(ويموجون في حيرة): الحيرة: الذهاب عن الصواب، وماج الأمر إذا اضطرب وعظم حاله.
(قد قادتهم أزمَّة الْحَيْنِ): الْحَيْنِ بالفتح هو: الهلاك، يقال: حان الرجل حيناً إذا هلك، وأراد أنه لمكان فقد الأنبياء، وحصول الفترة جذبتهم أزمة الهلاك فهلكوا.
(واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرين): صارت أقفال الرين مستغلقة فلا يمكن فتحها عن أفئدتهم، والرين هو: الطبع والدنس، كما قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }[المطففين:14] أي غلب، وقيل: الرين هو اسوداد القلب ، وقيل: كلما غلبك فقد ران عليك ، قال أبو زيد: رين بالرجل إذا وقع به ما لايستطيع الخروج منه .
(أوصيكم عباد الله بتقوى الله ): اعلم أنه عليه السلام في أول كل خطبة لا بد له من ذكر الوصية بالتقوى، وما ذاك إلا لعلمه بشرف حالها، وعلو درجتها، ونفاسة أمرها.
(فإنها حق الله عليكم): يريد أنها أعظم حقوقه عليكم، أو أنه لا حق من الحقوق الواجبة عليكم مثلها.
(والموجبة على الله حقكم): لأن ثمرة التقوى هو: الفوز بالجنة، وحيازة رضوان الله تعالى.
(وأن تستعينوا عليها بالله): على تأديتها وعلى القيام بها بالألطاف والتوفيقات فيها، والهداية إليها.
(وتستعينوا بها على الله): إما على تحصيل ثواب الله ومزيد فضله، وإما على اللطف في جميع الخصال التي أشار الله بوجودها عند التقوى كالفلاح والرشد والصلاح، وغير ذلك من الخصال النفيسة الغالية .
(فإن التقوى في اليوم): يريد في الدنيا.
(الحرز): من غضب الله وأليم سخطه.
(والجنة ): ويستحق بها الجنة.
(وفي غد): يريد يوم القيامة.
(الطريق إلى الجنة): أي هي الطريق الموصلة والهادية إلى الجنة.
(مسلكها واضح): أي بيِّن ظاهر لا لبس فيه على من أراده وقصده.
(وسالكها رابح): الضمير للطريق أي ومن سلكها فهو رابح بالفوز.
(ومستودعها حافظ): فيه روايتان:
أحدهما: بفتح الدال، ومعناه هو أن كل قلب أودع التقوى فهو حافظ لصاحب التقوى من جميع الآفات.
وثانيهما: بكسر الدال ومعناه أن كل من استودع نفسه التقوى كان حافظاً لنفسه عمَّا يتلفها ويسقط حالها.
(لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين والغابرين): في فعلها وقبولها، والتلبس بها، وأن يكونوا من أهلها، ومن القائمين بحقها، ومن المستغرقين لأوقاتهم في استعمالها، والغابر هو: الماضي، يقال: غبر يومه إذا مضى.
(لحاجتهم إليها غداً): أي من أجل حاجتهم إليها في الآخرة، ومن أجل ما يحصل من النفع بسببها، وما يقع من الشرف والكرامة بالتعلق بها.
(إذا أعاد الله ما أبدى): من الأمم الماضية، والقرون الخالية.
(وأخذ ما أعطى): إما أخذ الأرواح بعد إعطائها، وإما أخذ سائر النعم واستردَّها بعد إعطائهم إياها.
(وسأل عما أسدى): من النعم الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ }[التكاثر:8] والإسداء هو: الإفضال.
(فمن أقل من قلها ): القُل والقِل بالضم والكسر هو: الشيء القليل، وفي الحديث: ((الربا وإن كثر فهو إلى قُلٍّ )) .
وقال الشاعر:
قد يقصر القُلُّ الفتى دون همِّه
وقد كان لولا القلُّ طَلاَّعَ أَنْجُدِ
وأراد فمن ترك متاعها القليل المنقطع.
(وحملها حق حملها): إما بالتشديد وغرضه وجعلها حاملة من أمره ما يقدر على حمله من ذلك، وإما بالتخفيف ومعناه وحمل هو من متاعها ما يقدر على حمله من ذلك ولا يثقله.
(أولئك الأقلون عدداً): الإشارة إلى قوله فمن؛ لأنه جمع في المعنى أي الذين عددهم عند الله قليل.
(وهم أهل صفة الله تعالى): المستحقون لما وصف الله تعالى في كتابه الكريم إذ يقول:
({وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ }[سبأ:13]): وأراد أن من هذه حاله فإنه يقل طلبهم، ولايكونون في الخلق إلا على القلة والندور؛ وذلك لما في سلوك طريقهم من الصعوبة فلا يكاد يسلكها إلا النادر القليل، وقد قيل: مهما عظم المطلوب قلَّ المساعد.
(فانقطعوا بأسماعكم إليها): الضمير للتقوى أي كأنكم لا تسمعون شيئاً سواها، ولا يجري على أذهانكم غيرها.
(وواكظوا بجدكم عليها): المواكظة: المداومة، وأراد داوموا بالجد والاجتهاد على فعلها، والتخلق بأخلاقها، وعمارة قلوبكم بفعلها.
(واعتاضوها): الاعتياض افتعال من المعاوضة.
(من كل سلف خلفاً): أي اجعلوها عوضاً وخلفاً عن كل ما مضى من أموركم وسلف منها فهي خير عوض.
(ومن كل مخالف موافقاً): واجعلوها موافقة لكم عن كل ما خالفكم من الأمور واعتاص عليكم فعله وتحصيله.
(أيقظوا بها نومكم): أي أزيلوا بها ما تعلق بكم من النوم والغفلة، واجعلوها سبباً في الانتباه عن الغفلة.
(واقطعوا بها يومكم): أراد اشتغلوا بفعلها في أيام الدنيا؛ لتكون منقطعة عنكم وأنتم ظافرون بالتقوى محصِّلون لها، وعبَّر باليوم عن أيام الدنيا.
(وأشعروها قلوبكم): الشعار من الثياب: ما كان ملاصقاً للجسد، لا حائل بينه وبينه، وأراد ألصقوها بقلوبكم، وهو استعارة ومجاز حسن.
(وارحضوا بها ذنوبكم): رحض الشيء إذا أزاله، وأراد اجعلوها مزيلة لما وقع من الذنوب باكتسابكم لها.
(وداووا بها الأسقام): السقم هو خلاف الصحة، فلما كانت الذنوب مورثة للأسقام العظيمة، والهلاكات الجسيمة ، جعل التقوى كأنها تزيل أسقام هذه المعاصي أي عقوباتها وآلامها المستحقة في الآخرة.
(وبادروا بها الحمام): الحمام: الموت؛ لأن بعد الموت فلا يستفاد بها، وهو مانع عنها، وقاطع لأمرها، وحقيقة حالها.
(واعتبروا بمن أضاعها): كيف حلت بهم العقوبات وأعقبتهم الندامة، وأفضوا إلى الخسران الدائم، والعقوبة السرمدية.
(ولا يعتبرنَّ بكم من أطاعها): أراد ولا تضيعوا حقها وتسقطونه من أيديكم فتصيروا موعظة يعتبربها ويتعظ من كان مطيعاً لها منقاداً لأمرها، سالكاً لطريقها غير مخالف لحقيقتها وأمرها.
(ألا وصونوها ): امنعوها عن مخامرة الذنوب، واكتساب المعاصي فإنه لاتقوى مع ملابسة ذلك وفعله.
(وتَصونوا بها ): أي وكونوا صائنين لأنفسكم بها، فإن مع التقوى تحصل صيانة النفوس، ومنعها عما يهلكها.
(وكونوا عن الدنيا نُزَّاهاً): أي متنزهين عن أطماعها، وسائر تعلقاتها المهلكة.
(وإلى الآخرة وُلاَّهاً): وَلَهِ في الشيء إذا رغب فيه، وتحيَّر عقله ولعاً به، وأراد بذلك شدة الرغبة في الآخرة.
(ولا تضعوا من رفعته التقوى): لأن ذلك يكون إسقاطاً لحق الله تعالى؛ لأن إيضاع حقه إنما كان من أجل اتقائه لله وخوفه له، وفي حديث عائشة: ((ما أعجب رسول الله بشيء من الدنيا ولا أعجبه أحد إلا ذو تقوى)) ، ووجد مكتوباً في التوراة: يا ابن آدم، اتق الله، ونم حيث شئت.
(ولا ترفعوا من رفعته الدنيا): لأن ذلك يكون مضاداً لأمر الله، ومخالفة لحكمه.
(ولاتشيموا بارقها): شمت البرق إذا نظرت إلى سحابة حيث تمطر، وأراد لا تلتفتوا عليها في حالة من الحالات.
(و لاتسمعوا ناطقها): مجازاً عن سماع ناطقها، والغرض هو تركها.
(ولا تجيبوا ناعقها): يريد أنها إذا أقبلت عليكم فأعرضوا عنها.
(ولا تستضيئوا بإشراقها): فيه روايتان:
فتح الهمزة، وهوجمع شَرْق وهو: الشمس، وبكسرها وهو مصدر أشرق الشيء إشراقاً، إذا ظهر نوره، وأراد أنكم لا تنتفعوا بشيء منها.
(ولا تفتتنوا بأعلاقها): العِلْقُ هو: الشيء النفيس، وأراد أنكم لا تزولوا عن طريق الحق والاستقامة بما يظهر لكم من نفائسها، وزهرة حطامها.
(فإن برقها خالب): برق خُلَّب إذا كان لامطر تحته.
(ونطقها كاذب): يريد أنها لو نطقت لما نطقت إلابالكذب والغرور والأماني، أو يريد نطقها بلسان الحال عن ذلك.
(وأموالها محروبة): أي مأخوذة.
(وأعلاقها مسلوبة): يستلبها آخر بعد آخر، بينا هي لقوم إذ صارت لآخرين.
(وهي المتصدية ): أصله المتصددة أي المتعرضة لكنه أبدل من أحد حرفي التضعيف ياء كما قيل: في تسررت تسريت.
(العنون): عنَّ الشيء إذا عرض، وأراد أنها متعرضة لفعل كل مكروه وخديعة، وإما عارضة أي زائلة وزائل ما فيها لامحالة.
(والجامحة): الجموح من الدواب هي: التي لا تقف على غرض صاحبها، بل تركب به الصعب والذلول.
(الحرون): من الخيل ما كان إذا أراد راكبه مشيه تأخر على أعقابه، ووقف تارة أيضاً.
(والمائنة): الكاذبة، والمين: الكذب؛ لأنها تكذب بأهلها.
(الخؤون): فلا وفاء عندها لأحد.
(و الجحود): جحد الشيء إذا أنكره، وأراد أنها جاحدة للخير لعزمها على الشر.
(الكنود): الكفور، وكند النعمة إذا كفرها.
(والعنود): عن الحق المائلة عنه، من قولهم: عند عن الطريق إذا سلك خلافها.
(الصدود): من قولهم: صدَّ عن الشيء إذا أعرض عنه، فوصفها بالصدود لما تراه من إعراضها عن أهلها وتركها لهم صرعى على جنوبهم.
(والحيود): المائلة عن الرشد، من قولهم: حاد عن كذا إذا مال عنه.
(الميود): المضطرب حالها، من قولهم: ماد البحر إذاتحرك واضطرب اضطراباً شديداً.
(حالها افتعال ): أي كذب وزور، وسمي الكذب افتعالاً واختلاقاً لأنه يزوره في نفسه، ويأتي به بإعمال فكرته من غير اعتمادمنه على مطابقة مخبره، ولا التفات إليه.
(ووطأتها زلزال): أراد إما من وطئته الدنيا زلزلته وأزعجته عن مكانه، وغيرت أحواله، وإما أن يريد أنها سريعة الزوال بأهلها بقطع الدابر واستئصال الشأفة منهم.
(وعزها ذل): أي ومن اعتز فيها فهو عن قريب صائر إلى الذل، بتغير أحوالها عليه.
(وجدها هزل): لأن الهزل ما لايعتمد عليه من الحديث، وأمورها كلها لا اعتماد عليها ولا التفات إليها.
(وعلوها سفل): أراد أن من كان فيها عالياً بالأمر والنهي، وبالحسب والشرف فعن قريب وقد أذلته وأوضعته وحطته عن شرفه، وأزالته عن نفوذ أمره ورئاسته.
(دار حرب): غضب وتلهف، من قوله : حرب الأسد إذا اشتد غضبه.
(وسلب): أي هذا يسلب هذا وذاك يسلب هذا.
(ونهب): تنهب فيها الأموال والنفوس وتختطف فيها الأرواح.
(وعطب): وهلاك، من قولهم: عطب الرجل إذا هلك.
(أهلها على ساق): أي على شدة، من قولهم: قامت الحرب على ساق إذا حمي أمرها، وظهر حالها.
(وسياق): بأهلها إلى الموت والقيامة في سرعة وقلق وإزعاج.
(ولحاق): لهم بمن مات من قبلهم.
(وفراق): للأحياء الباقين بعدهم.
(قد تحيرت مذاهبها): المذهب هو: المسلك والطريق، وغرضه أن طرقها فيها صعوبة فلا يمكن سلوكها.
(وأعجزت مهاربها): يعجز طالبها عن وجدانها، فلا يمكنه منها مهرب ولا حيلة.
(وخابت مطالبها): ضلت وفسدت، فلا سبيل إلى نيل مطلب من مطالبها.
ثم خرج إلى وصف حال أهلها بعد فراغه من وصف حالها بما تقدم بقوله:
(فأسلمتهم المعاقل) يريد أنهم نزلوا عنها خاضعين لم تكن مانعة لهم عن المنون وإصابة الموت.
(ولفظتهم المنازل): لفظه إذا دفعه، وأراد أنها دفعتهم عن الاستقرار فيها والسكون في جوانبها وحافاتها.
(وأعيتهم المحاول): المحاول جمع محالة وهو: التصرف، واشتقاقه من التحول والتصرف، وأراد أنها انسدت عليهم جميع أنواع الحيل والتصرفات كلها.
(فمن ناجٍ): ثم قسَّمهم وذكر أنواعهم فمن ناجي، الناجي هو: المسرع.
(معقور): أي مقطوعة رجله.
(ولحم مجزور): أي مقطع، وقد يقال: المجزور هو المنحور.
(وشلو): أي عضو من أعضاء اللحم.
(مذبوح): أي مشقوق، والذبح: الشق للأوردة.
(ودم مسطوح ): أي مصبوب.
(وعاضّ على يديه): ضيقاً وحزناً، يقال: فلان عاضٌّ على يديه إذا امتلأ غيظاً وحنقاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ }[آل عمران:119].
(وصافق لكفيه ): جاعل لأحدهما على الأخرى ندامة على فعله.
(ومرتفق لخديه ): أي جاعل مرفقيه حذاء خديه يبكي وهو مضيف إليهما خديه؛ لأن المحزون يفعل ذلك.
(وزار على رأيه):زريت عليه زراية إذا عبت عليه رأيه وفعله.
(وراجع عن عزمه): عمَّا كان عازماً عليه ندامة وتحسراً.
(فقد أدبرت الحيلة): أي ذهبت وصارت غيرنافعة.
(وأقبلت الغيلة): غاله إذا خدعه، والغيلة مصدر غاله غيلة أي خدعه خديعة، وأراد في هذا كله أنه ذهب الوفاء وزال بأهله، وبقي الخدع والمكر.
(ولات حين مناص): لا هذه هي النافية للجنس مثلها في قولك: لارجل في الدار، وهي تؤنث كما يؤنث ثَمَّ وَثَمَّت وربَّ وربَّت، وحين اسمها، والمناص: المخرج، ويجوز أن تكون هي المشبهة بليس، أي ليس الحين حين مناص.
(هيهات هيهات): اسم من أسماء الفعل، ومعناه بَعُدَ ذلك.
(قد فات ما فات): من الدنيا كلها.
(وذهب ما ذهب): وإنما أُبْهِمَ مبالغة في الذاهب والتالف، وإعظاماً للأمرفيه، وأنه بلغ مبلغاً لا يمكن إحاطة العقول به واستيلاؤها عليه.
(مضت الدنيا): ولَّت مدبرة.
(لحال بالها): البال: القلب، وأراد لحال خاطرها وماهي عليه، ثم تلا هذه الآية: ({فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ }[الدخان:29]): مشيراً بها إلى ما أشار الله بها من تغير الدنيا على أهلها وانقطاع نعيمها عنهم، وانتقالها إلى غيرهم، فيحتمل أن يكون ذلك تهكماً بحالهم حيث لم يلتفت إلى مصارعهم ومهالكهم ولا بكى عليهم أحد، وقيل: ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ، وأراد فما بكى عليهم أهل السماء والأرض ممن ذكرناه.
وقد ختم هذه الخطبة بهذه الآية، وفيها من المناسبة لمعانيها والملاءمة لأوضاعها ومبانيها ما يدريه كل عاقل ذكي، ويتقاعد عن فهمه كل غافل عن الأسرار غبي.
(224) ومن خطبة له عليه السلام تسمى: (القاصعة)
سميت قاصعة إما من قولهم: قصع الماء عطشه إذا أذهبه؛ لأنها أذهبت ما في الصدور من الوحر والغيظ، وإما من قولهم: قصعت القملة إذا هشمتها وقتلتها؛ لأنها هشمت مكر إبليس وخدعه بالخلق.
وهي خطبة طويلة ذكرفيها ذم إبليس علىاستكباره وتركه السجود لآدم عليه السلام، وأنه أول من أظهرالعصبية وتبع الحمية، وتحذير الناس عن سلوك طريقه :
(الحمدلله الذي لبس العزَّ والكبرياء): العزّ: نقيض الذلّ، والكبرياء: التكبرو العظمة، واللبس ها هنا مجاز واستعارة، مثله في قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ }[النحل:112] ومن جيد ما يقال في المعنى قول من قال:
هما يلبسان المجد أحسن لبسه
شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما
(واختارهما لنفسه دون خلقه): يريد أنهما لا يصلحان إلا له لاستحالة معناهمافي حق غيره، أو يريد أنهما لا يقعان على جهة الحقيقة إلا في حقه، وإن أطلقا في غيره فعلى جهة التجوّز لا غير.
(وجعلهما حمى): أي محظور لا يقرب، وأحميت المكان جعلته حمى، وفي الحديث: ((لاحمى إلا لله ولرسوله )) ، وسمع الكسائي في تثنيته حموان والقياس فيه حميان؛ لأنه من الياء، ولكنهم قلبوا ياءه واواً كما فعلوه في جباوة.
(وحرماً): أي حراماً لايحل انتهاكه ولا تعدِّيه، ومنه قوله: مكة حرم الله.
(على غيره): أي لايصلحان في حق غيره لأنهما لا يصدقان إلافيه، فلهذا اختصا به.
(واصطفاهما): اختارهما، والاصطفاء هو: الاختيار.
(لجلاله): أي من أجل أنهما لايصلحان إلا لمن له الجلال، وهو الاختصاص بالصفات الإلهية والعظمة.
(وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده): اللعنة: الإبعاد من الرحمة في الآخرة، وغرضه أن كل من نازع الله تعالى في عزِّه وكبريائه كان مستحقاً للإبعاد من الرحمة، والتقريب من الويل والعذاب، وفي الحديث عن الله تعالى: ((الكبر ردائي، والعظمة إزاري ، فمن نازعني في أحدهما قصمته)) .
(ثم اختبر بذلك): الاختبار: الامتحان، والإشارة إلى المذكور أولاً وهو الاعتراف لله تعالى بالعز والكبرياء.
(ملائكته المقربين): من رحمته، أو المقرَّبين إلى المواضع الشريفة المقدَّسة كالعرش والكرسي وغيرهما.
(لِيَمِيْزَ المتواضعين منهم من المستكبرين): فمن أطاع للأمر ونفوذه فهو المتواضع للجلال والمعترف بحاله، ومن عصى في ذلك وأنكره فهو المتكبر المستحق للوعيد.
(فقال سبحانه): مخبراً عمَّا سبق في علمه من طاعة من يطيع ومعصية من يعصي من هؤلاء المأمورين الملائكة وإبليس.
(وهو العالم بمضمرات القلوب، ومحجوبات الغيوب): هذه الجملة واردة على جهة الاعتراض لا محل لها من الإعراب، وإنما وردت منبهة على أن سبق العلم ونفوذه من قبل ليس موجباً للسجود في حق من أطاع به، ولا مانعاً وحائلاً عن السجود في حق من عصى بتركه، ثم تلا هذه الآية:
({إِنّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ })[ص:71]: يريد آدم عليه السلام.
({فَإِذَا سَوَّيْتُهُ })[ص:72]: أحكمت صنعته.
({وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي })[ص:72]: لانفخ هناك، وإنما هو استعارة في إجراء الروح في هذه الصورة الطينية.
({فَقَعُوا}): أمر بالوقوع والإسراع فيه.
({لَهُ}): أي من أجله تعظيماً له لخلقي، وتشريفاً لما خلقت بيدي.
({سَاجِدِينَ}): متواضعين لجلالي في سجودكم، وإكراماً لآدم من أجلي.