ولقائل أن يقول: إذا قد ثبت شرعاً جواز الاستئجار على قراءة القرآن فلا مانع من جواز القراءة عن الغير في الصلاة سواء كانت في فريضة أو نافلة، وفعل الوصي مع الخارجي يدل على ذلك، فإنه يؤخذ منه أنه إذا قصد بالقراءة في الصلاة أمراً آخر لم تفسد به ما لم يكن ذلك الأمر منافياً للصلاة، فإن قيل: تشريك الغير في القراءة تشريك في العبادة والواجب إخلاصها، قيل: قد مر تحقيق معنى العبادة وأنها الخضوع لله، وهذا لم يخضع للمستأجر له وإنما توسل إلى الله تعالى بتلك العبادة في دفع ضرر أوجلب نفع للمستأجر، والتوسل إلى الله تعالى عبادة في نفسه كتشريك المؤتمين وغيرهم في الأدعية القرآنية إذا تليت في الصلاة، وكذا غيرها من الدعوات عند من يجيز الدعاء في الصلاة، وهذا كله ليس بتشريك، ولا ينافي الإخلاص؛ لأن أركان الصلاة كلها من التلاوة وغيرها خالصة لله تعالى، وإنما يكون تشريكاً لو قصد الخضوع للغير والتقرب إليه وطلب الرضا منه كعباد الأصنام والمرائين، فإن قيل: الصلاة مجموع أذكار وأركان مخصوصة لا تتم إلا بها، ومن نوى بقراءته عما استؤجر عليه فقد أخل ببعض أجزاء الصلاة؛ لأنه لم يقصد بقراءته تلك تأدية التلاوة التي هي جزء من الصلاة فلا تصح صلاته لعدم كمالها.
قيل: الشرط في صحة الصلاة هو حصول القراءة فيها، وقد حصلت فمن أدعى أمراً زائداً على ذلك فعليه الدليل، على أنا لا نسلم أنه لم يقصد تأدية التلاوة التي هي جزء من الصلاة، بل قصد ذلك، وإنما قصد معه التوسل إلى الله تعالى ببركة تلك التلاوة، والتوسل إلى الله تعالى بالعبادة لا يبطلها كمن قصد بالحج أداء الفرض والتوسل به إلى الله تعالى في دفع الفقر، وبالصيام جلب الصحة، وبالصلاة الاستشفاء من المرض والاستعانة بها على الحوائج، وقد نبه الشارع على ذلك كله، وهو يدل على أنه لا ينافي الطاعة إلاما شغل عنها ومنع من فعلها، وأنه لا يمنع الإخلاص إلا ما قصد به مشاركة الغير في معنى العبادة، فتنبه لهذا فإنه قد يغلط كثير في جعل بعض الأمور منافية للعبادة والإخلاص، وليس كذلك وإنما أُتوا من عدم التأمل لحقيقة العبادة ومعنى الإخلاص.
الفرع السابع [استحباب ترتيب قراءة السورة في الركعات]
قال أهل المذهب: يستحب ترتيب السور في الركعات فلا يقرأ في الثانية سورة قد قرأها في الأولى، ورواه أبو مضر عن جماهير العلماء، وقال في الغيث: ويكره أن يقرأ في الركعة الثانية السورة التي قبل ما قرأه في الأولى.
قال في (حواشي الأزهار): إلا الفرقان فإنه بدأ فيه بالعالم العلوي وثنى بالعالم السفلي كما ورد.
وقال (ابن الباقلاني): لا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة، ولمن يتلو في غير الصلاة.
قلت: بل الخلاف في غير الركعة كما مر، وروى القسطلاني عن الحنفية الكراهة ولو في ركعتين، وقيل: مكروه في الفرائض دون النوافل.
وقال (النووي): ويقرأ على ترتيب المصحف، ويكره عكسه ولا تبطل به الصلاة، والوجه في الكراهة في الصورتين أن قراءة سورة في ركعتين قليل من فعله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكون مراعاة ترتيب المصحف العثماني مستحبة، والوجه لمن قال لا كراهة في النوافل حديث حذيفة، وظاهر كلام البخاري وقتادة أنه لا كراهة؛ إذ الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وما ذكروه لا يثبت به هذا الحكم، وعموم الأدلة قاضية بأن المطلوب مطلق القراءة، كما قال قتادة: كل كتاب الله، ويؤيد ما قضى به العموم ما أخرجه أبو داود والبيهقي في سننه عن رجل من جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الصبح: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ}[الزلزلة:1 ]في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمداً، والظاهر أنه فعل لبيان الجواز؛ إذ لو كان سهواً لم يقر عليه إذ لا يقر على سهو، ولا سكت عنه فيما يتلعق بالتبليغ.
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بأصحابه الفجر فقرأ بهم في الركعة الأولى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ}[الزلزلة: 1]ثم أعادها في الثانية.
وفي حديث حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فافتتح بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران في ركعة.
والحديث رواه جماعة، وأخرج البخاري تعليقاً: أن الأحنف قرأ بالكهف في الأولى وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما.
الفرع الثامن [في الترتيب بين الفاتحة والسورة التي بعدها]
في الترتيب بين الفاتحة والسورة، نص أهل المذهب علىأنه سنة وليس بواجب، وأن من قدم السورة على الفاتحة أجزأته صلاته وإنما يلزمه سجود السهو، فإن قيل: ظاهر الأدلة الوجوب لأن في بعضها عطف الزيادة بالفاء لقوله فصاعداً وهي للترتيب، وفي بعضها بالواو وهي أيضاً للترتيب عند أهل المذهب، هذا مع مواظبته صلى الله عليه وآله وسلم طول عمره على تقديم الفاتحة فما هو الصارف للظاهر؟
قيل: الصارف ما مر من حديث حذيفة؛ إذ لا فارق بين الفاتحة وغيرها، ولأن ترتيب السور ليس بتوقيف من الشارع عند الجمهور، ولذلك اختلفت مصاحف السلف قبل مصحف عثمان، فروي أنه كان أول مصحف علي عليه السلام : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}[العلق:1]، وكان أول مصحف أبي الفاتحة ثم النساء إلى غير ذلك من الاختلاف، وإذا لم يكن الترتيب بتوقيف الشارع لم يكن في مخالفة هذا الترتيب الموجود الآن مخالفة للسنة في الترتيب، على أن القائلين بأنه عن توقيف لا يقولون بعدم جواز مخالفته في التلاوة، وحينئذ يكون جواز تقديم السورة على الفاتحة مجمع عليه.
قال (أبو الحسن بن بطال): ومن قال بهذا القول -يعني أن الترتيب بتوقيف الشارع- لا يقول أن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن تكون مرتبة على حسب الترتيب الموقف عليه في المصحف، بل إنما يجب تأليف سورة في الرسم والخط خاصة، ولا يعلم أن أحداً منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف، ألا ترى قول عائشة للذي سألها: لا يضرك أية قرأت قبل، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الصلاة السورة في ركعة ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها.
قال: وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوساً، وقالا: ذلك منكوس القلب، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أولها لأن ذلك حرام محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ، وهذا حظره الله تعالى ومنعه في القرآن؛ لأنه إفساد للسورة ومخالفة لما قصد بها، هذا وأما ترتيب الآيات في السور فهو توقيف من الله تعالى على ما بنى عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال في (الإتقان): الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، أما الإجماع فنقله غير واحد.
قلت: وأما النصوص فمنها ما أخرجه أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال: ((أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى...}[النحل:90 ] إلى آخرها))، وفي معناه أحاديث قد ذكرها في الإتقان.
إذا عرفت هذا فمن عكس في التلاوة في الصلاة أو غيرها فلا يخلو تعكيسه إما أن يكون في الحروف أو في الآيات، إن كان الأول فلا إشكال في فساد صلاته وعدم جوازه لإفساده نظم القرآن ومعناه، وإن كان الثاني فقال النووي: يجب ترتيب آيات الفاتحة، وبه قال الرازي قال: فلو قرأ النصف الأخير ثم الأول يحسب له الأول دون الأخير، وهذا هو الظاهر للمذهب.
قال (ابن مفتاح): تعكيس الآي إن كان في القدر الواجب واجتزئ به أفسد وإلا فلا.
قال (السحولي): أو حصل بالتعكيس فساد المعنى، يعني ولو لم يكن في القدر الواجب.
وفي (شرح الأزهار): أنه إذا قدم النصف الأخير من الفاتحة كاملاً على النصف الأول فسدت صلاته، قال في حاشية: إن اعتد به، وحجتهم على الفساد أنه يغير نظم القرآن ويبطل إعجازه.
واحتج في البحر بقوله: اقرءوا كما علمتم، وظاهركلامهم أنه لافرق بين الفاتحة وغيرها.
وفي شرح المهذب مالفظه: وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفق على منعه؛ لأنه يذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حكمة الترتيب.
وقد مر من كلام ابن بطال أنه محظور، واستدل له السيوطي بقول ابن مسعود وقد سئل عمن يقرأ القرآن منكوساً: ذاك منكوس القلب. أخرجه الطبراني بسند جيد.
وفي (شرح الأزهار): عن أحد قولي المؤيد بالله أنه لا يشترط الترتيب بين آي الفاتحة، قال في ضوء النهار: إلا أنه ينبغي أن يقيد بما إذا لم يختل المعنى المتعلق بالضمائر والعطف ونحوها، وجعل الخلاف مترتباً على الخلاف في كون ترتيب الآيات توقيفياً أم لا.
قلت: وقد مر أنه توقيفي بالإجماع، وأما خلط سورة بسورة فقد مر جوازه عند أهل المذهب، وهو الظاهر من كلام الغزالي وغيره وإن كان خلاف الأولى.
قال (السيوطي): وأما خلط سورة بسورة فعد الحليمي تركه من الآداب لما أخرجه أبو عبيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال: ((يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه اسورة، قال: خلطت الطيب بالطيب، قال: اقرأ السورة على وجهها)) أو قال على نحوها.
قال في (الإتقان): مرسل صحيح، وهو عند أبي داود موصول عن أبي هريرة بدون آخره، وأخرجه أبو عبيد من وجه آخر عن عمر مولى عفرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لبلال: ((إذا قرأت السورة فانفذها)).
وقال: حدثنا معاذ عن ابن عوف قال: سألت ابن سيرين عن الرجل يقرأ من السورة آيتين ثم يدعها ويأخذ في غيرها؟ قال: ليتق أحدكم أن يأثم إثماً كبيراً وهو لا يشعر.
وأخرج عن ابن مسعود قال: إذا ابتدأت في سورة فأردت أن تتحول منها إلى غيرها فتحول إلى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}[الإخلاص:1]، فإذا ابتدأت فيها فلا تتحول منها حتى تختمها.
وأخرج عن ابن أبي الهذيل قال: كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعوا بعضها. قال أبوعبيد: الأمر عندنا على كراهة قراءة الآيات المختلفة كما أنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بلال، وكما أنكره ابن سيرين قال: وأما حديث عبد الله فوجهه عنده أنه يبتديء الرجل في السورة يريد إتمامها ثم يبدو له في أخرى، فأما من ابتدأ القراءة وهو يريد التنقل من آية إلى آية وترك التأليف لآي القرآن فإنما يفعله من لا علم له؛ لأن الله لو شاء لأنزله على ذلك.
وقال (السيوطي): قد نقل القاضي أبوبكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل سورة.
قال (البيهقي): وأحسن ما يحتج به أن يقال أن هذا التأليف لكتاب الله مأخوذ من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخذه عن جبريل، فالأولى للقاريء أن يقرأ على التأليف المنقول، وقد قال ابن سيرين: تأليف الله تعالى خير من تأليفكم.
وقال بعض العلماء: من أفسد نظم القرآن فقد كفر به ورد على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما حكاه عن ربه تعالى.
قلت: ظاهر هذه الآية المنع من خلط سورة بسورة وليس الأمر كذلك، أما حديث بلال فقد مر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ((أحسنت)) ولعله نبهه بالأمر على الأولى، وأماقول ابن مسعود وغيره فليس بحجة، وأما الإجماع فممنوع لثبوت الخلاف، والذي ينبغي أن يقال أن التالي لا يخلو إما أن يكون له غرض صحيح في الخلط أو لا، إن كان الأول فلا بأس به كأن يريد التوسل ببركة الآيات المخصوصة إلى نيل نفع أو دفع ضرر، ويدل على هذا أنه قد ورد في خواص القرآن الإرشاد إلى الجمع بين آيات متفرقة لهذا المعنى، وسيأتي في مواضعها وهي كثيرة، أو قصد الوعظ والزجرللنفس أو للغير، ولا يبعد الإجماع على هذا كما يفعل في الخطب والرسائل، وكذلك إن لم يكن قاصداً بالتلاوة إلا الخروج عن عهدة المشروع في الصلاة، ودليله إطلاق وقرآن معها وثلاث آيات وما تيسر ونحوها وإن كان خلاف الأولى، وإن كان الثاني وهو أن يقصد مجرد التلاوة والدرس فلا ينبغي مخالفة الترتيب الذي رتبه الشارع عليه لعدم الإذن، ولما مر من الآثار والاجماع، وما فيه من تفويت الغرض بالترتيب الذي رتبه الله تعالى عليه لغير فائدة.
نعم أما لو قصد الإعراض عن النصوص الدالة على أن الترتيب عن توقيف، ومخالفة الإجماع على ذلك، وإفساد نظم القرآن فلا يبعد كفره.
الفرع التاسع [من مسنونات الصلاة الموالاة بين الفاتحة وما بعدها]
قال أهل المذهب: من مسنونات الصلاة الموالاة بين الفاتحة والآيات التي بعدها فلا يتخلل سكوت يطول لفعله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك الموالاة بين آي الفاتحة ولا تجب لجواز تفريق الواجب في الركعات.
قال (الإمام المهدي): وذكر بعض معاصرينا أن الموالاة واجبة، وأخذه من قول القاضي زيد في الشرح أن السكوت بين الآي مبطل قال ولم يحده، قال: وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه يبطل إذا طال.
قلت: ما مر من سكوت أمير المؤمنين عليه السلام وفصله بالجواب وما سيأتي من فصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء صريح في عدم وجوب الموالاة، بل قال الجلال: إن فصله صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء صريح في عدم سنيتها، قال: إلا أنه ينبغي تقييده بالفصل بالدعاء وما يناسبه من الاشتغال بجناب الحق تعالى.
قلت: وأما ما ذكره القاضي زيد من أن السكوت مبطل فقد مر الكلام عليه، وأن أهل المذهب لا يقولون إنه يبطل الصلاة ولو طال، إلا أنهم قالوا إذا طال بأن يزيد على قدر النفس أوجب سجود السهو.
فائدة ذكر في الروضة أن أصحاب الشافعي إنما يقولون إن السكوت الطويل يبطل القراءة لا الصلاة، يعني فيجب عليه استئناف القراءة فقط. والله أعلم.
المسألة الرابعة [عدم جواز قراءة القرآن بالعجمية]
ذهب العترة والشافعي ومالك إلى عدم جواز قراءة القرآن بالعجمية مطلقاً سواء أحسن العربية أم لا في الصلاة أم خارجها، وحكاه القرطبي عن الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى الجواز مطلقاً، وقال المنصور بالله وأبو يوسف ومحمد: تجوز لمن لم يحسن العربية.
روى السيوطي أن أبا حنيفة قد رجع عن قوله، وكذلك الخلاف لو قرأه بالعربية بغير لفظه بل بمعناه كما تفيده عبارة البحر.
احتج الجمهور بأن الله تعالى وصف القرآن بأنه عربي غيرذي عوج، واعترض بأن المراد أنه عربي في نزوله لا في تلاوته، وغير ذي عوج في معانيه لا في مبانيه، والمعنى باق مع العجمية كالعربية.
وأجيب بأنه خلاف الظاهر، ولأن من أعظم فوائد القرآن معرفة إعجازه ولا شك في فوات ذلك، وكيف يجوِّز عاقل قيام الترجمة بأي لغة كانت وهي من كلام البشر مقام كلام خالق القُوى والقدر.
واحتجوا ثانياً بأنا مأمورون بقراءة القرآن، ومن قرأ بالفارسية لم يقرأ القرآن، ويدل عليه قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا}[فصلت:44]، فهو نص في أن الله لم يجعله أعجمياً، وهو يستلزم أن كل ما كان أعجمياً فليس بقرآن، ولذا قال القفال: إن القراءة بالفارسية لا تتصور، هذا مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قرأ في الصلاة إلا هذا القرآن العربي وكذلك الخلفاء والصحابة وسائر أئمة الدين، والواجب علينا اتباعهم وإلا خالفنا قوله تعالى: {اتبعوه}، واتبعنا غير سبيل المؤمنين.
قال (ابن المنذر): في الرد على أبي حنيفة ما لفظه: ولا يجزئه ذلك يعني القراءة بالفارسية؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخلاف جماعات المسلمين، ولا نعلم أحداً وافقه على ما قال.