(وأضاعوا ما إليه انتقلوا): أخلُّوا بالأعمال الصالحة فكان ذلك سبباً لضياعهم في الآخرة وأحوالها.
(لا عن قبيح يستطيعون انتقالاً): أراد لاعن جزاء الأعمال القبيحة يمكنهم أن يزولوا عنها.
(ولا في حسنٍ يستطيعون ازدياداً): بل انقضى الأمر في ذلك فلا يستطاع الزيادة من هذا ولا النقصان من ذاك.
(أنسوا بالدنيا): اطمأنوا إليها وسكنت أفئدتهم إلى محبتها ولذاتها.
(فغرتهم): بالمكر والخديعة وسائر أنواع الغرور.
(ووثقوا بها): استمسكوا بعراها فانقطعت في أيديهم.
(فصرعتهم): ألقتهم على جنوبهم، وهذا كله من باب التخييل والتمثيل بحال من أوثق بعروة فانقطعت تلك العروة فصار واقعاً لجنبه وخده، وهو تخييل بالغ يفطن له من له حظ وافر في علوم البيان، ومن لا حظ له فيه فلا مطمع له في فهمه.
(فسابقوا رحمكم الله): سارعوا مسارعة أهل السبق لأقرانهم في مضمار الحلبة.
(إلى منازلكم): يريد التي خلقت من أجلكم، وصارت ممهدة من أجلكم، كما قال تعالى: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ }[آل عمران:133] يريد التي أعدَّها لكم، وأراد منازل الآخرة.
(التي أمرتم أن تعمروها): الله تعالى هو العامر لها والخالق لذواتها، وإنما الغرض استحقاق ما هو معمور بالأعمال الصالحة، فلما كان الله تعالى لم يخلقها إلا معمورة من أجلهم لأجل أعمالهم صاروا كأنهم هم العامرون لها.
(والتي رُغِّبْتُم فيها): رغَّبهم الله تعالى فيها بما دعاهم، وبما وصف لهم من أحوالها، وبما ندب من فعل الأعمال الصالحة التي تستحق لأجلها، فلهذا كان مرغباً من أجل ذلك.
(ودعيتم إليها): الداعي لهم إليها هو الله، وبما جاء على ألسنة الأنبياء في وصفها، والترغيب في سكونها والكون فيها.
(فاستتموا نعمة الله عليكم): اطلبوا تمامها من جهة الله تعالى بالإمداد باللطف والإعانة.
(بالصبر على الطاعة له): على فعل الأعمال الصالحة التي أمركم بها وتكونون مطيعين بفعلها.
(والمجانبة لمعصيته): جانب كذا إذا كان بمعزل عن مخالطته، وأراد وتكونون بمعزل عمَّا يكون معصية له من الأفعال.
(فإن غداً من اليوم قريب): أراد إما أن كل ما ينتظر فهو قريب حصوله، وإما أن يكون مراده أن منقطع أعماركم إنما يكون في الأزمنة المستقبلة وهي قريبة من اليوم.
(ما أسرع الساعات في اليوم): يريد أن الساعات هي أجزاء اليوم وبكماله يكون يوماً، وعن قريب وقد استكملت، وهي عند المنجمين: عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار، كل واحد منهما اثنا عشر ساعة.
(وأسرع اليوم في الشهر): واليوم: عبارة عن طلوع الشمس إلى غروبها، وهو جزء من ثلاثين إذا كمل الشهر أو جزء من تسعة وعشرين إذا نقص، وأراد وعن قريب وقد تمَّ الشهر بها.
(وأسرع الشهر في السنة): لأن السنة عبارة عن اثني عشر شهراً، بالأشهر القمرية، وعن قريب وقد تمت وتكاملت بها.
(وأسرع السنين في العمر): لأن العمر عبارة عنها، ويبلغ الإنسان استكمال عمره بما قدر الله له منها، وهذا منه عليه السلام مبالغة واستغراق في التعجب من مداركة العمر، وسرعة تقضيه، وإن كان هذا الحال في الأعمار الطويلة المنيفة على الغاية، فما حال من يكون معترك المنايا في حقه ما بين الستين إلى السبعين .
اللَّهُمَّ، اجعل أعمارنا متجراً للأعمال الصالحة يا أكرم مسئول.
(221) ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الهجرة
(فمن الإيمان ما يكون مستقراً ثابتاً في القلوب): قد شرحنا من قبل هذا حقيقة الإيمان، وبيَّنا المختار فيه، وأنه عبارة عن الإقرار وعمل القلب والجوارح، وغرضه أنه منقسم إلى ما يكون راسخاً منشرحاً به الأفئدة قد خالطها واتخذها مبآءة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ }[الحشر:9] وصارت القلوب ممتزجة به، وهذا هو الإيمان الحقيقي.
(ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور): صدر الإنسان معروف، والقلب هو: الفؤاد، وقد يعبَّر به عن العقل، وفسَّر به الفراء قوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ }[ق:37] أي عقل ، وأراد هاهنا أن من الإيمان ما ليس راسخاً في الأفئدة، وشبَّهه بالعارية مبالغة في عدم استقراره؛ لأن العارية على شرف الزوال، و المفارقة بالرد إلى صاحبها.
وقوله: (بين القلوب والصدور)، يشير إلى كونه مرتدياً بهما .
(إلى أجل معلوم): يريد أيضاً أنه لا دوام له وإنما مدته منقضية زائلة تزول بانقضائها، وكل ما ذكره مبالغة في عدم رسوخه.
(فإذا كانت لكم براءة من أحد): البراءة: مصدر برئت منه براءة، وغرضه وإذا عزمتم على التبري من أحد ممن ظاهره الإسلام:
(فقفوه حتى يحضره الموت): فانتظروا به الموت، ومنه قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ }[الصافات:24] إلى أن ينقطع عمره بالموت فهناك يظهر أمره ويستبين حاله بخروجه من الدنيا، وفي الحديث: ((إن من أهل الجنة من يعمل بعمل أهل النار حتى إذا لم يكن بينه وبين النار إلا ذراع أوباع، ثم يختم له بعمل أهل الجنة فيكون من أهل الجنة، وإن من أهل النار من يعمل بعمل أهل الجنة حتى إذا لم يكن بينه وبين الجنة إلا ذراع أو باع، فيختم له بعمل أهل النار فيكون من أهل النار)) .
(فعند ذلك يقع حد البراءة): بما يعلم من حاله ويختم له به، وفي الحديث: ((مِلاَكُ العمل خواتمه ))، فيتحقق الأمر هناك وَيُسْتَيْقَن، وفي الحديث: ((لا تعجبوا لعمل عامل حتى تدروا بِما يختم له)) .
(والهجرة قائمة على حدها الأول): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن من كان في دارالكفر والشرك فلا يحل له المقام فيها سنة كاملة، كما أشار إليه الرسول [ عليه السلام] بقوله: ((أنا بريء ممن أقام في دار الشرك سنة )).
وثانيهما: أن يكون غرضه أن المسلم إذا كان في دار الشرك ولا يمكنه إظهار الإسلام، فإن الهجرة واجبة عليه دفعاً لما يلحقه من الضرر في نفسه، والنقص في حاله بالتباسه بأهل الشرك، والكون من جملتهم، وقد شرفه الله بالإسلام، ورفع قدره بالتلبس به، فلا يحل له المقام والحال هذه، فهذا كان حال الهجرة في أيام الرسول، فلهذا قال: (قائمة على حدها الأول)، يشير به إلى ما ذكرناه.
(ما كان لله في أهل الأرض حاجة ): أي ما كان له في خلقهم من غرض ولا إِرْبٍ يرجع إلى نفسه، فإنما خلقهم لداعي الإحسان إليهم وإكمال النعمة عليهم.
(من مستسر الأمة ومعلنها): أراد إما ممن كان خامل الذكرفيها أو جليل الذكر، أو يريد من كان مسراً لأعماله أو مظهرها، وغرضه أنهم مع اختلاف أحوالهم هذه فإنه لا غرض له في خلقهم أصلاً.
سؤال؛ قوله: (ما كان لله في أهل الأرض...) إلى آخره كلام منافر لما قبله غير ملائم له، فما وجه توسطه ها هنا مع عدم تعلقه بما قبله وما بعده؟
وجوابه؛ هو أن ما ذكره ها هنا من باب الاستطراد، وله موقع في البلاغة، وهو أن يأتي بكلام يُوَسِّطُه بين كلامين، لا تعلق له بالأول ولا بالآخر، وإيراد كلام يكون فيه دلالة على تعلقه بالأول فيه ضرب من التعسف فلا حاجة بنا إليه.
(لايقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض): يريد أن الهجرة لا تجب ولا تكون متوجهة على أحد إلا على من بلغته دعوة الرسول عليه السلام، وعلم المعجزات الظاهرة عليه، وكيفية دلالتها على صدقه، فعند هذا يكون مدركاً لمعرفة الحجة عليه في الأرض.
(فمن عرفها وأقرَّ بها فهو مهاجر): أراد فمن عرف ذلك وقطع به وجبت عليه الهجرة من دارالكفر إلى دار الإسلام للتفقُّه في الدين، وتعليم ما كلَّفه الله تعالى، وتعبَّده به من سائر التكاليف والعبادات.
(ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة): أراد ولايصدق اسم الاستضعاف على من سمع الدعوة وكان متمكناً من إعزاز نفسه ودينه من القعود مع أهل الشرك، فإذا بلغته الحجة من جهة الرسول عليه السلام:
(فسمعتها أذنه، ووعاها قلبه): وجب عليه المهاجرة لا محالة، إلا من عذره الله تعالى، ممن لا حيلة له في نفسه وكان عاجزاً، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء:97] فهذه حال من تمكَّن من الهجرة ولم يهاجر مع تحققه لوجوبها عليه، ثم قال: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ ...}إلى آخر الآية[النساء:98]، فعذرهم الله عن الهجرة لعجزهم.
(إن أمرنا هذا): يشير إما إلى سلوك طريق الآخرة، وإما إلى الجهاد عن الدين عموماً، وإما إلى جهاد أهل القبلة، وإما إلى الإمامة والتحمل لأثقالها.
(صعب): في غاية الصعوبة.
(مستصعب): مبالغة في صعوبته، أو يريد صعب في نفسه مستصعب على من احتمله وتعلق به، ومن ركيك ما قيل في تفسير قوله: (أمرنا هذا)، ما قاله الشريف علي بن ناصر: إن المراد منه إمامته وإمامة المعصومين من أولاده ، فإنه مغرم بذكر الاثني عشر، فإنه لم يجر لهم ذكر في كلامه، فلا وجه لحمله عليه.
(لا يحتمله إلا عبد امتحن الله قلبه بالإيمان): اختبره حتى وجده صالحاً للتصديق به، والامتحان: الاختبار، وامتحنه أي وسَّع قلبه، من قولهم: محن الأديم إذا مدَّه ووسَّعه،أو أخرج ما فيه من الدغل والخبث، من قولهم: محن البير إذا أخرج طينها وترابها.
(ولا يعي حديثنا): ما نقوله من هذه المواعظ الشافية، والحكم العظيمة، والآداب النافعة.
(إلا صدور أمينة): مؤتمنة غير خائنة فيه بتبديله، وتحويله وتغيير حاله.
(وأحلام رزينة): لا يستفزها الطيش ولا تنزعج للفشل، ومنه قولهم: فلان رزين الحصاة، إذا كان له عقل وافر وحلم راسخ.
(أيها الناس، سلوني): كلام وارد على جهة التنويه والإشهار والإعلان بحاله ومزيد فضله، وأمره لهم بالسؤال عِلْمٌ بقدر حاجتهم إلى سؤاله وأن أحداً لا يقوم مقامه في ذلك، ولهذا قال بعده:
(قبل أن تفقدوني): بانقطاع أجلي فلا ترونني بعد ذلك أبداً.
(فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض): تعليل لقوله: (سلوني) يريد فأحق المسئولين من كان عالماً بما يسأل، أهلاً للإيراد والإصدار، قد قلب العلوم ظهراً لبطن، واستولى على أسرارها وحقائقها، وفيه معنيان:
أحدهما: أن يكون ذلك على ظاهره، وأن الله تعالى أكرمه بأن أعلمه من جهة الرسول بطرق السماء، ويصدقه ما قاله عليه السلام في كلام قد مرَّ: (ما في السماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد أو راكع) وهذا ممكن في حقه عليه السلام.
وثانيهما: أن يريد أنا بالحجج الواردة على أهل السماء، والدلائل على ملكوت الله تعالى، وعظم سلطانه، وجلال كبريائه؛ لأن الله تعالى جعل في السماء آيات باهرة دالة على عظم ملكوته وجلال جبروته، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ }[الأنعام:75] لاختصاصها بالأمور الباهرة.
(أعلم مني [بطرق الأرض] ): بالحجج الواردة في الأرض، فأبان عليه السلام اختصاصه بالعلم بهما، لكنه خص المبالغة في العلم بالسماء إشارة إلى ما قلناه.
(قبل أن تشغر برجلها فتنة): شغر الكلب برجله إذا أراد أن يبول فيرفعها، وإنما كنى عن الفتنة بشغور الرِّجْلِ لأمرين:
أما أولاً: فلأنها مرتفعة عن الحق في جميع أحوالها؛ أخذاً لهذا من شغورالكلب إذا رفع رجله ليبول.
وأماثانياً: فلأنها بعيدة عن مناهج الصواب والحق، أخذاً لها من قولهم: اشتغر المنهل عن البلد إذا كان بعيداً منه، وتعليق الشغور بالرِّجْلِ يدل على إرادة المعنى الأول، وقيل: هذه بيان للأولى وبدل عنها .
(تطأ في خطامها): جعل هذا كناية عن عظمها وأن أحداً لا يملك إيرادها وإصدارها؛ لأن الجَمَلَ إذا تُرِكَ خطامه ولم يكن معقولاً به وطئه وذهب حيث شاء.
(وتذهب بأحلام قومها): ذهب بكذا إذا أخذه واستولى عليه، وكلامه عليه السلام ليس صادراً على جهة الإعجاب بعلم نفسه، وإنما هو صادر على جهة النصح، وأخذ البصائر لهم ممن يكون عالماً، بها مرشداً لهم إلى صلاحهم في أمر الديانة، فلهذا قال لهم هذه المقالة.
وإنما العجب ما حكي عن قتادة أنه دخل الكوفة فالتفَّ الناس به محدقين عليه، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان هل كانت ذكراً أم أنثى؟
فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: ممن عرفت ذلك؟ فقال: من كتاب الله تعالى وهو قوله: {قَالَتْ نَمْلَةٌ }[النمل:18] ولو كان ذكراً لقال: قال نملة ، فاسم النملة يقع على الذكر والأنثى منهم ، فإثبات التاء دلالة على أنه أراد الأنثى، كما يقال: حمامة ذكر، وحمامة أنثى فلابد من علامة هناك.
(222) ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الموت وأهواله
(أحمده شكراً لإنعامه): انتصاب شكراً على المفعول له، أو يكون مصدراً في موضع الحال، فعلى الأول أحمده من أجل الشكر لإنعامه، وعلى الثاني أحمده شاكراً لإنعامه.
سؤال؛ الشكر أعم من الحمد لكونه حاصلاً بالأقوال والأفعال والاعتقادات، والحمد خاص في الأقوال ، فكيف جعل الشكر علة في الحمد؟
وجوابه؛ إن مثل هذا لا مانع منه فإن حاصل السؤال أنه يلزم تعليل الشيء بنفسه، وليس الأمر كما توهمت، فإنهما متغايران العموم والخصوص فالتغاير حاصل، كما تقول: زرته من أجل إنعامه وإفضاله، وأكرمته لأجل فضله.
(وأستعينه على وظائف حقوقه): الوظيفة: ما لازم الإنسان على فعله، وغرضه وأطلب منه الإعانة على ما أوجب من عباداته، وحقوقه اللازمة المفروضة.
(عزيز الجند): أراد أن جند الله هم الأعزون فلاغالب لهم، كما قال تعالى: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ }[الصافات:173].
(عظيم المجد): يريد أنه عظيم الكرم، فلا يدرك وصف كرمه، ولا يمكن حصره.
(وأشهد أن محمداً عبده ورسوله): علام عطف قوله: (وأشهد أن محمداً) وعطفه إنما كان على قوله: (أحمده) أو على شهادة توحيد مضمرة تقديرها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأحمده وأشهد، وإنما ترك ذكرها استغناء بما ذكر من أوصاف التوحيد والإلهية.
(دعا إلى طاعته): في أول أمره باللسان، وفي عاقبة أمره بالسيف والسَّنان .
(وقهر أعداءه): الضمير يحتمل أن يكون لله أي أعداء الله، وأن يكون للرسول أي وقهرمن ناواه وناصبه أي أذلهم وصغرهم.
(جهاداً عن دينه): من أجل الجهاد عن دينه، أو مجاهداً.
(لا يثنيه): يعطفه، من قولهم: ثنيت الحبل إذا عطفته.
(عن ذلك): يشير به إلىالجهاد.
(اجتماع على تكذيبه): يريد تألبهم عليه واجتماع كلمتهم عليه، وأراد بذلك دلالة على نفوذ بصيرته واستقرار قدمه فيما دعا إليه.
(والتماس لإطفاء نوره): الالتماس هو: الطلب، وغرضه أن طلبهم لإطفاء نور الله لا يصده عما هو فيه.
(فاعتصموا بتقوى الله): اجعلوها عصاماً في أوساطكم.
(فإن لها حبلاً وثيقاً عروته): فلا سبيل إلى انقطاعه لمن يكون متسمكاً به.
(ومعقلاً منيعاً ذروته): الذروة: أعلا الشيء، والمعقل: الواحد من الحصون، والمنيع: ما كان لا ينال أمره، والغرض من هذا كله الإشعار بأن تقوى الله تعالى حاصلة على هذه الأوصاف من جهة المعنى، وإن كان ظاهرها على جهة التجوز والاستعارة.
(وبادروا الموت): استبقوه بإحراز الأعمال الصالحة.
(وغمراته): الواحد منها غمرة، وهو: ما يذهل العقل ويدهشه، ويخرجه عن التثبت والاستقامة.
(وامهدوا له): التمهيد هو: التوطئة في كل الأمور.
(قبل حلوله): بساحاتكم أو بأجسامكم.
(وأعدوا له): خذوا له أمر العُدَّة والأُهْبَة.
(قبل نزوله): بأفنيتكم، أو بأجسامكم.
(فإن الغاية القيامة): أي فإن الأمر الذي ينتهى عنده بكم إنما هو القيامة.
(لا محيص لكم عنها): وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن يريد بذكر القيامة الإشارة إلى ما اشتملت عليه من الأهوال العظيمة، وإظهار الفضائح الكبيرة.
وثانيهما: أنه لما ذكر الموت وحاله أراد أن يذكربعده ما هو أطمَّ منه وأهول، تنبيهاً على أن الموت وإن عظم حاله فليس غاية لأحوالكم، وإنما الغاية هي القيامة.
(وكفى بذلك واعظاً لمن عقل): الإشارة إلى المذكور أولاً من الموت والقيامة، أي فيه موعظة لأهل العقول الوافرة.