(197) ومن خطبة له عليه السلام بصفين
(أما بعد، فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقاً): أمراً مقدراً، وحكماً نافذاً.
(بولاية أمركم): من أجل قيامي بأموركم، وعنايتي في إصلاحكم، والباء ها هنا للمعادلة، كقولك: أخذت هذا بهذا.
(ولكم عليَّ من ال‍حق مثل الذي عليكم): أي لا حق نطلب منكم، وتؤخذون بفعله إلا ولكم مثله.
(فال‍حق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف): التواصف هو: أن يصف كل واحد من القوم شيئاً، وتناصف القوم إذا أنصف بعضهم بعضاً من نفسه، والمعنى في هذا هو أن الناس كلهم يصفون الحق بألسنتهم، ويقولونه بأفواههم، ولكن لا ينصف الحق أحد من نفسه من الخلق إلا قليل، وذلك من خشي الله وخاف مقام ربه.
(ولا يجري عليه إلا جرى له): ولا يؤخذ منه حق، إلا ويؤخذ عليه مثله لاستوائهم في ذلك، ولأن حكم الله هو جري المناصفة في كل شيء من حقوق الخلق.
(ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجرى عليه): فيكون مُسْتَحِقاً لذلك، ولا يكون مُسْتَحَقاً عليه، أو يكون آخذاً ولا يكون معطياً.
(لكان ذلك خالصاً لله تعالى دون خلقه): يريد أن هذا إنما يكون على جهة الفرض والتقدير لا غير، وإلا فالأمر على خلاف ذلك في حقه تعالى، فإنه لما أوجب لنفسه حقاً، أوجب عليه حقاً آخر كما أشار إليه في آخر كلامه، فهو تعالى مختص بهذا الفرض دون غيره من الخلق.
(لقدرته على عباده): لكونه رباً لهم، وهم عبيد له، والمالك له أن يفعل في عبيده ما شاء .
(ولعدله فيما جرت عليه ضروب قضائه): ولكونه مختصاً بالحكمة فلا يقع في أفعاله إلا ما هو حكمة وصواب، فإذا أوجب لنفسه حقاً ولم يوجب عليها مثله، فهو حق لا محالة لا يمكن مخالفته ولايسع إنكاره.

(ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه): بفعل مراده في كل ما طلب منهم فعله، أو الكفّ عنه، وأن يجعلوا ذلك من جهة أنفسهم خالصاً لوجهه.
(وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب منه ): أي: وأوجب على نفسه بعد ذلك مكافأتهم عليه بما وعدهم من الثواب على الطاعة، والكف عن المعصية على جهة الاستحقاق الواجب، والفرض اللازم.
(تفضلاً منه وتوسعاً): يريد إنعاماً واحساناً، وليس أمراً واجباً عليه.
سؤال؛ أليس قد ذكرت أن الله تعالى لا يجب عليه حقاً إلا ويجب له، فكيف قال هاهنا: توسعاً وتفضلاً، وهذا يناقض كونه واجباً، فإنما كان واجباً لا يقال فيه: إن حصوله على جهة التوسع والتفضل؟
وجوابه؛ هو أن قوله: تفضلاً وتوسعاً، يتعلقان بقوله: مضاعفة الثواب، فإنهما يرجعان إليه، إذ ليس يكون التفضل والتوسع إلا فيما كان على جهة المضاعفة، فأما القدر المستحق من الثواب فإنه أمر واجب وفرض حتم، لامقال فيه للتوسع والتفضل، كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }[الأنعام:160] وعن هذا قال النَّظار من المتكلمين: إن تسعة أجزاء تكون تفضلاً، وجزءاً واحداً يكون واجباً جزاءً على العمل.
(بما هو من المزيد أهله): الباء متعلقة بتفضلاً وتوسعاً، وأراد من أجل أنه أهل للزيادة على القدر الواجب؛ لعموم إحسانه وعظيم تفضله.
(ثم جعل سبحانه من حقوقه): مما اختصه لنفسه، وارتضاه من خلقه.
(حقوقاً افترضها): أوجبها وأوعد على تركها بالعقوبة.
(لبعض الناس على بعض): كالوالد على الولد، والولد على والده، والقريب على قريبه في الأنكحة والمعاوضات، وسائر أنواع المعاملات، فإنهم لا ينفكون عن وجوب واجب لبعضهم على بعض.

(فجعلها تتكافأ في وجوهها): يعني في كونها واجبة؛ لأن من عليه حق لغيره فله مثل ذلك، فإذاً هما متكافآن في ذلك.
(ويوجب بعضها بعضاً): كما أن النكاح يوجب المهر ويوجب النفقة، والعقد على البيع يوجب تسليم الثمن، واستيفاء المنافع يوجب تسليم الإجارة ، إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة.
(ولا يستوجب بعضها إلا ببعض): يريد أنه لولا وجوب الزكاة في نفسها من جهة الله تعالى لما وجب دفعها إلى الفقراء، ولولا وجوب الصلاة لما وجب قضاؤها إذا فاتت وغير ذلك.
(وأعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق): التي فرض وجوبها على الخلق.
(حق الوالي على الرعية): في الانقياد لأمره، والاحتكام لما قاله من غير مخالفة.
(وحق الرعية على الوالي): في النصيحة لهم، والتعهد لمصالحهم.
(فريضة فرضها الله سبحانه ): يجوز نصبها على المصدرية، كما قال تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ }[النساء:11] ويجوز رفعها على: هذه فريضة من الله.
(لكل على كل): أي: لكل واحد منهم على كل واحد، ما من واحد إلا وكما فرض له فرض عليه.
(نظاماً لألفتهم ): أي من أجل انتظام الألفة، وهي اتفاق الخواطر، واجتماع الدواعي في نصرة الدين والإسلام، يقال: أَلِفَ هذا الموضع إِلْفاً وإلافاً، والاسم منه الأُلْفَة، ومنه قوله تعالى{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ }[الأنفال:63].
(وعزاً لدينهم): قوة له، وهيبة عليه.
(فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة): بجمع شملهم، وإنصاف مظلومهم من ظالمهم، وكفّ أعدائهم بما يكون من اجتماعهم، وقد أشار الشرع إلى ذلك بقوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }[الأنفال:46].

(ولا تصلح الولاة إلا بصلاح الرعية): لما في ذلك من إنفاذ أمره، وتقوية سلطانه بانضمامهم إليه، فإن أمرهم بالمسير ساروا، وإن أمرهم بالوقوف وقفوا، لينتظم الأمر بذلك وينصلح الحال.
(فإذا أدَّت الرعية إلى الوالي حقه): الذي أوجبه الله عليهم من امتثال أمره، والنصيحة له في كل الأمور.
(وأدَّى الوالي إليها حقها): الذي فرضه الله عليه من الرفق بهم، وتعليمهم معالم دينهم.
(عزَّ الحق بينهم): كان الحق عزيزاً لا يمكن أن يضام.
(وقامت مناهج الدين): استقامت طرق الدين عن اعوجاجها.
(واعتدلت معالم العدل): عن أن تكون مائلة، أو يجري فيها نقص.
(وجرت على إذلالها السنن): جرت الأمور على مجاريها وطرقها، منقادة سلسلة غير متصعبة، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً }[الملك:15]، وقوله تعالى: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً }[النحل:69]، فذللاً حال إما من النحل، وإما من السُّبُل، وقوله: على إذلالها بكسر الهمزة من فصيح الكلام وغريبه.
(فصلح بذلك الزمان): يشير إلى استقامة الرعية والوالي، وصلاحه سلامته عن الفتن والمحن، والحروب وسائر العوارض.
(وطُمِعَ في بقاء الدولة): [وطمع الطامع في بقاء الدولة] ؛ لانتظام أحوالها بالعدل ورعاية السياسة، واستقامت الإيالة.
(ويئست مطامع الأعداء): بطلت وتلاشت فلم ينبض منها عرق؛ لما يرون من استقامة الأحوال.
(وإذا غلبت الرعية واليها): بالمخالفة له، والعصيان لأمره.
(أو أجحف الوالي برعيته): بالظلم لهم والجور، ونقص الحقوق وغير ذلك.
(اختلفت هناك الكلمة): يريد كان لكل واحد منهم غرض ومقصد خلاف الآخر.
(وظهرت معالم الجور): في الرعية بأخذ ما ليس مستحقاً عليهم.

(وكثر الإدغال في الدين): الفساد فيه بدال منقوطة من أسفل، يقال: أدغل في الأمر إذا أدخل فيه ما ليس منه.
(وتركت محاجُّ السنن): المحاجُّ: جمع محجة، وهي الطريق، وأراد تُرِكَت عن السلوك لها .
(فَعُمِلَ بالهوى): اتَّبع كلٌّ رأيه فعمل به.
(وعُطِّلت الأحكام): خلت عن العمل بها، واندرست أعلامها.
(وكثرت علل النفوس): صار لا ختلاف أهوائهم ،وتشتت الكلمة يعتل كل واحد منهم بعلة فيما هو فيه يخالف علة الآخر، فصارت على خلائق سيئة، وطبائع فاسدة.
(فلا يُسْتَوْحَشُ لعظم حق عطِّل): فلا تلحقها وحشة لما تراه من تعطيل الحقوق العظيمة الدينية.
(ولا لعظم باطل فُعِل): ولا تلحقها مشقة لظهور الباطل وعلوه.
(فهنالك): أي في ذلك المقام، وفي تلك الحالة:
(تذل الأبرار): بسبب ذل الحق، وضعف دولته.
(وتعزُّ الأشرار): لقوة أعوانهم، وكثرة أنصارهم.
(وتعظم تبعات الله سبحانه على العباد): مآخذه التي تَخِذها عليهم، ومناقمه التي ينكرها بفعلهم لها، وتسلطهم عليها ظلماً وعدواناً.
(فعليكم بالتناصح في ذلك): يريد إما في ذلك الزمان، وإما في ذلك الأمر.
(وحسن التعاون عليه ): على تأدية الواجبات فيه، أو على التخلص منه.
(فليس أحد وإن اشتد على رضا الله حرصه): هذا نفي على جهة العموم والا ستغراق، واشتداد الحرص إنما يكون بفعل الأعمال الصالحة، والانكفاف عن كلما يكرهه الله تعالى.
(وطال في العمل اجتهاده): وامتد في تحصيل العمل المرضي لله تعالى جده واجتهاده، فمن هذه حاله وأبلغ فيها ليس:

(ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة ): إما بالإضافة إلى استحقاقه الصفات الإلهية فلا يبلغ كُنْهَ ذلك لمكانها، وإما لمكان نعمته في الدين والدنيا، فهو لمكان هذين الأمرين لا يبلغ غاية طاعته، ولا يقدرها أحد من الخلق.
(ولكن من واجب حقوق الله على العباد ): من أعظمها وجوباً، وآكدها في التحصيل والفعل.
(النصيحة لله): في كلما تعبدهم به وإتيانهم به على أعظم الوجوه وأبلغها، في التعظيم لحاله، سواء كان ذلك حقاً له خالصاً كالعبادات كلها، أو كان حقاً متعلقاً بالعباد كالطاعة لأهل الأمر، والا نقياد لحكمهم، كما أشار إليه تعالىبقوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ }[النساء:59].
(بمبلغ جهدهم): لا يتركون غاية من ذلك يمكنهم الوصول إليها إلا فعلوها.
(والتعاون على إقامة الحق بينهم): على نصرته حتى يقوم وتشتد أركانه بين أظهرهم، وحيث يكونون.
(وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته): بالدعاء إليه والمثابرة على فعله.
(وتقدمت في الدين فضيلته): وكان إماماً فيه يُقتدى به ويُؤتم بفعله.
(بفوق أن يُعان على ما حمَّله الله من حقه): من واجباته التي كلَّفه فعلها والعبادات التي أمره بأدائها، وفي هذا دلالة على صعوبة أمر التكليف وعسرة الخلاص عنه، وعلى ضعف حال الإنسان وكثرة عجزه عن ذلك، ولهذا قال هذه المقالة مشيراً بها إلى ما قلناه.
(ولا امرؤ ولو صغرته النفوس): لهوانه لاحتقاره وذله عندها.
(واقتحمته العيون): ازدرته وهان عندها.
(بدون أن يعين على ذلك): يَنْصر هو عليه.
(أو يعان عليه ): يُنْصر هو عليه.

فأجابه رجل من أصحابه بكلام طويل يذكر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له، فقال عليه السلام:
(إن من حق من عَظُمَ جلال الله سبحانه في نفسه): كبر موقعه عنده لمكان قدرته الإلهية، ونعمته الكاملة الوافية البالغة كل نهاية في الكمال.
(وجلَّ موضعه من قلبه): رسخ وتمكَّن.
(أن يصغر ذلك عنده كل ما سواه) ؛ لأن الله تعالى لا يشبهه شيء في العظمة والكبرياء واستحقاق الشكر على النعمة، فلهذا أطلق ذلك على جهة العموم، وأتى بما دون من ليكون شاملاً في أولي العلم وغيرهم من المخلوقات مما عبد من دونه وعظم أمره جهلاً بحاله.
(وإن أحق من كان كذلك): يريد على تعظيم حال الله تعالى، واطِّراح ما عداه.
(من عظمت نعمة الله عليه): إما لمكان إنعامه عليه فلهذا لم ير أحداً مستحقاً للتعظيم مثل ماله منه، وإما لمكان إنعام الله تعالى عليه بتقرير عظمته في قلبه وتحقيق كُنْهِ كبريائه في نفسه، وهذه من أعظم النعم وأعلاها.
(ولطف إحسانه إليه): يريد إما ما يقربه إلى الطاعة من الألطاف المتفضل بها عليه، وإما يريد دقيق النعم وأخفاها وأغمضها فإن المنَّة بها أيضاً عظيمة على الإنسان.
(فإنه): الضمير للشأن والأمر، وتفسيره بالجملة بعدها.
(لم تَعْظُمْ نعمة الله على أحد، إلا ازداد حق الله عليه عِظَماً): يريد أن كل من كثرت نعم الله عليه في الدين والدنيا توجه عليه حقوق كثيرة لله تعالى في ماله ونفسه، ولهذا ترى العلماء وسائر الأفاضل الذين أنعم عليهم بالبصيرة ومعرفة الله تعالى أعظم حالاً في التكليف من غيرهم من سائر العوام، ولا من كان ذايسار وبسطة في المال كحال من هو فقير لا يملك البلغة لنفسه ولا لمن تحت يده.

(وإن من أسخف حالات الولاة): أنقصها وأسفلها منزلة.
(عند صالح الناس): أهل التقوى والدين، وإنما خصَّ هؤلاء لأن من عداهم لا عبرة بكلامهم ولا أثر لمدحهم ولا ذمهم.
(أن يُظَنَّ بهم حب الفخر): إرادة التفاخر لما في ذلك من النقص عند الله وإسقاط الحالة.
(ويوضع أمرهم على الكبر): يكون أمرهم في جميع تصرفهم مؤسساً ومقرراً على التكبر والخيلاء.
(وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم): قوله: جال، فيه روايات:
إما بالجيم من قولهم: جال كذا في ظني إذا تحرك واضطرب، وإما بالحاء المهملة والكاف، من قولهم: هذا الأمر يحيك في صدري، وإما بالخاء المنقوطة، من قولهم: خلت هذا الأمر صواباً.
(أني أحب الإطراء): المدح والتفاخر.
(واستماع الثناء): ممن يذكره لي من أصحابي وأهل ولايتي.
(ولست بحمدالله كذلك): كالذي توهمتموه من ذلك.
(فلو كنت أحب أن يقال ذلك): على جهة الفرض والتقدير.
(لتركته): نهيت عن فعله وكرهته.
(انحطاطاً لله تعالى): تواضعاً لجلاله، وتصاغراً عن ذلك.
(عن تناول ما هو أحق به): أخص وأولى، فلا إنفاذ له ولا يجري في حقي.
(من العظمة والكبرياء): اللذين يختصانه ، ولا يكنفان بغيره.
(وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء): يريد بالبلاء الشر والمحنة، ويريد بالثناء إما العطاء وإما المدح، وغرضه من ذلك هو أن موقعهما بعد البلاء يكون أشد وأعظم.
(فلا تثنوا عليَّ بجميل ثناء): عظيمه وأعلاه.
(لإ خراجي نفسي إلى الله سبحانه وإليكم): من أجل أني لم أخرج نفسي إلى الله بما يخصه، وإليكم بما يخصكم.
(من التقية ): يريد التقوى والورع.
(في حقوق): عليَّ لله تعالى ولخلقه.
(لم أَفْرُغْ من أدائها): تحصيلها على الوجه المرضي لله تعالى.

(وفرائض): عبادات وغيرها.
(لابد من إمضائها): تأديتها وتحصيلها، والمعنى أن الثناء إنما يكون حقيقة وصدقاً في حال من اتقى الله تعالى في تأدية الحقوق وتحصيل الفرائض، فأما من لم يُعْلَم ذلك من حاله فالثناء عليه يكون مشكوكاً فيه.
(فلا تكلموني بما تُكَلَّمُ به الجبابرة): أهل الغلظة والتجبر، فإنه يقال لهم قول العظمة، ويخاطبون خطاب العزة، وذلك كله خاص لله لا يصلح لغيره.
(ولا تتحفظوا من‍ي ): التحفظ هو: التيقظ في الأمور والمراقبة لها.
(بما يتحفظ به عند أهل البادرة): الشدة والحدة؛ لأن الغالب فيمن كان يخاف منه الحدة والسطوة، فإنه يتحفظ في مكالمته؛ مخافة أن يزل في بعض النطق بما يكره فلا يأمن سطوته وعقابه.
(ولاتخالطوني بالمصانعة): يريد بالرشوة كما يفعل للولاة .
وفي بعض النسخ: (ولا تخاطبوني): يريد ولا تكلموني بتقديم الأطماع وتحصيل الرشا.
(ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي): أي لا تحك في ظنونكم ويَلِجُ في صدوركم وأسماعكم أني أتأذى بقول الحق لي وأنه يثقل عليَّ.
(ولا التماس إعظامٍ لنفسي): ولا أطلب تكبيراً لنفسي وتعظيماً لها منكم.
(فإنه): الضمير للأمر والشأن.
(من استثقل الحق أن يقال له): يريد من كان قول الحق عليه صعباً.
(والعدل أن يعرض عليه): واستثقل أيضاً إذا عرض عليه العدل والإنصاف.
(كان العمل بهما أثقل عليه): لأن فعلهما والاجتهاد في الصبر على أدائهما أشق لا محالة من سماعهما فإذا كان السماع يشق فالفعل أشق.
(فلا تكفوا عن مقالة بحق ): عن أن تقولوا لي في حق أفعله، ولا تتأخروا عن ذلك.
(أو مشورة بعدل): أو أن تشيروا عليَّ بالعدل في الرعية أو في الأمور كلها.

(فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ) : لم أبلغ إلى حالة العصمة عن الخطأ.
(ولا آمن ذلك من فعلي): يريد لا آمن الخطأ أن يكون واقعاً في فعلي وفي تصرفي، وفي هذا دلالة على كونه غير معصوم؛ لأنه لو كان معصوماً كما يقوله بعض الزيدية، وليست مقالة المحققين منهم لكان آمناً لذلك في قوله وفعله، كما كان ذلك في حق الرسول عليه السلام.
(إلا أن يكفي الله من نفسي): من شرها وأمرها بالسوء.
(ما هو أملك به من‍ي): أقدر عليه وأقوى على إنفاذه.
(فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب): حالي وأحوالكم بمنزلة عبيد رقٍ لمالك:
(لا رب غيره): لا إله سواه.
(يملك منّا): من التصرف والقبض والبسط والأخذ والكف.
(ما لا نملكه من أنفسنا): من ذلك كله.
(فأخرجنا ممَّا كنَّا فيه): قبل النبوة من البدع والضلالة.
(إلى ما صلحنا عليه): إلى ما يظهر صلاحنا فيه.
(فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى): يريدبالضلالة ما كان قبل النبوة وقبل نزول القرآن والوحي، وبالهدى يشير إلى هذه الأمور كلها.
(وأعطانا البصيرة بعد العمى): بالقرآن والنبوة عوضاً عن أعمال الجاهلية وضلالاتهم .

111 / 194
ع
En
A+
A-