبر.
(حتى إذا انقادت له الجامحة): حتى هذه متعلقة بمحذوف، تقديره: فما زال بخدعه وعظيم مكره وختله يفتل في الذروة والغارب حتى أطاعته النفس الجامحة، وإنما سماها جامحة لصعوبة علاجها وجموحها بالإنسان إلى كل مكروه، ومنه فرس جموح وهي: التي تغلب صاحبها.
(منكم): من ها هنا للتبعيض، وأراد من ساعده في ذلك الإغواء.
(واستحكمت الطَّماعية): الطماعية: الطمع كالكراهية والعَلانية، واستحكام الطمع: رسوخه وغلبته.
(منه): من جهته.
(فيكم): صرتم مكاناً لها، وظرفاً يستقر فيه.
(فنجمت الحال ): نجم الشيء إذا ظهر، وأراد ظهر الأمر .

(من السر الخفي) من ها هنا لابتداء الغاية أي مما كانوا يسرونه ويكتمونه وانتقل:
(إلى الأمر الجلي): الظاهر الذي لا شك فيه.
(استفحل سلطانه عليكم): عظم قهره واستيلاؤه، وإنما جاء بغيرواو لأنه جواب إذا، وأراد أنه إذا انقادت له النفوس عظم مكره لا محالة.
(ودلف بجنوده نحوكم): أي تقدم بأنصاره وأعوانه لقضاء غرضه منكم .
(فأقحموكم ولجات الذل): فأوقعوكم في مداخل المهالك، والوَلْجَةُ: المدخل.
(وأحلوكم ورطات القتل): الورطة: المهلكة، وأراد أنهم مكَّنوهم منها حتى حلُّوها، كما قال تعالى: {وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ }[إبراهيم:28].
(وأوطئوكم إثخان الجراحة): أي حملوكم على أن تُجْرَحُوا الجرح المثخن الغليظ الواسع.
(طعناً في عيونكم): بالرماح، وطعناً ينتصب على المصدرية، أي يطعنونكم طعناً.
(وحزاً في حلوقكم): بالشفار والسيوف.
(ودقاً لمناخركم): المنخر : مكان النخر وموضعه، وغرضه أنهم يدقون مناخركم ويهشمونها.
(وقصداً لمقاتلكم ): أي لا يتركون سبيلاً وذريعة إلى قتلكم إلا فعلوه وأمَّوه.
(وسوقاً بخزائم القهر إلى النار المعدَّة لكم): أراد ويسوقكم سوقاً من أجل قهره بخزائمكم إلى النار المهيأة من أجلكم، وذكر الخزائم إنما هو على جهة الاستعارة؛ لأن الإنسان أمنع ما يكون بخزائمه، فإذا أخذت الخزائم قهراً، فلا خير بعد ذلك، فهكذا صنعه هو وجنوده بكم .
(فأصبح أعظم في دينكم جرحاً): أصبح إذا دخل في الصباح، وغرضه فأصبح على أعظم ما يكون من الجرح والإبطال لأديانكم.
(وأورى في دنياكم قدحاً): وري الزند إذا ظهرت ناره، والقدح: ما تستورى به النار، وأراد أنه لم يألُ جهداً في تغيير أحوال دنياكم وتكديرها.

(من الذين أصبحتم لهم مناصبين): يريد أنه أعظم عليكم ضرراً وأدخل مكراً من هؤلاء الذين نصبتم لهم العداوة، والمناصبة: المعاداة.
(وعليهم متألبين): مجتمعين في المحاربة.
(فاجعلوا عليه حدَّكم): أي شباتكم وشدة بأسكم.
(وله جهدكم ): اجتهادكم في كل وجه ترجون به النكاية له.
(فلعمر الله): قسم مضى تفسيره.
(لقد فخر على أصلكم): بقوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ })[الأعراف:12].
(ووقع في حسبكم): اغتا بكم بما تكرهون ذكره فيكم، وفي الحديث: ((الوقيعة في العلماء من الكبائر )) يشير به إلى ما يعتقده من أن النار جوهر لطيف، والتراب جوهر كثيف .
(ودفع في نسبكم): إما بافتخاره على أبيكم حيث قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ }[الأعراف:12]، وإما بما يجري منه من الاحتيال على الزنا وركوب الفروج على غير وجهها، كما أشار إليه بقوله تعالى: {وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولاَدِ }[الإسراء:64] وقد قررنا تفسيره من قبل.
(وأجلب بخيله عليكم): يريد أنه بلغ الغاية القصوى في الإغواء لكم، والاجتهاد في إزلالكم.
(وقصد بِرَجْلِهِ سبيلكم): معناه وأقعد رَجْلَه رصداً للإغواء لكم في مواضع السبل وطرائق الهدى تلبيساً عليكم وتعمية.
(يقتنصونكم بكل مكان): الاقتناص: الاصطياد، وغرضه أنهم يصطادونكم بكل طريق يجدون إليها سبيلاً لايفترون عن ذلك.
(ويضربون منكم كل بنان): يريد الأطراف والأوصال، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }[الأنفال:12].
(لا تمتنعون بحيلة): لكثرة استيلائهم، وعظم تسلطهم.
(ولا تدفعون بعزيمة): بجد واجتهاد وإن بلغ كل غاية.

(في حومة ذل): الحومة: معظم القتال، وغرضه أعظم ما يكون من الذل فيكم.
(وحلقة ضيق): إذا وقع الرجل في أمر صعب قيل: وقع في حلقة.
(وعرصة موت): مكان الموت وموضعه الذي لا يزال فيه.
(وجولة بلاء): الجولة واحدة الجولات، وهي: المصاولة في الحرب، فهذه الأمور كلها حاصلة من جهته مكراً وعداوة.
(فأطفئوا ما كمن في قلوبكم): استكنَّ واستتر.
(من نيران العصبية): التعصب.
(وأحقاد الجاهلية): الحقد: عبارة عما يكنّه الصدر من العداوة.
(وإنما تلك الحمية في المسلم): أراد أن المسلم لا يخلو عن ذلك، وإنما يكون سببها وانقداحها:
(من خطرات الشيطان): ما يخطره ويحركه من قلب الإنسان، وما يولجه في نفسه.
(ونخواته): من عزته.
(ونزغاته): النزغة من الشيطان هي المرة الواحدة من الفساد والإغواء من جهته.
(ونفثاته): وما يلقيه في الآذان من الوسوسة، فهذه كلها من مكر الشيطان وخدعه.
(واعتمدوا وضع التذلل على رؤوسكم ): أي اجعلوه عمدة في أموركم كلها، شبَّه التذلل بشيء يكون فوق الرأس كالتاج والعمامة ونحوهما.
(وخلع التكبر من أعناقكم): نزله ها هنا منزلة الغل لما يلحق بحمله من وخيم العاقبة، ولهذا قال: فاخلعوه من أعناقكم.
(واتخذوا التواضع مُسلَّحة): المسلحة بضم الميم وتشديد اللام: قوم ذوو سلاح، والمَسلحة بفتح الميم وتخفيف اللام: الثغر والمرقب، وكلاهما لائق ها هنا، وغرضه أن يُجْعَلَ بمنزلة العسكر أو بمنزلة الثغر الحافظ.
(بينكم وبين عدوكم إبليس وجنوده): فإن عداوته لكم ظاهرة لا شك فيها.
(فإن له من كل أمة جنوداً): يصول بهم.
(وأعواناً): يستعين بهم.

126 / 194
ع
En
A+
A-