(ومعتبراً لمن جهل): أي ومنعاً للجهال من الخلق، ومزجراً لهم عن القبائح.
سؤال؛ أراه خصَّ الوعظ بالعقلاء، وخصَّ الزجر بالجهال؟
وجوابه؛ هو أن الوعظ إنما يكون بالأقوال الرقيقة والتمثيلات الرشيقة، وذلك كافي في حق من له ذهن وفطانة، وذلك يختص العقلاء، بخلاف الجهال فإنه إنما ينفع في حقهم إنما هو الزواجر العظيمة، والقوارع المهمة، وذلك لفرط إعراضهم واستحكام الغي على أفئدتهم، فلهذا خصَّهم بالزجر، والاعتبار لذلك.
(وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون): أبهم ذلك لما اشتمل من شدة الأمروصعوبته.
ثم أخذ في تفسيره وبيان حاله لما في ذلك من المبالغة وعظم الشأن في حقه:
(من ضيق الأرماس): جمع رمس، وهو: القبر.
(وشدة الإبلاس): يريد وعظم اليأس من جميع الأمور كلها، فلا يبقى في يده شيء من الدنيا أصلاً.
(وهول المطلع): من باب إضافة الموصوف إلى صفته، كقولهم: مسجد الجامع، وأراد هاهنا وهول الزمان الذي يطلع فيه على الشدائد أو وهول المكان أيضاً، والهول هو: الأمر الذي يهولك ويفزعك، وفي الحديث: ((وأعوذ بك من هول المطلع )).
(وروعات الفزع): الروعة: ما يروع الإنسان ويغيِّرأحواله، والفزع أيضاً: ما يدهشه، وأراد عن الروعات المفزعة.
(واختلاف الأضلاع): أراد بضم اللحد، وفي الحديث: ((إن للحد ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعدبن معاذ )) ، وفي الحديث: ((إنها تكون على الكافر بمنزلة البيض تحت الصخر، وتكون على المؤمن بمنزلة ضمِّ الوالدة الشفيقة لولدها)).
اللَّهُمَّ، إنا نستجير برحمتك الواسعة ياخير مستجاربه من أليم عقابك.
(واستكاك الأسماع): استكَّ سمعه إذا كان لا يسمع أصلاً، وأراد واستكاك الأسماع بالتراب.
(وظلمة اللحد): اسوداده ووحشته.
(وخيفة الوعد): أراد إما الإشفاق من فوات وعد الله الذي وعد أولياءه، وإما أراد بالوعد الوعيد بالعقاب وآلامه ودوامه.
(وغم الضريح): الضريح هو: القبر، والضرح هو: الشق في وسط القبر، وأراد وما يصيب منه من الغم عند الوضع فيه.
(وردم الصفيح): أي والسدُّ بالأحجار العريضة على اللحد قبل هَيْلِ التراب.
(فالله الله): كررذلك مبالغة أي اتقوا [الله] واحذروه.
(عباد الله): السالكين مسلك العبيد في طاعة سيدهم.
(فإن الدنيا ماضية بكم): مضىبه إذا مرَّ غير متلوم ولا متوقف، وكنى بذلك عن سرعة زوالها وأزوف رحلتها عن الخلق.
(على مسير ): أي على طريق مستقيمة المرور من غير تعريج على شيء.
(وأنتم والساعة في قَرَنِ): الْقَرَنُ: الحبل الذي يُضَمُّ به البعيران معاً، وأراد أنكم مجتمعون أنتم وهي فكأنكم بها وقد حصلت معكم من غير مفارقة لكم.
(وكأنما قد جاءت بأشراطها): الأشراط هي: العلامات، وأراد كأنها قد حصلت مستكملة لشروطها وأعلامها وأهوالها.
(وأزفت بأفراطها): أزف الشيء إذا قرب وقته، والأفراط هم: جمع فارط وهو الذي يتقدم ليرد الماء.
(ووقفت بكم على سراطها ): السراط هو: الطريق، وقد سبق تقرير اشتقاقه.
(وكأنها قد أشرفت بزلازلها): الزلازل: جمع زلزلة وهي: الشدة العظيمة، والقلقلة الفظيعة.
(وأناخت بكلاكلها): الكلكل: الصدر، وأراد أنها أقبلت بكمال آلتها، واجتماع أمورها.
(وانصرمت الدنيا بأهلها): صرمه إذا قطعه، وغرضه أنها عن قريب منقطعة بأهلها بتقضي أيامها وانقطاع وقتها.
(وأخرجتم من حضنها): الحضن: ما دون الإبط إلى أسفل الأضلاع، شبَّه استقرارهم بمنزلة من يكون محمولاً في حضن الحاضنة.
(فكانت): بعد زوالها وتقضيها.
(كيوم مضى): مثل مدة يوم ذهب ولم يبق له أثر.
(وشهر انقضى): تقضت أيامه ولياليه، مثَّل باليوم في القلة وبما يجتمع منه وهو الشهر.
(وصار جديدها رثًّا): أي خَلِقاً بالياً بانقطاعها وتغيرها.
(وسمينها غثاً): أي مهزولاً.
ثم هذه الأمور كلها والشدائد العظيمة التي ذكرناها حاصلة:
(في موقف ضنك المقام): الضنك هو: الضيق، وأراد بذلك إما القبر أو القيامة للحساب.
(وأمور مشتبهة): يشبه بعضها بعضاً في الشدة والعظم من المسآلة والحساب، ورؤية أهوال القيامة،و نشر الصحف والموازين ومعاينة الجنة والنار وغير ذلك من الأهوال.
(عظام): لا يشبهها حال في الشدة والألم.
(ونار شديد كَلَبُهَا): الْكَلَبُ بالتحريك هو: الشدة والتوثب، وهم يتكالبون على كذا أي يتواثبون عليه.
(عالٍ لجبها ): اللجب: هو شدة الصوت، وأراد أنه ظاهر فاشي.
(متغيظ زفيرها): الزفير هو: الصوت العظيم، ومنه زفيرالبحر، وزفير القدر: غليانها، وجعلها كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم، يقال: فلان يكاد يتقد من الغيظ ويتقصف من الغضب، وإضافة التغيظ إلى الزفير من باب الإسناد المجازي، وهكذا ما بعده إلى قوله:{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا }[الزمر:73].
(متأجج سعيرها): السعير هو: شدة الحر، وتأجج النار ارتفاع لهبها.
(بعيد خمودها): خمدت النار إذا انطفت، وأراد أنها لا تطفئ ولا يفتر حرها.
(ذاكٍ وقودها): أذكيت النار وذكيَّتها إذا أوقدتها، وغرضه أن وقودها ذكت به واشتد حرها، وهي مخالفة لسائر النيران، فإن غيرها من النيران ذكاؤه بالحطب، وهذه ذكاؤها باتقاد الناس والحجارة فيها.
(مخوف وعيدها): يخافها من كان موعوداً بها.
(عميق قرارها): بعيد قعرها لا يدرك له نهاية على القرب.
سؤال؛ الموقف الذي أشار إليه في كلامه هذا هل يكون واحداً أو أكثر، و هكذا النار التي وصفها هل هي واحدة أو أكثر؟
وجوابه؛ إنها مواقف كثيرة ولهذا نكَّره، ولهذا قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ }[المرسلات:35]، وقال في موضع: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ }[الصافات:27]، وفي بعض الأخبار: ((إنها مواقف خمسون موقفاً في الآخرة)) ، وأما النيران فلعلها نيران كثيرة ولهذا نكَّرها، فمنها ما يكون وقودها الناس والحجارة وهي التي لكفار الإنس من عبدة الأوثان والأصنام وسائر الملل الكفرية، ومنها ما وقودها الشياطين والجن جزاءً لكل فريق بما يشاكله من العذاب، وللفساق من أهل الصلاة نيران غير هذه، كما قال تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى ، [لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى] }[الليل:14-15]، وقال في موضع آخر: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً }[التحريم:6] إلى غير ذلك.
(مظلمة أقطارها): أنحاؤها وجوانبها، وفي الحديث: ((أوقد عليها ألف عام حتى احمرَّت ، وألف عام حتى اسودَّت، فهي سوداء مظلمة)) .
(حامية قدورها): من شدة الإيقاد عليها، وفي الحديث: ((لو أن غرباً من غسلين جهنم أخرج إلى الدنيا، لآذى حرّه من بين المشرق والمغرب)) .
(فظيعة أمورها): فظع الأمر إذا اشتد وفات حصره، وأراد أن أمورها فاتت على الحد فلا يمكن الإحاطة بها، ولا الاستيلاء على كُنْهِ ضبطها، وفي الحديث: إنه لما نزل قوله تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ }[الفجر:23] تغير وجه رسول الله[ صلى الله عليه وآله وسلم] ، وعرف ذلك في وجهه حتى اشتد على أصحابه، فأخبروا أمير المؤمنين بذلك ، فجاءه فاحتضنه من خلفه وقبل بين عاتقه ، ثم قال: (يا نبي الله، بأبي وأمي، ما حدث اليوم؟ وما الذي غيَّرك؟ فتلا عليه الآية)، فقال أمير المؤمنين: (كيف يجاء بها)؟ قال: ((يجيء بها سبعون ألف ملك، يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردةً لو تركت لأحرقت أهل الجمع)) .
سؤال؛ هل من تفرقة بين فتح الواو في الوقود وضمها؟
وجوابه؛ هو أن الوقود بالفتح ما يوقد من حطب و غيره، والوقود بالضم هو المصدر كالدخول والخروج، وقرئ بهما في قوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }[البقرة:24] فالفتح على القياس، والضم على المبالغة من الإسناد المجازي كقولهم: فلان فخرُ قومه.
({وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً })[الزمر:73]: من عادته عليه السلام في كلامه في أغلب حالاته إذا ذكر ترغيباً أن يشفعه بالترهيب، وإذا ذكرالبشارة عقَّبها بالتحذير تحريكاً لرغبات أهل الخير في الازدياد من الخير، وتثبيطاً وتخذيلاً لأهل الشر عن ملابسة قبيحهم، فصدَّر ما يريد ذكره من أهل الخير بهذه الآية.
(قد أمنوا العذاب): أمَّنهم الله منه.
(وانقطع العقاب ): عنهم لأجل فوزهم بالأعمال الصالحة.
(وزحزحوا عن النار): أميلوا عنها وأبعدت عنهم.
(واطمأنت بهم الدار): اطمأنوا وسكنت نفوسهم بالوقوف فيها.
(واستقرت أعيانهم): بما شاهدوا فيها، وأضاف الطمأنينة إلى الدار مبالغة في ذلك.
(ورضوا المثوى والقرار): المثوى هو: الإقامة، وأراد ورضوا بالإقامة فيها والاستقرار.
(الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية): إنما كرر الموصول بيان وتوضيح لماسبق في قوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ }[الزمر:73] وإشادة بذكر أعمالهم الحسنة، وأراد بزكاتها طهارتها عن الرياء والتصنّع، وإرادة خلاف وجه الله تعالى.
(وأعينهم باكية): إشفاقاً من عذاب الله، وخوفاً على أعمالهم أن تكون مردودة عليهم.
(وكان ليلهم في دنياهم نهاراً): يشير بما ذكره إلى أن الله بلطفه وعجيب حكمته جعل الليل لباساً وسكوناً ، وجعل النهار معاشاً ونشوراً، وهؤلاء الذين وصف حالهم من أجل قلقهم وفشلهم، وتذكرهم أحوال الآخرة جعلوا أعمال النهار في الليل، بأن جعلوا الليل:
(تخشعاً): خضوعاً وذلة لربهم، واستكانة لعزتة وجلاله.
(واستغفاراً): وطلب الغفران لخطاياهم من جهة الله تعالى.
(وكان نهارهم ليلاً): أي وجعلوا النهار ليلاً فجعلوه على هذه القضية:
(توحشاً): عن الخلق ونفاراً عنهم.
(وانقطاعاً): إلى الله تعالى في إنجاز حوائجهم وقضاء مآربهم من عنده.
(فجعل الله لهم الجنة ثواباً ): أراد فكانوا لأجل هذه الأعمال مستحقين لأن تكون لهم الجنة جزاء على أعمالهم.
(وكانوا أحق بها): أولى الخلق بها.
(وأهلها): والذي يصلح في الحكمة أن يكونوا مختصين بها دون غيرهم من سائرالخلائق.
(في ملك دائم): الظرف متعلق إما بقوله: {وَسِيقَ} وإما بقوله: (وجعل لهم الجنة)، وهو في موضع نصب على الحال أي حاصلين في ملك، كما تقول: دخل الأمير المدينة في بهجة عظيمة ومحفل كبير.
(ونعيم قائم): إما لا يبلى، وإما لاانقطاع له بحال.
(فارعوا عباد الله) الرعاية: هي حسن التصرف فيما يتولاه الإنسان ويقوم بحاله.
(ما برعايته يفوز فائزكم): ما ها هنا موصولة، وأراد بها إما للتقوى ، وإما ما يكون من الأعمال الموفقة، فإن بهذين يقع الفوز لا محالة.
(وبإضاعته يخسر متطلبكم ): وبإهماله وإبطاله، والخسران هو: النقص، وأصله من خسران التجارة وهو نقصانها عن الربح، والمتطلب أي: ما تطلبونه من الجنة، وإحراز رضوان الله.
(وبادروا آجالكم بأعمالكم): أسرعوا بالأعمال قبل أن تنقطع بانقطاع الآجال.
(فإنكم مرتهنون بما أسلفتم): من الأعمال القبيحة السيئة، ولافكاك لها عن الرهن إلا بتسليم ما يتوجه عليها من ذلك.
(ومدينون بما قدمتم): محاسبون أو مجزيون بما قدمتموه من خير وشر.
(وكأن قد نزل بكم المخوف): ما تخافونه من الموت وأهوال القيامة.
(فلا رجعةً تُنَالون): أي فلا يمكن نيل الرجعة إلى الدنيا ولا سبيل إليها.
(ولا عثرةً تُقَالون): ولا يمكن الاستقالة من عثاركم.
(استعملنا الله وإياكم بطاعته وطاعة رسوله): أراد جعلنا عاملين بما أمر به الله تعالى ورسوله من أنواع البر وأفعال الخير.
(وعفا عنا وعنكم بفضله ورحمته ): العفو هو: إسقاط الذنوب ومحوها من جهة الله تعالى بالتوبة والإنابة، والفضل والرحمة إنما تكون بفعل الألطاف الخفية في تحصيل التوبة وإيجادها.
(الزموا الأرض): أراد إما تأنّوا في أموركم كلها وأصدروها من غير طيش ولا فشل، فإن مع الأناة الصواب، ومع العجلة الخطأ، وإما أن يريد التحذير عن تولية الأدبار في الجهاد، والهرب عن قتال أعداء الله.
(واصبروا على البلاء): على ما يصيبكم من بلاوي الدنيا ومشاقها.
(ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم هوى قلوبكم): فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون الباء في بأيديكم زائدة، ويكون هوى مفعولاً من أجله، ومعناه ولا تحركوا ألسنتكم وأيديكم من أجل هوى أنفسكم، فيبعثكم على فعل الشر باليد والسيف بأمانيها الكاذبة بقولها: يا ليت كذا، ياليت كذا.
وثانيهما: أن تكون الباء غير مزيدة ، ويكون هوى مفعولاً به، ومعناه ولا تحركوا هوى النفوس ومراداتها وشفاء غيظها بإطلاق الأيدي وسل السيوف على غير وجهها وفي غير حقها.
(ولا تستعجلوا بما لم يعجلِّه الله لكم): إما لا تستعجلوا من الأرزاق بما لم يعجله الله لكم، وبمالم يقضه ويسبق في عمله إعطاءكم إياه، وإما أن يريد لاتستعجلوا الحرب وتفتحوها ما لم يوفق الله ذلك ويقضيه.
(فإن من ما ت منكم على فراشه): يريد من غير قتل ولا شهادة في معركة.
(وهو على معرفة حق ربه ): بالطاعة والانقياد لأمره، والاعتراف بتوحيده، والإقرار بالربوبية له.
(وحق رسوله): بالتصديق له.
(وأهل بيته): بالموالاة والمحبة، والنصرة.
(مات شهيداً): محرزاً للشهادة وإن لم يكن مقاتلاً، وهذا يؤيد التأويل الثاني في قوله: لا تستعجلوا.
(ووقع أجره على الله): ثبت ووجب واستحق.
(واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله): لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.
(وقامت النية): في ذلك.
(مقام إصلاته لسيفه): يريد أن النية هي التي صيرت هذه الأفعال في مقام الجهاد، وهذا لا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول؛ لأن هذا أمر يرجع إلى معرفة مقاديرالثواب، وهو أمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى أو رسوله، أو من أعلماه بذلك.
(وإن لكلٍ مدَّةٌ وأجلاً ): يريد إن لكل شيء آخراً وانقضاءً، وغاية وانتهاءً.
(223) ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الدنيا
(الحمد لله الفاشي حمده ): فشا الأمر إذا ظهر، وأراد أن حمده ظاهر لظهور نعمته على كل حي، وأن نعمته لا يمكن إخفاؤها، فهكذا يكون حمده ظاهراً لا يمكن ستره.
(الغالب جنده): أراد أن الله هو الناصر لجنده فلا غالب لهم، ولا يدين لأحد ولا قوة بقتالهم، لما سبق في علمه أنه لا يغلب، كما قال تعالى : {كَتَبَ اللَّهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }[المجادلة:21].
(المتعالي جده): الجد: العظمة، والسلطان والملك، والمعنى في هذا أنه متعالي عمَّا لا يليق به من ذاته من اتخاذ الصاحبة والأولاد، وعما لا يليق بحكمته عن الظلم والكذب وسائر القبائح.
(أحمده على نعمه التوامّ ): التي تمت في جميع وجوهها فلا يلحقها نقصان.
(وآلائه العظام): التي بلغت كل غاية في الكمال.
(الذي عظم حلمه): زاد على كل غاية في ترك المعاجلة بالعقوبة على مستحقيها.
(فعفا): أي فكان ذلك سبباً للعفو؛ لأنه لا وجه للعفو إلا ترك العقوبة لمن كان مستحقاً لها من أهلها.
(وعدل في كل ما قضى): أي وكان صدور الأقضية من جهته على قانون الحكمة ومقتضى العدل، من غير زيادة ولا نقصان ولا حيف.
(وعلم ما يمضي وما مضى): ما تقدم من الأمور [و] الكائنات، وما سيكون ماضياً من الأمور المستقبلة، والحوادث المتجددة.
سؤال؛ أراه لم يقل: يعلم ما مضى وما يستقبل، ولِمَ عدل إلى هذه العبارة، فهل له وجه في ذلك؟
وجوابه؛ هو أن غرضه الإشارة إلى تحقق علمه وثبوته، وأن علمه بالمستقبل وإن لم يكن واقعاً في تحققه مثل علمه بالماضي وإن كان واقعاً متحققاً، فلهذا عبَّر عن المستقبل بقوله: (علم ما يمضي) يشير به إلى ما ذكرناه.
(مبتدع الخلائق بعلمه): منشئها ومخترعها عن علم وإتقان بما في إيجادهم من المصلحة لهم، وتعلق الباء في: (بعلمه) إما تعلق الأحوال أي ابتدعهم عالماً بحالهم، وإما تعلق الآلات كما تقول: كتبت بالقلم، أي أن العلم ملابس للابتداع كالآلة فيه من أجل الإحكام والإتقان من أجله.
(ومنشئهم بحكمه): بما سبق في علمه من إيجادهم، وحكمه في الأزل بذلك لما كان موافقاً للحكمة، وجارياً على قانون المصلحة.
(بلا اقتداء ولا تعليم): يريد أنه فعل ما فعل من الإحكامات الباهرة، والإتقانات العجيبة من غير أن يكون متابعاً لأحد في ذلك، ولا آخذاً له بالتعليم من جهة غيره.
(ولا احتذاء): احتذى على كذا إذا فعل مثله.
(بمثال صانع حكيم): يقتدي به في كيفية إيجاده، وفي إحكام أفعاله.
(ولا إصابة خطأ): أي أنه في هذه الإحكامات البديعة لم يوافق خطأ فيما فعله، وأحكمه ودبَّر خلقه.
(ولا حضرة ملأ): إما فيصدر عن رأيهم، وإما ليستعين في الإحكام والخلق بهم.
(وأشهد أن محمداً عبده ورسوله): استغنى بما ذكره من هذه الأوصاف والتمجيدات الدالة على التوحيد عن ذكر الشهادة بالتوحيد لما فيها من الدلالة عليها.
(ابتعثه): بعثه وابتعثه سيان في الدلالة، والغرض هو: الإرسال.
(والناس يضربون في غمرة): من قولهم: فلان يضرب في الجهالة، ويخبط في الضلالة، وأراد أن تصرفاتهم جارية على خلاف مراده، وغرضه في التوحيد والأحكام كلها.