(فتدعوه): تلك الملالة وتكون باعثة له على الإفناء.
(إلى سرعة إفنائها):ليفرغ عن ذلك.
(لكنه): إضراب عمَّا قرره فيما مضى.
(سبحانه): تنزيهاً له عمَّا لا يليق بأفعاله.
(دبرها بلطفه): أحكم أمرها بلطيف حكمته ودقيق رأفته ورحمته.
(وأمسكها بأمره): عن السقوط والتغير والزوال.
(وأتقنها بقدرته): أحكمها في أمورها كلها بالقدرة المختصة به.
(ثم يعيدها بعد الفناء): يُوْجِدُها بعد الإعدام لها.
(من غير حاجة إليها): فتكون سبباً في الإيجاد بعد الإعدام.
(ولا استعانة بشيء منها عليها): يعني ولا استعان بشيء من حال هذه المكونات على إعادتها بعد إفنائها.
(ولا لانصراف من حال وَحْشَةٍ): يريد ولم يُوْجِدها بعد الإعدام؛ لأن يكون منصرفاً بذلك من حال وحشة بعدمها .
(إلى حال استئناس): بوجودها.
(ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس): أي ولا كان إيجادها؛ لأن إعدامها كان عن جهل وقلة بصيرة بالأمور فيعود بإيجادها إلى علم بالإحكام، والتماس الهدى فيه.
(ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة): أي ولا كان إعدامها من أجل فقره فلا يقدر على رزقهم، وإفضال القوت عليهم، فيكون بإيجاده لهم عن زيادة مال وكثرة فيه، ويحتمل أن يقال: ولا كان إيجادها من فقر وحاجة فيوجدهم ليستغني بهم ويأخذ من عطائهم، ولا عدمهم كان منه ليستغني بما كان من ورائهم.
(ولا من ذل وَضَعَة): صَغَار وضعف في حاله، فيكون إيجادهم من جهته:
(إلى عز وقدرة): أي فيكون عزيزاً يإيجادهم، ومقتدراً على غيره بهم.
وأقول: إنه قد بلغ في هذه الخطبة في وصف حال الله تعالى، وعجيب اقتداره على خلقه في الإفناء والإعادة، وإظهار الاستغناء عنهم في كل أمر من الأمور، وذكر باهر القدرة في عجيب الخلق مبلغاً عظيماً بحيث لا يبلغه أحد من الخلق، ولا يقدر على وصفه، ولا يمكن الإحاطة بعجائبه.
(219) ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الملاحم
(ألا بأبي وأمي من عدة أسماؤهم في السماء معروفة): يشير بما ذكره ها هنا إلى الخطبة التي قدمنا شرحها، حيث قال عليه السلام:
(وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فِطَرِهم، وكلمهم في ذات عقولهم): إلى غير ذلك من ذكر أولياء الله في خطبه، المخصوصين من عنده بالكرامة، وأراد أنهم لشرفهم عند الله وقرب منازلهم بالإضافة إليه يفديهم بأبيه وأمه إكراماً لهم، وإعظاماً لما عظَّم الله من أمرهم، وغرضه أن أسماءهم عند الله معروفة لايلتبسون بغيرهم، ولا لأحد منزلة مثل منزلتهم.
وزعم الشريف علي بن ناصر الحسيني: أن مراده عليه السلام مما ذكره هو الإشارة إلى أحد عشر من الأئمة المعصومين بعده ، والثاني عشر هو الإمام المنتظر بزعمهم، فلهذا لم يذكره وإنما ذكر هؤلاء لتقدم إمامتهم، وهذا من هذيان الإمامية وهوسهم، وقد رددنا عليهم في كتبنا العقلية مقالاتهم هذه الفاسدة، وتحكماتهم الجامدة من إيجاب الإمامة عقلاً لكونها لطفاً، ومن حصر الإمامة في اثني عشر إماماً من غير زيادة، ومن دعواهم العصمة في هؤلاء، ولهم تهويسات في الإمامة وتحكمات باطلة لم يشر إليها عقل، ولا دلَّ عليها نقل، ومن أرادها باستيفاء، فليطالعها من كتاب (الشامل) في الإمامة.
(وفي الأرض مجهولة): أي أنهم لا يعرفون في الأرض من أجل إخباتهم وتواضعهم، فيكاد لا يؤبه لأحوالهم ولا يشعر لها.
(ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم): يعني في آخر الزمان، وقرب أحوال القيامة، فإن الأمور الدينية تكون لا محالة إلى نقصان عظيم.
(وانقطاع وُِصلكم): بينكم وبين الله تعالى لكثرة الفساد والظلم في الأرض.
(واستعمال صَغَاركم): يريد وتؤخذون بالصغار والذلة في أحوال دينكم.
(ذلك ): إشارة إلى ما ذكره من إدبار الأمور وانقطاع الوصل:
(حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حله): حيث ها هنا ظرف مكان متعلق بكلام مقدر تقديره: ذلك الصغار واقع حيث يكون الظلم فاشياً، والحلال قليل ، ويكون ذاك الذي ذكرته إذا صار اكتساب درهم حلال أصعب من احتمال ضربة السيف، وفي الحديث: ((طلب الحلال فريضة على كل مسلم )) ، وفي حديث آخر: ((من أكل الحلال أربعين يوماً نوَّر الله قلبه، وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه)) .
(ذلك ): الذي ذكرته من قبل.
(حيث يكون الْمُعْطَى أعظم أجراً من الْمُعْطِي): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون مال الْمُعْطِي حراماً وهو يعلم حرامه، والْمُعْطَى لا يعلم ذلك وهو أهل لما يأخذه من ذلك، فالإعطاء يكون حراماً ظلماً لما فيه من الغرر، والآخذ يؤجر عليه؛ لأن غرضه سدُّ حاله.
وثانيهما: أن يكون الْمْعِطي إنما يعطي رياء وسمعة، والْمُعْطَى إنما يأخذه لسدِّ فاقة أو ستر عورة أو بلغة إلى الآخرة.
(ذاك حيث تسكرون من غير شراب): يريد حين تشتد الغفلة ويعظم السكر باللهو والطرب، وإغفال أمر الآخرة والدين.
(بل): إضراب عمَّا ذكره من إثبات السكرة لهم من غير شراب، وإثباتها:
(من النعمة والنعيم): هما لفظان متطابقان على معنى واحد كالغم والغمة، والكرب والكربة، ويجوز أن يكون مراده بالنعمة واحدة النعم، ويريد بالنعيم الجنس.
سؤال؛ ما هو المحذورمن النعمة و الذي يخشى ضرره في الآخرة، وما من أحد من الخلق إلا وعليه نعيم من الله تعالى ؟
وجوابه؛ هو أن المحذور من ذلك هو من يعكف همه على استيفاء اللذات، واستغراق وقته في الخضم والقضم، ولبس الطيب وأكل الطيب، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، ولا يخطر بباله أمر الآخرة وأحوالها، فهذا هو المحذور، فأما من يظهر نعمة الله التي خلقها من أجل عباده للتجمل وللتقوّي بها على درس العلم، والقيام بالعمل به، فذاك بمعزل عنه.
اللَّهُمَّ، اجعلنا ممن أقرَّ بنعمتك وشكرها، ولا تجعلنا ممن أبطرته فأعرض عنها وكفرها.
(وتحلفون من غير اضطرار): يريد أنهم جعلوا الله تعالى نصباً لأعيانهم فلا يزالون يرددون الحلف بالله في كل ما عنَّ وسنح، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ }[البقرة:224] أي نصباً لأعيانكم، من قولهم: فلان عرضة للناس أي يقرضونه بألسنتهم، واليمين إنما شرعت من أجل الضرورة، وهو أن من في يده المتاع فإنه يحلف على جهة الاضطرار ليرفع بها دعوى من يدَّعيه.
(وتكذبون من غير إحراج): ويصدر من جهتكم الكذب من غير إلجاء إليه، يقال : أحرجه إلى الشيء إذا ألجأه إليه.
(ذلك): إشارة إلى المذكور أولاً من جميع ما أشار إليه.
(إذا عضكم البلاء): الامتحان بهذه الأشياء والاختبار من جهة الله تعالى.
(كما يعضُّ القتب غارب البعير): القتب للجمل مثل السرج للفرس، والعضُّ ها هنا مجاز في حق البلاء، وأراد أن هذه المحن والبلاوي تأخذ منكم وتنقصكم كما يأخذ القتب من غارب البعير فإنه يأكله، والغارب من الجمل مثل المنسج للفرس ، وهو أعلى الكتف.
(ما أطول هذا العثار ): تعجب من طول عثارهم في المعاصي وأنواع الفسوق في ذلك الزمان.
(وأبعد هذا الرجاء): يريد وما أبعد رجاءهم عن الخلاص عمَّا هم فيه من هذه المحن والبلاوي، فهذا هو مراد أمير المؤمنين بما ذكره من عدة الأسماء، وبما ذكره في هذه الملحمة.
والعجب من هذا الشريف في تنزيله لكلامه عليه السلام على الأئمة الأحد عشر، ومع ما فيه من البعد والإفراط في التجاوز عن الحد، فهو مخالف لما عليه أئمة الزيدية، والجماهير من المعتزلة، وغيرهم من السلف، والمختص بهذا المذهب إنما هو الإمامية الاثنا عشرية لا غير، وأبعد من هذا إمامهم هذا المنتظر، فإنه بزعمهم محيط بجميع أسرار العلوم، مستولي على الإحاطة بالعلوم الغيبية، ومع ذلك فإنه ليس له في الدنيا أثر ولا يُرَى له شخص، ولا يُسْمَعُ له خبر، حتى قال بعضهم مستهزئاً بهم:
ثلاثة ليس لها إنباء ... إمامكم والغول والعنقاء
(أيها الناس، ألقوا هذه الأزِمَّة): يقال: ألقى زمام هذا الأمر من يده إذا تركه وأهمله، وأراد اتركوا هذه الفتنة التي جنتها أيديكم، واستعملتم أنواع الشبه وضروبها، مشبهة بمن يلقي زمام ناقته فلا يملك رأسها.
(التي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم): استعار الظهور ها هنا للإبل أي تحمل أثقال الفتنة، وأعباءها وآثامها، ومن أيديكم متعلق بقوله: ألقوا هذه الأزمة، ومن لابتداء الغاية.
(ولا تصدَّعوا على سلطانكم): تصدَّع الأمر إذا تفرَّق وذهب، وأراد ولا تفرَّقوا عن رأي من يجمع شملكم، وهو إمامكم.
(فتذموا غِبَّ أفعالكم): الغبُّ: عاقبة الشيء، فيقبح عندكم عواقب ما فعلتموه من ذلك، وتذموا منصوب لكونه جواباً للنهي في قوله: ولا تصدَّعوا.
(ولا تقتحموا ما استقبلكم من فور نار الفتنة): قحم فرسه فاقتحم النهر إذا أدخله فيه، والفور: شدة حرارة النار وقوتها، من قولهم: فارت القدر إذا جاشت، وأراد نهيهم عن الدخول في عظيم ما يستقبلهم من الفتن وعواقبها الوخيمة، وأمور ها العظيمة.
(وأميطوا عن سَنَنِهَا): أمطت عنه الأذاء إذا أزلته، وفي الحديث: ((أمطه عنك بإذخرة )) وأراد هاهنا وزولوا عن جهتها وطريقها كيلا تقعوا فيها فتهلكوا.
(وخلوا قصد السبيل لها): أي اتركوا سواء السبيل التي تكون فيه وتسلك سَنَنَهُ، واهربوا منه كيلا تقعوا فيه.
(فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن): يريد أنها تناله باستطالة لهبها وقوة شررها فيقع فيها فيهلك مع شدة حذره منها.
(ويسلم فيها غير المسلم): ويحذر منها الفاسق والكافر فينجوان من لهبها، وشدة حرها.
(إنما مثلي بينكم): مع جهلكم ونفوذ بصيرتي واتقاد قريحتي، وجمود فطنكم .
(مثل السراج في الظلمة): فإنه لا محالة رافع لظلمتها، مزيل لسوادها.
(يستضيء به من ولجها): ينتفع به من ظلامها من دخل فيها وكان سائراً في طريقها.
(فاسمعوا أيها الناس وعوا): فأصغوا إليه آذانكم لتسمعوه، وأوقعوه في أذهانكم لتعوه.
(وأحضروا آذان قلوبكم تفهموا): يريد أن القلوب إذا أقبلت آذانها إلى المسموع، فإنه يكون أقرب إلى الفهم والوقوع في القلب .
(220) ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الموت
(أوصيكم أيها الناس بتقوى الله): اتقائه وخوفه.
(وكثرة حمده على آلائه إليكم): يشير بهذا إلى أن آلائه قدبلغت كل غاية في الكثرة، فالحمد لا بد من أن يكون كذلك.
(ونعمائه عليكم): وما يتكرر من نعمه عليكم.
(وبلائه لديكم): امتحانه واختباره لكم.
سؤال؛ الآلاء والنعم هي من جملة المسارّ والملاذ العظيمة، والبلاء هو من جملة الآلام والمحن والمصائب، فمن أين اتصال أحدهما بالآخر، حتى جاز العطف له على ما تقدم ذكره من النعم والآلاء؟
وجوابه؛ هو أن البلاء وإن كان مكروهاً للنفوس وهي لا تريده وتكرهه فإن فيه ألطافاً عظيمة، واستصلاحات بالغة، فلهذا كان داخلاً في جملة النعم، ولهذا عطفه عليها لما بينهما من الملائمة.
(فكم خصكم بنعمة):كم هذه هي الخبرية، وإنما حذف مميزها مبالغة في الإبهام بحالها، والمراد بها التكثير، وتقدير مميزها تارة يكون بالزمان أي كم يوماً، وتارة بالمكان أي كم مرة، وتارة بالمصدر أي كم دفعة، وتنكير النعمة مبالغة في حالها أي كم خصكم بنعمة وأي نعمة.
(وتدارككم برحمة!): التدارك هو: التلافي، وأراد وتلافاكم عن الوقوع في المعصية بما كان من جهته من الألطاف الخفية والصوارف المصلحية التي لا تشعرون بها.
(أعوزتم فستركم): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون الإعواز هو الفقر، وأراد افتقرتم فستركم عنِ سؤال الخلق والتكفف عليهم بما أغناكم به من اليسار.
وثانيهما: أن يكون مراده من ذلك هو استحقاق العقوبة، من قولهم: أعوز الرجل إذا ظهر منه موضع خلل للضرب ، وهذا من تعسفات الشريف على بن ناصر، ومع ما فيه من البعد فهو مخالف لوضع اللغة، فإن الإعواز بالمعنى الذي ذكره غير وارد .
(وتعرضتم لأخذه فأمهلكم): التعرض ها هنا إنما هو بفعل المعاصي للأخذ بالانتقام وإنزال العقوبة، وقطع الدابر، كما فعل بمن كان قبلكم من الأمم والقرون، والإمهال: تنفيس المهلة، وكل ذلك من جهته على جهة العفو والرحمة.
(وأوصيكم بذكر الموت): لا يزال نصب أعينكم، وجارياً على ألسنتكم.
(وإقلال الغفلة عنه): أراد وأحذِّركم عن إقلال الغفلة عنه فإن بذكره تزكو الأعمال الصالحة، ويقرِّب الآجال البعيدة، وتقل الرغبة في الدنيا، وفي الحديث: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات )) فما رغَّب الشرع فيه إلا من أجل اشتماله على المصالح العظيمة الدينية.
(وكيف غفلتكم): تعجب من غفلتهم، وإعراضهم عن ذكره.
(عمَّا ليس يغفلكم): أراد عمَّا ليس بغافل عنكم، فإن من شأن العقول الراجحة أن كل من كان يرقب إنزال المضرة بك؛ فإنه لا ينبغي الغفلة عنه والتحصن عنه بكل ممكن تجد إليه سبيلاً.
(وطمعكم فيمن ليس يمهلكم): أي وكيف تطمعون فيمن لا ترجون من جهته إمهالاً وتنفيساً في أعماركم، فمثل هذا يكون طمعاً كاذباً، ورجاءً خائباً.
سؤال؛ أراه عبَّر في الغفلة بما، وعبَّر في الطمع بمن، وكلاهما في حق الموت، فكان قياسه بما في كل واحد في الموضعين، فما وجه ذلك؟
وجوابه؛ هو أن قوله: عمَّا ليس غافلاً عنكم، يريد به الموت خاصة ولهذا أتى بما؛ لما كانت لمن لا يعلم، وأما قوله: وطمعكم فيمن ليس يمهلكم، فإنما أتى على جهة العموم في حق العقلاء وغيرهم، فلهذا عبَّر عن العقلاء وعن الموت بمن على جهة التغليب، كما كان ذلك في غير موضع، فالأول يكون خاصاً للموت، والثاني يكون عاماً للموت وغيره من العقلاء.
(فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم): واعظاً منصوب علىالتمييز وفاعله مضمر فيه يفسره واعظاً، والباء في موتى: زائد مثلها في {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً }[الرعد:43]، وهي المقصودة ها هنا أي كفى الواعظ موتى أبصرتموهم بأعيانكم، وأخرجتموهم من مساكنهم عن تحقق ويقين في ذلك، وليس الخبر كالمعاينة في جميع الأمور كلها.
(حملوا إلى قبورهم): وضعوا على مناكب الرجال وأقلُّوهم حملاً.
(غير راكبين): في موضع نصب على الحال، والمعنى أنهم في الحقيقة غير راكبين؛ لأن الراكب من شأنه الإعزاز والاستراحة، وحالهم ليس كذلك.
(وأنزلوا فيها): وضعوا في لحودهم.
(غير نازلين): لأن من نزل بقوم توجه عليهم إكرامه، وليس إنزالهم كرامة لهم بحال.
(كأنهم لم يكونوا للدنيا عُمَّاراً): يريد لكثرة نسيانهم وعظم إغفالهم، كأنهم ما عمروا شيئاً ولا سكنوه بمنزلة من لم يكن فيها أبداً.
(وكأن الآخرة لم تزل لهم داراً): أي ولسرعة انقلابهم إلى الآخرة، ودوام لبثهم فيها كأنها ما زالت داراً لهم لا ينتقلون عنها، وهذا كلام بالغ في حسن التشبيه، وديباجة البلاغة يلوح على وجهه.
(أوحشوا): أراد أنهم أقفروا من الدنيا.
(ما كانوا يوطنون): أي يتخذونه وطناً من القصور والمساكن النفيسة، فصارت خالية بعدهم وَحِشَة.
(وأوطنوا): أراد وتوطنوا من الآخرة والقبور.
(ما كانوا يوحشون): ما كان وحشاً خالياً عن الأنيس والصاحب والخليل.
(واشتغلوا بما فارقوا): إما بحساب الأعمال والمناقشة عمَّا فعلوه في الدنيا، وإما اشتغلوا بالحساب على ما خلفوه في الدنيا من الأموال المجموعة من حلِّها وغيرحلِّها.