قال (الحافظ): ولكل من الوجهين مرجح، أما رواية يحيى فالزيادة من الحافظ، وأما الأخرى فللكثرة؛ لأن سعيداً لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين، والحديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، وأخرجه من حديث رفاعة أبو داود وفي آخره فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ: ((لاتتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك)). وأخرجه النسائي بلفظ: ((فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك وما انتقصت من ذلك فإنما نقصته من صلاتك)).
قال في (النيل): ولا مطعن في إسناده، وفي رواية لأبي داود من حديث رفاعة: ((ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله)).
وفي رواية لأحمد وابن حبان: ((ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت))، وهذا مبين لما أجمل في سائر الروايات.
قال في (النيل): وفي رواية لأحمد وابن حبان والبيهقي في قصة المسيء صلاته أنه قال في آخره: ((ثم افعل ذلك في كل ركعة)).
وفي (البدر المنير): منسوباً إلى أحمد وابن حبان أنه قال: ((ثم اصنع ذلك في كل ركعة))، ووجه الاستدلال به أنه قد وصف له ما يفعل في كل ركعة، وقد أمره بقراءة الفاتحة كما يفيده الروايات المصرحة بها، فكانت من جملة ما يحب في كل ركعة، كما أنه يحب فعل ما اقترن بها من الركوع والسجود وغيرهما في كل ركعة.
وأجيب: بأن هذه الحجة غير صحيحة ولنا في إبطالها طرق:

أحدها: أن حديث المسيء قد رواه المؤيد بالله عليه السلام ولم يذكر فيه: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها أو في كل ركعة))، ورواية الأئمة" مقدمة على غيرهم عند التعارض، ولفظه في شرح التجريد: أخبرنا أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن أبي نمر عن علي بن يحيى عن عمه رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً في المسجد، فدخل رجل فصلى ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليه فقال: ((إذا قمت في صلاتك فكبر، ثم اقرأ إن كان معك قرآن، وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وكبر وهلل، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم قم حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وما تنقص من ذلك فإنما تنقص من صلاتك)).
الطريقة الثانية: ما ذكره بعضهم وهو أن قوله: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) لا يعود إلى كل ما ذكر في أول الكلام اتفاقاً لأن منه تكبيرة الافتتاح، وإذا لم يعد إلى الكل صار مجملاً لتردده بين ما بقي واحتمال عوده إلى كله والمجمل لا يحتج به حتى يبين.
الطريقة الثالثة: أنه ظاهر في الأفعال إذ هي التي أنكرها منه وقال له: ((صل فإنك لم تصل))، وإنما ذكر القراءة زيادة في الإفادة كما ذكر الوضوء، مع أنه لم ينكره عليه.

قلت وفي إبطال هذه الحجة بهذه الطرق نظر، أما الأولى فلأن زيادة: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))، وقوله في كل ركعة زيادة من عدل ضابط، فيجب قبولها إذ لا تنافي ما رواه المؤيد بالله حتى ترجح رواية الأئمة إلا لو صرح فيه ما يدل على أن القراءة لا تجب إلا في ركعة واحدة، ولم يصرح في ذلك بل لهم أن يستدلوا بروايته عليه السلام على قولهم، وذلك بأن يقولوا أنه وإن لم يصرح فيها بفعل ذلك في كل ركعة، فدلالة السياق تقتضيه لأنه علمه ما يجب في كل ركعة إذ لولم نقل بذلك لزم عدم دلالته على وجوب الركوع ونحوه في كل ركعة، والمعلوم أن هذا الحديث أحد الأدلة المعتمدة في وجوب ذلك، فإذا كان المراد به تعليم ما يجب في كل ركعة فكأنه قال: ((فإذا فعلت ذلك في كل ركعة فقد تمت صلاتك...))إلخ، والإشارة تعود إلى جميع ما قد ذكر إلا ما خصه دليل، ويؤيد الوجوب وصفها بالنقصان، وقد مر أن معناه الفساد، وأيضاً فإن الأمر بالقراءة معلق على شرط متكرر وهو القيام، والأمر المعلق على شرط يتكرر بتكرره إلا بدليل.
وأما الطريقة الثانية: فيقال لا إجمال بل هو ظاهر في العود إلى كل ما ذكر إلا ما خصه دليل كتكبيرة الافتتاح على أن بعضهم لم يجعلها من الصلاة فيبقى الظاهر على إطلاقه، سلمنا فقد بينه فعله صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي.
وأما الطريقة الثالثة: فلا نسلم ظهوره في الأفعال، بل الظاهر أنه أراد تعليمه ما لا تصح الصلاة من دونه من شرط وفرض، وخرج الوضوء من قوله: ((ثم افعل ذلك في كل ركعة)) بما علم من عدم وجوب تجديده لكل ركعة كما خرجت تكبيرة الافتتاح.
إذا عرفت هذا فالأولى في الجواب أن يقال قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي عليه السلام عدم المواظبة على القراءة في كل ركعة، وأجمع أهل البيت" على ذلك، فكان قرينة تصرف ما يفيده الظاهر من الوجوب. والله أعلم.

كما أن الخصم لم يوجب الزيادة على الفاتحة مع ذكرها في حديث المسيء لدليل اقتضى ذلك عنده، وكذلك لم يوجب أحد فيما أعلم الزيادة في الأخريين مع ذكرها في حديث المسيء وغيره لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تركها فيهما.
الوجه الرابع: أنه قد ثبت مواظبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قراءتها في كل ركعة، وثبت عن أمير المؤمنين عليه السلام قراءتها في الأربع، وعن جماعة من أكابر الصحابة وقد مر ذكرهم.
قال في (العلوم): قال محمد: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم القراءة في الآخرتين بالحمد في كل ركعة.
وفي (صحيح البخاري): حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا همام عن يحيى عن عبدالله ابن أبي قتادة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب يسمعنا الآية ويطول في الركعة الأولى ما لايطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح.
موسى: هو ابن إسماعيل المنقري، مولاهم البصري أبو سلمة التبوذكي، أخذ عنه محمد بن منصور وخلقٌ، وثقه يحيى وقال مأمون، وأبو حاتم وابن سعد والذهبي: توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة، وله رواية في المناقب.
وهمام هو: ابن يحيى الأزدي العودي الصنعاني ثم البصري، أبوعبد الله، قال أحمد: ثبت في كل مشائخه، وقال في التذكرة: وثقه غير واحد، وقال أبو زرعة: لا بأس به، توفي سنة أربع وستين ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة ويحيى هو: ابن كثير، وقد مر.
والحديث أخرجه مسلم وقد مر، ورواه أبو داود وزاد: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.

وقال في (الروض النضير): أخرج الطحاوي في معاني الآثار في باب القراءة: في الظهر والعصرما لفظه: وأن ابن أبي داود حدثنا، قال: نا خطاب بن عثمان، قال: نا إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمد، عن الزهري عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بأم القرآن وقرآن، وفي العصرمثل ذلك، وفي الأخريين منهما بأم القرآن، وفي المغرب في الأوليين بأم القرآن وقرآن، وفي الثالثة بأم القرآن.
قال (عبيد الله): وأراه قد رفعه.
أما الطحاوي فهو: أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحافظ العلامة، قال ابن يونس: كان ثبتاً ثقه، توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، روى له المؤيد والمرشد، وصاحب المحيط.
وابن أبي داود هو: إبراهيم بن أبي داود الأسدي، عن أحمد بن خالد الوهبي وجماعة، وعنه الطحاوي، كذا في الجداول، روى له المؤيد بالله، وخطاب أهمله في الجداول.
وإسماعيل هو: ابن عياش عالم الشام، قال الثوري: تكلم فيه وهو ثقه عدل أعلم الناس بحديث أهل الشام.
قال (علامة العصر): هو أول من حدث بفضائل الوصي بالشام، وأرى ذلك عن غير مشائخه الشاميين، فلذلك وثقه أحمد والبخاري وابن معين ودحيم وابن عدي في الشاميين، وضعفوه في الحجازيين، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة.
احتج به الأربعة، وروى له أئمتنا الخمسة والسمان، وفي المناقب.
ومسلم بن خالد هو: المخزومي مولاهم، أبو خالد المكي، المشهور بالزنجي، شيخ الحرم، ذكر في الجداول، من مشائخه الصادق، وابن شهاب.
قال (ابن معين): ليس به بأس، وفي رواية ثقة، وقال ابن عدي: حسن الحديث، قال الحاكم: اجتمع للشافعي شيخا أهل الحق-يعني مسلماً- وابن أبي يحيى توفي سنة ثمانين ومائة، وعداده في رجال العدل والتوحيد والتشييع، روى له أبو طالب والموفق والمرشد ومحمد بن منصور.
وجعفر هو: الصادق شهرته تغني عن بيان جلالته، والزهري قد مر الكلام عليه.

وعبيد الله ابن أبي رافع كاتب الوصي، وروى عنه، وقد مر في أثناء المباحث ما يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأها في كل ركعة، وهذا مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، يفيد الوجوب.
قال (المقبلي): وليس المراد القطع والبت في هذه المسألة ونظائرها، ولا شك في ظهور استمرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قراءة الفاتحة في كل ركعة، ولو اتفق له خلاف ذلك لم يسكت عنه فقد نقلت أمور هي أدق من ذلك، وهذا مما تعم به البلوى، ولم يرو أحد اقتصاره علىقراءتها في بعض الركعات، وأقل من هذا يظن أنه أمر لا يعذر أحد في تركه ثم ذكر ما حكيناه عنه.
أولاً: من أن قولهم لا يحتج بمطلق الفعل لا يصدق على ما حوفظ عليه، وأطال البحث بما لاطائل تحته إلا دعوى أنه لم يرو أحد اقتصاره على قراءتها في الركعات وأن ذلك يفيد الوجوب.
والجواب: أنا لا ننكر وقوع قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها في كل ركعة، ولكنا لا نسلم الاستمرار حتى يتم لهم الاستدلال على الوجوب لما قدمنا من رواية أئمة العترة وغيرهم، والعجب من جزم المقبلي بأنه لم يرو أحد اقتصاره على قراءتها في بعض الركعات، وقوله أن من شأنه أن يفعل الخلاف لبيان الجواز مع ما تقدم من اقتصاره وفعله للخلاف، وليته قال لم يصح عنه الاقتصار إذا كانت رواية الآل غير معتمدة عنده، وإن كانت هي المتعينة لأمر الشارع بالاقتداء بهم وحكمه بنجاة متبعهم وهلاك من خالفهم.
وأما ماحكاه القرطبي عن الطبري من أن الواجب هي أو عدد آياتها أو حروفها.
فقال (ابن عبد البر): هذا لا معنى له لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها، ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها، وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها كسائر المفروضات المتعينات في العبادات.
تنبيه [مقتضى أدلة من أوجب القراءة في الأوليين]

مقتضى أدلة القائلين بوجوب القراءة في الأوليين فقط أن الواجب في الأخريين: إما الفاتحة وإما التسبيح؛ لأنهم استدلوا على وجوب القراءة في الأوليين بالأمر بذلك، وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه عليه السلام .
ولا شك أن الأمر في حديث أبي سعيد بالفاتحة في كل ركعة، وأمرالوصي بالقراءة أو التسبيح في الأخريين من رواية ابن المنذر، وصحة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقراءة فيهما، وكذلك الوصي في رواية الطحاوي وإجماع أهل البيت على جواز قراءة الفاتحة مع صحة وقوع التسبيح كما مر يدل على أن الواجب فيهما إما قراءة الفاتحة أو التسبيح ثلاثاً.
وقد عرفت نص الحنفية على أنه لا يجب شيء في الأخريين، ويؤخذ من كلام أحمد بن عيسى والحسن بن يحيى ومحمد بن منصور عدم الوجوب فإنه روي عنهم في الجامع الكافي أنهم كانوا يرون فرض القراءة في الأوليين من الخمس صلوات.
قالوا: فإن نسي القراءة في الأوليين قرأ في الأخريين فإن نسي فلم يقرأ إلا في ركعة واحدة من أي صلاة كانت أعاد الصلاة، فقولهم إذا نسي القراءة في الأوليين قرأ في الأخريين دليلاً لعدم وجوب القراءة أو التسبيح في الأخريين عندهم، وإلا لما جعلوهما محلاً لقضاء فرض القراءة، اللهم إلا أن يحمل كلامهم على أنه يقضي فيهما قراءة الأوليين مع الإتيان بالمشروع فيهما من قراءة أو تسبيح، كما قيل في تأويل ما روي عن زين العابدين أنه نسي فاتحة الكتاب في الأولى فقرأها في الثانية وسجد سجدتي السهو أن المراد أنه قرأها في الثانية مع قراءة تلك الركعة، ولا أعلم ما الذي يصرف وجوب القراءة أو التسبيح في الأخريين، فإن قيل: الصارف أنه لم يأمر في حديث المسيء إلا بالقراءة وقد علم من مواظبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها في الأوليين وعدوله إلى التسبيح في الأخريين أن محل الوجوب الأوليان فقط؛ إذ هو بيان للأمر المجمل.

قيل: حديث المسيء قد وقع فيه الأمر بالقراءة في كل ركعة كما مر تقريره، وثبت الأمر في غيره بالتسبيح أو القراءة في الأخريين وصح فعلهما، فيجب حمل الوجوب فيه في الأخريين على التخيير.
وكذلك حديث أبي سعيد فيكون كأنه قال الواجب في الأخريين: إما الفاتحة، أو التسبيح؛ إذ الواجب الجمع بين الأدلة مهما أمكن، وأيضاً فإن أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم وأفعال وصيه عليه السلام في الصلاة محمولة على الوجوب لأنها مبينة للأوامر المجملة فلا يخرج عن الوجوب إلا ما خصه دليل، وأيضاً فإن الله تعالى قد كرر الأمر بإقامة الصلاة، والمراد الصلاة التي كان يصليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ التعريف فيها للعهد، فكل ما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيها كان داخلاً تحت الأمر بالإقامة فيكون واجباً إلا بدليل.
وقد صح عنه في الأخريين القراءة تارة والتسبيح أخرى، فلا محيص عن القول بوجوبها على البدل ما لم يظهر ما يدفع الوجوب من كتاب أو سنة أو إجماع، وما في حديث سعد من ذكر الحذف في الأخريين، فالمراد به تخفيف القراءة بترك الزيادة على الفاتحة كما مر.
تنبيه [وجوب القراءة في صلاتي الظهرين]
قد ثبت بما مر وجوب القراءة في صلاتي الظهر والعصر، وفي ذلك إبطال لما مر عن ابن عباس من عدم وجوبها فيهما، والظاهر أنه لم يعتمد في ذلك إلا على عدم العلم، فقد روى عنه النسائي أنه سئل أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهروالعصر؟ فقال: لا لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال خمساً هذه أشد من الأولى، فكان عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به.
فقوله فكان عبداً مأموراً..إلخ، يدل على أنه لم يبلغه التبليغ بوجوب القرءاة، وإنما سمعها منه في الجهرية، فقصر الوجوب عليها؛ إذ معنى كلامه هذا أن القراءة لو كانت واجبة فيهما لبلغها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا كان معتمداً على عدم علمه فمن علم حجة على من لم يعلم.

وقد روى عنه أبو داود أنه كان متردداً وأنه قال: لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا، وهذا يقوي ما قلنا من اعتماده على عدم العلم، ويلحق بهذه المسألة فروع:
الفرع الأول: ظاهر حديث أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية.
وأحاديث الفاتحة وسورة في كل ركعة يدل على أن الزيادة في الأخريين مشروعة، ويؤيده ما أخرجه مسلم قال: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة جميعاً عن هشيم، قال يحيى: أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه من الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك.
قال (مسلم): ولم يذكر أبو بكر في روايته الم تنزيل وقال قدر ثلاثين آية.
قوله: كنا نحزر بزاي معجمة بين حاء وراء مهملتين والحزر: التقدير، ويجوز ضم الزاي من المضارع وكسرها لغتان.
هشيم هو: ابن بشير السلمي أبو معاوية نزيل بغداد الحافظ، قال أبو حاتم: لا يسأل عنه في صدقه وأمانته وصلاحه، وقال في التذكرة: لانزاع أنه كان من الحفاظ الثقات، إلا أنه كثير التدليس.
وقال (حماد بن زيد): ما رأيت في المحدثين أمثل من هشيم، وقال ابن سعد: ثقة حجة، إذا قال أخبرنا، قال علامة العصر: الرجل ثقة خرج مع النفس الرضية واستشهد في المعركة ولده معاوية بن هشيم وأخوه الحجاج بن بشير، توفي هشيم في شعبان سنة ثلاث وثمانين ومائة.
احتج به الجماعة روى له أئمتنا الخمسة، قال في الجداول: أينما ورد هشيم مطلقاً فهو المترجم له.

وأما منصور فهو: ابن المعتمر السلمي، أبو عتاب، علامة الشيعة ومفخرهم الكوفي، صام أربعين سنة، وقام ليلها وكان يبكي الليل كله، فإذا أصبح كحل عينيه وبرق شفتيه ودهن رأسه، بايع لزيد بن علي عليه السلام وكان أحد دعاته، اتفق الناس على حجيته، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له النيروسي وأئمتنا الخمسة وفي المناقب.
قال (علامة العصر): ولم يحضر الوقعة مع الإمام فخرج مع عبدالله بن معاوية يقاتل بني أمية.
وأما الوليد فهو: أبو بشر العنبري، وأبو الصديق هو الناجي، وقد مر ذكرهما، وعن أنس قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}[الإخلاص:1 ] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، فكان يصنع ذلك في كل ركعة، فلما أتاهم النيي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه الخبر فقال: ((وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ قال: إني أحبها، قال: حبك إياها أدخلك الجنة)).
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، وأخرجه البخاري تعليقاً، وأخرجه أيضاً البزار، والبيهقي، والطبراني، والحجة منه أن تبشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة يدل على الرضا بفعله وهودليل الاستحباب، وفي استحباب ذلك خلاف، فحكي في النيل: عن مالك الكراهة، وهو مقتضى مذهب الثوري، وبه قال أهل المذهب فإنهم قد نصوا على أن الزيادة غير مشروعة، وهو الأظهر عند الشافعية، لما في حديث أبي قتادة وغيره من الاقتصار على الفاتحة.

96 / 329
ع
En
A+
A-