(ولا يستضيء بالأنوار): أي لا يكون منتفعاً بها في الإضاءة في الإدراك وسائر التصرفات؛ كغيره من سائر المخلوقات، فإن تصرفهم من دون هذه الأنوار متعذر لا محالة.
(ولا يرهقه ليل): يغشاه بظلامه.
(ولا يجري عليه نهار): إما لا يخالطه ولا يلابسه، من قولهم: جرى عليه الموت إذا خالطه، وإما لا يقدر وجوده بنهار؛ لتقدمه على وجود النهار والليل.
(ليس إدراكه بالأبصار): ليس رؤيته لما يرى من هذه المرئيات، وإحاطته به بحاسة ولا حدقة.
(ولا علمه بالإخبار): ولا كان علمه المحيط بكل المعلومات، حاصلاً بالخبر من جهة غيره.
(أرسل محمداً بالضياء): بالشرائع والأحكام المضيئة، واستعار الضياء لها بياناً لما اشتملت عليه من الهدايات والمصالح العظيمة.
(وقدَّمه في الاصطفاء): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد تقديم الفضل، فإن الله تعالى قد رفع منزلته على منزلة سائر الأنبياء وشرَّفه وكرَّمه.
وثانيهما: أن يكون غرضه علو أمره وإشادة ذكره، وكثرة أتباعه، بخلاف غيره من الأنبياء فإنه لم يكن له مثل ما كان للرسول من ذلك.
(فرتق به المفاتق): الرتق: التلاؤم، والفتق: الشق، وأراد أنه لأم به ما كان متخرقاً من أمور الدين، وأحكام الشريعة، وأحيا به مَوَاتَها، وعَمَرَ به دَارِسَها.
(وساور به المغالب): المساورة: المواثبة، وأراد أنه واثب به من غالبه وقهره.
(وذلل به الصعوبة): ما كان من القوة من الشرك، وعبادة الأوثان والأصنام.
(وسهل به الْحُزُوْنَة): الْحُزْنُ: المكان الجُرُز، وغرضه أنه مهَّد به ما كان جُرُزاً، وهو استعارة فيما حصل ببر كته من العناية، والخير والبركة.

(حتى سرَّح الضلالة): حتى هذه متعلقة بكلام محذوف تقديره: فجاهد في أمر الله وصابر في إيضاح الحق، حتى فرَّق ما كان من أمر الضلالة من مخالفة التوحيد، وعبادة غير الله.
(عن يمين وشمال): هاهنا وها هنا، وإنما عبَّر باليمين والشمال لتفاوت الجهتين وبُعْدِ ناحيتهما.

(195) [ومن كلام له عليه السلام يصف جوهر الرسول ويصف العلماء ويعظ بالتقوى]
(وأشهد أنه عدل): أي موصوف بالعدل.
(عَدَلَ): فعل ماض أي لم يَحِفْ في أفعاله، ولا جار على أحد من عباده، هذا على هذه الرواية، وعلى الأخرى:
(وأشهد أنه عَدْل عَدِلٍ): بإضافة المصدر إلى اسم الفاعل، أي وأشهد أن الأمر عدل عادل.
(وَحَكَمٌ فصل): فيه روايتان:
أحدهما: أن يكون حَكم بفتح الكاف، أي حاكم فصل أي ذو فصل، وأراد به الله، والضمير له في قوله: أنه.
وثانيهما: أن يكون حُكم بضم الحاء، أي وأشهد أن الأمر حُكْمٌ مقطوع به مفصول عليه، لايمكن فيه تغيير ولا تحريف.
(وأشهد أن محمداً عبده وسيد عباده): أعظمهم حالاً عنده، وأرفعهم منزلة لديه.
(كلما نسخ الله الخلق فرقتين): النسخ هو: الإزالة، وأراد كلما خلق الله الخلق وأزالهم قرناً قرناً.
(جعله في خيرهما): أفضلهما وأكرمهما، وأعلاهما قدراً ومنزلة.
(لم يُسْهِم فيه عاهر): أي لم يكن للعاهر وهو الزاني نصيب فيه ولا شَرِكَة.
(ولا ضرب فيه فاجر): بنصيب ولا حق، وقد روي أنه لم يكن في أسلافه عاهر ولا فاجر .
(ألا وإن الله جعل للخير أهلاً ): يقتدى بهم في أخذه، ويكونون أئمة في الاهتداء بهم.
(وللحق دعائم): ينبني عليها، وتشيَّد أركانه على أساسها.
(وللطاعة عِصَماً): جمع عِصْمَة، والعصمة إما المنع، من قولهم: عصمه إذا منعه، وإما الحفظ، يقال: عصمته فانعصم أي حفظته، وأراد أن الطاعة تفتقر إلى منع وحراسة لها ، وحفظ عن أن يشوبها ما يبطلها ويزيل ثوابها من ملابسة المعاصي.
(وإن لكم عند كل طاعة عوناً من الله سبحانه ): لطفاً من ألطافه الخفية.
(يقول على الألسنة): ينطق عنها كأنها لا تنطق إلا به .

(ويُثَبِّت به الأفئدة): عن أن تزيغ عن الحق وتميل عنه، وفيه مبالغة في شرح حقيقة هذا العون، وبيان حكمه، وظهور أثره.
(فيه كفاية لمكتفي ): لمن استكفى به، وجعله نهاية لأمره.
(وشفاء لمشتفي): لمن استشفى به من العاهات.
(واعلموا أن عباد الله الْمُسْتَحْفَظِيْنَ علمه): اسم فاعل أي الحافظين لعلمه، وما تعبد به من الشرائع والأحكام كلها، أو اسم مفعول أي المجعولين حفظة.
(يصونون مصونه): يحفظون ما حفظَّهم الله منه.
(ويفجِّرون عيونه): تمثيل بحالهم في أخذ ما يأخذونه من هذه العلوم، ويحتكمون في تحصيلها وإيجادها، بحال من يفجِّر نهراً فيأخذ منه ما أحب وما أراد.
(ويتواصلون بالولاية): يريد أن الموالاة فيما بينهم هي السبب الداعي إلى التواصل فيما بينهم والتحابّ.
(ويتلاقون بالمحبة): أي يلقى بعضهم بعضاً ملاقاة محبة ومصافاة.
(ويتساقون بكأس رويَّة): من المودة، والمؤاخاة الصادقة.
(ويصدرون بريِّه): أي بالإرتواء، والضمير للعلم.
(لا تشوبهم الريبة): يريد لا يلحقهم الشك، ولا يختلط بهم.
(ولا تسرع فيهم الغيبة): ولا يبادرون إلى ذكر بعض منهم، بما يكون نقصاً له، وبهتاناً عليه.
(على ذلك): الإشارة إلى المذكور أولاً، من المواصلة والمحابّة، والتباذل والموالاة.
(عَقَدَ خلقتهم ): كأنهم لاستمرار داعيتهم إلى ذلك، ووجود صارفهم عن خلافه عقدت خلائقهم عليه ، وطبعت سجاياهم على التزامه فكأنه خلقة فيهم.
(وخلائقهم ): الخلقة: ما فطر عليه الإنسان من أصل وجوده، والخليقة هي: هذه السجايا والطبائع، من الشرس واللين، والنشاط والضيق، وغير ذلك من الخلائق.

(فعليه يتحابون): الضمير لله أي فعلى الله تكون محبتهم، والغرض أن الباعث على تحابِّهم فيما بينهم، هو لطف الله وحسن رعايته لهم.
(وبه يتواصلون): أي ومن أجله كانت مواصلتهم لبعضهم بعضاً .
(فكانوا كتفاضل البذر): كالحب الذي يبذر في الأرض، المتفاضل بعضه على بعض.
(يُنْتَقَى): يُختار ويُطلب أفضله، وأغلاه.
(فيؤخذ منه): أغلاه وأطيبه، والأفضل منه.
(ويُلْقَى): أي ويُلْقَى ما عدا ذلك.
(قد ميَّزه التلخيص ): التلخيص هو: التبيين، أي قد ميَّزه عن غيره بيانه، وعظم قدره ومعرفته.
(وهذَّبه التمحيص): جرَّده عن جميع الشوائب كلها، والتمحيص: الا بتلاء والاختبار.
سؤال؛ قوله: قد ميَّزه التلخيص، وهذَّبه التمحيص، منافر لما تقدمه من الكلام الأول قبله، فما وجه الملاءمة بينهما؟
وجوابه؛ هو أنه لما ذكر أولياء الله المستحفظين علمه، ووصفهم بالتحابّ والموالاة والتناصر وغير ذلك من الصفات، فكأنه قال على أثر ذلك: فالواحد منهم قد ميَّزه التلخيص، وهذَّبه التمحيص، ومع هذا يرتفع التنافر بين الكلامين، ويصير كأنهما أفرغا في قالب واحد.
(فليقبل امرؤ كرامة): أراد فليقبل ما أكرمه الله به من النعمة العظيمة بالإسلام، والهداية إلى الدين اللتين هما النهاية في الكرامة.
(بقبولها): بما ينبغي لها من القبول، ويستحق لمثلها منه.
(وليحذر قارعة): أي وليكن خائفاً من نوازل الدهر، وحوادثه فيستعد لنزولها.
(قبل حلولها): وقوعها وحصولها؛ لأن المحذور إنما يكون محذوراً قبل وقوعه، فأما بعد وقوعه فليس محذوراً، فلهذا قال: يحذرها قبل حلولها.

(ولينظر امرؤ في قصير أيامه): في أيام دنياه القليلة المتقاصرة، وإنما سماها قصاراً، لأن الأيام الكثيرة إذا كان لها غاية وانقطاع فهي متقاصرة، فضلاً إذا كانت حقيرة قليلة، فوصفها بالقصر أحق وأولى.
(وقليل مُقَامُه): لبثه في الدنيا.
(في منزل): وهو الدنيا.
(حتى يسبتدل به منزلاً): وهو الآخرة.
(فليصنع لمتحوله): إما لمكان متحوله وهو القبر، وإما لزمان متحوله وهو القيامة، وأراد فليصنع الأعمال الصالحة من أجل ذلك.
(ومعارف منتقله): أي وليصنع للأهوال المعروفة المتحققة بانتقاله إليها ومعرفته لها.
(طُوْبَى لذي قلب سليم): طُوْبَى فُعْلَى من الطيب وقد مرَّ تفسيره، لصاحب قلب سالم عن الغل والحسد، وسائر ما يلحق القلوب من العاهات.
(أطاع من يهديه): باتباعه والا قتداء بآثاره.
(وتجنَّب من يُرْدِيْهِ): جانبه: عدل عنه، مخافة أن يقع في الرَّدى.
(فأصاب طرق السلامة ): سلكها واهتدى إليها.
(ببصر من بصَّره): بهداية من هداه إليها، ودلّه عليها.
(وطاعة هادٍ أمره): ومن أجل طاعته لذي هدى أمره بذلك، وحثه عليه.
(وبادر الهدى): عاجله وواثبه.
(قبل أن تغلق أبوابه): استعارة وتمثيل بحال من له متاع قد غلقت عنه الأبواب، ووضعت عليه الأقفال فلا يمكن نيله.
(وتُقَطَّعَ أسبابه): فلا يمكن الوصول إليه.
(واستفتح باب التوبة): طلب انفتاحها عليه.
(وأماط الحوبة): أزال الحوب والإثم عنه، بما كان منه من استعمال التوبة وفعلها.
(وقد أقيم على الطريق): على المحجة الواضحة لو سلكها.

(وهدي نهج السبيل): ودُلَّ على أبين الطرق وأوضحها، بما قُرر في عقله من الأدلة العقلية، وبما كان من جهة الأنبياء من البيان والإيضاح للخلق في أمر دينهم، وإرشادهم إلى أمر الآخرة وطريقها.

(196) ومن دعاء له عليه السلام كان كثيراً ما يتضرع به
(ال‍حمدلله الذي لم يصبح بي ميتاً، ولا سقيماً): يصبح ها هنا له وجهان:
أحدهما: أن تكون تامة، وانتصاب ميتاً وسقيماً على الحال، أي لم أصبح على هاتين الحالتين.
وثانيهما: أن تكون ناقصة، وانتصابهما على الخبرية لها.
سؤال؛ فهل من تفرقة بين المعنيين في كونها ناقصة وتامة؟
وجوابه؛ هو أنها إذا قُدِّرت تامة كان معنى أصبح أي دخل في الصباح، وأراد أني لم أدخل في هذا الوقت وأنا على هاتين الحالتين، فأما إذا كانت ناقصة كان معناها اقتران مضمون الجملة بزمنها لا غير من غير حاجة إلى الحال كما ترى.
(ولا مضروباً على عروقي بسوء): ضربه المرض وضربته الريح إذا أصابته، وأراد ولامصاباً في عروقي بعاهة من العاهات المبطلة لها، المفسدة لصحتها.
(ولا مأخوذاً بأسوإ عملي): ولا معاقباً بنوع من العقوبات من أجل ما اجترحته من أسوإ الأعمال، وأحقها بالجزاء والعقوبة من الله تعالى.
(ولا مقطوعاً دابري): الدابر: آخر من يبقى من الأهل، فإذا قيل: قطع الله دابرهم أي آخر من بقي منهم.
(ولا مرتداً عن دين‍ي): خارجاً عن دين الإسلام مدبراً عنه.
(ولا منكراً لربي): جاحداً له نافياً لوجوده.
(ولا مستوحشاً من إيماني): كلام فيه مبالغة، وذلك أن من استوحش من شيء فإنه ينفر عنه ولا يلابسه، وأراد أن من جملة ما أنعم الله عليَّ أني لست نافراً عمَّا يكون حقيقة في الإيمان وأصلاً فيه من الأعمال الصالحة، والقربات المتقبلة.
(ولا ملتبساً عقلي): أي مختلطاً بغيره، من قولهم: التبس الأمر إذا اختلط، والتباس الظلام: اختلاطه أيضاً، وأراد أنه لم يصبه الله بجنون ولا مسٍّ من الشيطان فيفسد ويتغير.

(ولا معذباً بعذاب الأمم من قبلي): من المسخ والصاعقة، والرجفة والخسف، وغير ذلك من أنواع البلايا التي أصاب الله بها الأمم الماضية جزاء على ما فعلوه من تكذيب أنبيائه فيما جاءوا به، وما ذاك إلا رحمة من الله تعالى لهذه الأمة بهذا الرسول وإكراماً لهم ببركته، وقد أشار تعالى بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ }[الأنفال:33] ولن يزال فينا قد كان حياً مع الأحياء، وقد صار ميتاً مع الأموات من أمته، فلن يصابوا بعذاب حتى يأتي أمر الله.
(أصبحت عبداً مملوكاً): لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، ولا تدبيراً ولا مصلحة، كما يكون حالة العبد المملوك مع سيده.
(ظالماً لنفسي): بما كان مني من ملابسة المعاصي، وإهمالي لتقوى الله، وطلب مراده من الطاعة الواجبة له عليَّ لمكان نعمته.
(لك الحجة عليَّ): بما أوضحت من الأدلة وقررته من البراهين، وأزحت العلل كلها.
(لا حجة لي): لا أجد حجة أحتجّ بها عليك، كما قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ }[الأنعام:149].
(لا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتن‍ي): مما قسمته لي من الأرزاق، ومكنتني من أخذه من غير أن أقدر أن أزيد عليه، أو أنقص منه ذرة أو شعيرة.
(ولا أتقي): [من الشرور والبلاوي، والمصائب] .
(إلا ما وقيتن‍ي): كفيتني وجنَّبته عني.
(اللَّهُمَّ، إني أعوذ بك): ألجأ إليك.
(أن أفتقر في غناك): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن أفتقر وأنت غني، ومن المحال أن يكون عبد ذليل له مولى عزيز، بل يُعَزُّ بعزِّه.
وثانيهما: أن يكون غرضه أن أفتقر وأنا في غناك أتقلَّب، ومنه أسأل وعليه أُعوِّل.
(أو أَذلّ في عزك): أي أَذل وأنت عزيز.

(أو أَضِلَّ في هداك):أي أضل وأنت الهادي عن الضلال.
(أو أُضام في سلطانك): الضيم: الظلم أي وأظلم ولك السلطنة والقدرة والإلهية.
(أو أُضطهد والأمر لك!): أُقهر، والأمر في الانتصاف والأخذ وغيره لك لا أمر لأحد معك، من قولهم: فلان له الأمر في رعيته، أي ما شاء أمضاه في حالهم.
(اللَّهُمَّ، اجعل نفسي أول كريمة): الكريمة: المال النفيس، وفي حديث المصدِّق: ((إياك وكرائم الأموال )) يريد نفائسها، وأغلاها وأشرفها، فعبَّر بها عن النفس ها هنا لشرفها وكرمها.
(تنتزعها من كرائمي): التي أودعتنيها، وأكرمتني بها .
(وأول وديعة ترتجعها من ودائعك عندي!): من النعم العظيمة.
(اللَّهُمَّ، إنا نعوذبك أن نذهب عن قولك): بالرد له، والمخالفة لما تضمنته أوامرك ونواهيك.
(أو أن نفتتن عن دينك): فنرتدّ عنه وننقلب على أعقابنا عنه خاسرين.
(أو تتايع بنا أهواؤنا دون الهدى): التتايع بالياء المثناة من أسفلها، هو: التهافت في الشر، وأراد أن تجذبنا أهواؤنا فتنقطع بنا دون أخذ الهدى واستعماله.
(الذي جاء من عندك!): إما بتقريره في العقول من التوحيد والإقرار بالإلهية له، وإما بما بلَّغته الرسل، وجاءنا على ألسنة الأنبياء صلوات الله عليهم من ذلك.
فليعمل الناظر نظره في هذا الدعاء يجده دعاء من خضع لربه بالاستكانة، وبخع له بالمذلة والضراعة، عائذاً به، لاجئاً إليه.

110 / 194
ع
En
A+
A-