(في الأسماع والأبصار والأفئدة): يريد أن أسماعهم واعية لما سمعته من أمر الوعيد وأحوال الآخرة، وأبصارهم نافذة فيما رأته دلالة على توحيد الصانع ومعرفة عظمته وجلاله، وأفئدتهم مطمئنة إلى ما قد عرفوه من خوف الله، والفرار عن معصيته والتزام ما يستحقه من الطاعة التي هو أهل لها.
(يذكِّرون بأيام الله): يريد وقائعه في الأمم الماضية، والقرون الخالية بما أهلكهم بضروب الْمثُلاَتِ وأنواع العقوبات، ويحذرون وقوع مثلها، ومنه قولهم: أيام العرب يريدون أياماً كانت لهم فيها ملاحم وحروب كيوم الفجار ، ويوم الهباءة ، ويوم ذي قار ، وغيرها من الأيام.
(ويخوِّفون مقامه): الوقوف بين يديه للحساب، كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى }[النازعات:40] ولهذا ترى كثيراً من الأشخاص يحضر إلى بين يدي بعض الجبابرة والظلمة وأهل البغي والفسوق، فلا يثبت في كلامه وترعد فرائصه خوفاً من مقامه وفشلاً، ويقف بين يدي ربه للصلاة، فلا يُرَى عليه من تلك الحالة أثر ولا خبر، ومن عَظُمَ جلال الله عنده فإنه لا يحتفل بأحد وإن جلَّ قدره.
(بمنزلة الأدلة في الفلوات): أي هم بمنزلة الأعلام المنصوبة في القفار والبراري التي يضل فيها من سار لولاها.
(من أخذ القصد): من الأمور كلها الدينية والدنيوية.
(حمدوا إليه طريقه): أثنوا عليه بحسن الثناء وبشَّروه بالنجاة من النار، وأمَّنوه من الوقوع في المهالك.
(ومن أخذ يميناً وشمالاً): يريد غير الطريق المعلومة المسلوكة للدين كما قد تقدم في كلام مضى.
(اليمين والشمال مضلتان، وما بينهما هو الجادة): يريد النجاة فيه.
(ذموا إليه الطريق): التي سلكها.
(وحذروه من الهلكة): الوقوع في النار من أجل ذلك.
(وكانوا كذلك): يريد على هذه الحالة من غير مخالفة لها ولا مجانبة عنها.
(مصابيح تلك الظلمات): يريد أن كلما أظلم من أمور الدين فهم فيه بمنزلة المصباح .
(وأدلة تلك الشبهات): يريد أنه لا شبهة واردة في الدين إلا وهم أدلتها وهم الذين يستوضح منهم مسالكها.
سؤال؛ لم يسبق شيء من ذكر الظلم، ولا تقدم شيء من ذكر الشبه، فما وجه الإشارة بقوله: تلك الظلمات وتلك الشبهات؟
وجوابه؛ هو أنه ليس الغرض بهذه الإشارة إلى شيء معين موجود، وإنما هي إشارة إلى معهود في الذهن، كما تقول: أكلت الخبز، فليس غرضك العموم لا ستحالة ذلك، ولا غرضك أمراً معيناً إذ لم يكن هناك شيء، وإنما الغرض الحقيقة المعقولة في الذهن، فلهذا أشار إليها بقوله: (تلك): فيهما جميعاً.
(وإن للذكر أهلاً ): ناساً اختصوا به حتى صاروا أهلاً له.
(أخذوه من الدنيا بدلاً): جعلوه نصيبهم من الدنيا، فلا نصيب لهم منها سواه.
(فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه): أي فكان اشتغالهم به دون سائر الأغراض من البيع والشراء وأنواع التجارات.
(يقطعون به أيام الحياة): أي أنهم لا شغل لهم بغيره فأيامهم ولياليهم مستغرقة فيه منقطعة به.
(يهتفون بالزواجر): يصيحون بالوعيدات العظيمة، والقوارع الشديدة.
(عن محارم الله): عن مواقعتها، والتلبس بها وتعدي حدود الله، وانتهاك حرم الله.
(في أسماع الغافلين): لولوجها في أسماعهم من أجل وجوب الحجة عليهم.
(ويأمرون بالقسط): وهو العدل في الأمور.
(ويأتمرون به): إما يفعلونه، وإما يأمرون به أنفسهم.
(وينهون عن المنكر): عمَّا أنكره الله على الخليقة وكرهه لهم، ونهاهم عنه، وأوعدهم على ارتكابه.
(ويتناهون): يمتنعون.
(عنه): فلا يفعلونه.
(فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها): يريد أنهم فيما هم فيه من القيام بأمر الله والخوف منه، وتحذير الناس من وعيده، بمنزلة من قد قطع الدنيا ثم جازها إلى الآخرة وهو فيها معاين لأحوالها كلها.
(فشاهدوا ما وراء ذلك): ممَّا أعد الله فيها لأوليائه، وممَّا هيَّأ لأعدائه.
(وكأنما اطلعوا غيوب أهل البزرخ): أي وكأنهم لمكان قلقهم وفشلهم قد علموا ورأوا ماكان من علوم البرزخ، وهو ما بين الدنيا والآخرة أو القبر كما مرَّ شرحه، غائباً عن غيرهم.
(في طول الإقامة فيه): أي وعلموا طول الإقامة في البرزخ.
(وحققت القيامة عليهم عداتها): أي وتحققوا ما كان من أخبار القيامة وما وعدتهم من أهوالها وفجائعها.
(فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا): بالإخبار والوصف.
(حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس): حتى هذه متعلقة بكلام محذوف تقديره: إنهم بالغوا في ذلك، وحققوه حتى كأنهم يرون ما لا يرونه.
(ويسمعون ما لا يسمعونه): فيحثهم ذلك على ما فعلوه.
(فلو مثلتهم لعقلك): حيث لم تكن مدركاً لهم بعينك فتكون كافياً عن ذلك.
(في مقاومهم المحمودة): التي يحمدهم الله تعالى عليها.
(ومجالسهم المشهودة): التي يشهدها غيرهم.
(وقد نشروا دواوين أعمالهم): صحفها وقراطيسها.
(وفرغوا لمحاسبة أنفسهم): تحقيق الحساب عليها.
(على كل صغيرة وكبيرة): من الأعمال.
(أمروا بها فقصَّروا عنها): إما عن تأديتها مطلقاً، وإما عن تأديتها على الوجه المرضي منهم لله تعالى.
(أو نهوا عنها ففرطوا فيها): في الانكفاف عنها.
(وحمَّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم): ولم يُحَمِّلُوهَا غيرهم ممن لا جرم له فيها.
(فضعفوا عن الا ستقلال بها): عن حملها خفيفة مقلين لها.
(فنشجوا نشيجاً): يريد غصُّوا بالبكاء في حلوقهم من غير انتحاب.
(وتجاوبوا نحيباً): هذا ينحب فنحبته هذا أيضاً ناحباً، والنحيب: علو الصوت بالبكاء.
(يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف عجيجاً ): يتضرعون إلى ربهم رافعين أصواتهم معتذرين من مقام ندموا على قيامهم فيه واعترفوا بالخطأ في ذلك.
(لرأيت): اللام هذه هي جواب لو في قوله: فلو مثلتهم لعقلك.
(أعلام هدى): يهتدي بها السائر في الظلمات والقفار من الأرض.
(ومصابيح دجى): الدجى هي: الظلمة أي وهم مصابيح كل ظلام، وكل هذه الأمور استعارات رشيقة يعقلها من ضرب في صناعة البيان بنصيب وافر، وكان له فيه قدح قامر .
(قد حفت بهم الملائكة): المحفوف هو: المستدار حوله تعظيماً لحاله وتبجيلاً له.
(وتنزلت عليهم السكينة): من الله تعالى كرامة لهم، كما قال تعالى: {وأنزل السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ }[الفتح:18] في معرض المدح.
(وفتحت لهم أبواب السماء): إما عند موتهم، أو عند دخولهم الجنة في الآخرة.
(وأعد لهم مقامات الكرامات): كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ }[الدخان:51] و{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ }[القمر:55] وغير ذلك مِمَّا يصدِّق ما قاله فيهم.
(في مقعد اطلع الله عليهم فيه، فرضي سعيهم): إما في الدنيا وإما في الآخرة كل ذلك محتمل.
(وحمد مقامهم): ورضيه لهم وأعطاهم إياه من جوده.
(يتنسَّمُون دعاءه): أي يتنفسون من أجل دعائه، وفي الحديث: ((لما تنسَّمُوا رَوْحَ الحياة )) أي وجدوا نسيمها.
(رَوْحَ التجاوز): ألذَّ ما يكون من الأشياء وأطيبها.
(رهائن فاقة إلى فضله): يريد كأنهم لكثرة طلبهم وإلحاحهم على جوده مرتهنين من أجل الحاجة إلى كرمه وجوده.
(وأسارى ذلة): وبمنزلة من هو أسير في رِبْقَة الذل.
(لعظمته): التي ينبغي لكل شيء أن يذل لها ويتصاغر لجلالها.
(جرح طول الأسى قلوبهم): الأسى بفتح الهمزة اسم للصبر.
(وطول البكاء عيونهم): فالقلوب مجروحة، والأعين مجروحة، رغبة إلى الله تعالى وشوقاً إلى لقائه.
(لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة): يريد أنه لا باب من أبواب الرغبة وأنواع الفضائل وضروب المزيد من فضله إلا ولهم فيه سؤال ورغبة، لا يكتفون بباب دون باب ولا بإحراز فضيلة دون فضيلة.
(يسألون من لا تضيق لديه المنادح): المنادح هي: المواضع المتسعة، وفي حديث أم سلمة لعائشة: قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه ، أي توسعيه بالخروج إلى البصرة، تنصحها وتعظها عن الخروج على أمير المؤمنين، وأراد من لا تتسع لعطاياه الأراضي والمفاوز العظيمة، والغرض أن عطاياه بغير نهاية، وما هذا حاله فليس يتسع له شيء.
(ولا يخيب عليه الراغبون): أي لا ينقطع رجاؤهم عنه.
(فحاسب نفسك لنفسك): يريد فحاسب نفسك من أجل عافية نفسك؛ لأن مع المحاسبة تحصل المراقبة، ومع ذلك ظنّ النجاة ووقوع السلامة.
(فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك): يريد كما كان في حقك، والغرض من هذا التنبيه على أن أعظم ما على الإنسان وأضر ما يكون عليه نفسه لا غير، وانظر إلى قوله: (فحاسب نفسك...) إلى آخره مع قصره كيف جمع إلى حسن البلاغة فيه أبلغ الوعظ وأحسنه.
(204) ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته:
{يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ }[الإنفطار:6]
(أدحض مسؤول حجة): دحضت حجته إذا كانت باطلة لا سلطان عليها.
(وأقطع مغتر معذرة): يريد أن عذره منقطع فاسد، والغرض من هذا هو المبالغة في أن الإنسان أعظم ما يكون في إدحاض الحجة، وأبلغ ما يكون في الاعتذار وانقطاع المعذرة، فجاء به على هذا السياق ليكون أبلغ وأوقع.
(لقد أبرح جهالة بنفسه): إما لقد اشتدت جهالة الإنسان بنفسه، من قولهم: قتلوهم أبرح قتل أي أشده، وإما لقد أعجب الإنسان جهالة بنفسه، من قولهم: ما أبرح هذا الأمر أي أعجبه.
(يا أيها الإنسان): تنويهاً بذكره وتشهيراً بجرأته واعترافاً بانقطاع عذره، وقد مر تفسير أي وإعرابها غير مرة.
(ما جرَّأك على ذنبك): مع ما يقرع سمعك من القوارع الشديدة.
(وما غرك بربك): مع علمك باطلاعه عليه وإحاطته بعلمك .
(وما أنسك بهلكة نفسك؟): لإقدامك على ما يهلكها في كل ساعة من المعصية.
(أما من دائك بلول): أي برء، من قولهم: بلَّ الرجل من مرضه إذا شفي منه.
(أم ليس من نومتك يقظة): تيقّظ وتنبّه.
(أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك!): يريد أن نفسك أخص من نفس غيرك فنزلها في هذه الحال منزلة الغير من غير أن تكون مختصة بك ولازمة لك.
(فربما ترى الضاحي بحرِّ الشمس فتظله): الضاحي هو: المتكشف لحرِّ الشمس.
(أو ترى المبتلى بألم يمضُّ جسده): حكى ثعلب: مضّني الجرح وأمضني إذا أوجعك وهو: بالضاد المنقوطة، يريد فمن تراه على هذه الأحوال ترقّ له وترحمه.
(فتبكي رحمة له): إما من أجل الرحمة له، وإما راحماً له فيكون نصبها إما على المفعول له، وإما على الحال كما ترى.
(فما صبرك على دائك): استفهام فيه معنى التعجب من صبره على فعل المعاصي التي هي بمنزلة الداء.
(وجلدك على مصابك): إما على الإصابة لك، وإما على موضع الإصابة.
(وعزَّاك عن البكاء على نفسك): أي وما صبَّرك عن البكاء على نفسك.
(وهي أعز الأنفس عندك ): من باب قولهم: أتضرب زيداً وهو أخوك.
(وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة): أيقظه إذا أنبهه، والبيات: ما كان لاحقاً من المصائب بالليل، يقال: جاءوهم بياتاً إذا هجموهم ليلاً، قال الله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى }[الأعراف:97] ثم قال بعد ذلك: {بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ }[الأعراف:97].
(وقد تورطت في معاصيه): الورطة: الهلاك، وقد تورّط أي وقع في المهالك.
(مدارج سطواته): المدرجة هي: المذهب والمسلك، وأراد أنك قد وقعت في مسالك سطواته ومذاهبها باقتحامك الحدود، ووقوعك فيها.
(فتداو من داء هذه الفترة في قلبك بعزيمة): أي فقابل هذه الفترات والتواني بما يعاكسها و يناقضها من العزائم الحاملة على محافظة حدود الله، ومراقبة خوفه.
(ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظه): أي ومن نوم الغفلة في عينيك بانتباه يشذ به النوم في ذلك.
(وكن لله مطيعاً): تقرير لما سبق من هذه الجمل وتوكيد لها وإعطاء لمعناها لأن حاصلها وإن كانت مختلفة هو الأمر بالطاعة على كل وجوهها.
(وبذكره آنساً): في كل الأوقات وعلى جميع الأحوال.
(وتمثَّل في حال توليك عنه، إقباله عليك): يقول في كلامه هذا: مثِّل حالك وحاله كيف أنت مُوَلِّي عنه مصرٌّ على عصيانك له وإدبارك عنه، وهو مع ذلك في غاية الإقبال عليك.
(يدعوك): يستدنيك بالملاطفة.
(إلى عفوه): صفحه وغفرانه عنك.
(ويتغمدك): إما يغمرك، وإما يسترك.
(بفضله): تفضلاً منه عليك وإنعاماً عليك.
(وأنت متولٍ عنه إلى غيره): يريد أنه معرض عن الله تعالى بالمعصية إلى مساعدة نفسه وموافقة الشيطان.
(فتعالى من قوي): ارتفع عن كل ما نسب إليه مما لا يليق به من أجل قوته.
(ما أكرمه !): ما أشد كرمه وأعظمه عليك.
(وتواضعت): انحططت.
(من ضعيف): من هذه لابتداء الغاية.
(ما أجرأك على معصيته! ): ما أعظم إقدامك من غير مراقبة على مواقعة معصيته فخالفته في كل أمر.
(وأنت في كنف ستره): الكنف: الجانب، وأراد وأنت في جانب من ستره.
(مقيم): واقف مستقر.
(وفي سعة فضله متقلب): وفي جوده وعافيته وأمنه مضطرب يميناً وشمالاً.
(فلم يمنعك فضله): من أجل مخالفتك له وتركك لأمره.
(ولم يهتك عنك ستره): يزل عنك رداء العافية وغطاء الستر من أجل شرودك عنه ومواقعة حدوده.
(بل لم تخل من لطفه): بك في كل أحوالك وجميع أفعالك.
(مطرف عين): مضى تفسيره.
(في نعمة): متجددة من جهته.
(يحدثها لك): من غير استحقاق منك لها.
(أو سيئة يسترها عليك): يغطِّيها بحلمه عن أن يؤاخذك بعقوبتها جهراً.
(أو بلية): محنة من المحن، وعظيمة من العظائم.
(يصرفها عنك): يزيلها وينحِّيها عنك.
(فما ظنك به لو أطعته): يقول عليه السلام: فكِّر في نفسك وانظر في أمرك هذا إذا كان الله تعالى حاله في إدرار النعم واللطف والرحمة والرأفة، ودفع البلاء والشر في كل جهة بالإنسان وهو في غاية ما يكون من الإصرار على المعصية، والمحادّة لله وارتكاب محارمه، فكيف حاله إذا كان منقاداً لأمره موافقاً لطاعته يكون لا محالة هذا أكبر، والرحمة والرأفة أعظم وأوفر.
اللَّهُمَّ، اجعلنا ممن فاز بطاعتك، وكان من أهل محبتك.
(وايم الله): مضى تفسيره.
(لو كانت هذه الصفة): وهي قُرْبُ الله باللطف والرحمة، وبُعْدُ العبد بالمخالفة والمعصية.
(في مُتَّفِقَيْنِ في القوة): لامزية لأحدهما على الآخر في البطش والتقوّي.
(متوازيين في القدرة): متماثلين فيها.
(لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق): أسوأها وأدناها، حيث قابلت الإحسان بالإساءة، والمعروف بالقطيعة، والمودة بالبغض والقلا وغير ذلك من النقائص.
(ومساوئ الأعمال): وبالأعمال السيئة الشنيعة البشعة.
(وحقاً): انتصابه على المصدرية.
(أقول: ما الدنيا غرتك): ما هي الفاعلة للغرور بك فليس لها مُكْنَةٌ في ذلك، ولاقدرة عليه، ولا لها في ذلك ورد ولا صدر.
(ولكن بها اغتررت): فظننت دوامها فعملت لها وهي زائلة، فلهذا كان هذا سبباً في الاغترار.
(ولقد كاشفتك العظات): أي أظهرت لك المواعظ من أحوال الأمم الماضين ومن يكون فيه متعظ ومعتبر لمن يعتبر ويتعظ.
(وآذنتك على سواء): من قوله تعالى: {فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ }[الأنبياء:109] أي مستوين في الإعلام لم أخدع بإعلام بعضكم دون بعض.
(ولهي بما تَعدُك من نزول البلاء): الضمير للدنيا يريد أنها بما تمسّك من نزول المصائب.
(بجسمك): كالأمراض وسائر الأسقام.
(والنقض في قوتك): إما بالشيخوخة إن طال العمر، وإما بالمرض.
(أصدق وأوفى من أن تكذبك): في هذه الأشياء كلها.
(أو تغرك): تقول قولاً وعندها خلافه، وأراد أن هذه الأمور كلها حق من جهتها لا كذب فيه.
(ولرب ناصح لها عندك متهم): يريد أنها قد نصحت بما يحصل فيها من البلاوي و المحن وسائر الآفات من جهتها، ولكنَّها متهمة؛ لأنّا لا نستنصحها.
(وصادق من خَبَرِها): وكم أخبرتنا عمَّن مضى من الأمم الماضية بإهلاكها لهم.
(مكذَّب):لم نصدّقه، وكنَّا في غاية الولوع بها والمحبة لها.
(ولئن تعرفتها في الديار الخاوية): يريد تعرفت فعلها بأهل الديار المتهدمة الساقطة.
(والربوع الخالية): والمواضع المندرسة.
(لتجدنها من حسن تذكيرك): لتعرفنها بالوجدان من نفسه في غاية الحسن والمبالغة في التذكير.
(وبلاغ مو عظتك): وعظم البلاغ للموعظة لك.
(بمحلة الشفيق عليك): في محل من هو محبٌّ لك مشفق عليك كالوالد وغيره.
(والشحيح بك!): عن أن تهلك.
(ولنعم دار من لم يرض بها داراً): المخصوص بالمدح محذوف تقديره: هي، وقوله: دار من لم يرضَ بها هو فاعلها، ومن لعمومها جاز أن تكون فاعله لها كقولك: نعم من جاءك زيد.
(ومحل من لم يوطنِّها محلاً!): يريد من لم يستوطنها ويجعلها مستقراً له، لأنه إذا كان فيها على نية الانتقال عنها والإعراض إلى دار أخرى سواهافرغبته فيها قليلة، وأمره فيها على عجلة ووفاز ، فإنه يستكثر فيها الأعمال الصالحة، ويغتنم فيها المتاجر الرابحة فيفوز بها في الآخرة، فلهذا كانت نِعْمَ الدار في حقه لما كان أمره فيها كما ذكرناه، ولعمري إن من كانت هذه حاله فهو الفائز فيها بعينه.
(وإن السعداء بالدنيا غداً): يريد وإن الأكثرين فيها سعادة:
(هم الهاربون منها اليوم): لأنهم إذا هربوا منها قل تعلقهم بها فكان ذلك سبباً للإقبال إلى الآخرة والتعلق بها.
(إذا رجفت الراجفة): يشير بذلك إلى الأفزاع العظيمة يوم القيامة، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ }[النازعات:6].
(وحقت بجلائلها القيامة): وتحققت: أي علمت وقطع على القيامة بجلائلها وهي أمورها العظيمة الصعبة الجليلة.