قال أهل المذهب: فإن زاد وجب عليه سجود السهو إذ هو زيادة ذكر جنسه مشروع في الصلاة فيجبر بالسجود، ولعموم حديث: ((لكل سهو سجدتان))، والعامد كالساهي عندهم في وجوب السجود، ولا تفسد الصلاة لأن الزيادة إذا كانت من القرآن أو من أذكار الصلاة لا توجب الفساد إذا كانت في موضعها ولم تكن خطاباً؛ إذ لم يرد النهي إلا عن كلام الناس كما في حديث معاوية بن الحكم: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما الصلاة التسبيح، والتحميد وقراءة القرآن))، فدل على أن فعل هذه الأذكار لا تفسد بها الصلاة في أي موضع كانت إلا أنا خصصنا ما فعل في غير موضعه بالنهي عن القراءة في الركوع والسجود ونحوه، وبقي ما فعل منها في موضعه داخلاً تحت العموم، إلا أنه لما ثبت هنا اقتصار الشارع على الفاتحة في الأخيرتين كانت الزيادة موجبة لسجود السهو لحديث: ((سجدتا السهو تجبان من الزيادة والنقصان))، وحديث معاوية بن الحكم أخرجه المؤيد بالله والإمام أحمد بن سليمان والأمير الحسين ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم. وقال بعض العلماء: بل الزيادة مستحبة لما مر، وهو قول الشافعي وهو ظاهر كلام الإمام المهدي عليه السلام في البحر فإنه قال: ويؤثر المفصل والطيال منه في الفجر إلى أن قال: وفي أوليي الظهر كالفجر أخرييه كنصف ذلك، وفي أوليي العصر كأخريي الظهر، وفي أخرييه نصف ذلك، لقول الخدري حزرنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ... الخبر.
وأما حديث أبي قتاده فليس صريحاً في الاقتصار لاحتمال أن يراد به أنه كان يقتصر على الفاتحة وأن يراد أنه كان لا يخل بها، بل كان يقرؤها في كل ركعة من دون تعرض منه لكونه يزيد عليها في الآخرتين أم لا، سلمنا فترجيحه على حديث أبي سعيد وما في معناه من ترجيح النافي على المثبت وهو عكس ما ذكره أهل الأصول.

فإن قيل: إنما رجح حديث أبي قتادة لاتفاق البخاري ومسلم على روايته، وحديث أبي سعيد إنما رواه مسلم وحديث: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة))، لم يروه الشيخان، قيل: فقد روى حديث أنس البخاري وهو نص في المقصود، ثم إن ترجيح رواية البخاري على ما ثبت سنده من طرق تحكم وأيضاً الترجيح لا يصار إليه إلا عند التعارض وهنا لا تعارض إذ ليس في رواية أبي قتادة ما يمنع الزيادة، فيمكن أنه كان تارة يزيد، وتارة يقتصر على الفاتحة أو التسبيح، ولفظ كان في حديث أبي قتادة وحديث التسبيح يفيدان ذلك أعني أن الاقتصار على الفاتحة أو التسبيح هو الأكثر من فعله.
وأما ما قيل من أن حديث أبي سعيد ليس نصاً وإنما هو تقدير وتخمين، فجوابه: أنه قد أفاد أنه كان يقرأ ذلك القدر أو قريب منه إذ عدالة الراوي توجب ذلك، وأيهما وقع فقد حصلت الزيادة سلمنا، فالأحاديث الأخر ظاهرة في المطلوب. والله أعلم.
الفرع الثاني [في ذكر أهمية تطويل القراءة في الصلاة]
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : يكره جمع سورتين بعد الفاتحة للتطويل، وقال في الهدي النبوي: إنما كان يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النافلة، وأما في الفرض فلم يحفظ عنه، وقيل: لا كراهة، لحديث أنس ولما في العلوم: قال حدثنا محمد، قال: حدثني أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن أبي جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقرأ المعوذتين في مكتوبة ولا تطوع إلا ومعهما غيرهما.
قلت: ففي قراءته معهما غيرهما دليل على عدم الكراهة؛ إذ لا يجوز أن يكون لعدم الاجتزاء بهما وحدهما؛ لأنه قد صح أنهما من القرآن، وظاهر أدلة وجوب الزيادة على الفاتحة الإطلاق الصادق على المعوذتين، مع أنه لا يبعد دعوى الإجماع على الاجتزاء بواحدة منهما مع الفاتحة.

وفي (العلوم) أيضاً: عن علي ومحمد ابني أحمد بن عيسى عن أبيهما أن علياً عليه السلام قرأ سورة النجم في صلاة الفجر، فلما قرأ السجدة في آخر السورة سجد، ثم قام فقرأ إذا زلزلت الأرض، ثم كبر وركع، وقياساً على النافلة إذ لافارق، وربما أنه كان الغالب الترك في الفريضة تخفيفاً على المؤتمين.
وعلى الجملة فمن صلى لنفسه فريضة أو نافلة طول ماشاء وقرأ ماشاء، ومن صلى إماماً فقد ندب الشارع إلى التخفيف، وسيأتي الكلام على تطويل الإمام مستوفى إن شاء الله تعالى.
الفرع الثالث [جواز تكرير سورة أو آية بعد الفاتحة]
لا بأس بتكرير سورة أو آية أو أكثر بعد الفاتحة في ركعة إذ لامانع، وعموم أدلة قراءة القرآن في الصلاة يشمله، وروى النسائي وغيره عن أبي ذر أن النبي( صلى الله عليه وآله وسلم ) قام بآية يرددها حتى أصبح {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ...} [المائدة:118 ]الآية، وقد كان في السلف من يقوم ليلة بآية يرددها، وأما تكرير الفاتحة في الركعة، فقال في البحر: فيه تردد تفسد إذا زاد ركناً عمداً ولا كتكرير الآيات بعدها، واختاره الإمام يحيى والإمام الحسن بن يحيى القاسمي وولده علامة العصر، والجامع أنه زيادة ذكر، ولعموم أدلة قراءة القرآن في الصلاة، ولأن ما ورد في قراءة الفاتحة لم يفصل بين المرة وما زاد عليها، ويمكن أن يقال: استمرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عدم تكرارها في الركعة دليل على عدم شرعيَّته؛ إذ لو كان مشروعاً لبينه، لا سيما والمقام مقام تعليم وبيان، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وأيضاً من كرر فقد خالف هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسننه التي واظب عليها طول عمره.

وقد قال تعالى: {اتبعوه}، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما كان على غير أمرنا فهُوَ رَدٌّ))، وقال: لا قول ولاعمل ولا نية إلا بمطابقة السنة، ويجاب بأنه لا يشترط البيان بالفعل ولا بالقول الخاص، بل يكفي الدليل العام مالم يظهر معارض واستمراره على عدم التكرار لا يصلح لمعارضة ذلك الدليل؛ إذ لا تتوقف صحة دلالة الدليل على وقوع الفعل في غير الواجب في حقنا وحقه معاً، فمن الجائز أن لا يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض المباحات طول عمره مع قيام دليل الإباحة، ونحن لم ندع إلا إباحة ذلك وجوازه، فمن كرر لم يكن مخالف للسنة، والقول بعدم الفساد وهو المصحح للمذهب.
قالوا: لأنها ليست ركناً وحدها بل هي مع الآيات، ولكن يجب بتكريرها سجود السهو عندهم؛ إذ هو زيادة ذكر جنسه مشروع فيها، وكذا يجب في تكريرالسورة، نص عليه في البحر ولفظه: فإن كرر الفاتحة أو السورة أو التشهد سجد له إذ زاد على المشروع، وقال محمد بن الحسن: إن كرر الفاتحة في الأخريين لم يسجد إذ هي كالدعاء لقيام التسبيح مقامها.
الفرع الرابع [الاكتفاء بقراء بعض سورة أو آية مع الفاتحة]
لو قرأ مع الفاتحة بعض سورة أو آيات من سور متعددة أجزأه ذلك عند أهل المذهب، وقال النووي: يجوز قطع القراءة، والقراءة ببعض السورة بلا خلاف ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذر فلا كراهة فيه أيضاً ولكنه خلاف الأولى.
قال: هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قال مالك في رواية عنه والمشهور عنه كراهته.
قلت: والقول بأنه خلاف الأولى هو مذهب الهادي عليه السلام فإنه نص في الأحكام على أن الأحب إليه قراءة سورة كاملة.
قال في (شرح التجريد): لأن في بعض الأخبار: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة)).
وفي الشفاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتم السورة التي يقرؤها مع أم القرآن.

قال: ولاخلاف أن إتمامها غير واجب، فدل على استحبابه، وقال الغزالي: لابأس بأن يقرأ في الثانية بآواخر السور نحو الثلاثين أو العشرين إلى أن يختمها؛ لأن ذلك لا يتكرر على الأسماع كثيراً، فيكون أبلغ في الوعظ، وأدعى إلى التفكر، وإنما كره بعض العلماء قراءة بعض أول السورة وقطعها.
وقال (ابن القيم): أما قراءة آواخر السورة وأوساطها فلم يحفظ عنه، لنا عموم قوله في الأحاديث السابقة: ((وما تيسر)) وإطلاق قوله: ((وقرآن معها)) ونحوه.
وما أخرجه مسلم في صحيحه قال: حدثني هارون بن عبد الله، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج (ح) وحدثني محمد بن رافع وتقاربا في اللفظ، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد لله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي، عن عبد الله بن السائب قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى عليه السلام ـ محمد بن عباد يشك أو اختلفوا عليه ـ أخذت النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعلة فركع وعبد الله بن السائب حاضر ذلك.
وفي حديث عبد الرزاق: فحذف فركع، وفي حديثه وعبد الله بن عمرو ولم يقل ابن العاص.
حجاج، قال في (الجداول): حجاج بن محمد مولى سليمان بن مجالد المصيصي، عن ابن جريج وشعبة وغيرهما، وثقه ابن المديني ورفع أحمد من أمره جداً، توفي سنة ست وثمانين ومائة، وقيل: مائتين، روى له أبو طالب وفي المناقب، وابن جريج قد مر ذكره.
وعبد الرزاق هو: ابن همام بن نافع الصنعاني الحميري مولاهم، قال ابن معين: لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه، عداده في ثقات الشيعة.
قال (ابن معين): كان أغلا في التشيع من عباد بن يعقوب بمائة ضعف، توفي سنة إحدى عشرة ومائتين.

احتج به الجماعة، وروى له الهادي في المنتخب والأخوان والمرشد بالله، وفي كتاب حي على خير العمل والمحيط والكامل المنير والمناقب.
وابن عباد هو: المخزومي المكي، وثقه ابن معين، روى له المرشد بالله، واحتج به الجماعة.
وأبو سلمة هو: أبو سلمة بن سفيان بن عبد الأشهل المخزومي، ذكره الحاكم أبو أحمد ممن لا يعرف اسمه.
وعبد الله بن عمرو قال (النووي)، قال الحفاظ قوله: ابن العاص غلط والصواب حذفه، وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي، بل هو عبد الله بن عمرو الحجازي، كذا ذكره البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وخلائق من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين، والعابدي بالباء الموحدة، والحديث أخرجه البخاري تعليقاً، وذكره في الدر المنثور، ونسبه إلى عبد الرزاق والشافعي وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد، والبخاري في تاريخه، ومسلم وأبي داود وابن ماجة وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والبيهقي في السنن، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي أيوب وزيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين جميعاً، ونحوه عن عائشة.
قال (القسطلاني): وأدلة الجواز كثيرة.
قلت: وسيأتي ذكرها في مواضعها من الآيات والسور، وكثير منها ورد في النوافل لكن الفرق يحتاج إلى دليل، على أن فيما ذكرناه هنا كفاية، وقد قرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة يعني في الصبح، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال.
أخرج هذين الأثرين البخاري تعليقاً، وفي الإحياء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع بلالاً يقرأ من هاهنا وهاهنا، فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيب بالطيب، فقال: أحسنت.
وذكر في التخريج أن أبا داود أخرج بإسناد صحيح عن أبي هريرة نحوه.
الفرع الخامس [رفع الصوت يقصد الإعلام يبطل الصلاة]

لو رفع صوته بالقراءة إعلاماً لغير المار والمؤتمين بأنه في الصلاة فسدت صلاته عند الهادي وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وهو المصحح للمذهب كالكلام.
وقال (الناصر) و(الشافعي) و(أبو يوسف): لا كإطالة الركوع انتظاراً، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتنحنح لعلي عليه السلام إذا قرع عليه الباب وهو في الصلاة، رواه النسائي وابن ماجة وصححه ابن السكن، ورواه الترمذي بلفظ: سبح وهو أصرح، وإذا جاز ذلك إعلاماً فلا فارق بينه وبين القراءة.
وقال (م) بالله و(القاضي زيد): إن قصد مجرد الإعلام أفسد لا إن قصدهما معاً.
وأجيب بأن التشريك في العبادة يبطلها لقوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110]، ورد بأن الآية واردة في الرياء والسمعة، كما في كتب التفسير، والخلاف في سائر الأذكار كالقراءة، وكذلك لو قصد بالقراءة خطاب الغير أوالجواب عليه فسدت على المذهب، ونسب القول بفسادها بالخطاب في البحر إلى القاسمية وأبي حنيفة، ثم قال: والخلاف فيه كرفع الصوت بالتسبيح.

قلت: ويستدل للجواز بما في شرح ابن أبي الحديد عن علي عليه السلام أنه كان يقرأ في صلاة الصبح وخلفه جماعة من أصحابه، فقرأ واحدٌ منهم رافعاً صوته معارضاً قراءة أمير المؤمنين عليه السلام : {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}[الأنعام:57]، فلم يضطرب عليه السلام ولم يقطع صلاته ولم يلتفت وراءه، ولكنه قرأ معارضاً له على البديهة: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}[الروم:60 ]وفيه وروى أنس بن عياض المدني، قال: حدثني جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده أن علياً عليه السلام كان يوماً يؤم الناس وهو يجهر بالقراءة فجهر ابن الكواء من خلفه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الزمر:65]، فلما جهر ابن الكواء وهو خلفه بها سكت علي عليه السلام ، فلما أنهاها ابن الكواء أعاد علي عليه السلام فأتم قراءته، فلما شرع علي عليه السلام في القراءة أعاد ابن الكواء الجهر بتلك الآية فسكت علي عليه السلام ، فلم يزالا كذلك يسكت هذا ويقرأ ذاك مراراً حتى قرأ علي عليه السلام : {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}[الروم:60]، فسكت ابن الكواء وعاد عليه السلام إلى قراءته، والظاهر أن الشارح نقله من كتاب صفين لإبراهيم بن الحسن بن ديزيل المحدث كما يقتضيه سياق الكلام، ودلالته على ما ذكرناه واضحة فإن أمير المؤمنين عليه السلام لم يقصد بتلاوة الآية إلا الرد والجواب، وفيه أن السكوت لا يبطل الصلاة، وفي البحر: أن السكوت الطويل بحيث يظن أنه غير مصل مفسد، وقيل لا هب إذ لا فعل، وأجاب بأنه مقيس.

قال (الإمام عز الدين) عليه السلام : لعله أراد على الفعل الكثير إذ هو ما ظن أن فاعله غير مصل.
قال عليه السلام : والأقرب أنه لا وجه لإفساده، وأن العلة في الفعل الكثير أنه فعل يظن المشتغل به أنه غير مصل، وهنا لا فعل فاختل بعض الوصف.
الفرع السادس [جواز القراءة في الصلاة للاستحفاظ أو الاستشفاء]
ذكر في حواشي الأزهار ونسبه إلى اللمع وصححه للمذهب: أن من قرأ في الصلاة قاصداً للاستحفاظ أوالاستشفاء أجزأ للصلاة إذا لم تغير القراءة، غايته أنه لم يعتقد كونه للصلاة، ولا تجب هذه النية، وجعله للاستحفاظ لا يخرجه عن كونه قرآناً بعد فعل ما أشار إليه الشارع بقوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل:20].
قلت: ومن الأدلة على ذلك أن الفاتحة قد اشتملت على الذكر والدعاء.
وقد ذكر العلماء أنه ينبغي استحضار معانيها، ومن جملة ذلك قصد الشكر من المصلي وطلب الهداية والاستعانة، وأيضاً فإن القنوت بالقرآن من جملة أذكار الصلاة، ومن المعلوم أن المقصود به أن المصلي يدعو لنفسه بما اشتملت عليه تلك الدعوات القرآنية، وهي مشتملة على سؤال خير الدنيا والآخرة، الذي من جملته الاستحفاظ والشفاء، ولم يقل أحد بأنه ليس المراد بها إلا التلاوة وأنه لا يجوز للمصلي قصد الطلب لنفسه، بل عباراتهم في الحث على حضور القلب يدل على أنه ينبغي قصد الدعاء وطلب ما اشتملت عليه من الخيرات، على أن أدلة القراءة لم تفصل كما أشار إليه صاحب اللمع، وليس قصد الاستشفاء ونحوه مناف للعبادة لأنه في نفسه عبادة، وحديث: ((قراءة القرآن في الصلاة خيرمن قراءة القرآن في غير صلاة)) يدل على ذلك إذ المراد أن قراءة القرآن فيها خير لما أريدت له القراءة إذ لم يفصل. والله أعلم.

هذا وأما من يجيز الدعاء في الصلاة بالقرآن وغيره فلا إشكال بجواز ذلك على مذهبه، فإن قلت: فهل يلحق بهذه السورة قراءة من استؤجر على التلاوة فقصد بقراءته في الصلاة أن تكون عما استؤجر عليه؟
قلت: قد ذكر الإمام القاسم بن محمد عليه السلام أن ذلك لا يجزئ، أما الفريضة فلوجوب تأديتها لله تعالى خالصة كما قال: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110]، وأما النافلة فإن استؤجر عليها وعلى القراءة فيها أجزأه إن صح قياسها على الحج في الاستئجار عليها، وإن لم يستأجر إلا على التلاوة فلا تصح؛ لأن أذكارها منوية لغير فاعل أركانها، ولابد أن تكون كلها عن فاعلها علم ذلك من ضرورة الدين، أو عن المستأجر إن صح القياس.
قلت: أما أهل المذهب فلم أقف لهم على نص، والذي تقضى به أصولهم عدم الفساد إذا لم تكن القراءة عن الغير محظورة؛ لأنهم لا يشترطون نية كون القراءة في الصلاة، ولذا أجازوا أن ينوي بالقراءة النافلة وإن كانت في الفريضة، ولما مر لهم من جواز جعل القراءة للاستشفاء، وظاهره سواء كان للنفس أو الغير، وسواء كان بأجرة أم لا، ولكن إذا كان المنوي عما استؤجر عليه هو القدر الواجب فالظاهر من قواعدهم عدم وقوعه عنها لعدم صحة الإجارة على الواجب. والله أعلم.

97 / 329
ع
En
A+
A-