(إلا أن فاطر النملة هو فاطر النخلة): يريد أن المبدع لهذه الأشياء كلها كبيرها وصغيرها ودقيقها وجليلها هو فاعل واحد ومقدر واحد، وأن خالق أصغر الأشياء وهو النملة هو الخالق لما هو أعظم منها من المخلوقات وهي النخلة.
(الباسقة في السماء): الطويلة العظيمة الطول، وأن خالق العصفور هو خالق الفيل.
(لدقيق تفصيل كل شيء): تعليل لقوله: ما دلتك الدلالة، والاستثناء في قوله: (إلا أن فاطر النملة) هو استثناء مفرغ، وأن في موضع نصب بنزع الجار كأنه قال: ما دلتك الدلالة إلا بأن فاطر النملة من أجل أن الدقة في خلقهما واحدة.
(وغامض أخلاف كل حي): الخلف: أطراف الضلوع من الحيوانات كلها، وأراد وما غمض من أخلاف الحيوانات كلها.
(وما الجليل واللطيف): كالجبال والصخور، والفيلة والجمال وغير ذلك مما كان خلقه عظيماً، واللطيف أيضاً كالحيوانات الصغار التي لا تدركها الأبصار إلا على صعوبة.
(والثقيل ): كالأرض والسماء والعرش والكرسي.
(والقوي): كالملائكة من حملة العرش وغيرهم فإن الله تعالى أعطاهم من القوة ما لم يعط أحداً من المخلوقات كلها، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنه رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح )) .

وحكي أنه سأل جبريل أن يتراءى له في صورته، فقال له: ((إنك لن تطيق ذلك))، فقال: ((إني أحب أن تفعل))، فخرج رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم] ثم أفاق وجبريل إحدى يديه على صدره، والأخرى بين كتفيه، فقال: ((سبحان الله ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا ))، فقال جبريل: ((فكيف لو رأيت إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق وجناح بالمغرب، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوَصَع وهو العصفور الصغير)) .
(والضعيف): من الحيوانات كلها.
(في خلقه) : بالإضافة إلى إيجاده وتقديره.
(إلا سواء): مستوية في ذلك لأن من كان أمره بين الكاف والنون، فليس الجليل وإن جلَّ بالإضافة إليه في نفسه إلا كالحقير بالإضافة إليه في نفسه.
(وكذلك السماء والهواء): على اختلافهما وتباين أحوالهما.
(والرياح والماء): على تشاكلهما في الرقة واللطافة.
(فانظروا إلى الشمس والقمر): في تنورهما وطلوعهما وغروبهما، وجريهما على هذه المجاري المقدرة، وما اشتملا عليه من هذه المنافع العظيمة للخلق.
(والنبات والشجر): وجميع أنواع النباتات المأكولة وغير المأكولة وجميع ضروب هذه الأشجار.
(والماء والحجر): وما في الأمواء من الحكم البديعة فمنها العذب الفرات، ومنها الملح الزعاق، ومنها ما ينزل من السماء، ومنها ما ينبع من الأرض كالأنهار والعيون والآبار وغير ذلك.
(واختلاف هذا الليل والنهار): تكررهما وجريهما إتقاناً لمصالح العباد، ورعاية لحقوقهم واستدامة لمصالحهم واستمراراً لقوام التكاليف، ومعرفة الأزمنة والحسابات إلى غير ذلك من اللطائف.

(وتفجُّر هذه البحار): أراد إما العيون الجارية فإنها تسمى بحاراً لعظمها، وإما أن يريد هذه البحار العظيمة التي تُعْبَرُ بالسفن والمراكب العظيمة.
(وكثرة هذه الجبال): عظمها وما فيها من المنافع العظيمة للخلق.
(وطول هذه القلال ): القلة: أعلى الجبل.
(وتفرق هذه اللغات): فمنها العربية، ومنها الفارسية، والتركية، والرومية، والحميرية إلى غير ذلك من الاختلافات العظيمة في الألسنة.
(والألسن المختلفات): التي لا يجمعها جامع ولاتتفق على لغة واحدة.
(فالويل): بعذاب الله وأليم عقابه.
(لمن أنكر المقدّر): الفاعل لهذه التقديرات، وأنواع هذه الإحكامات.
(وجحد المدبِّر): المسخِّر لهذه الأشياء العظيمة من أجل هذه المصلحة للخلق، كما قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ }[إبراهيم:33] وهذه الإشارة منه عليه السلام إنما تليق بمن أنكر الفاعل المختار وأثبت موجباً، أولم يكن مثبتاً لشيء كما هو المحكي عن الفلاسفة عن آخرهم فإنهم متفقون على إبطال الفاعل المختار، وإضافة هذه المبدعات والمكونات إلى العقول السماوية والنفوس الفلكية، والمواد العنصرية، وزعموا أن الفاعل المختار لا يعقل أصلاً ولا له ثبوت بحال، وهكذا من نحا نحوهم، وقال بهذه المقالة من الدهرية ، وأنواع أهل التنجيم، وأصحاب علم الهيئة وغير ذلك من أهل البدع والضلالات، فأما من خالف في أمور أخر مع إثبات الفاعل المختار المتقن لهذه الأشياء فكلامه عليه السلام لا يتناوله ها هنا، وإنما يبطل بأمور أُخر غير ذلك.
(زعموا): قالوا بألسنتهم.

(أنهم كالنبات ماله زارع): أراد بما ذكره من هذا المثال إبطالاً لمقالتهم وتهكماً بحالهم، وغرضه فهل يمكن في بداية العقول وحقائق الأفهام أ ن يوجد زرع لا زارع له!
(ولا لاختلاف صورهم صانع): أراد وهل يمكن في الصور المختلفة التي تأتي على أشكال وهيئات وتقديرات متفاوتة أن تكون من غير فاعل ولا مقدر، ولا صانع لها، هذا من المحال أيضاً التي لا تقبله العقول ولا يعرج عليه.
(لم يلجؤوا إلى حجة فيما ادعوا): يريد أن أمارة كذبهم على أنفسهم وتزويرهم على عقولهم وأفهامهم، هو أنهم لم يستندوا فيما ادعوه من بطلان إضافة الفعل إلى غير صانع ولا إضافة الإحكام إلى غير محكم إلى حجة قاطعة، ولا برهان واضح.
(ولا تحقيق لما وعوا ): ولا إيضاح لما اعتقدوه ووعوه في صدورهم من ذاك.
(وهل يكون بناء من غير بان): يريد انظر في عقلك وفكِّر، وهو أنك إذا دخلت بعض القفار وجدته عرصة بيضاء لا بناء فيها، ثم جئت بعد ذلك بمدة إلى تلك العرصة فوجدت فيها قصراً عالياً فيه من أنواع البناء وضروب الأفنية ، والمنازل الرفيعة العالية، والقصور المشيدة، أليس يضطرك عقلك إلا أنه لابد لهذه الأبنية من بانٍ بناها ومقدِّر قدَّرها؟ وأنها لا تحصل من جهة ذاتها ولا بفعل نفسها، فهذا أمر ضروري لا ينكره إلا من لا سلامة في عقله!
(أوجناية من غير جاني ): ثم فكِّر في عقلك أيضاً وهو أنك إذا رأيت رجلاً شاباً مليح المنظر ناعم الجسم، ثم رأيته مرة ثانية وقد قطعت أوصاله واحتز رأسه، فإن بديهة العقل قاضية على أن هذه الجناية لا بد لها من جاني وفاعل لها، ومؤثر فيها.

(وإن شئت قلت في الجرادة): يريد وإن أردت إعمال النظر والفكر في الجرادة واشتمالها على الإحكام البديع في خلقها، وإلهامها لمنافعها.
(إذ خلق لها عينين حمراوين): تهتدي بهما إلى منافعها واجتناب المضار.
(وأشرج لها حدقتين قمراوين): أي شقَّ لها حدقتين، من قولهم: انشرجت القوس إذا انشقت، أو جعلهما لها كالسراجين تهتدي بهما في تصرفاتها، ووصفهما بالحمرة لما فيهما من حدة البصر، ووصفهما بالتقمر لما فيهما من الضياء والتلألؤ، وموضعهما فوق مغرز الجناحين فيها، ولهذا تراها في طيرانها تطير على نحو بصرها عرضاً وليس على جهة الاستقبال كما يفعله ما كان عينه في رأسه من الطير.
(وجعل لها السمع الخفي): أراد إما أنها تسمع ما خفي من الأصوات وكان دقيقاً، أو يريد أن موضع سمعها خفي لا يمكن الاطلاع عليها من أعضائها.
(وفتح لها الفم السوي): الحاصل على جهة الاستقامة في تحصيل المنفعة.
(وجعل لها الحس القوي): إما القدرة القوية، وإما الإحساس القوي؛ لأنها تختص بهذين الأمرين اختصاصاً كلياً لا يعلم حالهما في ذلك إلاخالقها .
(ونابين بهما تقرض): تقطع الزروع والأثمار وسائر ما ينبت في الأرض، وهما نابان أسودان اشتملا على حصافة عظيمة وشدة قوية.
(ومنجلين بهما تقبض): ما تأكل وتهشمه، والمنجل: ما يحصد به الزرع من شريم وغيره.
(يرهبها الزُّرَّاع في زروعهم ): أي من أجل أكل زرعهم واستئصاله، يقال: رهبته في كذا إذا كان خشيتك من أجله.
(ولا يستطيعون ذبَّها): أي دفعها.
(ولو أجلبوا بجمعهم): أي ولو اجتمعوا بالجموع الكثيرة، كما قال تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ }[الإسراء:64].

(حتى تَرِدَ الحرث في نزواتها): حتى هذه بمعنى إلى أن، والمعنى إلى أن ترد الزرع في وثباتها مبادرة إليه، وحتى هذه متعلقة بيستطيعون، وإذ في قوله: (إذ خلق لها) متعلقة بما دل عليه قوله: (وإن شئت قلت) لأن المعنى وإن شئت تفكرت ونظرت.
(وتقضي فيه شهواتها): أي تأكل منه حتى لا يكون لها إليه إرب ولا حاجة.
(وخلقها كله لا يُكَوِّن إصبعاً مستدقة): يريد ومع هذه الصفات والقوة والبطش، فإن خلقها ليس حجماً عظيماً، وإنما هو مقدار الإصبع الدقيقة طولاً وعرضاً.
(فتبارك الذي يسجد له من في السماوات والأرض): البركة: كثرة الخير وزيادة، وقد مضى تفسيره في حق الله تعالى، خصَّ العقلاء ها هنا بقوله: من؛ لأن حقيقة السجود حاصلة من جهتهم بالخضوع والذلة، والخشوع لجلاله وعظمته من الإنس والجن والملائكة.
(طوعاً): بالاختيار والإرادة من جهة المكلفين بالسجود من الملائكة والثقلين.
(وكرهاً): ممن لا يكون مكلفاً به وهو سائر الجمادات، لأن معنى سجودها انقيادها لأمر الله ومطاوعتها لداعيته في الإيجاد.
سؤال؛ هل يكون قوله: (يسجد من في السماوات والأرض) عام في العقلاء وغيرهم، أو يكون خاصاً في العقلاء لا غير؟
وجوابه؛ أنه وارد على جهة العموم لمن يعقل ولمن لا يعقل، وعبَّر عنه بمن على جهة التغليب لحال العقلاء على غيرهم، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ}[الرعد:15].
سؤال؛ فإذا كان عاماً هذا السجود في العقلاء وغيرهم، فلا شك أن سجود العقلاء مخالف لسجود غيرهم، فكيف جازت العبارة عنهما بلفظة واحدة وهما مختلفان؟

وجوابه؛ هو أن السجودين وإن كانا مختلفين، فالعقلاء سجودهم طاعتهم وعبادتهم، وسجود غير العقلاء موافقتهم لداعيته، لكنهم يجتمعون في معنى الانقياد لأمره، فلهذا جاز أن يعبِّر عن ذلك بلفظة واحدة؛ لاجتماعهم في معنى واحد وهو الانقياد.
(ويُعَفِّر له خدّا ووجهاً): تعفير الوجه والخد: تمريغهما بالتراب، وهذا خاص في حق العقلاء؛ لأن ذلك لا يتأتى إلا فيهم.
(ويلقي بالطاعة إليه): أي يسلِّمها إليه، من قولهم: ألقى إليه بأمره إذا سلَّمه إليه.
(سلماً وضعفاً): حالان من قوله: يلقي بالطاعة أي في حال سلامته وضعفه.
(ويعطي القياد رهبة وخوفاً): فلان يعطي القياد إذا خضع وذل، وانتصابهما على المفعول له أي من أجل الرهبة والخوف، ويجوز أن يكون نصبهما على الحال أيضاً أي راهباً وخائفاً، فأما سلماً وضعفاً فلا وجه فيهما إلا الحال؛ لفساد المفعولية فيهما.
(فالطير مسخرة لأمره): التسخير هو: التذليل، وأراد أنها تدفُّ بين السماء والأرض بالطيران من أجل أمره لها بذلك، ومن أجل إمساكه لها في الجو، كما قال تعالى: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ }[النحل:79].
سؤال؛ التسخير هو نفوذ الأمر والقضاء في كل ماسخر، وهذا عام في كل الحيوانات، فما وجه تخصيص الطير؟
وجوابه؛ هو أن الله تعالى لما كان هو المتولي لإمساكهنَّ في جو السماء، كما أشار إليه، بخلاف سائر الحيوانات، فإن تصرفه من جهة قدرته على ذلك فهو متصرف لنفسه للنفع ودفع الضرر، فلهذا كان التسخير فيها أتمَّ وأوقع.
(أحصى عدد الريش منها): القوادم منها والخوافي، فالقوادم عشر في كل جناح، والخوافي ما عدا ذلك.
(والنَّفَسَ): أي ومقدار متنفسها في الجو، أو وعدد أنفاسها الجارية في حلوقها.

(وأرسى قوائمها): أسكن أرجلها حين تدنو من الأرض لطلب المتاع لها.
(على الندى واليَبَسِ): على ما كان مبتلاً بالماء وعلى ما كان يابساً فإنها تدبُّ فوقه لا يضرها ذلك، أو يريد أن منها ما يكون متاعه في الماء، ومنها ما يكون متاعه في البر، فأجرى أقواتها وثبَّتها على الماء لتأخذ متاعها منه مثل حيوان الماء كلها على اختلاف أنواعها، فإنها تمشي على ظهره مشياً ظاهراً لا يمنعها رقته ولا رخاوته، ومنها ما يكون متاعه في البر وحيث لاماء وهو المراد باليبس.
(قدَّر أقواتها): على حسب ما يعلم من مصالحها واستقامة أحوالها، فمنها ما يكون معاشه اللحوم وهذه هي ذوات المخلب كالنسر والعقاب والشاهين، وغير ذلك، ومنها ما يكون معاشه الحبوب وما أنبتت الأرض، وهو ما عدا ما ذكرناه.
(وأحصى أجناسها): حصرها مع اختلاف أنواعها، وافتراق أجناسها، فلا يغيب عن علمه وحفظه منها شيء وإن دق وصغر.
(فهذا غراب، وهذا عُقَابٌ، وهذا حمام، وهذا نعام): أشار بما ذكره إلى أكثر أنواعها، فذكر من ذوات المخلب العقاب، وذكر مما يلتقط الحب الغراب، وذكرمن ذوات الأطواق الحمام، وذكرالنعام من جملة الطير، وفيه نظر، لأن حقيقة الطير ما كان مرتفعاً في الجو غير واقع على الأرض، سواء كان دافًّا أو مُحَلِّقاً في الجو، وأما النعام فهو في سيره السريع تقع رجلاه على الأرض، فأما إذا كان متردداً فهو مما يدبُّ على وجه الأرض برجليه، ولعل أمير المؤمنين قصد أن الحقيقة في الطير ما كان له جناحان يستعملهما، ولهذا في أمثالهم: كاد النعام يطير مبالغة في سرعة جريه ولو كان طيراً على الحقيقة لم يقولوا: كاد يطير، ولهذا لا يقولون: كاد الحمام يطير لما كان طيراً على الحقيقة.

(دعا كل طائر باسمه): يريد إما سمى كل جنس منها اسماً يخالف اسم الجنس الآخر، وإما أن كل واحد منها وكل فرد من أفرادها له اسم عنده لما يرى في ذلك من المصلحة.
(وكفل برزقه): وضمن برزقه حتى أوصله إليه، وأبلغه إياه.
(وأنشأ السحاب الثقال): الحاملة أوقارهنَّ من الماء بقدرته.
(فأهطل دَيِمَها): الديمة: المطر الدائم، والديم جمع ديمة، وسحاب هطَّال أي يسكب الماء كثيراً.
(وَعَدَّدَ قِسَمَهَا): يشير إلى السحاب أي أنه قسمه على حسب المصلحة، وساقه على قدر الحاجة، كما أشار إليه: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ}[الأعراف:57].
(فبلَّ الأرض): الضمير في بلَّ إما لله تعالى، وإما للسحاب [المتقدم ذكره أي ماء السحاب] .
(بعد جفوفها): [جفَّ الماء إذا يبس] ، وأراد أنها صارت مبتلة بالماء بعد أن كانت جرزاً يابسة.
(وأخرج نبتها): ما تختص به من النبات على اختلاف أنواعه وضروبه.
(بعد جدوبها): الجدب: نقيض الخصب، أي بعد إقحالها وذهاب خضرتها ونضارتها.

(218) ومن خطبة له عليه السلام في التوحيد، وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة غيرها، قال فيها:
(ما وحَّده من كيَّفه): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد بالكيفية المثلية، ولا شك أن المثلية رافعة للوحدة.
وثانيهما: أن يكون مراده أن الكيفية هيئة قارَّة في الأجسام، وكل هيئة تتمكن في ذات شيء فإنها تكون أمراً وراء ذاته فيلزم من تعقلها الأثنينية وذلك رافع للوحدة.
(ولا إياه عنى من شبَّهه): لأن الله تعالى حقيقته مخالفة لسائر الحقائق كلها فمن مثَّله بغيره من سائر المخلوقات فقد أخرجه شَبَهُهُ ذلك عن أن يكون هو الْمَعْنِي بما يشار إليه من الإلهية والمعبودية، فلهذا قال: ولا إياه عنى من شبهه، يشير إلى ما ذكرناه.
(ولا حقيقته أصاب من مثَّله): يريد أن حقيقة الله تعالى ممتازة من بين سائر الحقائق كلها، فمن جعل لها مثلاً فهو جهل بها وبحالها، فمن مثَّلها فما وقع على حقيقة حالها في اعتقاده وتصوره لها.
(ولا صمده من أشار إليه): الصمد هو: القصد، فإذا كانت الإشارة إنما تليق بما يختص الأمكنة والجهات، والله تعالى منزه عن ذلك كله، وإذا كان الأمر هكذا فمن أشار إليه، فهو لاشك غيرقاصد إلى ذاته وحقيقته.
(وتوهمه): والتوهمات أيضاً منفية عنه؛ لأن الوهم إنما يكون متعلقاً بالأمور المحسوسة، والله تعالى بخلاف ذلك فلا يتعلق به الإحساس بحال.

119 / 194
ع
En
A+
A-