(والتزود في منزل الزاد): وأخذ الزاد من موضعه ومكانه وهو الدنيا فإنها موضع العمل، ومنزلة التجارة الرابحة.
(ولا تغرَّنكم الدنيا ): تخدعكم بأمانيها الكاذبة.
(كما غرت من كان قبلكم من الأمم الماضية، والقرون الخالية): كخدعها لمن كان قبلكم ممن عرفتموهم بالأخبار من الأمم العظيمة، والقرون الجمَّة الذين مضت أخبارهم، وخلت آثارهم، وقرع أسماعكم ما كانوا فيه وكيف كانوا.
(الذين احتلبوا درتها): أخذوا مختارها، وكنى عن ذلك بالدرة؛ لأنه أعظم اللبن وأكثره، والدرة بالكسر : هي الحالة من الحلب كالجِلسة.
(وأصابوا غِرَّتها): الغِرة بالكسر: هي الغفلة، وهي الاسم من الاغترار.
(وأفنوا عدتها): أفسدوا آلاتها بكثرة استعمالهم لها.
(وأخلقوا جدَّتها): ما كان منها جديداً.
(أصبحت مساكنهم): التي كانوا يسكنونها المعمورة والمزخرفة، والأبنية المشيدة العالية.
(أجداثاً): قبوراً خالية ضيقة، وَحِشَة مدعثرة.
(وأموالهم ميراثاً): مقتسمة بين الورثة.
(لا يعرفون من أتاهم): للزيارة ولا من مرَّ بهم لغير الزيارة، كما كانوا في الدنيا أحياءً.
(ولا يحفلون من نكاهم ): أي يبالون بمن نكاهم من النكاية، أو (بكاهم): سالت دموعه عليهم، وعدد صفاتهم.
(ولا يجيبون من دعاهم): إلى خير أو شر، أو لمكرمة أو لغيرها.
(فاحذروا الدنيا فإنها غرارة خدوع): كثيرة الغرر لأهلها، والخدع لهم والمكر.
(معطية منوع): إما لقوم دون آخرين، وإما في حالة دون حالة، وإنما ذكر فعولاً لأنه مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، إذا كان بمعنى فاعل كقولك : امرأة ضحوك ورجل ضحوك.
(ملبسة نزوع): تلبس هذا رونقها وتكسوه طلاوتها، وتنزع من هذا ما كانت أعطته من لباسها ورونقها.

(لا يدوم رخاؤها): نعومة عيشها وغضارته.
(ولا ينقضي عناؤها): مشقتها وتعبها.
(ولا يَرْكُدُ بلاؤها): أي لا يسكن بل يتحرك في كل حالة.
ثم ذكر الزهاد ووصف حالهم بقوله:
(كانوا قوماً من أهل الدنيا): من الذين خلقوا فيها، ومشوا عليها، وتزودوا منها.
(وليسوا من أهلها): في جمعها وادخارها، والمنافسة فيها.
(وكانوا فيها): في لبثهم فيها وتصرفهم عليها.
(كمن ليس فيها): في خفة الحال وشدة العجلة عنها.
(عملوا فيها بما يبصرون): إما بما يكون بصيرة لهم في الآخرة، وإما على حد ما يبصرون من انقطاعها وزوالها.
(وبادروا فيها ما يحذرون): وهو الموت أن يكون حائلاً بينهم وبين الأعمال الصالحة.
(تقلَّب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة): يقال: هو نازل بين ظهراني القوم بفتح النون، ولا يقال بكسرها أي بين جوانبهم، يريد أنهم لبُعدهم عن الدنيا كأنهم مع أهل الآخرة.
(يرون أهل الدنيا يعظِّمون موت أجسادهم):ترتفع أصواتهم على من مات ونزعت روحه عنه، وكان جسده خالياً عن روحه، ولا يحتفلون بموت الأفئدة وحياتها.
(وهم): الضمير للزهاد.
(أشد إعظاماً لموت قلوب أحبائهم ): يريد أن حزنهم على موت الأفئدة، والقلوب في حق الأحبة وأهل المودة أكثر من حزن أهل الدنيا على موت الأجساد، ومفارقة الأرواح لها.

(212) ومن خطبة له عليه السلام بذي قار ، وهو متوجه إلى البصرة، ذكرها الواقدي في كتاب (الْجَمَلِ)
(فصدع بما أمر به): يريد الرسول عليه السلام وصدع به أي أظهره ، وأعلن به.
(وبلغ رسالة ربه): ما أرسله الله به من الشرائع كلها، وأودعه من الأحكام.
(فلمَّ الله به الصدع): يعني ما كان من صدع الدين، وانشقاقه قبل بعثته.
(ورتق به الفتق): ولأم به الشق وهو ما كان من تخرم الدين، وانهدام أركانه.
(وألف به الشمل ): جمع به.
(بين ذوي الأرحام): الأقارب.
(بعد العداوة الواغرة في الصدور): الوغرة: شدة توقد الحر، ويقال: في صدره عليَّ وَغَرٌ أي حقد، والمصدر منه وغر بالتسكين، والواغرة: اسم فاعلة، إما بمعنى الوغر كالكاذبة بمعنى الكذب، وإما صفة على حالها أي ذات الوغر، وهي ها هنا صفة لتقدم موصوفها عليها فلا يحتمل سواه.
(والضغائن): وهو: عبارة عمَّا يكنُّه الواحد ويستره من العداوة في صدره.
(القادحة في القلوب): يريد كأنها من فرط تمكنها وعظمها كأنها تقدح النار في الأفئدة غيظاً وحنقاً.

(213) ومن كلام له عليه السلام كلم به عبد الله بن زمعة وهو من شيعته، وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً
فقال له عليه السلام:
(إن هذا المال ليس لي ولا لك): أي لا هو ملك لي [ولا هو ملك لك] فأعطيك منه، أو تكون أنت الآخذ له.
(وإنما هو فيء للمسلمين): أفاءه الله عليهم، وأطعمهم إياه، وأباحه لهم.
(وجلب أسيافهم): الجَلَبُ بالتحريك: ما يجلب، وأراد أن سيوفهم جلبته إليهم وحازته عليهم، وليس لأحد شيء فيه إلا من شاركهم في سبب الاستحقاق.
(فإن شركتهم في حربهم): شاركتهم في أن حاربت معهم أعداءهم من الكفار.
(كان لك مثل حظهم): مثل قسم من أقسامهم.
(وإلا): يريد إذا لم تكن أنت مشاركاً لهم في حربهم فلا نصيب لك فيه، ولا حظ لك منه .
(فجناة أيديهم): أي فما تجنيه أيديهم.
(لا تكون لغير أفواههم): بل من اجتنى شيئاً فهو أحق به، ويقال: لكل مجتني جناته، ولكل قدح نصيب، ولكل عمل أجر، لا يستحقه سواه، ولا يكون أحد أولى به منه.

(214) ومن كلام له عليه السلام
(ألا إن اللسان بَضْعَةٌ من الإنسان): الْبَضْعَةُ: القطعة من اللحم، وفيه من عجائب الحكمة ولطائف الصنعة ما لا يحيط بوصفه إلا الله، فانظر إلى كونها قطعة واحدة من لحم، وقد اشتملت على مدارج ومخارج للأحرف المختلفة، كل واحد منها له مخرج يخالف مخرج الآخر، ولو لم تكن من الدلالة على حكمة الله من خلقة الإنسان إلا لسانه لكان ذلك كافياً.
(فلا يسعده القول إذا امتنع): أراد أن اللسان إذا وقع فيه عارض عن الكلام إما لعدم الداعي إليه، وإما لمكان حصول عاهة فيه، وعاهاته كثيرة، فإنه لايساعده القول ولايمكنه بحال، وذلك لأن اللسان هو الآلة في الكلام كالعين للبصر والأذن للسماع، فإن تعذرت تعذر ماهو وصلة إليه لا محالة.
(ولا يمهله النطق إذا اتسع): يريد أن اللسان إذا كان مفوهاً ذرباً لا عاهة به وكان له داعي إلى الكلام فإنه يتسع الكلام، وتطول ذيوله ، ولا يتوقف عن النطق، بل يكون ملجئاً له إلى الكلام لما ذكرناه.
ويحكى أن الفصيح هو الذي يرمي بالبيت الكامل من أوله إلى آخره دفعة واحدة من قريحته، ومن هو دونه فإنه يرمي بنصف البيت وبمصراع دون مصراع، وأما المتكلف فهو الذي يضم كلمة إلى كلمة حتى يستكمل البيت الواحد.
(وإنّا لأمراء الكلام): أهل التمكن فيه، والبسطة واليد الطولى فيه.
(وفينا تنشبت عروقه): نشب عرق الشجرة إذا رسخ في الأرض، وتعذر نزعه.
(وعلينا تهدلت أغصانه ): تهدلت أغصان الشجرة إذا مالت.

واعلم: أن أمير المؤمنين قد بلغ مكانة في البلاغة مبلغاً عظيماً إلى حدٍّ لم يزاحم عليه، ولم ينافس فيه، حتى صار أباً لعذرتها ، ودعي ابناً لنجدتها، وحتىصار كلامه إماماً لكل كلام، وحائزاً لقصب السبق في كل مقصد ومرام.
ولولوع الناس بالبلاغة ووصفها حكى الشيخ أبو إسحاق بن علي الحصري أنه اجتمع قوم من أهل الصناعات فوصفوا البلاغة على قدر صناعاتهم، وأخذوا معانيها من معاني تلك الصناعات.
فقال الجوهري: أحسن الكلام نظاماً ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، وفصَّلت جواهر معانيه في سموط ألفاظه فاحتملته نحور الرواة.
وقال العطَّار: أحسن الكلام ما كان لعوقه الأفهام، وذروره الحلاوة، ولا بسه جسد اللفظ، وروح المعنى.
وقال القزَّاز: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه، فخرج مفوفاً منيراً، وموشحاً محبَّراً.
وقال الجمَّار: أبلغ الكلام ما طبخته في مراجل العلم، وصفيته من راووق الفهم، وضمنته ديوان الحكمة، فتمشت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقته، وفي العقول جدته .
وقال الطبيب : خير الكلام إذا باشر بيانه سقم الشبه استطلقت طبيعة الغباوة، فشفي من سوء التوهم، وأورث صحة التفهم.
وقال الجمَّال: البليغ من أخذ بخطام كلامه فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل الاختصار له عقالاً، والإيجاز له مجالاً، لم يند عن الآذان، ولم يشذ عن الأذهان.
وقال الكحَّال: كما أن الرمد قيد الإبصار فهكذا تكون الشبهة قيد البصائر، خير الكلام ما كحل عين اللكنة بميل البلاغة، وحل رمص الغفلة بمرود اليقظة.
وقال القفاعي: خير الكلام ما روجت ألفاظه غبآءة الشك، ورفعت رقته فضاضة الجهل، فطاب حسا قطره، وعذُب مصُّ جرعه.

ثم أجمعوا عن آخرهم على أن الكلام البليغ هو الذي إذا شرقت شمسه كشفت لبسه.
فانظر إلى أهل هذه الصناعات كيف فسروا البلاغة على حد ما يفهم كل واحد منهم من جيد صناعته، وما من واحدة من هذه الصفات إلا وتراها في كلام أميرالمؤمنين على أوفى شيء، وأتمه وأبلغه وأكمله.
وقوله في الخطبة: اتسع وامتنع، من باب التجنيس الناقص، وهو في كلامه كثير لا يمكن عده ولا إحصاؤه.
(واعلموا رحمكم الله): الرحمة من الله تعالى: لطف للخلق، ودعاء لهم إلى الخير.
(أنكم في زمان القائل بالحق فيه قليل): لصعوبة الحق ومرارته على كل أحد، فلا يكاد يقوله إلا موَّفق منصف على نفسه، وعلى غيرها.
(واللسان عن الصدق كليل): كلَّ السيف إذا لم يكن ماضياً في مضاربه ونبا عنها، وأراد أن اللسان غير ماضٍ في الصدق.
(واللازم للحق ذليل): يريد أنه لايقدر على إمضائه لقلة من ينصره ويعينه.
(أهله معتكفون على العصيان): الضمير للزمان، وغرضه أنهم دائمون على المنكرات لا يقلعون عنها وعن فعلها.
(مصطلحون على الإدهان): يريد أنهم تواطئوا من جهة أنفسهم على المصانعة، يريد أن أفعالهم ليس حاصلها لله وإنما هم متداهنون فيها، وحقيقة المصانعة آيلة إلى أنك إنما تفعل الفعل ليس لوجه الله تعالى، وإنما هو لما ترجوه من نفع أو دفع ضر لا غير.
(فتاهم عارم): يريد الصغير سِنه منهم سيء الخلق شكيس الخلائق.
(وشابهم آثم): يريد ومن كان سنه منهم بالغ فهو راكب للمعاصي وأنواع الفسوق.
(وعالمهم منافق): يظهر من أفعاله خلاف ما يبطنها.
(وقارئهم مماذق): أي ليس إيمانه خالصاً لله تعالى.
(لا يعظم صغيرهم كبيرهم): كما هو المأخوذ على الصغير ذلك، وأراد أن كل واحد منهم جاهل بحق صاحبه لفرط جهلهم.

(ولا يعول غنيهم فقيرهم): لأن هذا هو المأخوذ علىالأغنياء الرحمة للفقراء وصلتهم بما أمكنهم من الصلة، وفي الحديث: ((الفقراء عالة الأغنياء )).

(215) ومن كلام له عليه السلام
روى اليماني عن أحمد بن قتيبة، عن عبد الله بن يزيد، عن مالك بن دحية ، قال: كنا عند أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه وقد ذكر عنده اختلاف الناس، فقال عليه السلام:
(إنما فرق بينهم مفارق طينهم): الطين: جمع طينة على حد تمرة وتمر، يشير بهذا الكلام إلى أن الله تعالى جمع خلقة آدم عليه السلام من أنواع من الترب مختلفة كما قررنا من قبل كيفية خلقتها، والتُربيَّة جامعة لها فهم متفقون فيها ومختلفون في خلائق أُخَر، فلهذا قال عليه السلام:
(وذلك): أي والأمر في خلقهم واختلافه هو:
(أنهم كانوا فِلْقَةً من سبخ أرض): السبخ بالباء: ما لا ينبت، والفلقة: بعض الشيء، وأراد أنهم مجموعون من أصل الأرض وهو التراب.
(وعذبها): العذب: خلاف المالح.
(وحزن تربة): الحزن: المكان الجرز.
(وسهلها): لينها ورخوها.
(فهم على حسب قرب أرضهم): يريد أنهم على حسب قربهم في أصل الخلقة من الأجزاء التُربيَّة الأرضية.
(يتقاربون): في الخلائق والأوصاف، والطباع والهيئات، والأشكال، والمقادير والحالات.
(وعلى قدر اختلافها): في سبخها وعذبها، وسهلها وحزنها كما أشار إليه.
(يتفاوتون): في الخلائق والطباع، والأشكال والحالات.
ثم إنه أخذ عقيب ذكر التقارب والتفاوت على جهة الإجمال يذكر التوافق والاختلاف بضرب من التفصيل فقال:
(فتام الرواء): فيه روايتان:
أحدهما: الرواء بالراء المهملة مخففاً، يقال: رجل له رواء إذا كان له منطق حسن، وفي هذا المعنى قال بعضهم:
لا تغررنك الثياب والصور ... تسعة أعشار من ترى بقر
في خشيب السرو منهم مثل ... له رُوَاء وماله ثمر

وثانيهما: الزواء بالزاي، يقال: هذا زوٌّ علينا أي قدر وحتم وقضاء، فعلى الرواية الأولى فتامُّ المنظر، وعلى الرواية الثانية فتامَّ القدر، والرواية الأولى أعجب وهي أقعد في المعنى وأتمَّ.
(ناقص العقل): لا تمام في عقله، ولا رجحان فيه، أي منهم من له منظر حسن ولا عقل له.
(ومادَّ القامة): أي ذو مدد في قامته، يريد طويلها.
(قصير الهمة): لا همة له في أعالي الأمور ونفائسها، والسامي فيها.
(وزاكي العمل): يريد أن عمله طيب زاك، مرضٍ لله تعالى في كل أحواله.
(قبيح المنظر): صورته قببيحة في رأي العين.
(وقريب القعر): أي ومنهم من يفهم من ظاهره أنه ليس له باطن يخالف ظاهره ولا غور له.
(بعيد السبر): السبر: الامتحان، وأراد أن الامتحان لسره يوجب خلاف ذلك من خلائقه ويعرفك أن باطنه ينطوي على أشياء لا يمكن الوقوف عليها.
(ومعروف الضريبة، [منكر الجليبة] ): الضريبة هي: السجية والطبيعة، والجليبة بمعنى المجلوبة أي المكتسبة، والمعنى في هذا أن منهم من تكون سجيته الفطرية حسنة ولكنه اكتسب أخلاقاً رديئة.
(وتائه القلب): تاه: إذا تحيَّر، أي ومنهم من هو في غاية التحيّر في أعمال قلبه، وترددات خاطره.
(متفرق اللبِّ): اللُّبُّ: العقل، وأراد أنه ليس له فطانة في أموره، ولا يقف منها على حد واحد، بل هو كثير الفشل والطيش، والعجلة في الأمور.
(وطليق اللسان): فصيحه، لا لْكْنَة في لسانه، ولا شيء من العاهات العارضة.

117 / 194
ع
En
A+
A-