ومن أدلة المنع مارواه في الجامع الصغير مرفوعاً: ((اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق...)) الخبر ونسبه إلى الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث حذيفة وصححه الشارح، والقاريء بالعجمية غير قار بلحون العرب.
احتج أبوحنيفة بأن المقصود المعنى لقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ}[الشعراء:196]، {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى}[الأعلى:18]، ولم يكن فيها بهذا اللفظ إجماعاً، بل بالعبرية والسريانية، وأيضاً قال الله تعالى: {لأُِنذِرَكُمْ بِهِ} والعجم لايفهمونه إلا إذا ترجم بلسانهم وقد سماه قرآناً.
وروي أن ابن مسعود علم رجلاً فقال: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الأَثِيمِ}[الدخان:44]، والرجل لا يحسنه، فقال قل طعام الفاجر، ثم قال عبد الله: ليس الخطأ في القرآن أن تقرأ مكان العليم الحكيم، إنما الخطأ بأن تضع مكان آية الرحمة آية العذاب.
والجواب: أنا لانسلم قصر المقصود على المعنى إذ تتعلق بالألفاظ نكت وفوائد لا تبقى مع عدمها، وكون المعنى موجوداً في زبرالأولين مسلم، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون الموجود فيها قرآناً فإن النظم المعجز جزء من ماهية القرآن والكل بدون الجزء مستحيل، وعلى هذا فالضمير لم يعد على القرآن بل على ما تضمنه من القصص والمواعظ من حيث أن معناها ثابت في زبر الأولين، وكذلك اسم الإشارة، وأما قوله تعالى: {لأُِنذِرَكُمْ بِهِ} فالمقصود المعنى فيما يتعلق بالإنذار، وإطلاق لفظ القرآن عليه تجوز، وارتكاب مثل هذا المجاز جائز مع تلك الدلائل الواضحة لكن المصلي مأمور بقراءة ما يسمى قرآناً حقيقة إذهو المتبادر من الإطلاق.

وأما ما روي عن ابن مسعود فالظن يقضي بعدم صحته عنه؛ لأنه يؤدي إلى جواز تحريف كلمات القرآن كلها على الوجه الذي ذكره، ولا ينبغي لمسلم أن يجوز هذا، وقد ذم الله الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وأيضاً لو جاز ذلك لما عجز الكفار عن معارضته ولو عارضوه من حيث المعنى لنقل، والمعلوم خلافه، فثبت أنه لا يسمى قرآناً إلا هذه الألفاظ المخصوصة.
احتج المفصلون بقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وحديث: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
وأجيب بما مر أنه يبطل الإعجاز، قال بعض العلماء: لأنه متعلق بألفاظه ومعانيه جميعاً يتحصل من الألفاظ الفصاحة ومن المعاني البلاغة.
قلت: ولأنه لا يستطيع منه شيئاً فإن مع فوت الألفاظ والتراكيب المخصوصة لا يصدق عليه أنه قرآن لما مر، فلا يقال: قد أتى منه بمايستطيع.

المسألة الخامسة: [عدم جواز القراءة بالقراءات الشاذة]
في القراءة بالشاذة ذهب الأكثر إلى أن القراءة بالشواذ لا تجوز، وادعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك.
وقال (الرازي): اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة. وقال في البحر: أبو مضر عن القاسم والمؤيد بالله وقاضي القضاة: والقراءة الشاذة مفسدة.
وروى فيه عن الإمام يحيى والحقيني والزمخشري عدم الإفساد، واختاره الوالد العلامة علي بن يحيى العجري رحمه الله وقال: لعله مذهب جماعة من المتأخرين، وهو اختيار المقبلي وابن تيمية والشوكاني.
ورواه في حواشي الأزهار: عن زيد والناصر والغزالي.
وقال في (حواشي شرح الغاية): جمهورالسلف وأهل الحديث يشترطون صحة السند والاستفاظة في البلد سواء تواترت أم لا، وهو مذهب زيد بن على وأخيه الباقر، والناصر الأطروش والحقيني والإمام يحيى بن حمزة ونجم الدين الرضي والزمخشري وغيرهم.
قلت: وروى ذلك الجزري عن جمهورالسلف والخلف.
قال في (النشر): كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم.
هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الداني ومكي والمهدوي وأبو شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه.

قلت: والجزري من أئمة القراء المعتمد عليهم في نقل القراءت وكلام الأئمة فيها، وحكى في النيل عنه أنه قال: زعم بعض المتأخرين أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، ولا يخفى ما فيه؛ لأنا إذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفىكثير من أحرف الخلاف الثابتة عن هؤلاء السبعة وغيرهم.
قال: ولقد كنت أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف على خلافه، وقال: القراءة المنسوبة إلى كل قاريء من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما نقل عن غيرهم، فانظر كيف جعل اشتراط التواتر قولاً لبعض المتأخرين فقط.
وفي (الإتقان) قال (أبو شامة) في (المرشد الوجيز): لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وأنها أنزلت هكذا إلا إذا دخلت في ذلك الضابط.
إذا عرفت هذا فاعلم أن أصل الخلاف هو اشتراط التواتر في القراءة وعدمه، فمن اشترطه قال لا تجزي الصلاة بالشاذة لعدم تحقق كونها قرآناً، بل تفسد بها لأنها والحال هذه من كلام الناس، وهولاء أو أكثرهم قالوا: لم يتواتر إلا السبع وما عداها شاذ، واعترض بأنه لا دليل على اشتراط التواتر، وبعدم تسليم تواتر السبع إذ لم يرو عن كل واحد منهم إلا اثنان، وكذلك من بعدهم فإن غالب أخذ القرآن العظيم إنما يكون عن واحد أو نحوه، ثم إنها لو تواترت عن السبعة فهم آحاد وشرط التواتر استواء الوسط والطرفين في العدد الذي يحصل بخبرهم العلم، وهذا منتف في السبع.

وقد عرفت كلام الجزري وغيره في أن فيها ماهو شاذ، وهذا الهادي قد نص على أنه لم يتواتر إلا قراءة أهل المدينة وهي قراءة نافع، وأيضاً فإن المشهور أن الحافظين للقرآن بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفر يسير من الصحابة، وقصة اجتماعهم واهتمامهم بجمعه من الأكتاف والألواح وصدور الرجال، وطلبهم البينة ممن روى آية لا يحفظونها صريح في ذلك.
وأجيب بأن دليل اشتراط التواتر قائم وهو توفر الدواعي على إشاعة القرآن لما تضمنه من التحدي والإعجاز والتكاليف الشاقة، والعادة تقضي بالتواتر في تفاصيل ما هو كذلك، ومن تفاصيله ما يتعلق بألفاظه من الهيئات والقراءات.
قال (الإمام المهدي): لأنا إذا علمنا تواتر الألفاظ التي نقلوها على التفصيل لزم تواتركيفية تأديتهم تلك الألفاظ؛ لأن الحركات ونحوها بمنزلة الهيئات للألفاظ فلا يصح تواتر اللفظة دون هيئاتها ما لم يحصل من الناقل أمارة تقتضي أنه متيقن للفظ دون هيئاته.
وقال في (شرح الغاية): كل واحد من ملك ومالك من القرآن فيجب تواتره، وتخصيص أحدهما بالتواتر وكونه من القرآن تحكم باطل.
وأما قولهم إن الرواة عن السبعة لم يبلغوا حد التواتر، فغير مسلم، بل قد بلغوه إلا أن معرفته تحتاج إلى بحث وتفتيش؛ إذ ليس من شرط التواتر أن يأتي بلا كلفة ولا مشقة، فكم من متواتر لقوم غير متواتر لآخرين، ولذا قالوا إن العلم الحاصل بالتواتر لا يكون حجة على الغير لجواز أن لا يحصل له التواتر كما مر في المقدمة، ولكن الواجب على المكلف إبلاغ وسعه في البحث والتطلع، ثم يجزم بعد ذلك بما حصل عنده.
قال بعض الأئمة": الصحيح أن القراءات السبع متواترة؛ لأنها يقرأ بها في سائر الأمصار والقرى والمدن الكبار بالقرب والبعد من الديار في جميع الأعصار من غير اختلاف ولا إنكار، ومن هنا تعرف بطلان القول باختصاص السبعة بروايتها، وأما اختصاصهم بنسبتها إليهم فلمزيد عناية.

وأما قول الجزري أن فيها ما هو شاذ، فإن أراد أن في المتواتر منها ما هو شاذ، فلا نسلم شذوذها وإن خالفت قواعد النحو كما قال نافع: سمعتها من سبعين بدرياً فلا أبالي بنحوتكم هذه.
والقرآن سماعي لا قياسي، وإن أراد أن في المروي عنهم ما لا يتواتر ولا يصح عنهم، فمسلم لكنها غير معدودة في السبع المشهورة، فلا يقدح بها في المتواتر، وأما كلام الهادي فلعله لم يتواتر له غير قراءة أهل المدينة، ولا يلزم من عدم التواتر له عدمه لغيره.
وأما القول بأن حفاظ القرآن من الصحابة نفر يسير فواضح الفساد لتأديته إلى التشكيك في جملة القرآن فضلاً عن هيئاته، وكل قول يؤدي إلى مثل ذلك فإنه يجب القطع ببطلانه، وكيف يقال ذلك، والمعلوم أنهم في الكثرة والوفرة أضعاف أضعاف من يحتاج إليه في التواتر وذلك أشهر من نار على علم، وقد قيل إن الصحابة الذين توفي رسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم في الحرمين الشريفين زهاء مائة ألف سوى من في غيرهما، وأكثر عنايتهم في ما جاء عن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قال تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[يوسف:12]، ومما يوضح ما ادعيناه من كثرة الحفاظ وعنايتهم بالقرآن ما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع، فقال أعرابي: وكيف يرفع؟ فقال: ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته)) ثلاث مرات.
وفي رواية من حديثه: فسأله أعرابي فقال: يارسول الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها أبناءنا ونساءنا وخدمنا؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه وهو مغضب فقال: ((وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم)).

قال (الحافظ): ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك وابن عمرو وصفوان بن عسال، وغيرهم، وهي عند الترمذي والطبراني والدارمي بألفاظ مختلفة وفي جميعها هذا المعنى، فإن أريد بقلة الحفظ فيما يرجع إلى القراءات والوجوه التي نزل عليها القرآن فكذلك، أعني أنه يجاب عنه بما مر من كثرتهم واعتنائهم بالقرآن وما يتعلق به، ويدل عليه كلام نافع.
وأما طلبهم للبينة فمحمول إن صح على ما يرجع إلى ما خالف المشهور بينهم من وجوه القراءات لا إلى نفس جوهرالقرآن وألفاظه، وإلا لزم أن يكون بعض القرآن آحادياً وهو باطل، ويجوز أن يراد بالبينة ما يحصل بها العلم، بأن يأتي الراوي معه بجماعة يحصل بخبرهم العلم بأن تلك الآية من كتاب الله تعالى، وهذا لا محذور فيه إذ لم ندع أن كل واحد من الصحابة حافظ لكل آية من القرآن.
أجاب من لا يشترط التواتر بأنا لانسلم أنه لا يتواتراللفظ إلا بهيئته، بل يصح تواتره من دونها، دليله اختلاف القراء والعلماء فيها، بحيث لا ينكر اختلافهم إلا جاهل أو مكابر، وكل مسألة يكون فيها هذا الاختلاف فإنه يبعد اشتراط التواتر فيها ووقوعه.
وأما قولهم: إن الرواة عن السبعة قد بلغوا حد التواتر لمن بحث، فهذه كتب الإسناد لم يوجد فيها نصاب التواتر عن كل واحد منهم، وإنما اشتهرت في الأزمنة المتأخرة وذلك لا يكفي لما مر سلمنا، فلا نسلم تواترها عنهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وما روي عن نافع فلا يفيد إلا التواتر له، وما قيل من أنها قراءة أهل بلده فمجرد دعوى، وإلا لما اختص إسنادها إليه ولشاركه بعض مشاهير بلده في الإسناد إليهم، وأيضاً لو كانت كلها متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جاز لكل واحد من السبعة ترجيح قراءته على غيرها وحمل الناس عليها؛ لأنه يكون والحال هذه من التحكم المحض؛ لأن التواتر يقتضي تخيير القارئ في القراءة بأيها.

وإذا تقرر لك هذا علمت أن القراءة الصحيحة ما صح سندها تواتراً أو آحاداً، ولا يلزم من ذلك خروج بعض القرآن عن كونه قطعياً؛ لأن القرآن هو جوهر اللفظ والقراءة صفة له، ولا محذور في عدم تواترها إذ يحصل المقصود منها والفائدة المترتبة عليها مع كونها آحادية.
هذا ولسنا نقول بأن كل قراءة آحادية، بل بعضها متواتر، ولا خلاف فيه بين الأمة، وبعضها آحادي وتصح صلاة من قرأ بها، والإجماع الذي رواه ابن عبد البر والرازي غير صحيح، مع خلاف من تقدم.
وما رواه الجزري عن السلف والخلف، ولقائل أن يقول: الإجماع صحيح معمول به على ظاهره، وكل على أصله في تفسير الشاذة، فمن قال: هي ما عدا السبع والعشر فلا يصحح الصلاة ولا التلاوة إلا بإحدى هذه القراءات، ومن فسر الشاذة بما لم يصح سندها قال بجواز القراءة بما شمله الضابط الذي ذكره الجزري؛ إذ ليس ذلك بشاذ عنده، وعند التحقيق أن أهل هذا القول لا يثبتون قراءة شاذة ولا قرآناً شاذاً؛ لأن ما لا يصح لا يوصف بأنه قرآن ولا قراءة، وقد صرح بذلك المقبلي فقال: ما صح نقله فهو قرآن وما لا فلا، وليس لنا قرآن شاذ وليس لهم دليل على ما زعموا، وعلى هذا فيجوز دعوى الإجماع وإطلاق القول بأن القراءة بالشاذة لا تجوز في الصلاة ولا في غيرها إن قرأها على أنها قرآن، وقد نص على ذلك أبو القاسم العقيلي فقال: اعلم أن الذي استقرت عليه المذاهب وآراء العلماء أنه إن قرأ بالشواذ غير معتقد كونه قرآناً ولا يوهم أحداً ذلك، بل لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتج بها أو الأدبية، فلا كلام في جواز قراءتها، وعلى هذا يحمل حال كل من قرأ بها من المتقدمين، وكذلك أيضاً يجوز تدوينها في الكتب والتكلم على ما فيها، وإن قرأها باعتقاد قرآنيتها أو بإيهام قرآنيتها حرم ذلك، ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين على ذلك.

فائدة [تعداد القراءات الشاذة]
اعلم أن من جملة القراءة المخالفة للسبع التي يسميها الجمهور شاذة بعض القراءات المنسوبة إلى ابن مسعود وغيره من الصحابة، وقد استدل على جواز الصلاة بقراءتهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أثنى على قراءتهم وأمر بالأخذ عنهم، من ذلك ما رواه المرشد بالله عن عبد الله أنه قال: لو أعلم أن أحداً تبلغنيه الإبل أعلم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي، قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرض عليه القرآن كل عام مرة فعرض عليه عام قبض مرتين، كنت إذا قرأت القرآن أخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعها رغبة عنها وإنه من جحد بحرف منه جحد به كله.
وفيه عن عبد الله: سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة.
وفيه أخبرنا الجوزداني، أنا ابن شهدل، أنا ابن عقدة، أنا أحمد بن الحسن، ثنا أبي، ثنا حصين، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أصحاب عبد الله أنه قيل له: حين قال: لو أعلم أن أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته. قيل: علي، قال: عليه قرأت وبه بدأت.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)).
قال في (النيل): وأخرجه أبو يعلى والبزار، وفيه جرير بن أيوب البجلي وهو متروك، ولكنه أخرجه بهذا اللفظ البزار، والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمار بن ياسر.
قال في (مجمع الزوائد): ورجال البزار ثقات.
قلت: جرير بن أيوب روى له المرشد بالله، وقال في الجداول: تكلموا فيه بغير حجة، قوله غضاً: بمعجمتين أي طرياً كما أنزل، وابن أم عبد هو: ابن مسعود.

وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم : ((خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة)). رواه أحمد والبخاري، والترمذي وصححه، وفي أمالي المرشد بالله عن أبي أمامة عن أبي بن كعب: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد ائت أبياً فاقرئه مني السلام، واقرأ عليه القرآن، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبياً فقال: ((يا أبي إن جبريل يقرئك السلام، فقال أبي: وعليه السلام، وعلى رسول الله، فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم : إن جبريل أمرني أن أقرأ عليك القرآن))، فقرأ عليه في تلك الليلة التي قبض فيها.
وعن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}[البينة:1])) وفي رواية: ((أن أقرأ عليك قرآناً، قال: وسماني لك ؟ قال: نعم، قال: فبكى)). متفق عليه.
وهذا يدل على أنه كان حاذقاً بالقرآن، وإلا لما خص بقراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أخذوا منه استحباب قراءة القرآن على الحذاق فيه، وأهل العلم به والفضل، وإن كان القارئ أفضل.
قلت: وفي هذه الأخبار دلالة لمذهب من قال بصحة الصلاة بما صح من القراءة وإن خالفت السبع أو العشر؛ لأن ثناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قراءة هؤلاء وأمره بالأخذ عنهم وقراءته على أبي المفيدة لكونه عالماً بالقرآن، يدل على صحة الصلاة بما صح عنهم وإن خالف ما قاله الجمهور، ومن صحح الصلاة بقراءتهم صححها بما صح عن غيرهم من علماء الدين المعتبرين؛ إذ لا فارق مع استوائهم في التحرز في الدين، وقوة الحفظ والتثبت في النقل، إذ لم يكن الثناء على هؤلاء إلا لكونهم على هذه الصفات لا لذواتهم وأعيانهم، فمن شاركهم في هذه الصفات شاركهم في هذا الحكم. والله أعلم.

99 / 329
ع
En
A+
A-