(وبجانب الهجر): على حظ من الهجر ونصيب منه، وغاية الهجر أن كل واحد منهم لا يرى صاحبه بعينه ولا يحسه بطرفه.
(وهم أخلاء): إما كانوا أخلاء في الدنيا، وإما وهم الآن أخلاء إذ لايسمع أحد من صاحبه ما يؤذيه.
(لا يتعارفون لليل صباحاً): فليلهم كله لا انقضاء لآخره.
(ولا لنهار مساءً): أي نهارهم كله لا انقضاء لآخره.
(أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً): هذا أورده على جهة البيان لقوله: (لا يتعارفون لليل صباحاً ولا لنهار مساء) والجديدان هما: الليل والنهار، فمن مات في الليل فليله لا انقضاء له، ومن مات في النهار فنهاره لا انقضاء له، فلهذا أورده على إثره لما فيه من البيان لمعناه.
(شاهدوا من أخطار دارهم): يعني دار الآخرة التي صاروا فيها حقاً.
(أفظع): أعظم.
(مما خافوا): في الدنيا منها.
(ورأوا من آياتها): مشاهدة الملائكة، وأمكنتهم من الجنة والنار.
(أعظم مما قدروا): كانوا يتوهمونه في الدنيا.
(فكلا الغايتين): يعني الليل والنهار الذين ذكرهما بلفظ الجديدين.
(مدَّت لهم): طوِّلت، والضمير للموتى الموصوف حالهم بهذه الصفات.
(إلى مباءات): جمع مباءة وهي: المكان، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ }[يونس:93] وأراد أمكنة في الآخرة ومنازل.
(فاتت مبالغ الفوت والرجاء): أي بلغت مبلغاً لا يعلم حال ما يفوت منه وما يُرْجَى لفظاعة أمره وشدة حاله.
(فلو كانوا ينطقون فيها ): على جهة الفرض والتقدير.
(لعيوا): لخرسوا وتحيروا فشلاً وعياً.
(بصفة ما شاهدوا): عن أن يصفوا ما شاهدوا من تلك الأحوال.
(وما عاينوا): من تلك الأخطار.
(ولئن عميت آثارهم): فلا يمكن سلوكها.
(وانقطعت أخبارهم): فلا يسمع منها نبأ ولا أثر، واللام في لئن هي الموطئة للشرط، وقوله:
(لقد رجعت فيهم): اللام فيه جواب القسم المضمر المدلول عليه باللام.
(أبصار العبر ): بالنظر في أحوالهم والا عتبار بها.
(وسمعت عنهم آذان العقول): لوعقلت ذلك ووعته.
(وتكلموا من غير جهات النطق): أي ليس ذلك من ألسنتهم وأفواههم ولكن بلسان الحال وما يظهر من مشاهدة أحوالهم.
(فقالوا: كلحت الوجوه النواضر): الكلوح: تكشُّرٌ في عُبُوس، والنواضر: النواعم الحسان.
(وَخَوَت الأجساد ): سقطت وتزايلت قطعاً، أو ذهبت وتفرقت بلاء ودروساً.
(النواعم): الطيبة.
(ولبسنا أهدام البلى): الأهدام جمع هدم، وهو: الثوب البالي، والاستعارة ها هنا في رشاقتها وحسنها، مثلها في قوله تعالى:{فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ }[النحل:112] فجعل للبلى أهداماً كما جعل للخوف والجوع لباساً.
(وتكاءدنا ضيق المضجع): تكاءدني الشيء إذا شقَّ عليَّ فعله، وأراد شقَّ عليهم ضيق المضجع.
(وتوارثنا الوحشة): وقعنا فيها من غير كلفة ولا مشقة ولا طلب كالمال الموروث.
(وتهكمت علينا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ): التهكم: شدة الغضب، والربوع: القبور، وصفها بالصمت لأنها لا تنطق، وأراد اشتد ضجرها عليهم لسآمتها لهم وتشجرها عنهم.
(فامحت محاسن أجسادنا): زالت غضارتها ورونقها.
(وتنكرت معارف صورنا): وصار ما كان من صورنا لمن أبصره معلوماً لا يجهله عند إبصاره منكراً لما يلحقه من كثرة التغيرات، والاستحالات اللاحقة به، ومن ثَمَّ كان سبب الزلل لمنكري الإعادة فيما كان تراباً كيف يعود خلقاً آدمياً لكثرة ما بينهما من الاختلافات.
(وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا): يريد القبور فإنهامنازل الوحشة لعدم الأنس بها.
(ولم نجد من كرب فرجاً): ولم نجد مما لحقنا مما لحق نفوسنا من الضيق الذي يكربها ويرد نَفَسَهَا من شدته ما يفرج عنها ذلك الكرب.
(ومن ضيق متسعاً): ولا وجدنا مكاناً واسعاً فنكون فيه عوضاً عنه.
(فلو مثلتهم بعقلك): لما فرغ من أسلوب الوصف بالقول لأحوالهم وصفاتهم، وقرره بما نقلناه . شرع في أسلوب آخر على جهة التمثيل للعقول، وأراد فلو مثَّلتهم بمثال يفهمه عقلك، ويستولي عليه لبُّك.
(أو كشف لك محجوب الغطاء عنهم): أو أزيلت الحوائل والموانع عن الإدراكات والرؤية لكان أكثر علماً وأعظم تحققاً، ثم أخذ في أوصافهم، حتى كأنها مرئية لكثرة تحققها وصدق ما أخبر به عنها وعن أحوالها المتغيرة وأوصافها المتنكرة.
(وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام): رسخ الشيء وارتسخ إذا ثبت واستقر، والهوام:جمع هامة وهي الأحناش والأفاعي، وأراد أنها ثابتة مستقرة لا زوال لها عن منافذ أسماعهم.
(فا ستكت): سكَّ سمعه إذا صم فلا يسمع، وأراد أنها سكتها فأصمَّتها لشدِّها لها.
(واكتحلت أبصارهم بالتراب): أي صار التراب كحالاً لها مملؤة منه.
(فخسفت): أي غارت وذهبت في الأرض، وكأنها من جملة أجزائها.
(وتقطعت الألسنة في أفواههم): أي ذهبت قطعاً قطعاً ومزعة مزعة بتحكم الأرض عليها حتى صيَّرتها كذلك.
(بعد ذلاقتها): حدِّتها وتسلطها على الكلام الغريب الوحشي الفصيح، وتوجدّها له على سهولة من طبعها.
(وهمدت القلوب في صدورهم): همدت النار إذا خبت وسكن تلهبها وفورانها، وأراد أنها هامدة عن التفكرات و الاستنباطات والتخيلات الكثيرة التي تكون سبباً في تحركها.
(بعد يقظتها): اليقظة: الهبوب من النوم، وأراد أنها صارت هامدة ساكنة بعد أن كانت متيقظة نابهة.
(وعاث في كل جارحة ): عاث الذئب في الغنم إذا أفسدها.
(جديد بلىً): من باب إضافة الصفة إلى موصوفها أي بلى جديد، نحو قولهم: سحق عمامة وجرد قطيفة، ووصفه بالجد إشارة إلى قوته وشدته.
(سمجَّها): إما بالجيم، من قولهم: صورة سامجة أي قبيحة، وإما بالخاء، من قولهم: طعام سمخ إذا كان رديئاً، والرواية فيه بالجيم.
(وسهَّل طرق الآفة إليها): يريد أن جديد البلى قد صار طريقاً لكل آفة فهي تسرع إليه لا محالة لما يظهر من عظم تأثيرها فيها وتغييرها لها على القرب والسرعة.
(مستلمات ): يريد الأسماع والأبصار وسائر الحواس أو الأجسام وما تشتمل عليه.
(فلا أيدي تدفع): ما يعتريها ويلم بها من الآفات والمصائب والتغيرات.
(ولا قلوب تجزع ): تخاف وتشفق مما أصابها، كما يفعل الأحياء عند أن يصيبهم ذلك.
(لرأيتم أشجان قلوب): أحزانها وما يؤلمها ويقطِّعها ألماً.
(وأقذاء عيون): القذى: ما يؤلم العين ويؤذيها.
(لهم في كل فظاعة صفة حال): أي لهم في كل تغير من أحوالهم صفة حال فظيعة لا يمكن وصفها فلا يطلع على حدها وحقيقتها.
(لا تنتقل): عن حالتها تلك لدوامها واستمرارها.
(وغمرة): شدة عظيمة في أحوالهم.
(لا تنجلي): ينكشف غمُّها ويزول عذابها.
(وكم أكلت الأرض): مثَّل تغييرها للأجسام بما يؤكل لكثرة تغيره في البطون واستحالته إلى حالات مختلفة.
(من عزيز جسد): كانت الفرش ممهَّدة له واللباسات الرقيقة موطأة لمستقره في جميع حالاته.
(وأنيق لون): إما بياض جسم ورونقه وطلاوته، وإما سواد مقلة وشعر، وإما خضرة الشارب في رشاقة الخد، وغير ذلك من أنيقات الألوان ورشيقها.
(كان في الدنيا غَذىَّ ترف): حالته في الدنيا مغذى بترفه العيش ورقيقه من أكل الطيبات والتنعم فيها.
(وربيب شرف): له عز شامخ، ومجد أثيل ، ورئاسة سامية.
(يتعلل بالسرور): تعلل الصبي بشيء من الطعام إذا تجزّأ به عن اللبن، وأردا أنه يتلهى بالسرور.
(في ساعة حزنه): عند نزول الأحزان به.
(ويفزع إلى السلوة): يلجأ إلى ما يسليه.
(إن مصيبة نزلت به): إن أصابته حادثة من حوادث الدهر وفجائعه.
(ضناً): أي بخلاً، وانتصابه على المفعول له ولم تبرز اللام لكونه مصدراً.
(بغضارة عيشه): أطيبه وأهناه.
(وشحاحة بلهوه): عن أن يكدِّره ويغيِّره شيء من الحوادث فهو يحاذر ذلك.
(ولعبه): ومخافة على لعبه أن يتغيّر ويزول.
(فبينا): هي بين أشبعت الفتحة فنشأت عنها الألف، وقد يزاد عليها ما فيقال: بينما ، وأراد بين أوقات ضحكه إلى الدنيا وضحكها إليه، وطئه الدهر وهو مضاف إلى ما بعده من الجملة الابتدائية، وهي قوله:
(هو يضحك إلى الدنيا): بلهوه ولعبه وشدة طربه وعلو مراحه وزهوه .
(وتضحك إليه): بالإقبال عليه من إعارة البهجة وانفتاح الزهرة.
(في ظل عيش غفول): إنما وصف العيش بالغفلة مبالغة في هنائه كأنه غافل عن أكثر الحوداث التي تكدِّره، فلا يلتفت إليها ولا يحتفل بها، وظل العيش: أنعمه وأهنأه.
(إذ): وقت لما مضى، والمعنى بين أوقات ضحكه إلى الدنيا وضحكها إليه وقت وطئ الدهر فيكون الوقت المقدرة به إذ مبتدأ، وبين وما بعده خبر له، وبين متعلقه باستقرار محذوف.
(وطئ الدهر به حسكه): جعل الدهر ها هنا هو الواطئ كأنه أوطأه حسكه، والحسك هو: الشوك، ومنه حسك السعدان يضرب به المثل في حدة شوكه.
(ونقصت الأيام قواه): غيّرتها وأزالتها عن تركيب الصحة والاعتدال.
(ونظرت إليه الحتوف): يريد الموت، وإنما أنَّثه لكونه جمعاً لحتف.
(من كثب): أي من قرب.
(فخالطه): اتصل به ومازجه حتى صار ملا بساً له.
(بثُّ لا يعرفه): حزن لا يعرف حاله، ولا يدرك حقيقته لما فيه من الغم، أوحزن لم يصبه قط، فهو جاهل لأمره.
(ونجيُّ همٍّ): إما اسم فاعل ومعناه وهمٌّ مناجي له، وإما بمعنى المصدر وهو التناجي كأنه قال: وتناجي همٍّ، والغرض مناجاة الهمِّ ومسارته له.
(ما كان يجده): قبل هذه الحالة أصلاً.
(وتولدت منه فترات علل): الضمير للبثِّ أوالنجيِّ، وتولَّدت أي حصل بعضها من بعض، والفترات: جمع فترة وهي العلة المفترة للأعضاء المرخية لها، وفترات علل من باب إضافة الصفة إلى موصوفها أي علل مفترة للعظام.
(آنس ما كان بصحته): يريد أن مخالطته للبثّ والهمّ وتولَّد الفترات آنس أي أعلم شيء كان من حال صحته وقوة حاله.
(ففزع): عند إصابة هذه الأشياء.
(إلى ما كان عودَّه الأطباء): إلى ما كان يعتاده منهم في أمراض متقدمة قد حدثت عليه من قبل هذا.
(من تسكين الحار بالقار): يعني البارد، وتسكينه إطفاء حرارته به.
(وتعديل البارد بالحار): التعديل: التسوية بينهما لئلا يغلب أحد هما الآخر؛ لأن مع التعديل فقوام الصحة باقي ومع غلبة أحدهما للآخر يختل الأمر في ذلك.
(فلم يطف ببارد): فانعكس الأمر في ذلك، فما أراد الإطفاء بالبارد.
(إلا ثوَّر حرارة): هيَّجها وأقامها.
(ولا حرَّك بحارّ): ولا أراد تحريك الحرارة لنفع.
(إلا هيَّج برودة): يكون من أجلها زوال الصحة وذهابها.
(ولا اعتدل): هذا المريض.
(بممازج): بأمر يكون ممازجاً معدلاً .
(لتلك الطبائع): الصفراء والسوداء والبلغم والدم.
(إلا أمدَّ منها كل ذات داء): أمدَّ من الإمداد، ومنه أمدَّه بالمال إذا أعانه وقوَّاه به، وفي فاعل أمدَّ وجهان:
أحدهما: أن يكون مضمراً يرجع إلى الممازج؛ كأنه قال: إلا أمدَّ الممازج كل علة ذات داء.
وثانيهما: أن يكون فاعله مظهراً وهو كل، وتقديره: إلا أمدّ كل ذات داء ذلك الممازج بالفساد والتغيّر.
(حتى فتر معلله): حتى هذه متعلقة بشيء محذوف تقديره فلم ينفك عن هذه الحالة، والفترة: ذهاب القوة لكثرة الاعتمال ، وأراد أنه أصابه الضعف لكثرة المعالجة.
(وذهل ممرضه): فشل وتحير لكثرة ما يصيبه من ذاك ويعتريه.
(وتعايا أهله): من العيِّ وهو: الفهاهة، وأراد أنه أعياهم وأدهشهم لصعوبته.
(بصفة دائه): من أجل صفتها، أي لم يمكنهم وصف هذا الداء لاختلاطه وذهابه في كل أعضائه وحواسه، إذ ليس مرضاً واحداً وإنما هي أمراض كثيرة لا يستطاع وصفها.
(وخرسوا عن جواب السائلين عنه): كلما سألهم سائل عن حاله لم يعيدوا عليه حلوة ولا مرة لتحيرهم في ذلك.
(وتنازعوا دونه): أي وأخذوا أخباراً يذكرونها لمن يسأل عن حاله يخبر كل واحد منهم بخبر كأنهم يتنازعونها، ويغفلون:
(شَجيَّ خبرٍ يكتمونه): الشجا: ما يعترض في الحلق، والشجا: ما يشجي أيضاً ويبكي، وأراد أنهم لا يذكرون الخبر الصحيح من حاله المورث للشجا والحزن بفقده، وإنما يذكرون أموراً ثانية غير ذلك:
(فقائل: هو لما به): أي هو على حاله من غير زيادة أي خالطه هذا المرض ولم يزدد فيه.
(وممنٍّ لهم إياب عافيته): يقول لهم: مرضه خفيف وهو إلى عافية ولعله يزول، وغير ذلك من الأماني.
(ومصبِّر لهم على فقده): ومن الناس من قد يئس من حاله وعرف تلافه فهو يقول: اصبروا على موته، فإن الله عنده حسن الجزاء وعظيم الأجر.
(يذكِّرهم أسى الماضين قبله): الأسى جمع أسوة وهي: القدوة، وأراد أنه يذكر لهم من مضى من الأنبياء والصالحين وأهل القدوة.
(فبينا هو كذلك): أي حالته التي هو عليها.
(على جناح من فراق الدنيا): مثَّل حاله بما يكون على طرف الجناح؛ لأنه على قرب في السقوط والزوال.
(وترك الأحبة): إهمالهم وإطراحهم من ولد وأخ وصاحب وغيرذلك.
(إذعرض له عارض من غصصه): الأحزان والغموم اللاحقة بالقلب، وأضافها إليه لما لها من الاختصاص به.
(فتحيرت نوافذ فطنته): جزعاً وفشلاً من شدة ما لحقه من ذلك.
(ويبست رطوبة لسانه): وذلك لأن الإنسان إذا وقع في أمر يزعجه انقطعت الرطوبة من شفاته ولسانه.
(فكم من مهم من جوابه): كم هذه هي الخبرية، ومن هذه للتبيين، وانجرار مهم إما بكم، ومن ها هنا زائدة وهي في التقدير غيرمنونة، وإما يكون جره بمن، وكم ها هنا في التقدير منونة على خلاف بين النحاة، وليس فيه كثير فائدة، أي كثير من الأجوبة:
(عرفه): تحققه في خاطره.
(فعيَّ عن ردِّه!): تحيَّر عن إجابته وبيانه.
(ودعاء مؤلم لقلبه): موجع له من أجل دعاء من يدعوه.
(سمعه بأذنه فتصام عنه): لم يقدر على إجابته فكأن به صمم عنه.
(من كبير): بيان لقوله: ودعاء مؤلم لقلبه.
(كان يعظمه): أي له عظمة وقدر عنده.
(أو صغير كان يرحمه): تلحق قلبه من أجله رقِّة ورأفة.
(وإن للموت لسكرات ): إنما أتى بالواو ها هنا دون الفاء لما كانت هذه الجملة كالمنقطعة عما قبلها من غير إشارة فيها إلى تسبيب ، والفاء وإن أشعرت بالانقطاع كالواو، ففيها دلالة على السببية، وقد مرَّ في نظائره.
(هي أفظع): أعظم وأبلغ.
(من أن تستغرق بصفة): يستولي على صفاتها أحد.
(أو تعتدل): تستوي بالتحقق والثبوت.
(على عقول أهل الدنيا): لفظاعتها وعلو أمرها.
(203) ومن كلام له عليه السلام عند تلاوته
{رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ }[النور:37]
(إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب): الذي يزيل عنها ما علقها من الكدورة والدَّرَنِ.
(تسمع به بعد الوقرة): يعني الصمم.
(وتبصربه بعد العشوة ): وهي فساد البصر، وحكى السيد على بن ناصر الحسيني عن بعض الشارحين لهذا الكتاب: أن المراد بالعشوة هي الربع الأول من الليل ، وهذا ركيك، فإنه لا يناسب قوله: بعد الوقرة.
(وما برح لله عزت آلاؤه): يريد أن الله تعالى سبق في علمه، أن يكون:
(في البرهة بعد البرهة): يعني مدة طويلة بعد مدة طويلة.
(وفي أزمان الفترات): المدد التي تكون خالية عن بعثة الأنبياء.
(عباد): إنما جاء به على جهة التنكير مبالغة في شأنهم كأنه قال: عباد وأي عباد.
(ناجاهم في فِكَرِهِم): هذه المناجاة ليس من قبيل الكلام كما كان في حق الأنبياء، وإنما الغرض أن الله تعالى ألقى في فِكَرِهِم أموراً اطمأنوا إليها وسكنت خواطرهم إليها، وانشرحت صدورهم بها.
(وكلَّمهم في ذات عقولهم): الكلام ها هنا مجاز، والغرض ها هنا هو: خلق العلوم في العقل لهم، بمعرفته وتقرير جلاله في أفهامهم؛ بحيث لا يخالطهم فيه شك ولا يعتريهم من أجلها ريب.
(فاستصبحوا بنور يقظة): استعارة ممن يستصبح في طريقة عظيمة بنور يمكنه السير معه، وإنما قال: يقظة؛ لأن الغرض بالنور هو المعرفة، فلهذا أنَّثها حملاً على معناها.