(يقول): بالأمر والنهي والإعطاء والمنع والقبض والبسط.
(ولا يلفظ): بلسان ولا جارحة.
(ويحفظ): الأشياء كلها، وتكون صادرة عن حفظه وإتقانه.
(ولا يتحفظ): يكتسب التحفظ من غيره.
(ويريد): تصدر الأفعال عن داعيته وإرادته.
(ولا يضمر): أي وليس ذا قلب فيضمر فيه ما يقع في نفسه من ذلك.
(يحب ويرضى): الأفعال الصالحة أي يريدها ويأمر بها، أو يحب الأولياء والصالحين ويرضاهم على معنى أنه يريد النفع لهم.
(من غير رقّة): تكون لاحقة به؛ لأن ذلك إنما يكون في حق من كان له قلب فيرقُّ لمكانه.
(ويبغض ويغضب): يبغض الأعمال السيئة، ويغضب على فاعليها، أويبغض الكفرة وأهل الفسوق على معنى أنه يريد إنزال الضرر بهم والعقوبة.
(من غير مشقة): تلحقه في ذلك؛ لأن المشقة إنما تكون في حال من لا يقدر على الانتقام وتغيير ما يكره فيلحقه من ذلك مشقة وألم.
(يقول لما أراد كونه: كن فيكون):حكاية لكيفية إيجاده للمكونات، وذلك بأن يقول لها: كوني فتكون على السرعة من غير مخالفة له في أمره ولا تأخر عن إرادته، ولا تلبث عن إجابة داعيته .
(لا بصوت يقرع): أي لا تقرع له الأصوات فتنبهه، أو لا بصوت يفزعه فيلحقه به مشقة لأجل فزعه منه، وكلا الروايتين صحيح المعنى، وسماعنا هو الأول.
(ولا نداء يسمع): أي ولا بنداء يكون سامعاً لأجله، ففي كلامه هذا دلالة على أن إدراكه لما يدرك وغضبه ورضاه ومحبته وبغضه، مخالف لسائر المخلوقات، وإنما تكون على الحد اللائق بذاته والخليق بحكمته من ذلك على ما ذكرناه.
(وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه): يريد أنه من جملة أفعاله فعله بالداعية، وأنشأه على بعث الحكمة وقانون الإتقان والمصلحة.
(ومثَّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً): هذا بعينه إشارة إلى هذيان الأشعرية من أن كلام الله صفة حقيقية قائمة بذاته وأنها غير حرف ولا صوت، وأنها حاصلة فيما لا أول له، وأنها قديمة مع ذاته، فلهذا قال بهذه المقالة يشير بها إلى حدوثه من أوجه:
أما أولاً: فقوله: إنه كلامه والكلام ما فعله المتكلم.
وأما ثانياً: فقوله: بأنه فعله وهذا تصريح بحدوثه.
وأما ثالثاً:فقوله: إنه أنشأه.
وأما رابعاً: فقوله: لم يكن من قبل كائناً، ولو كان قديماً لكان كائناً في الأزل.
فهذا كله يدفع وجوههم ويدرأ به في نحورهم عن شنيع هذه المقالة، وقبيح هذه الجهالة.
(ولوكان قديماً لكان إلهاً ثانياً ): ثم أخذ في إبطاله على أسلوب آخر على جهة الإلزام فقال:
لو كان قديماً يريد كلام الله تعالى، لكان إلهاً ثانياً، وهذه منه إشارة إلى خلاصة ما يقوله المتكلمون من العدلية في إبطال مذهبهم من أن القدم إن كان أمراً زائداً على الذات فهو وصف خاص، والاشتراك فيه يوجب الاشتراك في الأوصاف الإلهية فيلزم كونه إلهاً، وإن كان هو نفس حقيقة الذات فقد شارك الله في نفس حقيقته، فيلزم من هذا كله أن يكون إلهاً، فأهون بمذهب هذه خلاصته، وأبعد باعتقاد هذا نخبه ونقاوته.
(لا يقال: كان بعد أن لم يكن): خروج إلى حال وصف القديم تعالى فإنه لايقال فيه: كان بعد أن لم يكن؛ لأنه لو كان الأمر فيه كما قلناه لكان محدثاً، ولهذا قال بعد هذا:
(فتجرى عليه الصفات الْمُحْدَثَات): يريد أنه يصير متجدداً فيحتاج إلى مُحْدِثٍ وصانع كما كان ذلك لازماً في سائر الأمور المتجددة الحادثة.
(ولا يكون بينه وبينها فصل):يريد أنه إذا كان متجدداً فلا فصل هناك بينه وبينها لاشتراكهما أجمع في كونهما حادثين .
(ولا له عليها فضل): لأنهما إذا كانا حادثين معاً، فأي فضل لأحدهما على الآخر، مع استوائهما في وجه الحاجة إلى غيرهما وهو الحدوث.
(فيستوي الصانع والمصنوع): لأن الإله إذا كان حاصلاً بعد أن لم يكن، والمخلوقات كلها حاصلة بعد أن لم تكن استويا لامحالة في نظر العقول، ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر.
(وتكافأ المبدع والبديع ): المبدع: هو الفاعل للإبداع والخلق، والبديع هو: المخلوق على جهة الإبداع والاختراع.
(خلق الخلق على غير مثال خلا من غيره): أراد أنه أوجد الخلائق كلها على غير مثال حذا عليه ومضى، وكان سابقاً له في الإيجاد فيأخذ فعله للإيجاد منه.
(ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه): يعني أنه مستبدع في جميع ما خلق وقدَّر، وأحكم وصوَّر من هذه الإحكامات الغريبة، والبدائع العجيبة من غير إعانة من جهة أحد من الخلائق له في ذلك، وقد مضت هذه المعاني كلها في مواضع متكررة على أنحاء مختلفة، وألفاظ متباينة.
ثم إنه خرج في وصف حال الأرض وخلقها بقوله:
(وأنشأ الأرض): ابتدأها واخترعها.
(فأمسكها من غير اشتغال): بإمساكها عن إمساك ماهو أعظم منها وأبلغ، كالسماوات والعرش والكرسي وغيرها من المخلوقات ، أو من غير اشتغال عن تدبيرها وتدبير غيرها من سائر المكونات العظيمة.
(وأرساها على غير قرار): أسكنها على غير مستقر ولا على ما أشار إليه من كونها مدحوة على البحر إلى منتهى علم الله تعالى في ذلك.
(وأقامها بغير قوائم): تدعمها وتكون مستقرة عليها.
(ورفعها بغير دعائم): عن الوقوع أو عن الماء والحصول فيه من غير دعامة هناك ولا اسطوانة.
(وحصَّنها من الأود): يريد منعها من الاعوجاج.
(والاعوجاج): يريد وأزالها عن الميل والاضطراب في وقوفها على الماء.
(ومنعها من التهافت): الوقوع.
(والانفراج): التصدع.
(أرسى أوتادها): أسكن جبالها فيها؛ لتكون مانعة لها عن التحرك والزوال.
(وضرب أسدادها): أرسل الحواجز فيها ؛ لتكون حاجزة لها.
(واستفاض عيونها): أي جعلها فائضة يسقى بها.
(وخدَّ أوديتها): لمجاري سيولها، وسلوك طرقها، وعمارتها بالأشجار والزروع العظيمة.
(فلم يَهِنْ ما بناه): يضعف ما شيَّده وقرَّره.
(ولا ضعف ما قوَّاه): بالخراب والبطلان والتهدم.
(هو الظاهرعليها): الضمير في عليها لجميع المكونات المذكورة أولاً.
(بسلطانه وعظمته): أي هو المستظهر عليها بالملك والقهر والاستيلاء.
(وهو الباطن لها بعلمه): يريد أن علمه محيط ببواطنها وأسرارها وضمائرها.
سؤال؛ أراه أضاف الظهور إلى السلطان والعظمة، وأضاف البطون إلى العلم، وكما هو يعلم الظاهر من الأمور، فسلطانه أيضاً مستولٍ على الخفايا والدقائق؟
وجوابه؛ هو أن السلطان والعظمة إنما يتناولان جلائل الأشياء وأعلاها، فلهذا أسنده إلى ظهوره عليه، وبطونه تعالى إنما يستعمل في الخفايا والدقائق، فلهذا أضافه إلى العلم إسناداً إلى كل شيء ما يليق به وإلى ما هو أحق به.
قوله: كما يعلم الظاهر من الأشياء، فهو يستولي بسلطانه على أدق الأشياء، قلنا: هذا مُسلَّم، ولكن ما ذكرناه أحقُّ وأدقُّ، وأظهر وأكشف وأرشق.
(ومعرفته): أي ومن أجل معرفته تكون الإحاطة والاستيلاء.
(والعالي على كل شيء منها): العلو ها هنا: هو القهر كما مرَّ في غيره، فإن الجهة مستحيلة على ذاته.
(بجلاله وعزته): الجلال: هو الحال المستحق بالإلهية والربوبية، والعزة: هو التعزز بالقهر والاستيلاء.
(لا يعجزه شيء منها طلبه): الطلب مرفوع على بدل الاشتمال من شيء، أي لا يعجزه طلب شيء منها، كما تقول: أعجبني زيد علمه، والمعنى أنه لا يعجز عمَّا أراد من إيجاده منها.
(ولا يمتنع عليه شيء فيغلبه): أي ولايتعذر عليه شيء منها، فيكون غالباً له بالامتناع عن نفوذ قدرته فيه.
(ولا يفوته السريع منها): إلى مخالفة مراده فيما أراده منه.
(فيسبقه): على النصب لأنه جواب للنفي ، والمعنى فيكون سابقاً له بالفوات عن أمره ومراده، وإنما قال: السريع مبالغة؛ لأنه إذا لم يسبقه السريع فما ظنك بخلافه هو إلى عدم السبق أقرب.
(ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه): يريد وليس فقيراً فيكون محتاجاً إلى ذي يسار يعطيه الرزق، بل هو الرَّازق، المغني، القابض، الباسط.
(خضعت الأشياء له):انقادت لأمره فذلَّت، فكانت جارية على نعت الذلة.
(مستكينة): معترفة بالمسكنة.
(لعظمته): من أجل ما اختص به من العظمة.
(ولا تستطيع الهرب من سلطانه): يريد أن أوامره ونواهيه نافذة فيها، فلا يمكنها الامتناع والهرب من قهره وقدرته، وعبَّر بالسلطان عن ذلك.
(إلى غيره): إلى من يجيرها منه ويمنعها عن نفوذ أمره.
(فتمتنع): فتكون ممتنعة بذلك الغير والاعتزازبه.
(من نفعه وضره): من نفعها إذا أراد نفعها، أو من ضرها إذا أراد ضرها، كما يفعل من اعتزَّ بملك من الملوك عن غيره، فإنه يمتنع لا محالة عمن هرب عنه بالاستجارة بالآخر، ويعجز عن إيصال الضرر والنفع إليه، كل ذلك لضعف حاله وعدم قدرته، والله تعالى بخلاف ذلك كله لا ستيلاء قدرته وكمال سلطانه، كما قال: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ }[المؤمنون:88] يشير إلى هذا المعنى.
(ولا كُفْءَ له فيكافئه):الكفؤ: المثل، أي وليس له مثل فيكون مكافئاً له يفعل مثلما يفعل.
(ولا نظير له فيساويه): النظير: المماثل أيضاً، أي ولا نظير له فيساويه في كل أحواله جميعها.
(هو المفني لها بعد وجودها): الضمير إما للأرض، وإما لجميع المكونات وهو أحسن وأعجب، يريد أنه هو المُعْدِم لها بعد وجودها، إن قلنا: إن الإفناء هو الإعدام، وإن قلنا: إنه هو التفرّق، فأراد أنه هو المفرِّق لأجزائها بعد أن كانت مجتمعة، كما أشارت إليه ظواهر الشريعة في ذكر أحوال القيامة.
(حتى يصير موجودها كمفقودها): حتى هذه متعلقة بكلام محذوف تقديره: فتذهب وتعدم حتى يصير ماكان منها موجوداً مثل ما كان مفقوداً، إما في العدم، وإما في التفرّق.
(وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها): يريد أن إعدامها مثل إيجادها بالإضافة إلى القدرة الإلهية، كما قال تعالى رداً على منكري الإعادة: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ }[الإسراء:51] فما فناؤها:
(بأعجب من إنشائها واختراعها): ومن ها هنا أكثر الله الاحتجاج في كتابه الكريم على جهال منكري الإعادة في استبعاد ذلك، وضرب لهم الأمثلة، وكرر عليهم البراهين والأدلة، وأفحمهم فيما جاءوا به من الاستبعاد من أجل ذلك.
(وكيف): تعجب من إنكار ذلك، ثم دلَّ عليه بما هو أبهر في القدرة وأعجب منه بقوله:
(ولو اجتمع جميع حيوانها): الضمير للكائنات كلها.
(من طيرها وبهائمها): تفصيل لأجناس الحيوانات.
(وما كان من مُراحها وسائمها): المراح: موضع الإبل، وعبَّر به ها هنا عمَّا كان معلوفاً منها، والسائم: ما كان يرعى.
(وأصناف أشباحها ): الشبح: ماكان له حجم يرى.
(وأجناسها): المختلفة المشتملة على ضروب كثيرة، فالحيوان جنس لاشتماله [على حقائق مختلفة كالأسد والفرس والحمار، وكل واحد من هذه نوع لاشتماله] على أفراد متعددة متماثلة.
(ومتبلد أممها): وما كان من الأمم في غاية العي واللُّكنة.
(وأكياسها): جمع كَيِّس، وهو ما كان في غاية الذكاء والفطنة.
(على إحداث بعوضة): إيجادها حية واختراعها على ماهي عليه الآن دون المثال والتصوير.
(ما قدرت على إحداثها): نفي على جهة العموم والشمول، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ }[الأنبياء:34] وغيره.
(ولا عرفت السبيل إلى إيجادها): خلقهم لها بشراً سوياً من جهتهم.
(ولتحيرت عقولها): ذهلت وتاهت.
(في علم ذلك): في إدراك حقيقته ومعرفة كنه الإحكام فيها وكيفية الصنعة.
(وتاهت): تحيرت أفهامها.
(وعجزت قواها): عن إدراك ذلك وتحصيله.
(وتناهت): عرفت أن لها نهاية تقف عندها ولا تبلغ ذلك ولا تقدر عليه.
(ورجعت خاسئة): الخسؤ هو: زجر للكلب .
(حسيرة): منقطعة حسرة.
(عارفة بأنها مقهورة): متحققة عن علم ومعرفة بأنها مغلوبة عن ذلك.
(مقرَّة بالعجز): مصرِّحة به.
(عن إنشائها): عن أن تكون قادرة على إيجادها وتحصيلها.
(معترفة بالضعف): عن أن تكون مُوْجِدة لها.
(وعن إفنائها): إعادتها بعد إعدامها، ففي كلتا الحالتين العجز حاصل عن الإيجاد والإعدام، وفي كلامه هذا إشارة إلى أمرين:
أحدهما: عظيم قدرة الله تعالى على ما يقدر من هذه المكونات، واختراعه لهذه الموجودات العظيم أمرها، الباهر قدرها.
وثانيهما: عظم ضعف حال الخلق على القدرة على أحقر بعض مخلوقاته وأدناها، وإنما مثَّل بالبعوضة لما مثَّل الله وضربها مثلاً في كتابه الكريم، وإلا فهم عاجزون لا محالة عن أحقر من ذلك عن إيجاد الجوهر من الواحد من بعض جناحها، إذ لا أصغر منه في المقادير، ولو قدروا عليه لقدروا على ما هو أبلغ منه وأكبر.
ثم إنه عليه السلام خرج إلى أسلوب آخر من تحقيق حاله تعالى ووصف جلاله بقوله:
(وإنه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده): ليس الغرض بالعودة تغير عن حالة كان عليها، وإنما مراده أنه يصير بعد فناء الدنيا وإعدامها، وإذهاب أحوالها كلها منفرداً لا أحد معه من الملائكة والثقلين.
(لا شيء معه): من هذه المكونات.
(كما كان قبل ابتدائها): إيجادها واختراعها، الكاف في موضع الحال في قوله: كما كان من الضمير في يعود أي يعود بعد الإفناء مشبهاً بحالته في الابتداء من غير تفرقة.
(كذلك يكون بعد فنائها): بيان لقوله: إنه يعود بعد فناء الدنيا وحده واستحضار له.
(بلا وقت ولا مكان): يشير إلى الابتداء والانتهاء لبطلان ذلك كله.
(ولا حين ولا زمان): لأن الأحيان والأزمان عبارة عن حركات الأفلاك، ولا أفلاك هناك ولا شيء من المكونات أصلاً.
(عدمت عند ذلك الآجال): الإشارة بقوله: ذلك، إلى حالة الإفناء، وأراد أنه لا آجال هناك لانقضائها وبطلانها.
(والأوقات): يريد أنه لا حقيقة لها ولا وجه لكونها.
(وزالت السنون والساعات): لبطلان أصولها وما هي حقيقة فيها من جري الشمس والقمر، وطلوعهما وغروبهما؛ لأن ذلك كله تقدير للساعات والسنين.
(فلا شيء): هناك حينئذ، ولا يمكن له وجود.
(إلا الواحد): في ملكه.
(القهار): في سلطانه وعزته.
(الذي إليه مصير جميع الأمور): قد فسرنا المصير وبينا خروجه عن قياس بابه وأن قياسه الفتح، وأراد أن إليه مرجع الأمور كلها وهو غايتها ومنتهاها.
(بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها): يريد أنها في كلتا حالتيها من الابتداء والإفناء فلا قدرة لها على واحد منهما، فلا تقدرعلى ابتداء خلقها واختراعه.
(وبغير امتناع منها كان فناؤها): يريد أنه وإن أفناها فهي غير ممتنعة عن ذلك.
(ولو قدرت على الامتناع): من الإعدام والإفناء والتفرق.
(لدام بقاؤها):لعدم ما يغيره ويقهره عن دوام الوجود؛ لأن الباقي بعد وجوده بقاؤه لذاته إلا لطرؤ طارئٍ يقهره، إما بطرؤ ضد له، وإما لزوال شرط لوجوده ، فلما لم تكن باقية عند إرادته لإعدامها دل ذلك على فوات القدرة على الامتناع من جهتها.
(لم يتكاءده): تكاءدني كذا إذا شقَّ عليك فعله.
(صنع شيء منها إذ صنعه): يريد أنه لم يشق عليه فعل ما يفعله عند فعله، أو في زمان فعله وإيجاده له لذاته.
(ولم يؤُده منها خلق ما برأه وخلقه): أي ولم يثقله ما برأه وأوجده من خلقها وتكوينها وإيجادها.
(ولم يكوِّنها): أراد إما لم يقل لها: كوني، وإما لم يوجدها.
(لتشديد سلطان): من أجل أن سلطانه يكون عظيماً شديداً بخلقها كما تفعل الملوك بجمع العساكر، وحشد الخلائق من أجل تقوية أمرهم ونفوذ سلطانهم.
(ولا لخوف من زوال ونقصان ): ولا أوجدها من أجل خوفه على زوالها عن ملكه، ولا عن نقصانها بملك غيره لها.
(ولا للاستعانة بها على ندٍّ مكاثر): الند: المثل، أي وما خلقها من أجل أن يستعين بها على من هو ندٌّ له مكاثر له في ملكه.
(ولا للا حتراز من ضد مثاور): ولا من أجل أن يحترز ممن يضاده عليها ويثاوره على أخذها، واستئصال أمره فيها.
(ولا للازدياد بها في ملكه): ولا من أجل أن يكون ملكه زائداً على ملك غيره بكثرتها.
(ولا لمكاثرة شريك في شركه): ولا كان ذلك من أجل المكاثرة لمن هو شريك له، فيكون ما في يده أكثر مما تحويه يد شريكه.
(ولا لوحشة كانت منه): حصلت من جهته، فتكون باعثة على خلقها وإيجادها.
(فأراد أن يستأنس بها ): فيكون الأنس هو الداعي إلى خلقها.
(ثم هو يفنيها بعد تكونها ): ثم أعجب من هذا أنه يُعْدِمُها بعد إيجادها كما مر تقريره.
(لا لسأم دخل عليه في تصريفها):يريد أن الإفناء ليس الداعي إليه هو السآمة والملل، وثقل التصرف، والتدبير عليه في أحوالها كلها.
(وتدبيرها): وإحكام ما يحكم من أمورها.
(ولا لراحة واصلة إليه): يريد أنه لا يستريح بالترك لتدبيرها وإغفال الأمر عنها.
(ولا لثقل شيء منها عليه): ولا كان ذلك من أجل أنه ثقل عليه أمرها وتدبير الأمر فيها.
(ولا يملّه طول بقائها): أي ولايكون مالاًّ من أجل كونها باقية فيحتاج إلى نفوذ الأقضية، والتدبيرات العظيمة، فتلحقه ملالة ببقائها ودوامها.